كتاب المكاتب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتُها سبع عشرة مسألة:
المسألة الأولى
في الكتابة.
كانت الكتابة في [الجاهلية فأقرها] الإِسلام، وهي العتق على مال.
واختلف في اشتقاقها:
فقيل: هى مشتقة مِن الكتاب، وهو: الأجل، قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ 1 أي: أجل معلوم أي مُقدر.
وقيل [هى] 2 مِن الإيجاب واللزوم، لإلزام السيد ذلك للعبد، ولا رجوع لهُ فيه، وأن ذلك أمرٌ [لازم للعبد]، ولا خروج لهُ [عنه] 3 أيضًا، كان ذلك برضاهُ على الوِفاق [إلا على القول بأن له أن يعجز بنفسه وإن كان له مال ظاهر] 4 أو [على غير] 5 رضاه، على الخلاف في السيِّد، هل له أن يجبر عبده على الكتابة أم لا؟ [وقد اختلف] فيهِ المذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة"، وقد قال فيمن كاتب عبدهُ على نفسه [مع] 6 عبدٍ لهُ غائب: إنَّ ذلك جائز، وذلك
لازم كتابة [ولا رجوع] 1 لهُ عنهُ، وهو قولهُ في "كتاب العتق الثاني" إذا أعتق عبدهُ على مالٍ، حيثُ قال: إنَّهُ يُتبع في الذمَّة على ما [أحب أو كره.
وظاهر] قول ابن القاسم [الذي] 2 يقول: يُعتق ولا يُتبع، أنَّهُ لا يجوز لهُ أن يُجبرهُ على الكتابة.
والدليل على أنَّها مِن الإيجاب، مِن كتاب الله تعالى [قوله] 3: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ 4 أي: أوجبها.
وقيل: إنَّ الكتابة مأخوذة مِن الكتاب الذى يكتبونه بينهم في [عقد ذلك ويقدر] فيها كتاب، وكتابة، ومكاتبة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ 5 الآية.
[صيغتها] 6 صيغة الأمر، مقيَّدة بشرط، فإذا وجب هذا الشرط، هل تجب الكتابة أو هى مباحة أو مندوب إليها؟ ولا خلاف عندنا أنَّ الكتابة ليست بواجبة، وبه قال الشافعى وأبو حنيفة خلافًا للظاهرية، ولا خلاف عندنا أنَّها مباحة واختلف عندنا، هل هى مندوب إليها أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنَّها على الإباحة دون المندوب، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ".
والثانى: أنها على الندب، وهو قول القاضى أبى الحسن بن القصَّار،
وبه قال عبد الملك بن الماجشون [في المبسوط] 1.
وسبب الخلاف: اختلافهم في صيغة الأمر إذا وردت.
فمن حملها على [ظاهر الأمر] 2 قال بالوجوب.
ومن صرفها عن الوجوب، استدل بالإجماع على أن السيد لا يجبر على عتق عبده ولا على بيعه.
والكتابة لا تخلو مِن أن تكون بيعًا أو عتقًا.
فإذا خرجت عن أن تكون واجبة، ترددت بين الندب والإباحة.
فمن حملها على الندب رأى أن الكتابة عقدٌ مِن عقود الحُرية، الذي هو أفضل أعمال البر، وأجلُّ نوافل الخير، ولاسيما وقد أمر الله تعالى به.
فإذا بطل أن يُحمل [هذا] 3 الأمر على الوجوب، فأقل مراتبه أن يُحمل على الندب.
[ومن] 4 حملهُ على الإباحة، رأى أنَّهُ أمرٌ وَرَدَ بعد الحظر ومشهور [مذاهب] 5 الأصوليين أنَّ صيغة افعل إذا وردت بعد الحظر، [أنه] 6 [يحمل] 7 على الإباحة، كالأمر بالصيد بعد الإحلال، والانتشار بعد صلاة الجمعة إلا أن بعض حُذَّاق الأصوليين، قال: إنَّما يصحُّ ذلك، إذا
كان الحظر [متأصلًا] 1، فأمَّا إذا كان لعارضٍ طرأ ثُمَّ زال كالإحرام والجمعة والإطعام، وذلك حظرٌ طرأ ليس بأصلى، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين في التلخيص، وحظر الكتابة متصلًا.
وبيان وجود الحظر في الكتابة، وأنها على خلاف الأصل، ومقتضى الدليل: ألا تجوز الكتابة, لأن العبد يسعى ويقتحم الأخطار، ويجول في الأقطار، ويُؤدى المال إلى السيد لأمرٍ لا يدرى أيكون أو لا يكون.
ويُحتمل أن يُؤدى جميع الكتابة، فيعتق ويحتمل أن يموت قبل الأداء، ويحتمل أن يعجز بعد أنْ أدى أكثر الكتابة، ويرجع رقيقًا، والمال للسيِّد، ويذهب عناؤه [باطلًا] 2، لا هو إلى العتق ولا مالهُ يرجع إليه، فهذا غرر وخطر مع ما فيهِ مِن أكل المال بالباطل، [إلا أنَّ] 3 الشرع رد بجوازها، وهذا أمر ورد بعد الحظر، والحظر أصل، فوجب أن يُحمل على الندب.
ويختلف هل هى منجمَّة أو حالة؟ على قولين:
أحدهما: أنَّها مُنجمة، ولا يجوز أن تكون حالة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدوّنة" حيث قال: والكتابة عند الناس منجمة.
وهو قولُ الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد في "رسالتهِ" 4، وهو مذهب الشافعى رضي الله عنه.
والثانى: أنَهُ يجوز أن تكون حالة، وهذا القول حكاية القاضى أبى
محمَّد عن مُتأخرى شيوخنا، وهو الذي ارتضاهُ هو وغيرهُ مِن أئمتنا، وهو مذهب أبى حنيفة رضي الله عنهُ.
وسبب الخلاف: اختلافهم في اشتقاق "الكتابة":
فمن رأى أنَّها مشتقة مِن "الكتاب" الذي هو الأجل قال: إنَّها منجمة.
وَمن رأى أنَّها مشتقة مِن الكتاب الذي يُكتب بينهما يقول: إنَّها حالة، إذ ليس في مقتضى إطلاقها ما يدلّ على التنجيم والتأخير إلا ما يُؤخذ من الاشتقاق.
فإن كان هناك دليل عرفى، فينبغى أن يكون الرجوع إليهِ، وكذلك قولهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ 1 هو ندب وترغيب للوجوب واللزوم، خلافًا للشافعى، فإنَّهُ حمل الكتابة على الندب، والإيتاء على الوجوب.
وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يوضع عنهُ مِن آخر كتابته شىء، وهو قول مالك في المُدوَّنة، ومَنْ حكى عنه مِن أهل العلم.
والثانى: أنَّهُ يُوضع [عنهُ] 2 رُبع الكتابة، وهو قول على بن أبى طالب رضي الله عنه.
والثالث: أنَّهُ شىءٌ حث عليه المولى وغيرهُ، وهو قول النخعى.
