كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
على] 1 المسألة، [فهو] 2 [على] 3 رواية ابن وهب.
ووجهُ ما قالهُ ابن القاسم في الكتاب أن يُقال يُحتمل أن يكونَ الزوج مات أولًا، فيجب عليها في الوفاة شهران وخمس ليالٍ:
فإذا كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ فقد حلَّت للسيِّد، في هذا الوجه بمضى عدَّتها مِن زوجها، ثُمَّ بموت السيِّد وجبت عليها حيضة، ثُمَّ يقول: يُحتَمل أن يكون السيِّد مات [أوَلًا] 4 فتكونُ حُرَّة، ثُمَّ مات زوجها، [فوجب عليها] 5 أربعة أشهر وعشرًا عِدَّة الحرائر.
فلما كان الوجهان لا يُدرى بأيُّهما تخاطب بهِ مِنهما، جمعت [عليها] 6 الأمرين.
وأما إذا كان بين الموتتين أقلُّ من شهرين وخمسِ ليالٍ [أو شهران وخمس ليال] 7، سواء فالزوج إن كان هو الميت أولًا، فهي لم تحل للسيد بعد [لكونه] 8 مات، ولم تخرج من العدَّة، فلم تجب عليها حيضة: فأوجبنا عليها أربعة أشهرٍ وعشرًا فقط، لاحتمال [موت] 9 السيِّد أولًا، فيكون عليها عدَّة الحرائر بموت زوجها آخرًا.
فهذا معنى قول ابن القاسم، وتفسير سحنون في الكتاب.
قُلتُ: وهذا الذي ذكرهُ ابن القاسم [وسحنون] 1 في الكتاب، وكُلُّ مَن تكلم على هذه المسألة، ونَقلْنَا كلامَهُ إنَّما تكلَّمُّوا على وجهٍ واحد في المسألة وهو أنَّ الإباحة تقومُ مقام الفعل، وعليه بنوا.
وأمَّا على الوجهِ الآخر: الذي نقول فيهِ أن الإباحة لا تقوم مقام الفعل فلا حيضة عليها بوجهٍ ولا حالٍ، إلا أن تُقرَّ بإصابة السيد أو تشهد البينة على إقرار السيِّد بالإصابة، بعد انقضاء عِدّتها مِن الزوج، وقد كان بين الموتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ.
والقولان: قائمان من "المُدوَّنة" في الإباحة، هل تقومُ مقام الفعل أم لا [من هذا الكتاب ومن كتاب النكاح الثالث فقد جعل الإباحة في هذه المسألة تقوم مقام الفعل] 2 لأنَّهُ ما [أوجب] 3 عليها للسيد حيضة إلا لكونها حلَّت لهُ.
وفي كتاب النِّكاح [الثالث] 4 خلاف هذا، فيما إذا زوَج أم ولده، ثُمَّ وطئ أختها، ثُمَّ رجعت إليه أُم ولدهِ، ثم قال أنَّهُ يتمادى على وَطء التي عندهُ ولا يضرُّهُ رُجوع أُم الولد عندهُ، وهو معلومٌ أنَّها رجعت إلى فراشها، فكان الذي ينبغى: أن يوقف عن التي عندهُ حتى يُحرِّم فرج إحداهما؟
لكون أُم الولد رجعت إلى فراشها فصارت مُباحةً لهُ.
ويُؤخذ مِن قولِ أشهب، مِن "كتاب الاستبراء" أيضًا: أنَّ الإباحةَ
تقومُ مقام الوطء، فيما إذا تزوَّج امرأةً وتحتهُ أختُها يطؤها يملكِ اليمين، فقال أنَّ النكاح جائز، وعقدُ النكاح تحريم لها.
[وقد] 1 أغفل المتأخرون [عن] 2 هذا الوجه ولم يتكلموا عليه.
واختلف المتأخرون في هذه الأمة، إن جاءت بولد، هل لها أن تلحقهُ بمن شاءت منهما أم يكون لاحقًا للزوج؟ على قولين وينبنى الخلاف على الخلاف الذي قدمناهُ في الإباحة [هل تقوم مقام الفعل؟ فمن رأى أن الإباحة تقوم مقام الفعل قال: تلحقه بمن شاءت.
ومن رأى أن الإباحة] 3 لا تقوم مقام الفعل، قال: الولد لاحقٌ للزوج دون السيد، لأنَّ فراش الزوج متيقَّن، [ومن رأى أن فراش الزوج غير متيقن] 4 وهو ظاهر "المُدوّنة": فيمن تزوّج امرأةً في عِدَّتها ولم يدخل بها، ثُمَّ أتت بِولد أنَّ الولد يلحق بالأول دون الثاني لأنَّهُ لم يطأها، ولم يُعلم دخولَهُ بها، وكان فراشُ الأول أحقَّ منهُ، لأنَّهُ أثبت حُرمة وأقوى شبهة.
والحمد لله وحده.
المسألة الخامسة
في النكاح في العدَّة: ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون [ذلك] 1 في عدةٍ مِن نكاحٍ أو شُبهة نكاح.
والثانى: أن يكون في استبراء، وما هو في حكم الاستبراء، كعدَّة أُم الولد مِن وفاةِ سيِّدها.
فإن كان في عِدَّة نكاح أو شُبهة نكاح، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن تكون في عدَّةٍ مِن وفاةٍ أو طلاقٍ بائن.
والثاني: أن تكون في عدَّة مِن طلاقٍ رجعى.
فالجواب عن الوجه الأوَّل: إذا كانت العدَّة مِن طلاقٍ بائنٍ أو مِن وفاة، فلا يخلو ما فعلهُ في العدَّة مِن أربعة أوجه:
إما التعريض.
وإما الوعد.
وإما المُواعدة.
وإما وقوع العقد.
فإن كان ما أحدثهُ تعريضًا [فله ذلك] 2 بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ مِثل: أن يقول [لها] 3 إنيِّ بك مُعجب وأنا لك مُحب وإني للآتي خيرًا.
واختُلف في الهدية فأجاز في "المُدوّنة" أنْ يهدى لها.
[ومنعها] 1 ابن حبيب في غير "المُدوّنة".
فإن كان ما أحدثهُ في العدَّة الوعد فذلك مكروهٌ [له] 2 بالاتفاق ابتداءً لما يُتقى فيه مِن البراء المؤدى إلى مُخالفة الوعد، ومُخالفة الوعد مكروهة على الجُملة، ولهذا [كره] 3 [المواعدة] 4 في الصرف [أيضًا] 5 لأنَّ الذي وعد بين حالتين ممنوعتين:
إما أنْ يَفي بما وعد: فيؤدى ذلك إلى النظرة في الصرف، لأنَّ العقد الواقع إنْ وقعَ فسبَبُهُ الوعد المتقدم.
أو لا يفى بما وعد: فيؤدى ذلك إلى مخالفة الوعد [ومخالفة الوعد] 6 [ممنوعة] 7.
فإن وقع العقدُ بعد العدَّة: فالنكاح جائز لهُ، ولا يُفسخ بالاتفاق، وسواء كان الوعدُ مِن أحد الزوجين أو الولى ممن يملك الجبر أو لا يملكهُ.
وأمَّا المُواعدة: فمعناها المُفاعلة [والمفاعلة] 8 لا تكون إلا مِن اثنين فمكروهة أيضًا ابتداءً، لقولهِ تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا.
. . .﴾ الآية.
[و] 9 لأنه إن وقع العقد بعد العِدَّة.
