مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 235-261
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السَّلم الثالث

صفحات 235-261
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقد نص أصحابنا كالقاضي أبي الفرج وابن عبد الحكم على أن السلف على هذا الوجه جائز، فلا يكون ذلك سلفًا جر منفعة؛ لأن ذلك من صيانة الأموال وهي منفعة عامة.
فإن كان الثمن عرضًا، أو كان الشرط في المثمون: اشتراه منه على أن يوفيه إياه ببلد آخر، وكانت السلعة مما لها حملان، أو كانت خفيفة الحملان؛ مثل اللؤلؤ وما أشبهه من قليل المسك: فليس له أن يأخذه إلا في البلد الذي اشترط فيه أخذ ذلك الشىء.
ثم لا يخلو ذلك المشتري من أن يكون معينًا أو مضمونًا في الذمة.
فإن كان معينًا: فلا يجوز، قولًا واحدًا؛ لأنه معين يقبض إلى أجل، وهذا الذي قاله عمر - رضي الله عنه - فأين الحملان يريد الضمان.
وإن كان على أن يقبضه بموضع التتابع، واشترط عليه مع ذلك حملانه إلى بلد آخر: فإن ذلك جائز؛ لأنه بيع وكراء في صفقة واحدة.
وإن كان المشتري مضمونًا في الذمة؛ مثل أن يسلم إليه في طعام ببلد من البلدان على أن يوفيه بمصر: فلا يخلو من أن يسمى له موضعًا، أو لم يسمه.
فإن سمى للقضاء موضعًا؛ مثل أن يشرط عليه أن يوفيه بالفسطاط: فذلك جائز.
فإذا بقي في الأجل قدر مسافة ذلك البلد: جبر البائع على الخروج.
واختلف هل يجوز له أن يوكل من يقضي المشتري طعامه في بلد القضاء ويقعد هو على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز أن يوكل من يخرج مع المشتري، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".

والثاني: أنه لا يبرئه إذا خرج الوكيل؛ إذ لا يستطيع أن يتحول بما له من الطعام في ذمة الوكيل، وقد يضيع الثمن الذي يخرج به الوكيل ليشتري به، وهو مذهب سحنون.
ولو خرج على أنه حميل وكفيل: جاز، قولًا واحدًا، ثم ينظر، فإن سمي له موضعًا بالفسطاط: جاز، وعليه أن يوفيه بالموضع الذي سمى.
فإن لم يسم موضعًا: فلا تخلو تلك السلعة المشتراة من أن يكون لها سوق، أو لا سوق لها.
فإن كان لها سوق، وقد اختلفا في موضع القضاء، هل يوفيها له في سوقها أم لا على قولين: أحدهما: يوفيها له في سوقها، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب السلم الثاني".
والقول الثاني: أنه يوفيها له في داره، وهو المعارف اليوم، وهو مذهب سحنون.
فإن كانت سلعة لا سوق لها: ففيها قولان: أحدهما: أنه أين ما وداه في الفسطاط فإنه يجزئه، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يبرئه حتى يوصلها له في داره، وهو قول سحنون.
فإن لم يسم موضعًا، وإنما أسلمه على أن يقبضه بمصر، فهل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك لا يجوز حتى يسمى له موضعًا؛ لأن مصر ما بين

البحرين إلى أسوان، وهو قوله في "كتاب السَّلم الثاني".
والقول الثاني: أن ذلك جائز، ويحمل على الوفاء بالفسطاط كما قال في "كتاب الرواحل والدواب" في الذي أكرى إبلًا إلى مصر؛ حيث قال: الكراء جائز، ويحمل على الفسطاط، أو يحمل على أن يوفيه في أوائل مصر، وهو ظاهر قوله في "كتاب السَّلم الثالث" في الذي أسلم إلى رجل في طعام على أن يوفيه إياه بأفريقية؛ حيث قال بالجواز، ولا يأخذه إلا بأفريقية، ولم يقل: لا يجوز حتى يسمى موضعًا من أفريقية؛ لأنها أرض عريضة وبلاد كثيرة كما قال في مصر، وذلك منه اختلاف قول؛ لأنه لم يلزم في إحداهما ما يلزم في الأخرى.
وأما سؤال الكراء: فقد فرق المتأخرون بينه وبين سؤال الطعام بأن قالوا: إذا وقع إلى مصر بغير تفسير ولا تعيين موضع: فإنه يحمل على الفسطاط؛ لأنه محط لمطايا القاصدين، ومنهل رحب لسائر الواردين في غالب الأمر؛ بخلاف الطعام في سائر البلدان بالنسبة إلى الحاجة إلى الطعام على سواء، ثم لا يجوز حتى يسمى موضعًا كما قال في "السلم الثاني"، أو يحمل على أوائل البلاد كما هو ظاهر قوله في "السَّلم الثالث" إذا اشترط الوفاء بأفريقية.
والحمد لله وحده.