وهذه الأقوال كُلُّها في "المُدوَّنة".
والرابع: أنَّ الخطاب في ذلك للولاة، يعطونهُ مِن الزكاة التي فرض الله لهم، وهو قول زيد بن أسلم.
وفيها قول خامس: أن الخطاب فيها للسيد أن يعطيهِ [شيئًا] 1 من مالهِ، وهذا القول مروىٌّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ 2، ما الخير الذي أراد؟ فقيل: [الخير] 3 المراد [هو] 4 القوة على الأداء، وهو مشهور قول مالك.
وقيل: المال نفسه، وقالهُ مجاهد وسعيد بن جُبير وزيد بن أسلم والضحَّاك، قال الله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ 5 و [قيل] 6 الأمانة [والصدق] 7 والوفاء، وهو قول النخعى.
وقد اختلف في كتابة مَن لا سعاية [له] 8 ولا أمانة كالصغير:
قال ابن القاسم: أنَّها جائزة.
قال أشهب: لا تجوز، وترد إلا أن تفوت بالأداء.
المسألة الثانية
في الكتابة [على غرر] (1)، هل تجوز أو لا تجوز؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الكتابة على الغرر جائزة، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهر "المُدوَّنة" بجواز الكتابة على وصف حمران أو سودان، ولم يصفهم جاز، ويعطى وسطًا من وصف الحُمران أو السودان، فظاهر "المُدوَّنة" أنَّهُ تجوز الكتابة على غرر، وقد سألهُ في كتاب "المُدوَّنة" عن الكتابة بالغرر، فأتى بهذه المسألة، ولم يُجبهُ عن الغرر الذي سأل عنهُ، كالعبد الآبق والبعير الشارد.
والثانى: أنَّ الكتابة على غرر لا تجوز، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة" مِن "مسألة اللؤلؤ" إذا كاتبهُ على لؤلؤ "غير موصوف"، فقال ابن القاسم فى "الكتاب": إن الكتابة لا تجوز، إذ [لا يحاط] 2 بصفتهِ، وتفسخ الكتابة.
وقال محمَّد بن الموّاز: لا تُفسخ الكتابة، وتكون مِن أوسط الذي يشبه ما بينهما.
والقول الثالث: أنَّ الكتابة بالغرر تُكره ابتداءً، فإن نزلت لم تفسخ، لإجازة غير واحد الربا بين السيد وعبده، وهو قول أشهب في كتاب ابن الموّاز.
وعلى القول بأنَّها تجوز على الغرر، فلا يخلو ذلك الغرر مِن ثلاثة1
أوجه:
إمَّا أن يكون في مِلك العبد.
أو في ملك السيد.
أو في ملك غيرهما.
فإن كان في ملك العبد، مثل: أن يُكاتبهُ على عبد لهُ آبق أو بعيرٍ شارد أو جنين في بطن أُمِّه: فإنَ ذلك جائز، لأنَّهُ قد كان للسيِّد انتزاع ذلك مِن عبدهِ، وأن يجبره على طلبهِ من غير كتابة.
فإذا جعل لهُ العتق على ذلك، فقد [تفضل].
فإن كان ذلك الغرر في ملك السِّيد، مثل: أن يُكاتبهُ على أن [يأتيه] 1 بعبده الآبق وبعيره الشارد، فإنَّ ذلكَ جائز [أيضًا] 2، إذ للسيد أن يُجبرهُ على طلب ذلك كما تقدم، لأنَّهُ عبده ولهُ أن يُكلفهُ مِن الأعمال التي له [بها] 3 طاقة ما شاء، وهو قول ابن القاسم في ["المدونة"] 4.
فأما إن كان ذلك الغرر في يد غيرهما، مثل: أن يُكاتبهُ على عبدٍ فلان، هل تجوز الكتابة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة جائزة، فإنَّ جاء به وحصَّلهُ، كان حُرًا، وإلا حكم بعجزهِ، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" و"الموَّازية".
والثانى: أنَّ الكتابة لا تجوز وتفسخ إلا أن يشتريه قبل الفسخ، وهو
قول أشهب في "كتاب محمَّد".
والثالث: أنَّهُ إن لم يشتره، أدى قيمته، ولا يفسخ ذلك، وهو قول محمَّد [وقال] 1 ابن ميسر لا يتم له شىء إلا بعبدِ فُلان، والذي قالهُ يُحتمل أن يكون تفسيرًا لقول ابن القاسم.
وسبب الخلاف: الكتابة، هل ناحيتها ناحية البيع أو ناحيتها ناحية العتق؟
واختلف إذا كاتبهُ على أن يغرس لهُ كذا وكذا شجرة، هل ذلك كتابة أو وعد؟
وفائدة ذلك وثمرته، إذا فلس السيد أو مات فإن كانت كتابة تثبت، وإن كان وعدًا أُسقط.
والصحيح: أنَّها كتابة، والدليل عليه كتابة سلمان الفارسي رضي الله عنهُ كاتبهُ [سيده] 2 على أن يغرس لهُ كذا [وكذا] 3 واديًا مِن نخل.
والحمدُ لله وحدهُ.
المسألة الثالثة
في الكتابة على الخدمة.
ولا تخلو الخدمة مِن أن يكون معها مال أو لم يكن:
فإن كان معها مال، مِثل: أن يُكاتبهُ على عشرة دنانير منجمة عليه، يُؤدى كُل شهر دينارين، خدمته حتى يُؤدى كتابته، وأسفارًا يشترطها عَليهِ ما دام في الكتابة، فإنَّ ذلك لازمٌ لهُ ما لم يُؤد كتابتهُ، وإذا أدّى كتابتهُ وعجَّلها قبل حلولها، هل يسقط عنهُ ما كان اشترط عليه مِن الخدمة أم لا؟
ولا يخلو مِن أن يعجل عتقهُ [بعد] 1 قضاء الخدمة والأسفار أم لا.
فإن عجَّل عتقهُ بعد قضاء الخدمة والأسفار، عند حلول أجل الكتابة، فإنَّهُ لا تسقط عنه الخدمة ولا يحصل لهُ العتق إلا بانقضاء أمد الكتابة.
وإن عجل المال قبل ذلك، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب" وبهِ قال ابن الموَّاز.
فإن لم يشترط ذلك، ولا قيَّدهُ، هل يسقط عنهُ إذا عجَّل الكتابة أم لا؟
فعن مالك في ذلك روايتان:
إحداهما: أنَّ الخدمة والأسفار ساقطة عنهُ، وهي رواية ابن القاسم عنهُ في "الموازية".
والثانى: أنَّ يُعطيه مكان الأسفار والخدمة عينًا، ويتم عتقهُ، وهي رواية [أشهب] 2 عنهُ فى "الموازية" أيضًا.
وسبب الخلاف: الخدمة، هل هى مقصودة في نفسها أو الكتابة هى المقصودة والخدمة تبعٌ؟
فإن لم يكن مع الخدمة مال، مِثل أن يقول لهُ: أكاتبك على خدمة شهر.