بواسطة المواعدة في العدَّة:
فلا خلاف عندنا في المذهب أنَّهُ يُفسخ، فهل يُفسخ إيجابًا أو استحبابًا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُفسخ إيجابًا، وهو قول أشهب.
والثانى: أنَّهُ يفسخ استحبابًا، وهي رواية ابن وهب عن مالك.
وسبب الخلاف: النهي، هل يدلُّ على فسادِ المنهى عنهُ أم لا؟
وإذا وقع العقدُ والدخولُ، ثُمَّ فُسخ هل يتأبَّد التحريم أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يتأبَّد التحريم، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم [وأحد قولى أشهب] 1.
والثانى: أنَّهُ لا يتأبَّد التحريم، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: ما يُؤدى إلى الشىء، هل هو كالشىء أم لا؟
وذلك أنَّ المُواعدة تُؤدى إلى العقد، والعقد يُؤدى إلى الوطء.
وأمَّا العقدُ: فلا يخلو مِن ثلاثةِ أوجه:
أحدها: أن يعقد في العدَّة ويعثر على ذلك قبل أن يطأ.
أو عقدٌ في العدة ودخل فيها.
أو عقدٌ في العدَّة ودخل بعدها.
فإن [عقد] 2 في العدَّة، وعثر على ذلك قبل الدخول وبعد انقضاء العدَّة، فهل يقضي العقد أو يفسخ؟ قولان قائمان مِن "المدونة":
أحدهما: أنَّهُ يُفسخ، وهو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا يُفسخ، وهو ظاهر "المُدوّنة" من قوله " [و] 1 ما فسخهُ بالحرام البيِّن".
وسبب الخلاف: النهى، هل يدلُّ [على فساد] 2 المنهى عنهُ أم لا؟
وعلى القول بأنَّه يفسخ، هل يتأبّد التحريم أم لا؟ قولان قائمان مِن "المدونة":
أحدهما: أنَّهُ لا يتأبد التحريم، وهو نصُّ "المُدوّنة".
والثاني: أنَّهُ يتأبد التحريم منهُ، وهو قولٌ حكاهُ القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب، وهو قائم مِن "المُدوّنة".
وسبب الخلاف: الإباحة: هل تقوم مقام [الفعل] 3 أم لا؟ وذلك أنَّ العقدُ مبيح للوطء، وهل هو كالوطء أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدونة" وقد بيَّناهُما.
فإن عقدُ في العدَّة ودخل فيها، هل يتأبد التحريم أو لا يتأبَّد؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتأبّد التحريم، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أن التحريم لا يتأبَّد، وهو قول ابن نافع.
وسبب الخلاف: قولُ الصحابي هل يكون حجة أو لا يكون حجة؟
فإن عقد في العدة ودخل بعدها، فهل يتأبد التحريم أو لا يتأبد؟
قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يتأبد التحريم، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
والثاني: أنه لا يتأبد، وهو قول المخزومى وغيره في "المدونة".
وسببُ الخلاف: الإباحة، هل تقوم مقام [الفعل] 1 أم لا.
واختلف في دواعى الوطء، هل هى كالوطء أم لا؟
على قولين قائمين مِن "المُدوّنة" مِن غير ما موضعٍ.
ونصُّ "الكتاب" أنَّها كالوطء.
وإن كانت في عدَّة مِن طلاقٍ رجعى فتزوجها وهي في عِدتها فهل يكون كالناكح في عدَّة أو كالناكح في عصمة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ كالناكح في عصمة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المُدوّنة، ونصُّ قوله في غيرها.
والثانى: أنَّهُ كناكح في عِدَّة، وهو قولُ الغير في "المُدوّنة".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يرتجع أو لا يرتجع.
فإن ارتجع الزوج بعد ذلك، كان الثاني ناكحًا في عصمة.
وإن لم يرتجع، كان ناكحًا في عدَّة، وهو قول أحمد بن ميسر في مسألة: "النصرانية إذا أسلمت"، على ما في "الموَّازيَّة"، وهذا القول قائم في المُدوّنة أيضًا.
وسبب الخلاف بين ابن القاسم والغير: هل يُغلّب تحريم الوطء بعد
الطلاق الرجعى وقبل "الرجعة" فيكون كالبائن أو يُغلَّب [بقاء أكثر] 1 أسباب الزوجية واستمرارها فيكون كالعصمة؟
إذ لا خلاف بينهم في نكاح [ذات] 2 الزوج عامدًا بلا شبهة، أنَّ ذلك النكاح لا يُؤثر في التحريم.
وأمَّا مَن فصَّل بين أن يرتجع أو لا يرتجع فقد تردد.
فإن كان في استبراء أو ما هو في حُكم الاستبراء، كعدة أُم الولد مِن وفاة سيِّدها.
فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بنكاحٍ أو ملك.
فإن كان ذلك بنكاحٍ أو بشبهة نكاح.
كمن تزوّج أمة في مُدة استبرائها، أو أُم الولد في حيضتها مِن سيِّدها.
هل يفسخ نكاحهُ أو لا يفسخ؟ فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك في أُم الولد، في "كتاب العدَّة" مِن "المُدونة":
وهل يتأبَّد التحريم بذلك أم لا؟ فقد اختلف المذهب في تأبيد التحريم أيضًا، على القول بأنَّهُ يُفسخ، فأمَّا على القول بأنَّهُ لا يُفسخ فلا كلام.
فإن كان ذلك بملك، أو بِشبهة ملك، أو في استبراء من ملك: فقد حكى فيه القاضى أَبو الوليد بن رُشد الإجماع في المذهب أنَّهُ: لا يتأبد فيه التحريم.
واختُلف إذا تزوجها في استبراء من زنا، هل هو كالمتزوج في عدَّة؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنها] 3 تحرُم عليه.
والثانى: أنَّها لا تحرم عليه.
والقولان لابن القاسم.
والثالث: بالتفصيل بين أن تكون حاملًا فتحرم، أو تكون حائلًا فلا تحرم، وهذا القولُ [أيضًا] 1 لابن القاسم.
واختار أصبغ أن يتأبّد التحريم في ذلك.
فإذا كان التحريم يتأبَّد بالنكاح فبأن يتأبد بالسفاح أولى.
وأمَّا مَن زنى بامرأةٍ [في عدتها] 2، فهل يتأبَّد بذلك تحريمها عليه أو لا يتأبد؟
[أما على القول بأن الزنا يحرم الحلال فلا تفريع] 3 وأمَّا على القول بأنَّ الزنا لا يُحرِّم الحلال.
فإنَّهُ يتخرّج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتأبَّد التحريم بينهما، وهو ظاهر قولُ الغير في "المُدونة" في "كتاب العدَّة"، حيث قال: "فمن أصابها في عِدّة أو تزوّجها كان مُتزوِّجًا في عدَّة"، وقولُهُ: "أصابها": يُشعر بأنه أصابها لغير وجهِ النكاح، لأنَّهُ [ذكر النكاح] 4 بعده.
والثاني: أنَّهُ لا يتأبد التحريم، وهو المشهور.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم مِن قولِ عُمر رضي الله عنهُ:
" [الناكحان] 5 في العدة لا يتناكحان أبدًا"، هل يُفهم منهُ النكاح اللغوى أو يفهم منهُ النكاح الشرعي؟
فإن حُمل على أن المرادَ بهِ النكاح اللغوى، فلا يتناكحان.
وإن حُملَ على أنَّهُ النكاح الشرعى، كان الزنا لا يتأبد منهُ التحريم.