المسألة الثامنة في الشاة اللبون بطعام

ولا يخلو بيعها بالطعام من أن يكون نقدًا، أو إلى أجل.
فإن كان نقدًا: فلا يخلو بيعها من أن يكون بما يخرج منها من الطعام، أو غيره.
فإن كان بغير ما يخرج منها؛ مثل أن يبيعها بتمر أو بقمح: فإن البيع جائز اتفاقًا.
فإن باعها بما يخرج منها من الطعام؛ متل أن يبيعها باللبن، أو بالجبن، أو بحالوم، أو بسمن، أو بزبد: فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: المنع، وهو ظاهر المدونة من قوله: لا يجوز إلى أجل.
وسبب الخلاف: هل اللبن الذي في الضرع مقصود فيمنع البيع لوجود التفاضل في الجنس الواحد، مع ما هنالك من المزابنة والمخاطرة في شرائها بالزبد والسمن والجبن؟ أو غير مقصود، ويكون بيعًا، على القول بأن الأتباع لا تراعى فيجوز البيع.
وأما الوجه الثاني: إذا كان إلى أجل: فلا يخلو ذلك الطعام أيضًا من أن يكون مما يخرج منها أم لا.
فإن كان لا يخرج منها؛ [كبيعها] 1 بقمح أو شعير: فالمذهب

على قولين: أحدهما: الجواز أيهما تعجل، وهو المنصوص عليه.
والثاني: المنع، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه.
وقد قال في "كتاب ابن حبيب": لا يجوز أن يباع الجبح فيها النحل بطعام إلى أجل يكون فيها العسل، ويجوز إلى أجل قريب لا يكون فيه.
ولا شك أن اللبن كالعسل، والشاة كالنحل.
وسبب الخلاف: ما تقدم من اعتبار ما في الضرع من اللبن؛ فمن اعتبره يكون طعامًا بطعام إلى أجل.
فإن باعها بما يخرج منها: فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: المنع جملة من غير تفصيل بين أن يكون اللبن منقودًا والشاة موعودة، أو بالعكس، وهو ظاهر "المدونة" وهو نصه في "التهذيب" وهو نص قول ابن القاسم في الأسمعة.
والثاني: الجواز -أيهما تقدم- لأن ما في الضرع من اللبن ملغاة، وهو ظاهر "المدونة" من قوله: ولا بأس بالشاة اللبون بطعام إلى أجل.
فإذا كان اللبن مغتفر ملغي في ربا النساء -الذي هو أعم- فبأن يلغي في ربا التفاضل أولى وأحق.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون اللبن منقودًا، والشاة موعودة: فيجوز، أو بالعكس: فلا يجوز.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وهو اختيار ابن الموَّاز.
والرابع: بالتفصيل بين أن تكون الشاة منقودة واللبن موعود: فيجوز،

ولا يجوز إن كان اللبن منقودًا والشاة موعودة، وهو قول أشهب، على عكس قول ابن القاسم.
فمن منع الوجهين جميعًا: رآه سلفًا بزيادة إذا تقدم؛ كالكتان بثوب كتان إلى أجل يمكن إخراجه منه، وهو المزابنة، فإن تقدمت الشاة كان ضمانًا بجعل.
ووجه من جوز الوجهين: أن ما في الضروع من اللبن ملغي، فإذا ألغي بقي اللبن في الشاة، أو الشاة في لبن، وذلك جائز نقدًا، أو إلى أجل -أيهما تقدم.
وسبب الخلاف بين ابن القاسم وأشهب: في الوجهين الأخيرين في الذي يبقى في المزابنة في سلم الشيء فيما يخرج منه هل المعتبر في ذلك استحالة عين المنقود حتى يتكون منه العين الموعود، أو المعتبر كونه منه وإن كان عينه قائمًا لم يتحول؟ فمن اعتبر الاستحالة وانقلاب العين عينًا آخر: جعل ذلك هو المؤثر في المزابنة فجوز مسألتنا؛ لأن ذلك لا يتصور فيها، وإنما يتصور ذلك في الكتان في ثوب كتان، أو سلم شعير، في قصيل.
ومن لم يعتبر الاستحالة، واعتبر تكونه منه خاصة مع بقاء العين: قال بالمنع.
ويلزم قائل هذا القول أن يطرد قوله في الدجاجة البيوضة بالبيض، والتمر بالنخل إلى أجل يتكون منه التمر، واللبن بالشاة إلى أجل يتكون منه اللبن، فيمنع الجميع.
ومن ألزم ذلك فلا حرج عليه؛ لأن النظر يوافقه والدليل يساعده.
ومن هذا المعنى بيع الخلايا يريد الأجباح، ولا يخلو بيعه من أن يكون