فإن أراد أن يكون العتق بعد الخدمة: فلا خلاف أنَّهُ لا يُعتق حتى [يُؤدى] 1 الخدمة.
فإن مرض في الشهر أو أبق فيه:
فإن كان الشهر معينًا، فإنَّهُ يلزمه البدل والعوض [ولا يعتقه حتى يخدمه شهرًا بخلاف المعتق إلى أجل لأن الكتابة هاهنا كالمعاوضة.
فإذا لم يعين الشهر كان أولى في لزوم العوض] 2.
فإن أعطى العبد قيمة خدمة الشهر للسيِّد، فلا يُجبر السيِّد على القبول.
فإن أراد أن تكون الخدمة بعد العتق، فلا أعلم في المذهب نص خلاف في سقوط الخدمة ولزوم العتق.
فإن أبهم الأمر: فإنَّهُ يحمل على أنَّ العتق يكون بعد الخدمة.
فإن اشترط السيِّد [أن يصيبها] 3 إن كانت أمة أو استثنى ما [تلد] 4 في كتابتها، هل تجوز الكتابة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة باطلة، إلا أن يرضى السيد بترك الشرط، وهو
قول مالك في "العُتبيَّة" و"الموازية" في سماع أشهب عنهُ، ولا فرق في ذلك بين ولد [المكاتب والمكاتبة] 1.
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة، والشرط باطل، وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية"، وبهِ قال أصبغ.
لأنَّهُ بمنزلة مَنْ أعتق أمة واستثنى ما في بطنها.
والثالث: أنَّها إن أدت مِن الكتابة نجمًا واحدًا: مضت، وبطل الشرط وإن لم تُؤد شيئًا.
فإن ترك السيِّد شرطهُ، وإلا بطلت الكتابة، وكذلك في ولد [المكاتب] 2، وهو قول محمَّد بن الموَّاز، واتفقوا على أنَّهُ: إن لم ينظر في أمرها حتى أدت حُرة وما في بطنها والمكاتبة كذلك.
والحمد لله وحده.
المسألة الرابعة
في القطاعة.
ولا يخلو الحُكم فيها مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك بلفظ القطاعة، إمَّا صيغة أو فحواها.
والثانى: أن يكون ذلك بلفظ السلف.
والثالث: أن يكون بلفظ [الإنظار].
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان ذلك بلفظ الكتابة صيغةً أو فحوى، مِثل أن يقول: أقاطعك على عشرين مِن مائة، ولا يخلو مِن وجهين:
أحدها: أن يكون في مكاتب يملك جميعهُ أو في مكاتب بينهُ وبين غيره.
فإن كان ذلك في مكاتب يملك جميعهُ، فلا خلاف في الجواز.
وإن قاطعهُ مِن ذهب على وَرِق أو مِن وَرِق على ذهب أو عروض.
فإن كان [على] 1 النقد وتعجيل العتق، فلا خلاف في المذهب في الجواز فإن كان إلى أجل وتعجَّل العتق، قولان:
مشهور المذهب: الجواز.
وسبب الخلاف: الكتابة، هل طريقها طريق البيع أو طريق العتق؟ وللخلاف فيها مطلق آخر: معاملة السيِّد هلى هى كمعاملة الأجانب أم لا؟
فإن تعجَّل ما فسخ فيهِ الكتابة، فالعتق مُعجَّل اتفاقًا.
فإن كان إلى أجل، والعتق غير مُعجَّل، هل تجوز القطاعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ القطاعة لا تجوز إلا على تعجيل العتق، وهو قول سحنون في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ ذلك جائز، سواءٌ عجلَّ عتقهُ أم لا، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى "المُدوَّنة".
والخلاف في المذهب مشهور، قد حكاهُ الشيخ أبو إسحاق التونسى وغيره.
فإن كان ذلك في مكاتب بينهُ وبين غيره مثل أن يُقاطعهُ على عشرين من مائة كما قدَّمنا، فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بإذن شريكهِ أم لا.
فإن كان ذلك بإذن شريكهِ، فلا يخلو العبد مِن ثلاثة أحوال:
إما أن يُؤدى للشريك الذي لم يقاطع جميع حقِّه مِن الكتابة.
والثانى: أن يعجز.
والثالث: أن يموت قبل أداء.
أمَّا إذا أدى لهُ جميع نصيبه، فالعبد حر والولاء بينهما على قدر أنصبائهما في العبد.
وأمَّا الحالة الثانية: إذا عجز، فلا يخلو عجزهُ مِن وجهين:
أحدهما: أن يعجز قبل أن يستوفى المُتمسك شيئًا.
والثانى: أن يعجز [بعد أن استوفى] 1، مِثل: الذي قاطع عليهِ
المقاطع أو أقل أو أكثر.
فإن عجز قبل أن يُؤدى شيئًا، فلا يخلو المُقاطع مِن أحد وجهين:
إمَّا أن يستوفى جميع ما قاطع عليهِ أو بعضه أو لم يستوف شيئًا.
فإن استوفى جميع ما قاطعهُ عليه، فلهُ الخيارين بين أن يُقاسم شريكهُ المتمسك ويدخلهُ فيما قبض على السواء، ويكون العبد بينهما رقًا، كما كان، أو يقتنع بما قبض، ويُؤثرهُ على نصيبه مِن العبد، ويكون جميع العبد للمتمسك.
وهذا الحكم إذا [قبض] 1 البعض، فلهُ الخيار أيضًا، غير أنَّهُ إن اختار الاستبداد بما قاطع.
فينظر إلى ما قبض، فإن قبض خمسة مِن عشرين، فقد [بقى] 2 لهُ في العبد الرُبع، والثلاثة الأرباع للشريك.
فإن لم يستوفى القاطع شيئًا، فالعبدُ بينهما كما كان.
وأمَّا إن عجز بعد أن يستوفى المُتمسك مقدار ما قاطع عليهِ المقاطع أو أكثر، والمُقاطع قد استوفى جميع ما قاطع عليهِ أيضًا، فالعبد بينهما أيضًا ولا خيار لهما.
فإن استوفى أقل ممَّا قبض المُقاطع، فالخيار للمقاطع أيضًا، إن شاء أن يرد على المُتمسك ما استقصاهُ منهُ حتى يساويه ويُوازيهِ، ويكون العبد بينهما أو يأبى فيكون جميع العبد للمُتمسك.
وأمَّا إن عجز قبل أن يستوفى المُقاطع شيئًا، والمُتمسك قد قبض بعض
حقّهُ مِن الكتابة، فلا يخلو ما قبضهُ المُتمسك من أن يكون قبضه على النجوم أو تعجله قبل حلول النجم.
فإن قبضهُ على الحلول، هل للمُقاطع الدخول معهُ أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا دخول لهُ معهُ, لأنَّهُ رضي بتأخير المكاتب، وترك لشريكهِ ما أخذ، وهو قول بعض المتأخرين.