واللفظة إذا وردت ولها عرفان: لُغوى وشرعى، فإنَّها تُحمل على الشرعى عند كثير مِن الأصوليين.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة السادسة
في تداخل العدتين:
[ومسألة تداخل العدتين] 1 من مشكلات المذهب، وهي معدودة عند النظار مِن الطوام الكبار، فها أنا أُشمِّر عن ساعد الجد إلى تفصيلها، وأستقصى كُنه الجهد في تحصيلها، حتى تنتظم في [نمط] 2 الانحصار، وتُزم بروابط الاختصار، فإنْ بدا بها تقصير على المأمول، والاقتصاد دون المنقول، فالقدر كوْنِ الإنسان مجبورًا على النُقصان، و [الفضل] 3 بيد الله يؤتيه مَن يشاء، وبهِ أستعين فيما أشاء فأقول:
تداخُل العُدَّتين لا يخلو مِن أن يكونا مِن شخص أو مِن شخصين:
فإن كانتا مِن شخصٍ واحد وكانتا مِن جنسٍ أو مِن جنسين.
فإن تجانسا مِن جهة الزمان والصفة، واختلف المُوجب والمقدار.
كذات الشهور يُطلقها زوجها طلاقا رجعيًا ثمَّ مات في العدَّة.
فالعدَّتان تتداخلان بلا إشكال.
وكذلك إن اتفقتا جنسًا وصفة واتحد الموجب كالمُطلَّقة ثلاثا [ثم تزوجها زوجها] 4 في عدَّتها، ثُمَّ فسخَ نِكاحهُ بعد البناء: فإنَّ العدَّتين تتداخلان أيضًا.
فإن اختلفت أجناسهما، كذات الأقراء يُطلقها زوجها.
فلا يخلو
طلاقهُ مِن أن يكون بائنًا أو رجعيًا.
فإن كان رجعيًا ثُمَّ مات في العدَّة فلا يخلو مِن أن يموت قبل الارتجاع أو بعد الارتجاع:
فإن كان قبل الارتجاع: فهل تتداخل العدتان أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما تتداخلان.
وهو نصُّ "المُدوّنة".
والثاني: أنهما لا تتدخلان، وهو ظاهر قولُهُ في "المُدوّنة": "إذا كانتا من شخصين أنَّهما لا تتداخلان".
وسبب الخلاف: هل النظر إلى اتحاد الشخص الذي منهُ العِدّة أو النظر إلى اختلاف الموجب؟ لأنَّ العِدة تختلف باختلاف الموجب.
فإن ارتجع ثُمَّ مات في العِدَّة قبل أن يطأ، فهل تتداخل العدتان أم لا؟ قولان قائمان من "المُدوّنة".
ويتخرج الخلاف [فيها] 1 على الخلاف في الرجعة، هل تهدم [العِدَّة] 2 أو لا تهدمُها؟
ويُستقرأ مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب الأيمان" في "باب طلاق المريض":
أنَّ الرجعة تهدم العدَّة، ويستقرأ مِن "كتاب العدة وطلاق السُنة":
أن الرجعة [لا] 3 تهدم العدّة مِن باب "الطلاق في الحيض".
وبهِ علَّل بعضُ حُذَّاق المتأخرين المنع مِن الطلاق في الطُهر الثاني
للحيضة التي طلَّق فيها [لأنه يكون] 1 لو طلَّق طلق طلاقًا لغير عدّة.
فإن كان الطلاق تأبيدًا، كطلاق الخُلع فإذا راجعها الزوج بنكاحٍ جديد في عدَّتها ثُمَّ مات قبل أن يطأها، هل تتداخل العدَّتان أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما لا تتداخلان، هو قول سحنون في غير "المُدوّنة".
والقول الثاني: أنَّهما تتداخلان، وهو مذهب "المُدوّنة".
وعلى القول بأنَّهما تتداخلان، فإذا انقضت عدة الوفاة قبل أن تستكمل ثلاثة قروء سقط عنها الإحداد في انتظار بقية الأقراء.
وسبب الخلاف: ما تقدمَّ، هل النظر إلى اتحاد الشخص المُعتد منهُ أو النظر إلى تعداد المُوجب؟ مع اختلافٍ جنس العدَّتين.
فإن كانتا مِن شخصين، فلا تخلو المعتدَّة مِن وجهين.
أحدهما: أن تكون حائلًا.
والثاني: أن تكون حاملًا.
فإن كانت حائلًا، فلا تخلو العِدَّتان مِن أن تكونا مِن جنسٍ واحدٍ أو مِن جنسين:
فإن كانتا جنسًا واحدًا، هل تتداخل العدَّتان أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما تتداخلان، وهو نصُّ قولُهُ في "المُدوّنة" حيث قال: "كان مالك يقول: "ثلاثةُ أقراء، يُستبرأ بها من الزوجين جميعًا".
والثانى: أنهما لا تتداخلان، وهذا القول يُستقرأ من "المُدوّنة" مِن مواضع "جمة" 1:
منها قول ابن القاسم: أول الباب "كان مالك يقول: "ثلاثة أَقْرأ تبرئها من الزوجين [جميعًا] 2 "، وهذا يشعر بأنَّ له قولةً أخرى، لأنَّ قولك: "كان فلانٌ يعمل كذا" ينبيء عمَّا كان يُكثر تكرارُهُ ووقوعُهُ منه، ويُشعِر بأنَّهُ كان يفعل غيرُ ذلك.
إلا أنَّ صدورَهُ منهُ في نادر الأوقات.
كقولِ عائشة رضي الله عنها: "إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعاتٍ بمروطهن.
. . ." الحديث.
ومعلومٌ أنْ النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد صلَّى الصبح بعد الإسفار في حديث السائل عن وقت صلاةِ الصُبح.
ويُؤخذ أيضًا مِن قولهِ: "وهذا قولُ مالك" في أمرِ هذا الزوج الغائب.
فأمرَ الذي تزوّجها في العدَّة، وفي الوفاة عنها [و] 3 في حملها على ما وصفت [لك] 4، بعدد العدة على اختلاف أجناسها واختلاف مُوجبها.
وسببُ الخلاف: هل النظر إلى تجانس العدَّتين فتتداخلان أو النظر إلى تعداد الأزواج ثُم لا تتداخلان؟
فإن كانتا من جنسين كعدَّة الطلاق والوفاة، فهل تتداخلان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهما لا تتداخلان، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهما تتداخلان، وهذا القولُ قائم من "المُدونة"، وتبين [لك] 1 الموضع الذي يُستقرأ منهُ الأصل الذي هو منشأ الخلاف، فإذا تأمّلتهُ يتبين لك ما أشرنا إليه إن شاء الله تعالى.
وسبب الخلاف: الأقراء الثلاثة، هل هى كُلُّها استبراء.
أو كُلُّها عبادة.
[أو بعضها عبادة وبعضها] 2 استبراء؟
وقولنا هل هى كُلُّها عبادة لا يُنكر، لأنَّ الطلاق إذا وقع بعد الأقراء الكثيرة لا وطء بعدها، كالغائب والمريض مرضًا لا يقوى معهُ على الجماع أو امرأة علمُ براءة رَحمِها بالوضع، ثُمَّ [لا] 3 يكون الطلاق عُقيب ذلك قبل أنْ يمسَّها، ولا شكَّ أنَّ الثلاثة الأقراء في هذا الموضع عبادة محضة.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا كانت حاملًا، فلا يخلو [من] 4 أن يكونَ مِن الأول أو مِن الثاني:
فإن كان من الأول مثل أن يتزوجها الثاني قبل الحيضة أو بعد الحيضة ثم تأتى بولدٍ لأقل مِن ستة أَشهر:
فاتفق أهل المذهب في هذا الوجه على أنَّ العدَّتينِ تتداخلان وأنَّ الوضع يُبرئها مِن الزوجين جميعًا.