بعين، أو بطعام.
فإن باعها بعين: فلا خلاف في الجواز سواء اشتراها في أجباحها، أو اشترى ذباب النحل كيلًا.
فإن اشتراها بطعام: فلا يخلو ذلك الطعام من أن يكون مما يخرج منها أم لا.
فإن كان مما لا يخرج منها؛ كشرائها بقمح أو بتمر: فيجوز ذلك نقدًا -كان فيها العسل أم لا- ولا يجوز إلى أجل بعيد -كان فيها العسل أم لا- لأنه إن لم يكن فيها فسيكون ما بينه وبين الأجل طعامًا بطعام إلى أجل.
فإن لم يكن فيها عسل: فيجوز إلى أجل قريب لا يكون فيها العسل، وهو قول أصبغ.
فإن باعها بما يخرج منها؛ مثل أن يبيعها بعسل: فلا يخلو من أن يشتري ذباب النحل كيلًا، أو يشتريها في أجباحها.
فإن اشترى ذبابها كيلًا فهل يجوز شراؤها بالعسل نقدًا؟ فالمذهب على قولين [قائمين] 1 من "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز.
والثاني: أن ذلك لا يجوز.
وينبني الخلاف: على الخلاف في اعتبار ما في الضرع من اللبن، هل يعتبر أو يلغى؟ فمن اعتبره اعتبر ما في بطون النحل من العسل فيمنع، ومن لم يعتبر

ما في الضرع: لم يعتبر ما في البطون من العسل.
فإن اشتراها إلى أجل: فقولان أيضًا: أحدهما: الجواز -أيهما تقدم- وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أن ذلك لا يجوز -أيهما تقدم- وهو ظاهر قول ابن القاسم في الشاة اللبون باللبن.
قال أبو إسحاق التونسي: وفيما قاله ابن حبيب نظر؛ لأن النحل إذا كانت تأكل ما يصير في بطونها عسلًا فما الفرق بينهما وبين الشاة اللبون؟ وما قاله صحيح لازم.
فإن اشتراها في أجباحها بالعسل: فلا يخلو من أن يكون فيها العسل أم لا.
فإن كان فيها العسل: فلا يخلو من أن يكون قليلًا، أو كثيرًا.
فإن كان كثيرًا: فلا يجوز، قولًا واحدًا، لا نقدًا ولا إلى أجل؛ لأن ذلك طعام بطعام متفاضلًا، مع ما في ذلك من ربا النساء إذا كان إلى أجل.
فإن كان قليلًا: فلا يخلو من أن يكون فيه فضل عن قوتها أم لا.
فإن كان فيه فضل عن قوتها هل يجوز بيعها بالعسل أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز جملة -نقدًا أو إلى أجل- وهو أحد أقاويل المذهب في حلية السيف إذا كانت تبعًا.
والثاني: المنع جملة -لا نقدًا ولا إلى أجل- وهو قول ابن القاسم في مسألة السيف.

فإذا جوز ذلك في حلية السيف، وليس في زوالها أكثر من أداء الأجرة على إعادتها، فبأن يجوز في العسل -الذي إن قطع هلك النحل- أولى، وهذه طريقة أبي الحسن اللخمي.
فإن لم يكن فيه فضل عن قوتها، أو لا عسل فيها أصلًا فهل يجوز بيعها بالعسل أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن الموَّاز.
والثاني: أنه يجوز بيعها بالعسل؛ لأنه إذا لم يكن فيها عسل أو فيها مقدار قوتها فما المانع من بيعها بالعسل، وتكون كشاة لا لبن فيها أسلم فيها لبن إلى أجل فهو جائز، إلا أن يقال: إن النحل لا يخلو من عمل العسل كل وقت والأجباح وإن لم يكن فيها عسل فالعسل موجود في النحل فيصير كلبن في شاة لبون، وهذه طريقة أبي إسحاق التونسي.
والحمد لله وحده.

المسألة التاسعة في [بيع] (1) اللحم بالحيوان

والأصل في ذلك ما رواه مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع الحيوان باللحم" 2. وبعموم الخبر في المنع في جميع الأجناس يقول الشافعي: أي وجواز بيعه بالحيوان عمومًا من غير تفصيل.
ويقول الحنفي على أصل مذهبه في تقديم القياس الجلي على أخبار الآحاد.
وأما مالك - رضي الله عنه - فتوسط على المذهبين وجمع بين الحالتين، فاستعمل الخبر في الجنس الواحد مما لا يجوز التفاضل في لحمه؛ فأشبه مذهبه من هذا الطرف مذهب الشافعي، وأهمله فيما بين الأجناس المختلفة لجواز التفاضل بين لحومها اتفاقًا، فينبغي أن يكون الحي منها كمذمومها، فأشبه مذهب أبي حنيفة من هذا الوجه، وهو من باب تخصيص العموم بالقياس، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون.
فإذا ثبت ذلك فهل يسري النهي في الحيوان المراد للقنية والذبح أو هو مقصور على الحيوان المراد للحم خاصة، وإنما يعتبر التفاضل بين اللحم، والحيوان، فإذا تحققت التفاضل وظهر جاز البيع.
فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك عام في كل جنس مما يراد للأمرين، أو لا يراد إلا1