والثانى: أنَّ للمقاطع الدخول معهُ فيما قبض، ويتحاصان فيه هذا المقدار ما قاطع عليهِ، والآخر بمقدار ذلك النجم، لأنَّ ذلك النجم الذي حلَّ هو لهما جميعًا، فلا يستبد بهِ واحد منهما دون الآخر، وهو اختيار أبى عبد الله محمَّد بن يونس.
وأمَّا إن تعجلهُ المُتمسك قبل محله، هل يشتركان فيه أو يكون كُله للمقاطع؟ قولان بين المتأخرين أيضًا:
أحدهما: أنَّهما يقتسمانهِ على مقدار أنصابهما في العبد أو على [قدر] 1 ما لهما عليهِ من المال، وهو الأحسن.
والثانى: بالتفصيل بين أن يكون للعبد مالٌ سواه، فيكون للمقاطع أن يأخذ حقَّهُ مِن ذلك المال، ويسلم للمتمسك ما اقتضى، وبين أن لا يكون لهُ مال: فيكون أولى بما عجل [من المتمسك] 2 حتى يستوفى منهُ مقدار حقِّه.
فإن فضل شىء كان للمتمسك وحدهُ.
ووجهه أن حقًا للمقاطع، قد حل وحق الآخر لم يحل، وبعدما قبض المتمسك هبة مِن المكاتب
، والمقاطع ردّ هبتهُ.
وأمَّا الحالة الثالثة: إذا مات المكاتب، فلا يخلو من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولًا.
فإن مات حتف أنفهِ، وترك مالًا فيهِ: وفَىّ بحق المُتمسك، فهو لهُ.
فإن فضل شىء، كان بينهما.
وإن لم يترك شيئًا: فلا رجوع للمتمسك على المقاطع.
وإن مات مقتولًا، وأخذت قيمتهُ، هل يكون كرقبتهِ أو كماله؟ قولان:
أحدهما: أنَّ قيمتهُ كرقبتهِ.
والثانى: أنها كماله، وهو قول أبى عمران الفاسى [رضي الله عنه] 1.
وفائدة ذلك وثمرته: أنَّا إن قلنا: إن القيمة كالرقبة: كان الخيار للمقاطع.
وإن قلنا: إنَّ القيمة كالمال، كان للمتمسك أن يستوفى جميع حقِّه مِن تلك القيمة، وما فضل يكون بينهما.
وسبب الخلاف: هل قيمة الشىء كعينه [أم لا؟ ولا خلاف أن ثمن الشىء كعينه] 2، على ما قال سحنون، وذلك أنَّ أم الولد لا يجوز بيعها, لأن ثمنها كعينها.
فإذا قلت جاز للسيد أخذ قيمتها وتكون لهُ حلالًا.
وأمَّا الوجه الثاني مِن أصل التقسيم: إذا قاطعهُ بغير إذن شريكهِ،
وقبض ما قاطع عليهِ، فالخيار للمتمسك إذا عجز المكاتب بين أن يستبدَّ بالعبد أو يدخل مع المقاطع فيما أخذ.
وإن اختار الدخول معهُ، فذلك لهُ، والعبد بينهما.
وإن اختار الاستبداد بالعبد، هل لهُ ذلك أو يرجع الخيار إلى المقاطع؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا خيار لهُ، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثانى: أنَّ الخيار يرجع إلى المقاطع، وهو قول ابن المواز وأشهب.
وسبب الخلاف: من خيِّر بين شيئين، هل يُعدُّ مختارًا لما ترك أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني مِن أصل المسألة: إذا كان بوجه السلف، مِثل أن يحل النجم، ويحضر المكاتب جميعهُ فيقول أحدهما لصاحبه: بدنى بذلك النجم، وخذ أنت الذي يليه، فللمسلف الرجوع على صاحبهِ اتفاقًا مِن غير اختيار [ولا خيار] 1 , لأنَّ ذلك معاملةً بين الشريكين على سبيل المعروف، ولم يدخل المكاتب فيما بينهما بشىء.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان بلفظ الإنظار، وهو أن يُصرح بتأخير، وإسلام ما يحضرهُ المكاتب لشريكه، قصد بذلك الرفق بالعبد، ومعروف صنعهُ معهُ، وهذا لا رجوع لهُ على الشريك فيما قبض.
فهذه الوجوه الثلاثة لا إشكال فيها على ما فصَّلناهُ وحصلناهُ، وإنَّما الغموض والإشكال عند التباس السؤال، وإطلاق الألفاظ مِن غير احتياط، وإهمال التحرز والتحفظ، فهنالك يتبلَّد الخاطر ويتردد الناظر ويتحيَّر
[الفاكر] 1، [حتى] 2 يتعذّر التمييز بين السلف والقطاعة، والإنظار لأجل الامتزاج، [ويعتاض] 3 التقدير لرد الاحتياج.
فها أنا أُشمِّر الذيل، وأنفس القول طلبًا لإزاحة الإشكال، وقطعًا لمادة الاحتمال، حتى تكون المسألة أجلى مِن النهار، وأشهر في الظلام من النار.
فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو المُكاتب [على] 4 الحالة [الموصوفة] 5 مِن أربعة أوجه:
أحدها: أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها.
والثانى: ألا يحل منها شىء، ولا حضر قدر حق أحدهما.
والثالث: أن يحل نجم واحدٍ، فأحضرهُ [كله] 6.
والرابع: أن يحل نجم واحد وأحضر بعضهُ.
فأمَّا الوجه الأول: وهو أن تحل جميع الكتابة، وأحضر المكاتب نصفها: فسخ أحدهما في اقتضاء جميع نصيبهُ، وأذن لهُ في ذلك صاحبهُ، ورضى بإتباع المكاتب وإنظاره، ثُمَّ عجز قبل أن يقبض منهُ شيئًا، فلا خلاف في المذهب في هذا الوجه: أنَّهُ إنظار وليس بسلف، وأنَّهُ لا رجوع لهُ على شريكهِ بشىء، وأنَّ العبد يكون بينهما إن عجز.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا لم تحل [له] 1 الكتابة، وأحضر المكاتب منها مقدار حق أحدهما، وأذن أحدهما لصاحبه أن يُعجل جميع حقِّهِ، هل ذلك قطاعة أو سلف؟ قولان منصوصان فى "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ كالقطاعة، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ سلف، وهو قول غيرهُ.
وعلى القول بأنَّ ذلك سلف للقابض، هل هو سلف مِن الشريك أو [من] 2 المكاتب؟ قولان:
أحدهما: [أنه] 3 مِن المكاتب، وهو قول الغير في "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ سلف مِن الشريك، وهو قول ابن الموّاز.
وفائدة الخلاف وثمرتهُ: [أنه] 4 إن كان سلفًا مِن الشريك، فلهُ الرجوع على القابض إذا عجز المكاتب.