ويلزم مِن المسألة قولٌ [ثان] 5: أن لا يتداخلا.
ويتخرج على الخلاف: في الاستبراء من النكاح الفاسد الذي لا يُقرُّ عليه هل هو استبراء محض أو لهُ حُكم العدَّةَ؟
فإن قلنا: إنهُ استبراءٌ محض، فيصحُّ التداخل، كما قالوا: تتيقَّن براءة الرحم بالوضع".
فإن قُلنا: أنَّ لهُ حكم العدّة في توابعه مِن مُلازمةِ البيتِ وغيرها، فيُجرى على الخلاف الذي قدَّمناهُ آنفًا.
وهذا الإلزام لا [محيد] 1 عنهُ.
فكيف يُطلق القولُ بالتداخل، ومَن تدبَّر ما قلتُ يجدَهُ صحيحًا إن كان عارفًا بالمذهب.
فإن كان الحمل مِن الثاني، فهل يُبرئها من الزوجين جميعًا ويصحُّ التداخل ويُطلب أقصى الأجلين؟ فالمذهب علىَ قولين قائمين مِن "المُدوّنة" منصوصين في المذهب:
أحدهما: أنَّهما يتداخلان، وهو ظاهر قولهُ في المُدوّنة أول الباب حيثُ قال أنَّها تبرأ بالوضع.
ولم يُفصِّل بين أن يكون مِن الأول أو مِن الثاني، وهو نصُّ أشهب في غير "المُدوّنة".
[والثانى] 2: أنها تطلب أقصى الأجلين، وهو ظاهر "المُدوّنة".
ويُؤخذ مِن قوله في مسألة "المنعى لها زوجها"، إذا حملت مِن الثاني ثُمَّ مات زوجُها الأول، فلتطلب أقصى الأجلين، ثُمَّ قال: "وكذلك سائر هذه المسائل كلها"، إشارةً منهُ إلى ما قال أوَّل الباب.
وسبب الخلاف: ما تقدّم مِن العدَّة في النكاح الفاسد، هل تُضاهى عدةَ النكاح الصحيح أو هى استبراءٌ محض [فإن قلنا أنها استبراء محض] 3 فلا يُبرئها الوضع مِن الثاني، مِن عدَّة وفاة الأول؟
أصلُ ذلك: إذا وضعت مِن الزنا وهو موضعُ الاتفاق.
وعلى القول: بأنَّها [تضاهى] 1 عدَّة النكاح الصحيح فيتداخلان، وهو إذا كانت عدَّة الأول مِن الوفاة، لأنَّ هذا إنَّما يُتصَّور في المنعى لها زوجها.
وأمَّا إذا اعتَّدت مِن طلاق الأوّل، ثُمَّ حملت مِن الثاني، على القول بأنَّ الوضع مِن الثاني، لا يبرئها مِن عدّة الأول، هل ينبنى على ما مضى مِن الأَقْراء قبل الوضع، إن كان قد مضى لها شىءٌ أو تبتدئ بعد الوضع ثلاثة قُروء؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تبنى على ما مضى منها، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهرُ المُدوّنة.
والثانى: أنَّها تبتدئ، وهي رواية أفلح عن ابن القاسم.
وسبب الخلاف: طروء الوضع، هل يهدم ما مضى مِن عدَّتها أو لا يهدم؟
فعلى القول بأنَّ الوضعَ يهدمهُ: فإنَّها تبتدئ بثلاثة أقراء.
وهل تحسب بدم النفاس قُرءًا أو لا تحسب به؟ قولان:
أحدهما: أنها تحسب [به] 2، وبهِ قال أبو القاسم بن مِحرز.
والثانى: أنَّها لا [تحسب به] 3 وتلغيه.
وسبب الخلاف: هل العبرة بالعبر والمعانى أو العبرة بالألقاب
[والأسامي] 1؟.
فمن اعتبر الألقاب والتسميات، قال: لا تحسب بدمِ النفاس قُرءًا.
والله تعالى يقولُ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والنفاس لا يُسمى قرءًا.
ومن اعتبر المعانى، في كون دم النفاس لهُ حكم دم الحيض في جميع ما تعلَّق بهِ من الأحكام قال: تحسبُ بهِ.
ومعنى التداخُل: أن يكون الحُكم لإحدى العدتين، وتندرج الأُخرى تحتها.
وعدم التداخُل: إمَّا طلبُ أقصى الأجلين، إذا تمت إحداهما، انتظرت تمام الأخرى، وهو المشهور.
أو أنَّها إذا أتمت إحداهما، ابتدأت الأُخرى، كما قال عُمر رضي الله عنه [وهو الذي نقله ابن الجلاب] 2.
فهذا جُملة ما حضرَ عندي الآن في تحصيل مسألة تداخل العدَّتين.
وإلى الله الهداية في بُلُوغ الغاية.
والحمد لله وحده.
المسألة السابعة
في امرأة المفقود، وما كان في [معناها]
1.
والكلام في هذه المسألة، على ثلاثة أسئلة:
منها سؤال المفقود.
ومنها سؤال التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة.
ومنها سؤال المنعى لها زوجها.
فأمَّا السؤال [الأول] 2 الذي هو سؤال المفقود، فإنَّ [عادة] 3 الأصحاب في تصانيفهم اختلفوا في تقاسيم المفقودين.
فمنهم من قسَّمهم ثلاثة أقسام:
مفقود في بلاد الإِسلام، ومفقود في المُعترك الذي يكون بين المسلمين والمُشركين، ومفقودٌ في الفتن التي بين المسلمين.
ومنهم مَن زاد قِسمًا رابعًا وهو:
المفقود في أرض الشِرك.
ونحن نزيد قسمًا خامسًا: وهو المفقود في سنة المجاعة.
فأمَّا المفقود في بلاد الإِسلام مِن غيرِ مضرَّة لحقتهُ ولا حاجة رمقته،
فالكلامُ فيه في ثلاث مواضع:
أحدها: الكلام في حُكم نفسهِ.
والثانى: في ماله.
والثالث: في زوجهِ.
فأمَّا الموضعَ الأوَّل: وهو الكلام في نفسِ المفقود، وهو عندَ أهلِ اللُغة أعنى: الفقد، هو: تلفُ الشىء بعد حضورهِ وعدمِهِ بعد وجودهِ.
فحُكمُهُ في نفسه يُحمل على أنَّهُ حىٌ حتى يُتبيَّن موتُهُ حسًا أو معنًى، وما قبل ذلك فلهُ حكم الأحياء فيما لهُ وعليه.
مَمَنْ مات [له] 1 مَن ولد أو من لهُ [فيه] 2 ميراثٌ [ولم يكُن حسًا أو معنًى، وما قبل ذلك فلهُ حكم الأحياء] 3 [ولم يكن] 4 هناك مَن يحجُبُهُ فإنَّهُ يرث منهُ ويوقف لهُ سهمهُ منهُ وقفًا مخالفًا لوقوف ماله على ما نصفه في موضِعِه، إنْ شاء الله تعالى.
فإن ثبت موتُهُ حسًا، وكان موتُهُ بعد موت مَن وُقف لهُ [منه] 5 الميراث ضُمَّ ذلك إلى [ماله] 6، وكان من جُملة تركتهُ، ويُقسَّم [مَع] 7 مالَهُ.