للحم، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه مخصص بما يراد للحم خاصة دون ما يراد منه للأمرين جميعًا؛ كالكسير والشارف، وهو مذهب "المدونة"، وهو الذي حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن شيوخه.
والقول الثالث: أنه يجوز بيع اللحم من جنسه عمومًا، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
وسبب الخلاف: اختلافهم في النهي عن بيع اللحم بالحيوان هل هو معلل، أو غير معلل؛ فمن علله بالمزابنة وحدها فيقول: إذا تحقق التفاضل؛ كبيع شاة برطل لحم: فإنه يجوز، سواء كانت الشاة مرادة للأمرين كالصحيحة, أو مرادة للحم خاصة كالشارف والمنخنقة وأخواتها، وعلى هذا يحمل ما وقع لمالك في "الموَّازية".
ومن علل بالمزابنة مع التفاضل: فإن النهي مقصور على ما يراد للحم خاصة دون ما عداه؛ كالمعلوفة، والمكسورة، وغيرهما، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنها في حكم اللحم، فالتفاضل فيه حرام لأنه جنس واحد.
وقد اضطرب قول ابن القاسم فيما كان مآله اللحم على كل حال، هل حكمه حكم الحي أو حكمه حكم اللحم، فجعله مع الحي لحمًا، ومع اللحم حيًا، ومثل هذا لا يجري على سبيل التحقيق؛ لأنه قال فيمن أسلم في دجاج فأخذ فيها طيرًا من طير الماء؛ حيث قال: لا يجوز، فجعله هاهنا من الحي لحمًا.
وقال فيما يراد للحم ولا منفعة فيه غيرها: أنه لا يجوز باللحم فأعطاه حكم الحي.
ومن رأى أن الخبر غير معلل استعمل النهي فيما يراد للأمرين جميعًا،

وفيما يراد لشيء واحد، وهو مشهور المذهب.
وأما بيع اللحم باللحم: فإن اختلفت الأجناس: جاز التفاضل كذوات الريش وذوات الماء وذوات الأربع.
فإن اتفق الجنس مع التفاضل مع اتفاق الصنعة فإن اختلفت الصنعة: جاز التفاضل، ولا خلاف أن النار في اللحوم والزيوت بانفرادها ليست بصنعة إلا أن يدخلها الأبزار، بخلاف الحبوب فإن النار بمجردها صنعة تبيح التفاضل في الجنس الواحد منها.
وتحصيل ما في الكتاب أن يقول: لا يخلو اللحم من أن يكون نيِّا عريضًا، أو قديدًا، أو مشويِّا، أو مقلوِّا، أو مطبوخًا: فالمقلي والمطبوخ بالأبزار يجوز بيعه بالجميع متماثلًا ومتفاضلًا.
وفي الني الطري بالقديد عن مالك قولان أيضًا.
وفي المشوي بالقديد قولان؛ نص "المدونة" المنع متفاضلًا ومتماثلًا، ويلزم منه قول آخر بالجواز.
وسبب الخلاف: هل يدرك فيها التماثل بالتحري فيجوز البيع متماثلًا، أو لا يدرك فيكون ذلك مزابنة فيمنع من كل وجه؛ لأنه من باب الرطب باليابس.
وهذا كله إذا كان القديد والمشوي بالأبزار.
وأما إن دخلتهما الأبزار: فإن ذلك كالقلية.
وأما الربوب: فإن النار فيها ليست بصنعة تبيح التفاضل بينها وبين أصولها رب القصب الحلو برب القصب أو بالحلاوة، أو رب العنب بالعنب أو بعصيره، أو رب التمر بالتمر لاتحاد المنفعة في الأصل.

وما يكون ملة فإذا دخلت فيه الأبزار جاز التفاضل عند ذلك لأنه صار عقيدًا.
وأما الحبوب: فإن النار فيها بانفرادها فيها صنعة تبيح التفاضل كالمقلو مع الني على كراهة مالك في المقلو حتى يطحن، فإذا صار خبزًا جاز التفاضل بينه وبين أصوله.
واختلف في الأخباز هل يجوز التفاضل فيما بينها اعتبارًا بأصولها، أو لا يجوز لاتحاد الاسم وتقارب المنافع؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تابعة لأصولها، وأن التفاضل جائز، وأن القمح والشعير والسَّلت صنف واحد، وأخبازها صنف.
والقطاني قد جعلها مالك في الزكاة صنفًا واحدًا، واختلف في قوله فيها في ["كتاب] 1 السلم الثالث"؛ فمرة جعلها صنفًا واحدًا فيمنع التفاضل فيها، ومرة جعلها أصنافًا فيجوز التفاضل فيها.
واختلف أيضًا في الأرز والدخن والذرة هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة؟ على قولين.
ولا خلاف في باب الربا أنها أصناف.
فعلى هذا القول تكون الأخباز تابعة لأصولها، وهو قوله في "المدونة"، وقاله أشهب.
ولابن القاسم في "الموَّازية" قول ثالث: أن القطاني كلها صنف واحد، إلا البسيلة والجلبان فهما صنف واحد، واللوبيا والحمص صنف واحد.