وإن كان سلفًا مِن المكاتب، فلا يرجع الشريك على القابض بشىءٍ، عجز المكاتب أو عتق.
وأمَّا الوجه الثالث: إذا حلّ مِن الكتابة نجم، وأحضرهُ المكاتب كُلَّهُ، فاستبدَّ أحدهما بقبضهِ بإذن شريكه: فذلك سلف مِن الشريك بلا إشكال، لتعيين حق [كل] 5 واحد منهما فيه، وترك أحدهما الآخر يقبض ويستقل بهِ مِلكًا دونهُ:
دليلٌ على السلف.
وأمَّا الوجه الرابع: إذا حلَّ نجم وأحضر المُكاتب نصفهُ، مثل أن يكون النجم عشرة، وأحضر "خمسة": فهاهنا يُنظر إلى لفظ القاَبض، ومنهُ يُعرف إن كان ذلك سلفًا أو إنظارًا فإن قال: بدنى به.
أو قال: أنا آخذهُ، وأنظرهُ أنت، كان ذلك إنظارًا لا سلفًا، ثُمَّ لا رجوع للشريك على القابض إن عجز المكاتب، ولا خيار لهُ، لانَّ قولهُ "أنظرهُ" معناهُ [أن] 1 نصيبك باق عليهِ.
فإن قال: "وعنى آخذ هذه الخمسة، وخُذ أنت الخمسة الباقية" (أو استوفِ أنت حقَّك مِن الخمسة الباقية): كان ذلك سلفًا من الشريك للقابض بلا إشكال، ويرجع عليهِ بنصف الخمسة إن عجز المكاتب قبل أن يستوفى منهُ تلك الخمسة الباقية مِن ذلك النجم.
والحمدُ لله وحده.
المسألة الخامسة
في العبيد إذا كوتبوا كتابةً واحدة.
فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونوا لمالك واحد.
والثانى: أن يكونوا لملاك [متعددة] 1.
والثالث: أن يكونوا شركة بين أشراك.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا لمالكٍ واحد، فلا يخلو مِن أن يكونوا كبارًا كُلُّهم أو فيهم صغار وكبار:
فإن كانوا كُلُّهم كبارًا يقوون على السعى والكتابة جائزة وكل واحد منهم يسعى لنفسهِ في أداء ما وجب عليهِ من الكتابة فإن أدى ما عليه فإنَّهُ يسعى مع أصحابهِ ويعينهم على الأداء.
فإذا أعتقوا [بالأداء] 2.
فمن أدى عن أصحابهِ منهم شيئًا، فإنَّهُ يرجع عليهم بهِ على ما [سيأتى] 3 إن شاء الله تعالى.
ومن مات منهم لم يحط عنهم شىء مِن الكتابة لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم حميل بجميع الكتابةِ وعقد الكتابة يقتضى ذلك.
فإن استحقَّ أحدهم بحرية أو ملك ينبغى أن يسقط عنهم ما ينوبه لأنَّهُ قد تبيَّن أنَّ السيد عقد الكتابة على غير ملكهِ، ولا تلزم الحمالة للسيِّد بما
هو ملكٌ لغيرهِ.
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن اللخمى، وهو قول ابن الماجشون في "الموَّازية".
واختلف في كيفية فض الكتابة عليهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تفض على قدر قوتهم عليها وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّها تفض على قدر القوة على الأداء أو قيمة الرقاب وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنَّها تُقسَّم على العدد وهذا القول حكاهُ ابن الموّاز عن عبد الملك.
فإن عجز بعضهم وأدَّى الآخر جميع الكتابة فإنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوتهم على الكتابة كما فضت عليهم أولا وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوّتهم يوم كُوتبوا، وهو قول مطرف وابن الماجشون.
والثالث: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قوتهم يوم كوتبوا.
والرابع: أنه يرجع عليهم على قدر قوتهم يوم كوتبوا وحالهم يوم عُتقوا وهو قول أصبغ.
والخامس: أنَّهُ يرجع عليهم على عددهم.
كما أنَّ الكتابة تقضى عليهم [على عددهم] 1 على ما حكاهُ ابن الموَّاز عن عبد الملك خلاف
ما ذكر عنه ابن حبيب: أنَّهُ يرجع عليهم على قدر قيمتهم يوم عُتقوا.
فإذا ثبت لهُ الرجوع على أي صفة [كان] 1، هل يرجع عليهم على النجوم أو يرجع عليهم على الحلول؟ فلا يخلو مِن أن يُؤديهما على النجوم أو يُعجِّلها.
فإن أداها على النجوم فلا خلاف أنَّهُ [يرجع] 2 مُعجلًا.
فإن عجَّلها فهل يرجع [عليهم] 3 على النجوم أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يرجع عليهم على النجوم، وهو قوله في "المدونة".
والثانى: أنَهُ يرجع عليهم معجلًا وهو قوله في كتاب "محمد" حيث قال في باب آخر أنه يرجع عليهم.
وسبب الخلاف: في جميع ما قدَّمناهُ اختلافهم في الكتابة هل طريقها طريق العتق أو البيع؟
فمن رأى أنَّ طريقها طريق البيع قال: تُعتبر قيمتهم يوم الكتابة.
ومن رأى أنَّ طريقها طريق العتق قال: تُعتبر قوتهم على الأداء وما عدا ذلك استحباب.
فإن كان فيهم صغارٌ وكبار فلا يخلو حالة مَن فيهم مِن الصغار مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يكون عاجزًا عن السعى غيرُ قادرٍ على الأداء حتى انقضت الكتابة.
أو كان قادرًا عليهِ يوم الكتابة وقوى على السعى بعد مضى بعضها.
فإن كان لا يقوى على السعى حتى مضت الكتابة لم يُتبع بشىءٍ.
وإن كان يقوى على السعى يوم الكتابة فض عليهِ كما يفض على الكبير ويجتهد عليه على قدر ما يرى أنه يقوى عليهِ في كُلِّ سنة [لأنَّ قوتهُ] 1 تتزايد بمرور السنين.
فإن قوى على السعى بعد مضى النجوم فقد اختلف في كيفية الكتابة عليهم علي قولين:
أحدهما: أنَّهُ ينظر إلى حاله يوم عُقدت لهُ الكتابة، يُريد أشهب على ما يُرجى [من أنه يبلغ السعاية إلى الوقت الفلانى فيكون عليه من ذلك الوقت على التقدير يوم عقدت الكتابة كما يقوم الزرع] 2 إذا فسد [على ما يرجى منه] 3، وهذا تأويل الشيخ أبى إسحاق التونسى [رحمه الله] 4.
والثانى: أنَّهُ ينظر إلى حالهِ يوم بلغ السعى أنْ لو كان على هذه الحالة يوم الكتابة وقال الشيخ أيضًا: وينبغى أن يحط عنهُ هذا القدر الذي كان فيه لا قُدرة لهَ على السعاية إذ لو انقضت الكتابة قبل بلوغه السعاية ما كان عليه شىء.