فإن كان موتُ الغائب [قبل] 8 موتِ الحاضر [فإنه يرد إلى ورثة
الحاضر] 1 ولا شىء [فيه] 2 لورثة الغائب، [إذ لا يُورث الأموات مِن الأحياء.
وكذلك الحُكم إذا جُهل من مات منهما أولًا] 3، إذْ لا يُورث أحدٌ بالشكِّ.
فإن كان موتهُ معنًا مِثل أن يموت بالتعمير، فإنَّ المال [الموقف] 4 يرجع أيضًا إلى مَن يرث الحاضر يوم مات، ولا شىء [فيه] 5 لورثةِ الغائب، لاحتمال أن يكون قد مات قبل الحاضر لأنَّ ذلك مِن باب التوارث بالشكِّ، وإنَّما أوقَفناه لاحتمال أن يحيى أو يثبت أنَّه حى بعد موت الحاضر.
وقد حكى أبو إسحاق بن شعبان في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: ما ذكرناه، وهو المشهور.
والثانى: أنَّ ميراث الأب مِن الابن [موقوف] 6 إن كان [يرث] 7 الأب بالتعمير.
والثالث: أنَّ الأب إذا مات بالتعمير يوقف مِن مالهِ ميراث ولده الذي كان مات ويكون الميراث بين موقوفين حتى يكشف مَن يرث منهما صاحبهُ.
وقد اختُلف في الجد الذي إذا انتهى إليه في السنّ حُكم الشرع بموته،
على خمسة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُعمَّر سبعين سنة، لمالك وابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ يُعمَّر ثمانين سنة، وهي رواية عن مالك أيضًا.
والثالث: أنَّهُ يُعمَّر تسعين سنة، وهو قول ابن الماجشون.
والرابع: أنَّهُ يُعمَّر مائة سنة، وهو مروىٌ عن مالك أيضًا.
والخامس: مائة وعشرين، وهو قولٌ حكاه أبو جعفر الداوردى عن محمَّد بن عبد الحكم.
قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: [والصحيح] 1 سبعون سنة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين، وقلَّ من يُجاوز ذلك".
وهذا إخبارٌ عن ما يتعلَّق به الحُكم مِن الأعمال، وما زاد عن ذلك فليس فيه دليل يتحرَّر عمَّا يتعلَّق لكلِّ قول، وإنَّما هو على حسب ما يغلبُ على الظنِّ ويترجَّح في النفس مِن طول المُدَّة وقصرها والله أعلم.
وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في: حُكم مالهِ.
ولا شكَّ ولا خفاء أنَّ مال المفقود موقوف، وأنَّ النظر فيه للسلطان، ولا يُمكَّن منهُ وارثٌ ولا غيرُ، وينظرُ لهُ السلطان بما هو الأحوطُ لهُ، وإلا سد فيما يخلف مِن رياع وأموال ومتاجر وديون وقراض وودائع وعوارٍ.
وأمّا الرياع: فإن كانت ممَّا يصلحُ للكراء أكراها، وإن كان فيها شىءٌ يحتاج إلى إصلاح ولا [يتقى] 2 على انهدامهِ أُصلح له، وإن كان يتقى عليه أو كانت النفقة تعظُم ويُرى أنَّ البيعَ أحسن بيعت.
وأمَّا متاجرِهِ وذخائرهِ: فما كان يُخشى فسادُهُ أو يتسُّوس أو يدود:
باعَهُ صاحبهُ، وإلا لم يتعرّض لهُ إلا أن يأتى على شىءٍ [من ذلك] 1 نفاق أو غلاء وما يُعلم أنَّهُ لو كان حاضرًا لم يُؤخِّر بيعهُ فإنَّهُ يُباع.
وأمَّا رقيقهُ: فإن كان لا يخشى عليهم الإباق وفي خراجهم ما يقومُ بمؤنتهم وكسوتهم لم يُباعوا، وإلا بيعوا.
وكذلك الدواب: إذا كان في غلَّاتها ما يقوم بعلوفاتها ولم تبلغ [من] 2 السن ما يُخشى [عليها] 3: فلا تباع.
وأمَّا دُيونهُ: فإنَّها تُقبض بعد حُلول [أجلها] 4 و [قراضها] 5 بعد نضوضه، ووقف كُلُّ [ذلك] 6 على يدٍ ثقة.
وكذلك عواريه: إن كان لها أجلٌ انقضى أو لم يكن لها أجل فانقضى، ما يُعارُ لمثله.
وإن أعار أرضًا فَبَنَى فيها المُستعير، أمر لهُ الإِمام بنقضهِ إذا مضى ما يُعارُ لمثلهِ.
فإن رأى الإِمام أنْ يُعْطِيَهُ قيمتهُ [منقوضًا] 7، كان ذلك لهُ، وقد قال مالك في "كتاب الشفعة" في العرصة المُستعارة، إذا بني فيها رجلان ثُمَّ أراد أحدهما الخروج منها وربُّها غائب، فقال مالك: "ينظر السلطان
في ذلك: فإن رأى أن يُعطيه قيمة نقضه ويبقى البُنيان للغائب، كان ذلك له، فقيل له: مِن أين يدفُع الثمن؟ قال: هو أعلمُ بذلك".
وأمَّا ودائِعهُ: فإن كانت تركته على يدِ مأمون، وإلا نزعت.
وإن كان المفقودُ قد رضي بأمانته، لأنَّهُ قد تعلَّق بها حقُّ الورثة، لإمكان أن يكون قد مات، وأنَّهُ مالهم اليوم، ومراعاة لمذهبِ مَن يقول أنَّهُ يورث عند انقضاء الأربع سنين.
وأمَّا الموضعُ الثالث: وهو الكلام في حُكم [زوجهِ] 1.
وهو عمدةُ الباب.
فإذا رفعت امرأة المفقود أمرها إلى السلطان واشتكت [إليه] 2، وأظهرت الحاجة والفاقة، وما يلحقُها مِن الضررِ في نفسها لغيبة زوجها، وسألت السُلطان [أن] 3 يدفع عنها الضرر، [ويزيل] 4 ما تشكى [به] 5 مِن الضيم الذي لحقها مِن غيبةِ زوجها، فإنَّ السلطان يكلف لها ثبوت الزوجية وثبوت الغيبة، فإذا ثبت [عنده] 6 الأمران: وجب عليه الاعتناء بحقها، ودفعُ الضررِ اللاحق بها، ويكتبُ إلى والي البلد الذي يُظنُّ أنَّهُ فيهِ أو يكتب إلى سُلطان تلك البلد، إن لم يعلم أنَّهُ في بلدٍ بعينها ويُعرِّفهُ في كتابه إليه باسمهِ واسم أبيه، ويكتب صفته ومتجرهُ وصنعتهُ إن كانت [له] 7 صنعة يُشتهرُ بها، وَيكتبُ هو في ذلك إلى نواحى بلدهِ، [فإذا
ورد] 1 على الإِمام جواب كتابهُ، ولم يقع لهُ على خبر ولا وُجد لهُ أثر فحينئذٍ يضرب لامرأتهِ أجلًا: أربعُ سنين إن كان حرًا، وسنتين إن كان عبدًا، وهذا هو مشهور المذهب.
وقد قيل: يضرب لها أجل: أربعُ سنين مِن يوم الرفع، وهو قولُ محمَّد بن عبد الحكم.
والأول أصح.