ولأشهب قول آخر أنها كلها صنف واحد، إلا الفول، والعدس، والحمص فإنه صنف واحد.
فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: .... والثاني: أن الأخباز كلها صنف واحد، فلا يجوز التفاضل فيها وإن اختلفت أصولها، وهو قول أشهب في "الموَّازية".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أخباز الأرز، والدخن، والذرة الحمراء أو البيضاء، وأخباز القمح والشعير: فلا يجوز التفاضل فيها، وأخباز سائر القطاني جنس واحد يمنع التفاضل فيها، ويكون بينهما وبين غيرها، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى بن يحيى عنه في "العتبية" وجعلها كالخل من أصناف مختلفة.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الألقاب والتسميات، أو النظر إلى تقارب المنافع.
وأما الزيوت: فإنها تابعة لأصولها: فإنه يجوز التفاضل فيها لاختلاف منافعها وأصولها؛ كزيت الزيتون، وزيت السمسم -وهو الشيرق، وهو السليط، وزيت السلجم وزيت الخردل: فإن التفاضل فيها جائز كأصولها.
وأما العسل: فهو أصناف مختلفة يجوز التفاضل فيها.
وأما الخلول: فإنها صنف واحد لا يجوز التفاضل فيها؛ لاتحاد منفعتها وتقاربها.
فإن كانت مختلفة كالعنب، والتين، والتمر، والعسل، وكثير من معاني هذا الباب تقدمت في كتاب الزكاة الثاني.
وأما الألبان وما يتولد عنه: فإنها سبعة أوجه؟ ثلاثة في اللبن، وأربعة فيما يتولد عنه.

فأما الثلاثة التي في اللبن فهو: حليب، ومخيض، ومضروب.
وأما الأربعة فيما يتولد عنه فهو: زبد، وسمن، وجبن، وأقط.
فبيع الحليب، وبيع الزبد بالزبد، والسمن بالسمن، والجبن بالجبن، والأقط بالأقط متفاضلًا حرام قولًا واحدًا.
وأما بيع الحليب بالحليب متماثلًا: فقد اختلف فيه على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: الجواز، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث".
والثاني: المنع، وهذا القول حكاه أبو الفرج عن مالك في "الحاوي".
وسبب الخلاف: هل المقصود استخراج زبدهما فيمنع من وجه الغرر، لا من وجه المماثلة الموجودة، وإنما منع للغرر والمخاطرة؛ لأن كل واحد منهما يقول: لعلي أخرج من الذي أخذت أكثر مما يستخرجه الآخر، ولاسيما لما علم بالمشاهدة أن بعض الحيوانات من البقر والغنم يكون لبنها أكثر زبدًا من لبن بعض، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع.
أو المقصود استعمال ذلك الحليب في الطبيخ وغيره، لا ليستخرج زبده: فيجوز.
وأما بيع الزبد بالزبد، أو السمن بالسمن متماثلًا: فإنه يجوز، قولًا واحدًا.
وأما الجبن بالجبن: فإن كان يابسًا كله، أو رطبًا كله: فإنه يجوز متماثلًا.
وإن كان أحدهما رطبًا، والآخر يابسًا: فلا تجوز المزابنة.
وأما الحليب بالزبد، أو بالسمن، أو بالجبن، أو بالأقط: فإن ذلك لا

يجوز لأجل المزابنة؛ لأن الحليب يستخرج ذلك منه كله.
ولا يجوز الزبد بالسمن، ولا بالجبن، ولا بالأقط، ولا يجوز بيع شيء من هذه الأشياء بالآخر؛ لأن الادخار موجود، والتفاضل ممنوع، والمماثلة معدومة؛ والعلة في ذلك المزابنة؛ لأنه من باب الرطب باليابس.
وأما الحليب بالمضروب الذي أخرج زبده، أو المضروب بالزبد، أو بالسمن، أو بالجبن فهل يجوز بيعه، أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز، وهو مذهب "المدونة"، وقد نص في آخر "كتاب السلم الثالث" على جواز التفاضل بين المضروب والحليب، وعلى أن المضروب بالزبد جائز أيضًا.
والثاني: أن ذلك لا يجوز جملة.
وهذا الخلاف حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي.
وينبني هذا الخلاف: على الخلاف في بيع المضروب بالمضروب والمخيض بالمخيض هل يجوز التفاضل فيهما أم لا؟ فمن جوز التفاضل فيهما قال: لأنهما لا يدخران فجوز بيع أحدهما بأي ذلك أحب من الحليب متفاضلًا، وبغيره من جميع ما ذكرنا من الزبد والسمن وغيرهما.
ومن منع التفاضل فيهما منع أن يبيع شيئًا منهما بحليب أو زبد أو سمن، أو غيرهما مما تقدم ذكره؛ لأنه من باب الرطب باليابس.
واختار اللخمي أن يجوز التفاضل في المخيض والمضروب لأنه مما لا يدخر.
فهذا تحصيل ما لا يشكل على المتعلم في هذه المسألة، والحمد لله وحده.