والذي قاله أبو إسحاق صحيح ولا يكون الحُكم إلا كذلك وألا يؤدى ذلك إلى من تَوظف عليهِ الكتابة بنفس العقد وهو عاجز عن السعى
وذلك لا سبيل إليهِ.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا كان المُلاك متعدِّدة فجمعوهم في كتابة واحدة فلا إشكال أنَّ ذلك ممنوع ابتداءً.
فإن نزل [ذلك] 1 فلا يخلو مِن أن يعثر على ذلك قبل الأداء أو بعده:
فإن عثر على ذلك قبل الأداء فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الكتابة باطلة لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم حميل بما على صاحبهِ إذ لو هلك أحدهما أخذ سيِّد الهالك مال الآخر باطلا وهذا يُشبه الرقباء وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أن الكتابة تمضى ويبطل الشرط وتفض عليهم وتسقط حمالة بعضهم عن بعض وهو ظاهر قول ابن القاسم في الأمة التي يُكاتبها ويستثنى ما في بطنها وهو قولهُ في "الموَّازية".
والثالث: أنَّهُ يُفسخ ما لم يُؤد نجمًا أو قدرًا منها كما قال محمد في تلك المسألة.
فإن عثر على ذلك بعد الأداء فإنَّ الكتابة تمضى وعتقهم نافذ.
ومَن أدى منهم شيئًا عن أصحابه [رجع] 2 عليهم بهِ كالحمالة بالكتابة إذا فاتت بالأداء، فإنَّ الكفيل يرجع على المكاتب بما أدى.
وأمَّا الوجه الثالث: في العبيد إذا كانوا بين أشراك فكاتبوهم جميعًا كتابةً واحدة.
هل تجوز الكتابة أم لا؟
فالمذهب على قولين؟
أحدهما: أنَّ الكتابة لا تجوز لأن كلَّ عبدٍ تحمل لغير سيَّده بحصتَّهِ في كل عبد، فهي كتابة منتقضة إلا أن تسقط حمالة بعضهم [عن بعض] 1 فتجوز [و] 2 على كُلِّ واحد بقدر ما يلزمهُ مِن الكتابة يوم عقدت وهو قول أشهب في [الموَّازية].
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة لأنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشراك سهم معلوم فى كُلِّ عبد.
وإنما يقبض كُلُّ واحدٍ [منهم] 3 عن سهمهِ لا غير ولم يقبض أحدهم عن غير ملكه شيئًا وهو قول أحمد بن ميسر في "الموَّازية".
والحمد لله وحده.
المسألة السادسة
في المُكاتب هل يجوز لهُ أن يعجز نفسهُ أم لا؟
ولا يخلو تعجيز المكاتب مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يكون بتواطئهِ مع السيَّد.
أو بإرادة المكاتب منفردًا.
أو بإرادة السيد متحدًا.
فإن كان بتواطئهِ مع السيِّد فلا يخلو مِن أن يكون لهُ مالٌ ظاهر [أم لا؟ فإن كان له مال ظاهر] 1 أو قوة على السعى، فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة مِن "المُدوَّنة".
أحدها: أنَّ لهُ أن يعجز نفسهُ جُملةً.
والثانى: عكسهُ.
والقولان عن مالك فيما رواه ابن القاسم وابن نافع في "العُتبيَّة".
والثالث: بالتفصيل بين المال والقوة فيكون العجز مع القوة لا مع المال وهو قول ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: هل يغلب حقِّهما [في الكتابة] 2 على حقِّ الله تعالى فيكون العجز لهما دون السُلطان أو يغلب حقِّ الله لما يُرجى لهُ مِن الحُرَّية ثُمَّ لا يجوز؟
فإن لم يكُن لهُ مال ظاهر فهل لهم العجز دون السُلطان أم لا؟
قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ [له] 1 العجز دون السُلطان وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يعجزهُ إلا السُّلطان وهو قول سحنون.
والقولان في "العُتبيَّة".
وسبب الخلاف: هل يُتهمان بالمواطأة على إبطال حقِّ الله تعالى في العتق؟
فمن اتَّهمها قال: لابُدَّ مِن السلطان فإنَّهُ مُتولى البحث والكشف عن مثلِ ذلك.
فإن انفرد السيِّد بإرادة العجز ونابا العبد أو انفرد بهِ العبد دون السيَّد قولان في كل فصل في "الكتاب".
وسبب الخلاف: هل المُغلب في الكتابة حق العبد أو حقِّ السيد؟
والحمدُ للهِ وحده.
المسألة السابعة
إذا قاطعه سيده على مال ثُمَّ استحقَّ ذلك المال.
وقد اختلفت أجوبة الكتاب في ذلك على ما قال ابن القاسم وأشهب وابن نافع والرواة.
ونصُّ " [ما في] 1 المُدوَّنة": وإذا أدى المُكاتب كتابتهُ إلى سيده وعليهِ ديْن فقام الغُرماء فأرادوا أن يأخذوا مِن السيِّد ما اقتضى.
فقال ابن القاسم: إن كان يعلم أنَّهُ مِن أموالهم [أخذوه وإن لم يعلم أنه من أموالهم] 2 لم يرجعوا على السيِّد.
وقال ابن القاسم: فإن أخذوا ذلك منهُ ردَّ المكاتب إلى الرق.
وقال ابن نافع وأشهب: إذا قاطع السيد مما بقى مِن الكتابة فاعترف بسرقة فإنَّهُ يرجع على المكاتب بقيمة ما أخذ منهُ.
قال ابن نافع: "وهذا إذا كان لهُ مال فإن لم يكن له مال رد مكاتبًا.
وقال أشهب: لا يُرد ويتبع لأنَّهُ كان عتيقًا بالقطاعة وثبتت خدمته وجازت شهادتهُ.
ثُمَّ قال أشهب وابن نافع في المكاتب يُقاطه سيدهُ على شىءٍ استرفعهُ واستودعهُ فيُؤخذ بملك فلا يُؤخذ الحق بالباطل [أي لا يعتق] 3.
وقال بعض الرواة: ما كان فيه شبهة ملك مضى عتقُهُ ويُتبع بقيمة ذلك، وما لم تكن فيه شبهة ملك ردَّ مكاتبًا.
وهذا ما قيل في "المُدوَّنة" بجُملتهِ وتحصيلهُ تفصيلًا أن تقول: لا
يخلو المُكاتب مِن أن يكون مُوسرًا أو مُعسرًا:
فإن كان مُوسرًا غرم للسيَّد مثل ما أخذ منهُ أو قيمتهُ إن كان ممَّا يرجع إلى القيمة ومضى عتقهِ وسواء تقدمت فيه شبهة ملك أم لا, ولا خلاف في ذلك.
فإن كان مُعسرًا فالذي في الكتاب يتخرّج على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ عتقهُ مردود جُملةً وهو قول مالك في أول الباب إذا علم أن ذلك مِن أموالهم أو ما تولَّد من عين أموالهم على الخلاف في هذا الوجه.