واختُلف في الحِكمة في ضرب أربع سنين، على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يضربُ لها أربع سنين، لأنَّهُ أقصى [مدَّة] 2 الحمل، وهو قول أبى بكر الأبهرى.
وهذا تعليلٌ ضعيف.
لأنَّ العلة لو كانت كما ذَكر لوجب أنْ يستوى فيه الحُرُّ والعبدُ لاستوائهما في مُدَّة لُحُوق النسب، وَلَوَجَبَ [أيضًا] 3 أنْ يسَقط جُملةً في الصغيرة التي لا يوطأ مثلُها إذا فُقد زوجها.
والمذهب: أنها لو قامت عشرين سنة ثُمَّ رَفعت أمرُها، يُضرب لها أجلٌ أربعة أعوام، وهذا يبطل تعليله إبطالًا ظاهرًا.
والثانى: أنَّ الحكمة في ذلك، لأنَّه القدر الذي تصلُ إليه الكتابة في بُلدان الإِسلام مسيرًا وعودًا.
وهذا التعليلُ أيضًا باطل -لأنَّهُ ما يتخرج إلا على القول بأنَّ ضربَ الأجل أربعُ سنينٍ قبل الكشف، وهو [قول] 4 ضعيفٌ في نفسهِ.
والثالث: [أن ذلك] 1 لاختبار حاله والتماس موقعه في الجهات الأربع في المشرق والمغرب والشمال والجنوب.
فجعل لكلِّ جهةٍ عامًا.
قال القاضى أبو بكر بن العربى رضي الله عنه: "وهذا مما [يمكن أن يكون] 2 قصد عمر رضي الله عنه مِن غير أن يقطع عليه بذلك".
والرابع: أن الأربعة الأعوام إنَّما أُخذت بالاجتهاد، لأنَّ الغالب أنَّ من كان حيًا لا تخفى حياتُهُ [مع] 3 البحث [عنه] 4 أكثر مِن هذه المُدَّة، فوجب الاقتصار عليها، لأن الزيادة فيها والنُقصان [منها] 5 خرقٌ للإجماع.
لأن [امرأة] 6 المفقود على قولين:
أحدهما: أنَّ زوجتهُ لا تتزوج حتى تعلمَ موتَهُ، أو يأتى عليهِ مِن الزمان ما لا يَحيا إلى مِثله.
والثانى: أنَّهُ يُباح لها التزويج إذا اعتدَّت بعد تربُّصِ أربعةُ أعوام.
فلا يجوز إحداث قول ثالث، وهذا هو المشهور عند الأصوليين.
ولها النفقة في هذه المُدَّة التي هى أربعُ سنين، لأنَّها باقية في عصمة الزوج الغائب.
فإذا انقضت تلك المُدَّة خيَّرها الإِمام بين البقاء على العصمة أو الخروج مِنها.
فإن اختارت البقاء على العصمة كانت لها النفقة.
وإن اختارت الخروج منها أمرها أن تعتدَّ عدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، ولا نفقة لها في مال الغائب في تلك المُدَّة.
فإذا انقضت عدتها فلا يخلو حالها مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يأتى زوجها أو العلمُ بحياتهِ.
وإمَّا أن يثبتَ موتُهُ.
وإمَّا ألا يتبيَّن حياته ولا موتهُ.
فإن جاء بنفسه أو أتى العلمُ بحياتهِ فإنَّها تُمنع مِن النكاح جبرًا ورجعت بالنفقة مِن يوم قُطعت عنها وذلك مِن يوم أخذت في العدّة.
فإن جاء الخبرُ بموتهِ وثبت الخبرُ بِبيِّنة: فإنَّهُ يُنظر إلى تاريخ موتهِ.
فإن مضى مِن ذلك ما تنقضى فيه عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرًا حلَّت للأزواج.
وإن بقىَ منها شىءٌ: تربَّصت [حتى تقضى ما بقى] 1، ويكونُ عليها الإحداد في ذلك.
وحالها في [جميع الأحوال] 2: حال المعتدَّة مِن وفاةٍ، ولها الميراثُ في كلا الوجهين، وهذا قولُ أشهب في كتاب "محمَّد".
وقال عبد الملك في "المبسوط": "لا إحداد عليها".
وسببُ الخلاف: هل يغلُبُ [فيها] 1 شائبة الطلاق، ثُمَّ لا إحداد عليها أو يغلبُ فيها شائبةُ الموت، فيكونُ عليها الإحداد، لأنَّ عدّتها عدَّة الوفاة؟
وبهذا الاعتبار قال بعض المتأخرين وأراه أبا الحسن اللخمى: تطلب أقصى الأجلين أربعة أشهرٍ وعشرًا مع ثلاثة قُروء.
فإن لم يتبين حالهُ [ولا عرفت حياته] 2 من موته كان النكاحُ لها مُباحًا.
فإن تزوجت ثُمَّ ظهر خبره فلا يخلو ما يطلع بهِ الخبرُ من وجهين:
أحدهما: أن يطلع بحياتهِ.
والثانى: أن يطلع بموته.
فإن طلع الخبرُ بحياته، هل يصح نكاح الثاني ويكون الأول أحقُّ بها أم ماذا يكون الحُكم [فيها؟ فالمذهب] 3 على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الأولَ أحقُ بها، ما لم تتم أربعة أشهرٍ وعشرًا، فإذا كمّلتها [و] 4 خرجت من العدَّة وحلت للأزواج بانت من الأولى لخروجها مِن عصمته.
وهو ظَاهر قولُ الشيخ: أبى بكر الأبهرى وغيره مِن البغداديين، لأنَّهُ قال: "أنَّ الطلاق يقعُ عليه للضرر الذي يلحقُها في عدم الوطء".
وهذا هو الأظهر في النظر على القولِ بأنَّها تفوتُ [للأول] 1 بوجهٍ ما.
وبيانُ ذلك: اتفاق مَن يقول بالتفويت: أنَّها بانقضاء العدَّة تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها.
ومُحالٌ أنْ تبقى زوجتُهُ في عصمته وهي مع ذلك تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها.
وهذا ما لم يُعهد لهُ في الشريعة نظير، والأصول موضوعة على أنَّ المعتدَّة تحلُّ بانقضاء العدَّة وتحل عصمتها.
وأصل ذلك: المولى والمُعسر بالنفقة، إذا كان غائبًا مع الإمكان أنْ يكون قد ترك لها النفقة أو بعث بها إليها أو وصلت.
[والثانى] 2: أنَّها بالعقدِ تفوت.
فإذا عقد عليها الثاني فلا سبيل للأول إليها.
وهو أحد قولى مالك، وبهِ قال [من] 3 أصحابُنا: المغيرة وغيره.
والثالث: أنَّ الأول أحقّ بها ما لم يدخل بها الثاني، وهو قولُ مالك أيضًا، وبهِ قال ابن القاسم من أصحابنا وأشهب.
ووجهُ القول الثاني: أنَّها تفوت بالعقدِ.
لأنَّ [الحاكم] 4 أباح النكاح مع إمكان حياة زوجها، وما كشف عن أكثر الذي [كان] 5 يظن.
وأمَّا الثالث: فتوجيهُهُ ظاهر.
والقول الرابع: أنَّ الأول أحقُّ بها [أبدًا] 1 وأنَّها لا يفيتها العقد و [لا] 2 الدخول.
[قياسًا] على أحد الأقوال في النصرانية تُسلِم وزوجها غائب.