المسألة العاشرة في بيع الجزاف

ولا يخلو المبيع جزافًا من أن يكون مصبرًا على الأرض أو يكون في أعدال وأوعية.
فإن كان مصبرًا على الأرض: فلا يخلو المبيعان جزافًا من أن يكونا مما يجوز التفاضل بينهما أم لا.
فإن لم [يعلم] 1 التفاضل بينهما: لم يجز الجزاف بوجه؛ لأنه الجهل بالمقدار ممنوع في هذا الوجه لكون التماثل فيه شرط الصحة، وشرط الصحة يجب أن يعلم حصوله إذ الجهل بالتماثل في تحريم التفاضل.
فالعلم بالتفاضل إلا ما كان على جهة التحري؛ مثل ما قالوه في بيع اللحم والخبز بعضه ببعض توخي السلامة من التفاضل وتوسم المماثلة عند المتناول وهي جائزة على التحري في الموزون دون المكيل؛ إذ لا يكاد الكيل يعدم ولو بالحقنة والميزان ربما يتعذر.
وهل يجوز في القليل والكثير؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يجوز في القليل والكثير؛ لأن الحرز والتخمين طريق إلى معرفة المقدار، وعلى هذا حمل بعضهم قول مالك في "الكتاب"، وجوز التحري على الإطلاق في الحواضر والبوادي.

والثاني: أنه يجوز في قليل المقدور على حدسه وحرزه وتخمينه، ولا يجوز في الكثير، ولا في الحاضرة لوجود الموازين، فإن العدل عنها مع وجودها كترك النص إلى الاجتهاد.
واختلف المتأخرون في كيفية التحري في اللحم على قولين: أحدهما: أن يريه قدرًا معلومًا فيقول له: أسلمت إليك في مثل هذا القدر من اللحم.
والثاني: أن يقول له: أسلمت إليك في قدر ما فيه عشرة أرطال من اللحم.
وهذا الثاني أسعد بظاهر "الكتاب".
وأما الوجه الثاني مما يجوز فيه التفاضل: فلا خلاف في ثبوت الجزاف فيه على الجملة، ولجوازه عندنا في المذهب خمسة شروط: أحدها: أن يتيقن التفاضل بين الجانبين.
والثاني: أن يكون في المعدود والمكيل.
والثالث: أن يكون المبيع مما يتأتي حرزه وتخمينه.
والرابع: أن تكون في الكثرة بحيث يخفى قدره ومبلغه على التحقيق.
والخامس: ألا ينفرد أحدهما بمعرفة المقدار.
فإذا انخرم وَصْفٌ من هذه الأوصاف خرج من صورة الجواز إلى صورة المنع.
وقولنا: أن يتبين الفصل بين الجانبين احترازًا من الجهل بالتماثل أو التفاضل؛ لأنه إذا جهل أحد الوصفين حرمت المجازفة حينئذ؛ لأن ذلك مخاطرة ومزابنة وإن كان ترابًا.

وقولنا: وأن يكون في الكيل والموزون الذي لا يتعين آحاده وأعداده في التسميات والمعدود الذي الغرض منه مبلغه ومنتهاه احترازًا من الدنانير والدراهم والفلوس.
وأما الفلوس: فسنعقد فيها مسألة مفردة إن شاء الله بعد تمام هذه المسألة.
وأما الدنانير والدراهم: فقد اختلف المتأخرون في منع جريان الجزاف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المنع في جريان الجزاف على الكراهة، لا على التحريم، وإليه ذهب القاضي أبو الحسن بن القطان.
والثاني: أن ذلك على التحريم؛ حيث يجري عددًا مجرى الموازنة حتى رغب الناس فيها لخفتها ولخفائها لأنه يدخل في المائة بالوزن منها مائة وعشرون عددًا، وهي مع ذلك تنفق مفردة، فإذا بيعت جزافًا دخلها الغرر من وجهين: أحدهما: من جهة المبلغ في الوزن.
والثاني: من جهة المبلغ في العدد.
فتكاثر الغرر، وتكاثف الخطر، ولا جرم حرم.
وأما سائر المكيلات والموزونات: فالغرر فيه من جهة الكيل والوزن لا غير، وذلك يدرك بالحرز، وأشار إلى جريان الجزاف بحيث لا يجري إلا وزنًا، وإلى هذا ذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب.
والثاني: أن العلة في ذلك كون العين لا تتيقن عند العقد، وأن العقد على الدنانير والدراهم إنما يتناول في الذمة، ولا مجال للجزاف فيما ثبت بالذمة؛ إذا لا يثبت فيه المقدار، ومتى ما قلنا أن النقود تتعين إذا عينت فلا