والثانى: أن عتقهُ ماضٍ ولا يُرد ويتبع لأنَّهُ كان عتيقًا بالقطاعة وتمَّت حُرمتهُ وجازت شهادتهُ وهو قول أشهب في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين ما تقدمت فيه شُبهة مِلك فيمضى عتقهُ [فيه] 1 ويُتبع بقيمتهِ ذلك، وما لم يتقدَّم لهُ فيهِ شبهة مِلك فيردُّ السيَّد عتقهُ [فيه] 2، وهو قول الرواة في "المُدوَّنة" وهو ظاهر قول أشهب وابن نافع في المكاتب الذي يقاطع على وديعة حيثُ قال: لا يُؤخذُ الحقُّ بالباطل.
والقول الرابع: بالتفصيل بين أن يطُول الزمان أو يقصر:
فإن كان ذلك [بعد طول الزمان وجازت شهادته ووارث الأحرار فعتقه ماضٍ ولا يرد وإن كان ذلك] 3 بالقُرب فإنَّ عتقهُ يرد وهو قول مالك فى الأب إذا أعتق عبد ابنهِ الصغير ولا مال للأب.
فإن عتقهُ يرد إلا أن يطول الزمان وجازت شهادتهُ ووارث الأحرار.
وعلى القول بأنَّ عتقهُ مردود هل يُرد إلى رق أو إلى حرية؟ فالمذهب
على ثلاثة أقوال كُلّها مُستقرأة مِن "الكتاب":
أحدها: أنَّهُ يرد إلى الرق لا إلى الكتابة وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتابة.
والثانى: أنَّهُ يُرد إلى كتابة، وهو قول الرواة.
والثالث: التفصيل بين أن يرجى لهُ مال، فيُرد [إلى الكتابة] 1 أو لا يرجى لهُ مال فيُرد إلى الرق وهو اختيار أبى الحسن اللخمى.
وسبب الخلاف: هل العتق لأجل ما أداهُ المُكاتب أو يحمل على أنه مِن السيد؟
فمن رأى أنَّ أداء الكتابة يوجب العتق لأنَّ السيِّد هو المُعتق.
فإذا استحقَّ ما دفع [كشف] 2 الغيبُ [أنه] 3 لم يُعتق ويجب على هذا أن [يستبرئ] 4 مالهُ فيه شبهة ملك وما سرقهُ.
وإن عد ذلك كالعتق مِن السيِّد كان ينبغى أن يمضي عتقهُ على كُلِّ حالٍ سواءٌ سرق ذلك أو كان له فيه شبهة مِلك لأنَّ العتق [فرط] 5 مِن السيِّد فلا يقدر على ردِّهِ.
والتفريق بين مَن تعدَّى ومَنْ لهُ فيه شبهة مِلك ضربٌ مِن الاستحسان.
والله أعلم.
والحمد لله.
المسألة الثامنة
إذا وطئ السيد مُكاتبتهُ.
[وفي هذه المسألة] 1 أربعة أسئلة:
الأول: إذا وطئ السيد مُكاتبتهُ.
الثاني: فيما إذا وطئ السيد مُكاتبة [مكاتبه] 2، [هل يدرأ عنه الحد؟] 3.
الثالث: إذا وطئ السيِّد أمة مُكاتبه [فحملت] 4.
والرابع: في المُكاتب إذا وطئ مكاتبتهُ.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا وطئ السيد مكاتبتهُ.
فلا يخلو من أن تكون حائلًا أو حاملًا:
فإن كانت حائلأ ولم تحمل مِن وطئه فإنَّها تستمر على كتابتها ثُمَّ لا تخلو مِن أن يكون السيد أكرهها على الوطئ أو طاوعتهُ:
فإن أكرهها على نفسها فلا تخلو مِن أن تكون بكرًا أو ثيِّبًا:
فإن كانت بكرًا فعليهِ ما نقصها.
وإن كانت ثيِّبًا فهل يغرم بالنقص شيئًا أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يغرم قيمة ما نقصها وهو قولهُ في كتاب الرهون.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ.
وإن طاوعتهُ هل عليه [للنقص] 1 شىءٌ أم لا؟
وينبنى الخلاف على الخلاف في المُكاتب هل لهُ أن يُعجز نفسهُ أم لا؟
وإن كان لهُ مال ظاهر أم لا؟
فإن كانت حاملًا فهي مُخيَّرة بين أن تعجز نفسها وتكون على حُكم أم الولد، أو تستمر على كتابتها.
فإن أدَّت عُتقت.
وإن عجزت صارت أم ولد.
واختلف في نفقتها إذا اختارت المضى على كتابتها على قولين:
أحدهما: أنَّ نفقتها على السيِّد ما دامت حاملًا وهو قول مالك في "كتاب ابن سحنون".
والثانى: أنَّ نفقتها على نفسها ولا شىء لها على سيِّدها وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
وفي "المُدوَّنة" في هذه المسألة أقاويل خارجة [عن المذهب: أحدها: أنها إن حملت بطلت كتابتها وتكون أم ولد.
وهو قول سعيد بن المسيب.
وحجته أنها أم ولد] 2.
لا خدمة [له] 3 فيها ولا غلة [و] 4 في استدامتها في الكتابة
إخراج لأُمِّ الولد عن حكمها [فبطلت وبقيت أُم ولد.
والثانى: أنَّها تبقى مكاتبة فإن عجزت كانت أُم ولد.
وحجته: أنَّ أُم الولد] 1 لم يُتفق على منع خدمتها وإن لم يتقدَّم فيها كتابة [قط] 2، والمكاتبة متفق على منع وطئها.
وإذا لم يكن بُد مِن أحد الأمرين إمَّا بُطلان الكتابة أو بقاؤها عليها كان بقاؤها أفضل لأنَّ بطلانها يُؤدى إلى وطءٍ قد حُرِّم باتفاق.
وبقاؤها على الكتابة لا يُؤدى [إلى استباحة] 3 ما اتفق على منعه فكان بالحكم أولى وهو قول النخعى.
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون قد أكرهها أو قد طاوعتهُ:
فإن أكرهها، فهي حُرَّة، [وإن طاوعته فهي أمة لا كتابة فيها يريد أم ولد وهو قول ربيعة وهو أحسن ما قيل فيها] 4 وذلك أنَّها إذا لم تُطاوعهُ فهي لم ترض بالعجز بعد.
فلمَّا حملت لم يكن سبيل إلى استخدامها لأنَّ ذلك خلاف سُنَّة أم الولد ولا إلى وطئها للحظر المُتقدم ولم تعجز، فلم يبق إلا أنَّها أُم ولد حرم الاستمتاع بها فوجب عتقُها.
وإذا رضيت بالوطء كأنَّها رضيت بالعجز إذ الحمل غالبًا يأتى [عن] 5 الوطء.