وقد قال فيها عبد الملك بن الماجشون فيما حكاهُ عنهُ الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد إنْ ثبت إسلامُهُ قبلها أو بعدها في العدَّة كان أحقَّ بها وإن ولدت مِن الثاني.
والجمع بين المسألتين نكاح في عصمة.
وأحسبُ أنى رأيت لهذا القول نصًا لابن عبد الحكم.
وحُدثت [أن] 3 القاضى أبا بكر بن العربى نقل هذا القول في "القبس" وعزاه إلى المذهب ولم يُسم قائله، وهو اختيار أبى الحسن اللخمى رضي الله عنه، في التي علمت بالطلاق، ولم تعلمْ بالرجعة، وقد ساوى مالك [في المدونة] 4 بين "مسألة المفقود" وبين التي [علمت] 5 بالطلاق ولم تُعلم بالرجعة في [جميع] 6 وجوهها.
ورام بعض المتأخرين استقراء هذا القول مِن "المُدوّنة" مِن مسألة:
"التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة" على ما [سنبينه] 7 [في فصله] 8 إن شاء الله.
والأصل في ذلك: قضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المفقود، وذلك أنَّهُ قد رُوى عنهُ في المفقود إذا قدم، وقد تزوجت امرأتهُ، ثلاثة أقوال:
فَمرةً قال: الأول أحقُّ بها ما لم تُنكح.
ومرَّة قال: الأول أحقُّ بها ما لم يُدخل بها الثاني.
والقولان مشهوران عنه أيضًا.
ورُوى عنه أيضًا أنَّهُ قال: يُخيَّر بين المرأة وأخذ الصداق.
وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن امرأة المفقود لا تتزوّج، حتى يثبت موتُهُ، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة رضي الله عنهما.
وسبب الخلاف: بين مَن قال: يفوت أو لا يفوت: اختلافهم في الحُكم إذا وقع موقع السداد ثُمَّ انكشف عن الفساد، هل يُستصحب معهُ حالة الابتداء أو يُستصحب معه حالة الانتهاء؟
وسببُ الخلاف: بين مَن قال: تحلُّ [وبين من قال:] 1 لا تحل: [تعارض] 2 استصحاب الحال للقياس، وذلك أنَّ استصحاب الحال يُوجب أنْ لا تخل عصمته لا بموتٍ أو طلاقٍ حتى يقوم الدليل على غير ذلك وأمَّا القياس: وهو تشبيهُ الضررُ اللاحق بها [من غيبته بالضرر اللاحق بها من] 3 الإيلاء والعِنة، فيكون لها الخيارُ في هذين.
فإن طلع الخبرُ بموتهِ، فلا يخلو ذلك مِن ثمانيةِ أوجه:
[أحدها: أن يتزوجها الثانى بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها منه] 1.
والثانى: أن يتزوجها بعد الموت وقبل انقضاء العدة.
والثالث: أن يتزوجها ويدخلُ بها قبل موتهِ.
والرابع: أن يموت بعد التزويج وقبل الدُخول ودخل [فى] 2 العدَّة.
[والخامس: أن يموت بعد التزويج وقبل الدخول ودخل بعد انقضاء العدة] 3.
والسادس: أن يكون التزويج والدُخول بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة.
والسابع: أن يكونَ التزويجُ فى العدَّة والدخولُ بعدها.
والثامن: [إن عُدم] 4 التاريخ، ولا يدرى متى كان موته.
والفصول الثمانية كُلها فى "المُدوّنة" غير أنَّها مُبددة فيها.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا تزوجها [الثانى] 5 بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها:
فإنَّها ترثُ الأول وتبقى زوجة للثانى، لأنَّهُ تزوجها بعد خروجِها مِن العصمة وانقضاء العدّة.
وأمَّا الوجهُ الثانى: إذا تزوّجها بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة:
فإنَّها ترثُ الأوَّل وينفسخ نكاح الثانى، ثُمَّ ينظر إلى دخولهِ.
فإن دخل قبل انقضاء العدَّة، كان في تأبيد التحريم قولان:
والمشهور أنَّهُ يتأبَّد عليهِ التحريم.
وإن دخل بعد انقضائها، فعلى الخلاف المُتقدم أيضًا إذا عقد في العدَّة ودخل بعد العدَّة.
وأمَّا الوجهُ الثالث: إذا تزوّجها ودخل بها قبل موتهِ فإنَّها لا ترثُهُ بالاتفاق، وتبقى زوجة للثانى.
وأمَّا الوجهُ الرابع: إذا مات بعد التزويج وقبل الدُخول ثُمَّ دخل الزوجُ في العدَّة، فهل ترث الأول أو لا ترثَهُ؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها ترثهُ.
والثانى: أنَّها لا ترثهُ.
وهذا الخلافُ: يتخرَّج على الخلاف في امرأة المفقود: هل يُفتيها العقد أو لا يفتيها إلا الدُخول؟
فعلى القول: بأنَّ العقد يُفتيها، فلا ترثُه.
لأنَّهُ مات بعد انقضاء عصمتهُ منها.
وعلى القول: بأنَّها لا تفوتُ إلا بالدُخُول، فإنَّها ترث، ويُفرّق بينها وبين الثاني، ولا تحلُّ لهُ أبدًا، لأنَّهُ ناكحٌ في عدَّة لدخولهِ في العدَّة.
وأمَّا الوجه الخامس: إذا مات بعد التزويج وقبل الدُخول ثُمَّ دخل بعد انقضاء العدَّة.
فإنَّ النكاح الثاني مفسوخ، لأنَّهُ [ناكح] 1 في عصمة، ولهُ أنْ يتزوَّجها بعد الاستبراء، ولا يتأبَّد [التحريم بينهما] 2، لأنَّ
العدَّة قد سلمت مِن أنْ يكون فيها عقد ودخُول.
وهل ترث الأوَّل أو لا ترثُهُ؟ يتخرّج على الخلاف الذي قدّمناه.
وأمّا الوجهُ السادس: إذا كان التزويج والدخول بعد الموت، وقبل انقضاء العدَّة، فهذا لا خلاف فيهِ أنَّها ترث الأول، وينفسخ نكح الثاني، ويتأبَّد عليهِ التحريم، لأنه نكح في العدَّة ودخلَ فيها.
وأمَّا الوجه السابع: إذا تزوّجها [بعد موته] 1 ودخل بعد انقضاء العدَّة.
فلا خلاف أيضًا أنَّها ترث الأول، وينفسخ نكاح الثاني، وهل يتأبَّد عليه التحريم أو لا يتأبَّد؟ قولان وقد قدّمناهُما.
وأما الوجهُ الثامن: إذا عُدم التاريخ ولا يدرى هل مات قبلَ النكاح أو بعدهُ؟، وقد دخل الثاني، فلا ترث الأول، ولا يُفرّق بينها وبين الثاني، إذ لا ميراث [بالشك] 2.
وإن تزوّجت في الأربع سنين فنكاحُها فاسد قبل الدخول وبعدهُ.
ثُمَّ يُنظر إلى ما ينكشف عنهُ الغائب بعد ذلك:
فإنْ ثبت أنَّهُ حى أمسكت عن الأزواج.
وإن ثبت أنَّهُ مات وَرِثتهُ، ثُمَّ يُنظر في نكاحهِ.
فإن ثبت أنَّهُ تزوجها في عِدَّة فُسخ النكاح ويتأبد عليهِ [فيه] 3 التحريم.
فإن ثبت أنَّهُ تزوجها بعد انقضاء العدَّة فيُنظر.
فإن ثبت ذلك بعد فسخ النكاح رُدّت إليهِ بِنكاحٍ جديد.