فرق بينها وبين سائر الموزونات في جواز الجزاف؛ ولهذا جاز في متبور الذهب والفضة لمصنوعهما لما تعين، وإلى هذا ذهب بعض مشايخ الأندلسيين.
وقولنا: والمعدود الذي الغرض منه مبلغه ومنتهاه؛ احترازًا مما يقصد منه آحاده وأعيانه، وتختلف القيمة باختلافها كالعبيد والحيوان والثياب، وغيرها مما يعظم الخطر بالغلط ببعض أعيانها: فإنه لا يجوز الجزاف فيه بوجه؛ لأن آحاده وأعيانه؛ كالجواز، واللوز، والرمان، والزيتون، والقثاء، والبطيخ، وصغار الحيتان دون كبارها: فلا إشكال في جواز الجزاف فيها لتفاهة الخطر والغرر فيما يقع فيه الغلط إذ لا كبير قيمة تعجز من أخذ جملتها فضلًا عن آحادها وأعيانها، والضابط لذلك أن يقال: كل ما يعد ولا يكتال ويعظم فيه الخطر: فلا يجوز فيه الجزاف، وكل ما يعد ويكتال ويقل فيه الخطر: فالجزاف فيه جائز.
وقولنا: أن يكون المبيع مما يتأتي حرزه وحدسه، وذلك بأن يكون مرئيًا احترازًا من الغائب الذي لم يتقدم رؤيته، والثابت في الذمة الذي لا يتأتي حرزه.
وقولنا: أن تكون في الكثرة بحيث يخفى أمره ومبلغه على التحقيق احترازًا من الشىء اليسير والنذر الحقير الذي لم يدرك بحقيقه ومعرفة قدره بأدنى تأمل؛ لأنه في حكم المعلوم قدره، وهو قول ابن حبيب.
وقولنا: ولا ينفرد أحدهما بمعرفة المقدار، فإن انفرد أحدهما بالعلم فلابد له من البيان، وإلا صار مدلسًا ويجب الرد للمشتري من غير خلاف عندنا في المكيل والموزون كالمعدود الذي تتفاوت أقداره في التفاوت كالقثاء والبطيخ والأترج قولان:

أحدهما: وجوب البيان؛ قياسًا على المتفق عليه أنه أدرك أحد ركني العلم بالمقدر فلابد أن يبين طوله وغلظه، وهو قول ابن الموَّاز.
والقول الثاني: أنه لا يلزم البيان؛ لأن الغرض فيما هاهنا المبلغ دون الأعيان، فلم يضره الانفراد بمعرفة ما ليس بمقصود كما لو انفرد بمعرفة أعداد حبات المكيل والموزون، وهذا قول مالك في "المبسوط"، وبه قال ابن حبيب، فقال: وإن عرف العدد أيضًا فإنه يجوز؛ لأن معرفة العدد لا تؤدي إلى معرفة أقدارها في الصغر والكبر.
فعلى القول بلزوم البيان، فلو أراد المبتاع أحدها جزافًا مع علمه بانفراد البائع بمعرفة المقدار: فقد قال مالك: لا يجوز ذلك.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في "شرح الرسالة": لأنهما قصدا بذلك العقد ضربًا من الخطر؛ لأن الجزاف في نفسه خطر، وإنما أبيح للرفق ولزوم المشقة بانفراد البائع بالعلم يصير للمشتري طريقًا إلى معرفة ذلك، فإذا رضي بأن لا يعلمه فقد رضي بالغرر.
وقال ابن القصار: وهذا كالممتنع؛ لأنه قال: إذا لم يعلم المشتري فهو عيب، وإن علم ورضي بأن لا يعلمه لم يجز، وهذا يناقض كونه عيبًا؛ لأن البائع لو أوقف المشتري على العيب ورضيه: جاز.
وقال القاضى عبد الوهاب: في هذا الذي قاله نظر، والمسألة صحيحة غير ممتنعة؛ لأنه لا يمتنع أن يقع العقد على صفة يكون للمشتري الخيار إذا لم يعلم بها, ولو علم بها حين العقد لم يجز؛ لافتراق الحال في الأمرين لأنه يكون إذا رضي غرر، ومؤديًا إلى ما لا يحل، بخلاف إذا لم يعلم كما يقوله في بيع الفضولي إذا لم يعلم المشتري: فالبيع صحيح، غير أنه