فالجواب عن السؤال الثاني: إذا وطئ مكاتبة مكاتبه، فإنَّهُ يُدرأ عنهُ الحد ويلحق بهِ الولد، وتُخيَّر الأمة بين أن تعجز نفسها وتكون أُم ولد
للواطئ أو تبقى على كتابتها.
فإن أعجزت نفسها فإنَّها تكون أُم ولد للواطئ ويغرم قيمتها [للمكاتب] 1 يوم الوطء ولا شىء عليهِ في الولد وهذا قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
واختُلف هل [يقاصصه] 2 السيد بتلك [القيمة] 3 في الكتابة التي عليه؟
على قولين: [فإن اختارت البقاء على الكتابة هل تؤخذ القيمة من السيد الواطئ فتوقف أو لا تؤخذ منه على قولين] 4:
أحدهما: أنَّ القيمة تُؤخذ منهُ فتوقف مخافة العجز فترجع تكون أُم ولد بلا قيمة.
وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة" و"الموَّازية".
والثانى: أنَّ القيمة لا تُؤخذ مِن الواطىء حتى تعجز، فإذا عجزت كُلِّف القيمة وهو قول ابن الموّاز.
واختلف على هذا القول متى تقوّم؟ على قولين:
أحدهما: أنَها تقوّم عليهِ بقيمتها يوم الوطء وهو قول ابن القاسم وبهِ قال ابن الموَّاز.
والثانى: أنها تقوم عليه بقيمتها يوم العجز وهو قول أصبغ.
وهل تقوم بولدها أم لا؟ قولان لأصبغ.
وعلى القول بأنَّها القيمة توقف فلا تخلو حالة المُكاتبة مِن ثلاثة
[أوجه] 1:
إمَّا أن تعجز.
وإمَّا أن تُؤدى.
وإمَّا أن تموت قبل العجز وقبل الأداء.
فإن أدت عتقت وأخذ الواطئ القيمة التي وقفت.
وإن عجزت كانت القيمة لسيِّدها المكاتب و [تكون] 2 هى أُم ولد للواطئ.
وقال في "العُتبيَّة": ولم يكن عليهِ في ولدها شىء.
فإن ماتت قبل الأداء لمن تكُون القيمة [الموقوفة] 3؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تكون لسيِّدها المُكاتب إذ لا ضرر عليهِ في هذا 4 [وهو قول ابن القاسم في "الموَّازية".
والثانى: أنَّها تُرد إلى السيَّد الواطئ ولا شىء فيها لسيِّدها المُكاتب لأنَّ الحمل لم يضرُّهُ وقد ماتت في كتابتها مِن غير حمل وهو قول أصبغ في "كتاب محمد".
والثالث: أنَّهُ يُؤخذ مِن القيمة الموقوفة قيمة الولد ويدفع إلى المُكاتب ويؤدى باقى القيمة إلى الواطئ وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والجواب عن السؤال الثالث: إذا وطئ السيِّد أمة مكاتبه فحملت.
فلا يخلو مِن أن يكون مُوسرًا بقيمتها أو مُعسرًا:
فإن كان مُوسرًا فالقيمة تلزم السيِّد.
وهل يقابض بهِ المُكاتب ويتعجَّل عتقهُ أو يأخذها ويُؤديها على النجوم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يقابضه بها ويخرج المكاتب حُرًا إن كانت القيمة مِثل الكتابة ويُتبع السيد بالفضل إن كانت أكثر وهو قول ابن القاسم في كتاب "ابن المواز".
والثانى: أنَّ المكاتب يقبض القيمة ويُؤديها على النجوم وهو قول ابن الموَّاز وسحنون في "كتاب ابنه".
فإن لم يكن للسيِّد مال يبعث عليهِ كتابة مكاتبهِ ويكون المكاتب أولى بما يُمنع مِن ذلك وهو قول أحمد بن ميسر.
فإن ساوت قيمة الكتابة قيمة الأمة خرج حرًا إن كان هو المشترى لها.
فإن ساوى مِثل نصف قيمة الأمة فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ المكاتب يأخذ ذلك القدر ويُبقى نصف الأمة للمكاتب رقيقًا ونصفها للسيِّد على حساب أم الولد ويتبع المكاتب السيِّد بنصف قيمة الولد، وهو قول ابن الموَّاز.
والثانى: أنَّهُ إن كان في قيمة الكتابة وفَّى بقيمتها عتق المُكاتب وإن لم يف بقيمتها بقيت أمة للمكاتب ويتبع سيدهُ بقيمة ولدهِ وهو قول أشهب فى "الموَّازية".
والجواب عن الوجه الرابع: في المكاتب إذا وطئ مُكاتبتهُ فحملت منهُ.
فلا خيار لها في تعجيز نفسها.
فإن أدت خرجت مع ولدها أحرارًا.
وإن أدى هو قبلها فولدهُ يخرج معهُ ولها أن تُعجز نفسها.
فإن مات في كتابته قبل خروجها وترك مالًا فيه وفاء بكتابتهِ خرجت هى حُرَّة وولدها.
ولو قوى الولد فعل عتقها سعى مع أقربهما عتقًا فيُعتق بقيتهُ.
ولو كان معهُ ما يُؤدى عن أبويهِ أخذ مِن مالهِ ما يُؤدى عنهما وعتق.
وإن ماتت أولًا وتركت مالًا أخذ من مالها بقية الكتابة وعتق ولدها وورث ما بقى.
وإن لم يكن فيه وفاء فللولد أخذه والسعاية فيهِ وكذلك لو لم يدع شيئًا.
فإن أدوا عنه عُتقوا.
وإن عجزوا كانوا في كتابة أبيهم.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة التاسعة
في كتابة بعض العبد.
ولا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكاتب بعض عبدٍ ملك جميعهُ فلا خلاف في المذهب أنَّ ذلك لا يجوز، وتُردُّ فيه الكتابة.
واختلف إذا فات الأداء على قولين:
أحدهما: أنَهُ يكون رقيقًا لسيِّده ولا يُعتق منهُ شىء وهو قولهُ في "المُدوَّنة".
والثانى: أن السيِّد يحلف ما كان يعلم أنَهُ يُعتق عليه إذا أدى فإن حلف لم يستتم عليهِ.
فإن نَكَلَ يستتم عليه، وهو قولهُ في "المبسوط" في العبد بين الشريكين إذا كاتبه أحدهما نصيبه.
فإن كان عبدًا بينهُ وبين غيره، فلا يخلو من أن يُكاتب شريكه حصَّتهُ أو يتماسك بها.
فإن تماسك بها فإنَّ ذلك لا يجوز اتفاقًا لأنَّ ذلك يصير إلى عتق النصيب بغير تقويم مع ما في ذلك [من] 1 المخاطرة.
لأنَّ أحدهما يأخذ بخراج والآخر يأخذ بنجوم.
واختلف فيه إذا نزل هل تُفسخ الكتابة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّ الكتابة تسقط ويُؤدى عليهِ جميع ما أخذا منهُ ويكون جميعهُ رقيقًا وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".