فإن ثبت قبل فسخ النكاح، هل يُقرَّان على نكاحهما أو يُفسخ؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: [أنه] 1 يُفسخ، لأنَّهُ [قد] 2 وقع على خطر.
والثانى: [أن] 3 النكاح [بينهما ثابت] 4.
لأنَّهُ قد انكشف الغيبُ على أنَّهُ كان وقع على وجهٍ صحيح.
والقولان منصوصان في "المذهب".
وسببُ الخلاف: الحكم إذا وقع موقع الفساد ثُمَّ انكشف عن السداد، هل يُستصحب معه حالة الابتداء أو حالة الانتهاء؟
وهذا الحُكم في نفسها [و] 5 في ميراثها.
وأمَّا الحُكم في صداقها: فلا يخلو مِن أن تكون غيبة المفقود قبل البناء أو بعدهُ.
فإن كانت بعد البناء فلا خلاف في المذهب أنَّها تُمكَّن مِن جميع صداقها لاستحقاقها إياه بالدُخُول.
فإن كانت غيرُ مدخولٍ بها وكانت غيبةُ المفقود قبل البناء فهل يُحكم لها بالصداق إذا انقضت عدَّتها أو لا يُحكمُ لها بشىءٍ؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُعجَّل لها جميع الصداق إذا كان على التأجيل، وهو قول
مالك في كتاب "ابن سحنون"، وبهِ قال أصبغ في "كتاب ابن الموّاز"، وكتاب "ابن حبيب".
والثانى: أنَّهُ يُعجَّل لها نصفهُ ويُؤخَّر النصف حتى يموت بالتعمير فتأخذه.
وهو قول عبد الملك في كتاب "ابن الموّاز".
والقولُ الثالث: أنَّهُ ليس لها إلا النصف خاصةً، ويُعجَّلُ لها، وهو قولُ ابن دينار.
والقولُ الرابع: أنَّهُ ليس لها إلا النصف، ولا يُعجَّل لها، ويُوقف إلى الوقت الذي تلزم الغائب فيه طلقة، وذلك إذا تزوّجت على القول بأنَّ العقدَ يفتيها.
أو إذا دخل الثاني، على القول بأنَّ الدُخُول هو المُفيت.
وهذا القول حكاه محمَّد بن أبي زيد عن بعض الأصحاب في "النوادر".
وسبب الخلاف: اختلافهم في وجوب الصداق، هل يجب جميعُهُ بالعقد [أو نصفه بالعقد] 1 أو لا يجب بالعقد شىء؟ وقد بيَّنا هذا [الفصل] 2، واستقصيناهُ في كتابِ النكاح الثاني.
وعلى القول [بأنَّها] 3 يُدفع لها جميعُ الصداق ثُمَّ إنْ قدم الغائب وقد تزوّجت، هل يُسترجع منها نصفُ الصداق أم لا؟
فعن مالك [في ذلك] 4 قولان في كتاب "ابن الموّاز".
أحدهما: أنَّها تردُّ النصف على الزوج.
والثانى: أنَّها لا تردُّ شيئًا.
وهذا الخلافُ ينبنى على الخلاف في الحكم في امرأةِ المفقود، هل يُغلب فيها شائبة الطلاق فتردُّ النصف، أو يغلب فيها شائبة الوفاة فلا تردُّ شيئًا لِكونها اعتدَّت عدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؟
وعلى القول بأنَّها لا يكون لها إلا النصفُ فإن جاء الخبر أنَّهُ مات:
فإن كان ذلك قبل أن تتزوج، أخذت النصفَ الباقي.
وإن جاء الخبر في الوقت الذي لا سبيل له إليها لو قدم، فلا شىء لها إلا النصف الذي قبضتهُ، وهو قولُ سحنون.
والجواب عن القسم الثاني: إذا فُقد في أرضِ العدو، فقد اختَلف فيه المذهب على أربعةِ أقوال.
أحدها: أنَّهُ كالمفقود في أرضِ الإِسلام في جميع أحوالهِ جُملةً بلا تفصيل.
والثانى: أنَّهُ كالأسير جُملةً بلا تفصيل.
والثالث: التفصيل بين أن يُفقد قبل وصولُهُ إلى بلاد الشرك فيكون على [حكم] 1 المفقود، وإنْ فُقد بعد وُصولهِ كان كالأسير.
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون سفرهُ في البحر وفُقد قبل الوصول كان على حكم المفقود، وإن كان سفرهُ في البرِّ كان على حُكمِ الأسير.
وسبب الخلاف: تردُّدُ هذا الفرع بين [هذين الأصلين] 2 أيُّهما
يغلب؟
هل يغلبُ الفقدُ فيكونُ لهُ حُكمُهُ، أو يغلب الأسر فيكون لهُ حُكمُهُ؟
وعلى هذا الأصل ينبنى الخلاف في هذه المسألة.
والجواب عن القسم الثالث: وهو المفقود في الصفِّ الذي يكون بين المسلمين والمشركين.
فقد اختلف فيه المذهبُ على خمسةِ أقوال.
أحدها: أنَّ حُكمه حكم الأسير جُملةً، كان [القتال] 1 في أرض الحرب أو في أرض الإِسلام.
فلا يُقسَّم مالُهُ ولا تُنكح زوجتُهُ ولا يُحكم [لها] 2 بذلك حتى يأتى عليه مِن الزمان ما لا يحيا إلى مثله.
وهي رواية ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّ حكمهُ حُكم المقتول جُملةً.
بعد أن يتلوم [لها] 3 السلطان سنة مِن يوم ترفع أمرها إلى السلطانِ، ثُمَّ تعتد.
وهي رواية أشهب عن مالك في الكتاب المذكور.
والثالث: أنَّهُ يُحكم لهُ بحكم المفقود في جميع الأحوال.
حكاهُ محمَّد ابن الموّاز في كتابه.
والقول الرابع: أنَّهُ يُحكم [له] 4 بِحكم المقتول في الزوجة [فتعتد] 5 بعد التلوم، ويُحكم لهُ بحكم المفقود في ماله، ذهب إلى هذا أحمد بن خالد.
والقول الخامس: التفصيل بين أن يكون الالتقاء في بلاد الإِسلام فتكون العدَّة واقتسام ماله [من] 1 يومَ افتراق الجيش، وبعد التربُّص والكشفِ عن أمره إلا أن يُعَلم أنَّه قد صار إليهم فيكون كالأسير، أو يكون في بلاد الشرك فَيكون حُكمهُ حُكم الأسير إلا أن يُعلم أنَّهُ مقتول.
وهو اختيار [الشيخ] 2 أبى الحسن اللخمى [رضي الله عنه] 3.
فوجهُ القول بأنَّهُ كالأسير: لأن أمرهُ مُتردد بين الأسر والقتل، والأصل الحياة.
ووجه القول بأنَّهُ يُنتظر [سنة] 4: فلأن الغالب في القتال [القتل] 5.
وغيرهُ إن قُدِّر [نادر] 6، فكان تعلق الحُكم بالغالب أولى.
ووجه القول بأنَّهُ كالمفقود: [أنه] 7 لما أُشكلَ أمرُهُ بين القتلِ والأسر، كان لهُ حُكم المفقود.
ووجه القول بأنَّهُ يُحكم لهُ [بحكم القتل] 8 في الزوجة، وبحكم المفقود في المال: أنَّ ذلك حكمٌ بين حُكمين، لِما في ذلك مِن التشابه والتشاكل مِن الطرفين.