موقوف على إجازة المخير، ولو علم المشتري بكونه فضوليًا حين العقد لم ينتظم العقد.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان المبيع جزافًا في الأعدال والأوعية كالعدل المملوء قمحًا، والبيت المملوء تمرًا فهو من باب الجزاف فيجوز، فالمذهب على قولين: أحدهما: [أنه] 1 من باب الجزاف، فيجوز إذا أمكن حرز المبيع بمعرفة طول البيت وعرضه، وارتفاع شفعة، وغلظ جدرانه، وكذلك السلة المملوءة عنبًا وتينًا.
والثانى: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه من باب المكيل بالكيل المجهول.
والقولان في المدونة في ["كتاب] 2 السلم الثاني" في البيع المجهول وغيره.
وعلى القول بالجواز، فلو ابتاع ملأها وهي فارغة؛ مثل أن يقول له: اشتريت منك على مثل هذه الغرارة قمحًا بكذا، أو ملىء هذه القارورة، أو ملء هذا البيت، أو هذه السلة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه جزاف غير مرئي ومن شروط الجزاف أن يكون مرئيًا.
والثاني: أنه يجوز في السلال دون غيرها من الأوعية؛ مثل أن يشتري ملء هذه السلة من العنب، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، وفرق

بينها وبين غرائر القمح والشعير.
فإن قال: فكلما يجوز السلم في قلال التين، ولا يجوز في غرائر القمح، فكذلك يجوز بيع [ملأها] 1. والثالث: أن ذلك لا يجوز، فإن نزل: جاز ومضى، وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في هذا الباب هل هو من باب الجزاف فلذلك لم يجز إلا في مرئي، أو هو من باب الكيل المجهول فلذلك جاز في العنب والتين؛ لأنه ليس في الكيل قدر معروف، ولا يجوز في القمح؛ لأنه في الكيل قدرًا معروفًا، فالعدول من الكيل المعروف المألوف بين الخاص والعام قصدٌ للغرر.
والحمد لله وحده.

المسألة الحادية عشرة في حكم الفلوس

وقد اختلف قوله في مسائل لاختلاف روايته في أصلها هل هي كالعروض أو كالعين؛ فجعلها في "كتاب الزكاة الأول" من العروض، وأنها لا تزكي إلا في الإدارة، فيقومها المدير.
وجعلها مرة في "كتاب الصرف" كالعين، وشدد فيها، وقال: لا تصلح فيها النظرة، ومنع التفاضل فيها، وظاهره المنع جملة كالمعين.
وقال بعد هذا ليست كالدنانير والدراهم في جميع الأشياء وليست كالحرام البين، ولكني أكره التأخير فيها، وخطها في "كتاب السلم" كالعين، وقال: لا تسلم في الدنانير والدراهم، وتسلم في ما عداها من العروض والطعام.
وجعلها في "كتاب السلم الثاني" كالعروض إذا وَاكَلَه أن يبيع له سلعة فباعها بالفلوس؛ حيث قال: هو ضامن إلا أن تكون سلعة يسيرة الثمن مثلها يباع بالفلوس.
وجعلها في "كتاب القراض" حيث قال بجواز بيعها نظرة في رواية عبد الرحيم.
وقال في رواية: لا يصلح العروض بالفلوس.
وجعلها في "كتاب العارية" كالعين؛ حيث قال: إن أعارها فهي في قرض.
وجعلها في "كتاب الاستحقاق" كالعين؛ حيث قال: إن استحقت وكانت رأس المال أتى بمثلها كالعين.

وجعلها في "كتاب الرهن" كالعين؛ حيث قال: يجوز منها، ويطبع عليها كالعين.
فانظر كيف اضطرب قول مالك في هذه الأجوبة، فالذي يتحصل من ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنها كالعين جملة و [الثاني: أنها] 1 كالعروض جملة، ويجوز التفاضل فيها مع النظرة.
والثالث: الكراهة.
والرابع: التفصيل بين القليل والكثير؛ ففي الكثير حكمها حكم العروض، وفي القليل: حكمها حكم العين، وهو قوله في "كتاب السلم الثاني".
وسبب الخلاف: اختلافهم في التعليل بجوهرية الأثمان هل هي علة صحيحة يصح التعليل بها أم لا؟ فمن جعلها علة صحيحة فيجوز التعليل بها قال: حكمها حكم العين لعموم العلة وشمولها سائر الأثمان.
ومن منع التعليل بجوهرية الأثمان لعدم المناسبة والإخالة التي هي شرط في صحة العلة وإنما المنع تعبد قال: إنها كالعروض.
والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمَّد وآله وسلامه.

كتاب الآجال

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل