مقدمة المحقق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقال أيضًا: "ما عُبد الله بشيء أفضل من العلم" 1.
وقال أيضًا: "يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يبعث العلماء، ثم يقول: يا معشر العلماء: إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم؛ اذهبوا فقد غفرت لكم" 2.
[وأما الآثار فمنها ما] 3 قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل ابن زياد: "العلم خير من المال [العلم] 4 يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم فيه، والمال تُنقصه النفقة، والعلم
يزكو مع الإنفاق".
وقال أيضًا: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد؛ فإذا مات العالم ثُلم [في] 5 الإسلام ثُلْمة لا يسدها إلا خلف منه، وقال رضي الله عنه [شعرًا] 6:
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ ... على الهدى لمن استهدى أدلَّاء
ووزن كل امرئ ما كان يُحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقال [رضي الله عنه نثرًا] 7: قيمة كل امرئ ما كان [يحسنه] 8؛
فنظمه بعض الشعراء [شعرًا] 1.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الإمام العادل المتقن: "كل امرئ قيمته عندنا، وعند أهل الأرض ما يحسنه".
وقال الآخر 2:
[كبيب] 3 مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم عليَّ إن رحت [للعلم طالبًا] 4 ... لأجمع من عند الرواة فنونه
[وأعرف] 5 أبكار [العلوم] 6 وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أن العلم لا يجلب الغنا ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أُغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه
[ق/ 3 أ] وقال [أبو] 7 الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك
حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خُيِّر سليمان بين العلم، والمال، والملك، فاختار العلم؛ فأعطى المال، والملك، والحكمة.
وسُئل ابن المبارك [ق/ 2 ب] عن خبر الناس؛ قال: العلماء، فقيل له: ومن الملوك؟ فقال: الزهاد، فقيل له: ومن السّفَلَة؟ فقال: الذي يأكل بدينه، ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي تميز الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسان لما هو شريف لأجله، وليس ذلك لقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، [ولا] 1 لعظمته، فإن الليل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن الأسد أشجع؛ بل لم يخلق إلا للعلم.
وقال بعض الحكماء: ليت شعري! أي شيء أدْرَكَ من فاته العلم، وأي شيء فات من أَدْرَكَ العلم.
وقال فتح الموصلي رضي الله عنه: أليس المريض إذا مُنع الطعام، والشراب ثلاثة أيام يموت؟ قالوا: نعم، قال: [و] 2 كذلك القلب؛ إذا مُنع العلم، والحكمة ثلاثة أيام يموت.
ولقد صدق؛ فإن غذاء القلوب العلم والحكمة، وبه حياته كما أن غذاء الجسم الطعام والشراب، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم لا يشعر به؛ لانهماكه في الدنيا وبحبه إياها؛ بل بطل إحساسه كما أن غلبة الخوف قد يبطل إحساس ألم [الجراح] 3 في الحال، وإن كان واقعًا، فإذا حَطَّ الموت عنه إعياء الدنيا أحس بهلاكه، وتحسر تحسرًا لا ينفعه كما أن الخائف والمغشى عليه إذا استفاق من غشيته أو من خوفه [أحس] 4 بألم ما وقع
فيه من الجراح، فنعوذ بالله من [الفضيحة يومًا يكشف فيه الغطاء] 1. ولذلك قيل: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.
وقال عبد الله بن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يُرفع، ورفعه: أن يُرفع روَاته؛ فوالذي نفسي بيده: ليودَّن رجال قُتلوا في سبيل الله [شهداء] 2 أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، وإن أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم.
وقال الأحنف بن قيس: كاد العلماء أن يكونوا أربابًا، وكل عِز لم يؤكد بالعلم [: فالذل] 3 مصيره.
وقال سالم بن [أبي] الجعد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم، و [أعتقني] 4، فقلت: بأي حرفة أحترف؟ فاحترفت [بالعلم، فما تمت عليَّ سنة إلا جاء [أمير المؤمنين] 5 يزورني فلم آذن له.
وقال الزبير بن [أبي المبارك] 6: كتب إلى أبي بالعراق: عليك بالعلم؛ فإن افتقرت: كان لك مالًا، وإن استغنيت: كان لك جمالًا.
...
باب: في فضل [التعلم]
1 وأما فضيلة التعلم فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ الآية 2. وقوله جلَّ وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 3. وأما الأخبار؛ فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سلك طريقًا يطلب فيه العلم: سلك الله به طريقًا إلى الجنة" 4، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع" 5. وقال أيضًا: "لأن تغدوا، فتتعلم بابًا من العلم: خير من أن تصلي مائة ركعة" 6. وقال أيضًا: "باب من العلم يتعلمه الرجل خير [له] 7 من الدنيا وما فيها" 8. وقال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" 9. وقال أيضًا: "العلم خزائن، ومفاتحه السؤال، فاسألوا فإنه يؤجر فيه
أربعة، السائل، والعالم، والمستمع لهم، والمستجيب لهم" 1.
وفي حديث أبي ذر: "حضور مجلس العلم خير من صلاة ألف ركعة، ومن عيادة ألف مريض، وشهود ألف جنازة"، فقيل: يا رسول الله: [ومن] 2 قراءه القرآن؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل [ينفع القرآن] 3 إلا بالعلم".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ومن جاءه الموت، وهو يطلب العلم: جاء يوم القيامة، وبينه وبين الأنبياء درجة واحدة" 4.
وأما الآثار؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "ذللت طالبًا [فعززت] 5 مطلوبًا" ولذك قال ابن أبي مليكة: "ما رأيت مثل ابن عباس؛ إذا رأيته: رأيت خير الناس وجهًا، فإذا تكلم: كان أعذب الناس لسانًا، فإذا أفتى: كان أكثر الناس علمًا".
وقال ابن المبارك أيضًا: "عجبت لمن يطلب العلم كيف تدعوه نفسه [إلى مكرهة] 6 ".
وقال أبو الدرداء: "لأن أتعلم مسألة أحب إليّ من قيام [ليلة] 7 ".
وقال أيضًا: "العالم والمتعلم شريكان، وسائر الناس همج [رعاع] 1 لا خير فيهم".
وقال عطاء: "مجلس [خير] 2 يكفر سبعين [مجلسًا من] 3 مجالس اللهو".
وأما فضيلة التعليم، فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ 4، والمراد به: الإرشاد والتعليم.
وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [وَلَا تَكْتُمُونَهُ] 5﴾ 6.
ومن الأخبار: قوله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذًا إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها" 7.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من تعلم بابًا من العلم [ليعلمه] 8 الناس أعطى ثواب سبعين صديقًا" 9.
وقال [عيسى عليه السلام] 10 من عَلِمَ، وعمل وعلَّم، فذلك
[يُدعى عظيمًا يوم القيامة في ملكوت السماوَات] 1. وقال - صلى الله عليه وسلم -: " [إن الله] 2 لا ينزع العلم انتزاعًا من الناس بعد أن يؤتهم إياه، ولكن يذهب بذهاب العلماء؛ فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم [حتى إذا لم يبق عالم] 3 اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا؛ إن سُئلوا أفتوا بغير علم، فيضلون ويضلون" 4. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من سُئل عن علم علمه فكتمه: أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" 5. وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فرأى مجلسين؛ أحدهما يدعون [إلى] 6 الله، [ويرجونه] 7 ويرغبون إليه، والثاني: يعلمون الناس، فقال: "أما هؤلاء فيسألون الله تعالى، فإن شاء أعطاهم، وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس، وإنما بعثت معلمًا، ثم عدل إليهم فجلس معهم" 8. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مثل ما بعثني الله به من العلم، والهدى كمثل الغيث الكثير، أصابت أرضًا، فكانت [منها] 9 بقعة قبلت الماء، فأنبتت
الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت [الماء] 1 فنفع الله به الناس؛ فشربوا [منها] 2 وسقوا وزرعوا، وكانت [منها] 3 طائفة قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ" 4.
فالأول ذكره مثلًا للمنتفع بعلمه، والثاني: مثلًا للنافع، والثالث: للمحروم [منه] 5.
وقال أيضًا: "لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" 6.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ["رحمة الله على خلفائي"]، 7: قيل: من خلفاؤك؟ قال: "الذي يُحيون سنتي، ويعلمونها عباد الله سبحانه" 8.
ومن الآثار: [ما قال] عمر 9: من حدث بحديث فعُمل به، فله أجر ذلك العامل.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: مُعلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر.
وقد روى أن سفيان الثوري قدم عسقلان، فمكث فيها ثلاثة أيام لا يسأله [الناس] 1 فقال: [اكتروا] 2 لي [لأخرج] 3 من هذا البلد؛ هذا بلد يموت فيه العلم" 4.
وإنما قال ذلك حرصًا على فضيلة التعليم، واستبقاء للعلم به.
وقال عطاء: دخلت على سعيد بن المسيب -وهو يبكي- فقلت [له] 5: وما يبكيك؟ فقال: ليس أحد يسألني عن شيء.
وقال [بعضهم] 6: العلماء سراج الأزمنة، وكل واحد منهم سراج أهل زمانه؛ يستضىء [به أهل زمانه] 7.
وقال الحسن رضي الله عنه: لولا العلماء صار الناس مثل البهائم، أي: [فالتعليم يخرجه من حد البهيمية] 8 إلى حد الإنسانية.
وقال عكرمة: إن لهذا العلم ثمن، [قيل] 9: وما هو؟ قال: أن تضعوه فيمن يحسن حمله، ولا يضيعه.
وقال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، [والعلماء] 10 يحفظونهم من نار الآخرة.
وقيل: أول العلم الصمت, ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العلم، ثم نشره.
وقال معاذ بن جبل [رضي الله عنه] 1 في التعليم والتعلم -[وهو أيضًا مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -] 2: تعلموا العلم؛ فإن تعلمه [لله] 3 خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل [في] 4 السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، [والقريب] 5 عند [الغرباء] 6 [ومنازل المحبة] 7 يرفع الله [بها] 8 أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة سادة يقتدى بهم؛ لأنهم أدلة في الخير، تقص آثارهم، وتُرمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، [وبأجنحتها] 9 تمسحهم، كل رطب ويابس [لهم يستغفر] 10 حتى الحيتان في البحر وهوامه، وسباع البر [وأنعامه] 11 والسماء ونجومها؛ لأن العلم حياة القلوب من [العدم] 12 ونور الأبصار من الظلام، وقوة
الأبدان من الضعف [يبلغ العبد المنازل] 1 والدرجات العلا، والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يُطاع الله سبحانه، وبه يُعبد [به] 2 ويُوحد، وبه يُتورع، وبه [توصل] 3 الأرحام، وهو [الإمام] 4 والعمل تابعه، يُلهَمه السعداء، ويُحرمه الأشقياء.
فإذا ثبت ذلك، فطلب العلم [والتفقه في الدين] 5 من فروض الكفاية؛ فمن قام به سقط [الفرض] 6 عن الباقين، إلا ما لا يسع المكلف جهله من صفة وضوئه وصلاته وصيامه، وزكاته -إن كان ممن تجب عليه الزكاة- فإن ذلك واجب عليه تعلمه، ولا يُسقط فرضه فيه علمُ غيره.
وقد سُئل مالك رضي الله عنه عن طلب العلم أَوَاجب؟ قال: أما على كل الناس فلا.
وروى عنه ابن وهب أنه كان جالسًا معه، فحضرت الصلاة فقام إليها، فقال: ما الذي قمت إليه بأوجب [من] 7 الذي قمت عنه.
وهذا الكلام فيه نظر؛ كيف يكون طلب العلم على أحد أوجب من الصلاة؟ فإن صحت الرواية فلا يعني بذلك [ق/ 4 أ] أنه كان في أول الوقت، والصلاة أول الوقت إنما تجب وجوبًا موسعًا؛ فيكون الاشتغال بتقييد ما يُخشى فواته
من العلم آكد عليه من البدار ["إلى الصلاة في أول وقتها" (1)] (2).
فصل
3
ولا يحصل العلم إلا [بالعناء] 4 والتعب، والملازمة، والمباحثة، والنصب، والصبر على الطلب؛ كما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ الآية 5، وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ 6 أي: تعبًا.
وقال ابن المسيب رحمه الله: كنت أرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام، والليالي؛ ولهذا كان سيد أهل عصره، وكان [يسمى] 7 سيد التابعين.
وقال مالك رحمه الله: أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز، وأقيم عنده إلى صلاة الظهر مع ملازمتي لغيره؛ ولذلك فاق أهل عصره، ويسمى إمام دار الهجرة، وأقام ابن القاسم متغربًا عن بلده في رحلته إلى مالك عشرين سنة حتى مات مالك رحمه الله.
ورحل سحنون إلى ابن القاسم، فكان مما قرأ عليه مسائل "المدونة" و"المختلطة" فدونها، فجعلت أصل علم المالكيين، ومقدمة على غيرها من الدواوين بعد "موطأ مالك" رحمه الله.
ويُروى أنه ما بعد كتاب الله أصح من "موطأ مالك" في الفقه، ولا12
بعد "موطأ مالك" [دواوين] 1 في الفقه أفيد من "المدونة"، وهي عند أهل العلم ككتاب سيبويه عند أهل الإعراب، وككتاب إقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه: موضع أم القرآن من الصلاة، وتجزئ عن غيرها, ولا يجزئ عنها غيرها، وكان مؤلفه على مذهب أهل العراق [فسلخ] 2 أسد بن الفرات منها [الأسئلة] 3 وقدم بها على مالك رحمه الله المدينة يسأله عنها، ويسيرها على مذهبه، فألفاه قد توفي، فأتى أشهب يسأله عنها فسمعه يقول: أخطأ مالك في مسألة كذا، وأخطأ في مسألة كذا، فاستنقصه لذلك وعابه، ولم يرض قوله فيها، وقال: ما أشبه هذا إليّ إلا [كرجل] 4 بال في جانب البحر، فقال: هذا بحر آخر.
فدُل على ابن القاسم فأتاه يرغب إليه في ذلك، فأبى عليه، فلم يزل كذلك حتى شرح الله صدره لما سأله، فجعل يسأله عنها مسألة مسألة؛ فما كان عنده [من سماع] 5 مالك، قال: نعم سمعت مالكًا يقول فيه كذا وكذا، وما لم يكن عنده سماع عن مالك إلا بلاغ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، وبلغني عنه أنه قال فيه كذا وكذا، وما لم يكن عنده فيه سماع، ولا بلاغ، قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، والذي أرى فيه كذا وكذا حتى أتمها.
فرجع بها إلى بلاده فطلبها منه سحنون، وكان معه في القيروان، فأبى
عليه، فتحيّل [عليه] 1 سحنون حتى [صارت النسخة] 2 عنده فنسخها ثم [رحل] 3 بها إلى ابن القاسم، فقرأها عليه فرجع فيها عن مسائل، وكتب إلى أسد أن يصلح كتابه على ما في كتاب سحنون؛ فأَنِف أسد من ذلك وأباه، فبلغ ذلك ابن القاسم، فدعا عليه ألا يبارك [له] 4 فيها -وكان مستجاب الدعوة- فأجيبت دعوته، ولم يشتغل بكتابه، فما زال الناس في قراءة "المدونة" ونفع الله بها.
[ومن أفضل] 5 ما يستعان به على الطلب: تقوى الله العظيم؛ فإنه قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ 6، ويجب على طالب العلم أن يخلص نيته لله في طلبه؛ فإنه لا ينفع علم لا نية لطالبه؛ لقوله عليه السلام: "إنما الأعمال بالنيات" 7، وقال عليه السلام: "نية المؤمن أبلغ من عمله" 8، وقال أيضًا: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله" 9 الحديث.
ويجب عليه أيضًا ألا يريد بعلمه الرياء، والسمعة، ولا غرضًا من أغراض الدنيا؛ فإن الله تعالى يقول: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي
حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}، الآية 1، وقال عزّ من قائل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ 2. وروى أن رهطًا من أهل العراق مرُّوا بأبي ذر، فسألوه فحدثهم، فقال: [لهم] 3 أتعلمون أن هذه الأحاديث التي يُبتغى بها وجه الله إن تعلمها أحد يريد [بها] 4 غرض الدنيا، لا يجد عرف الجنة [وعرفها: ريحها] 5. وروى عن [شفي] 6 الأصبحي أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع الناس إليه، فقال: من هذا؟ فقيل: أبو هريرة، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه -وهو يحدث الناس- فلما سكت [الرجل] 7 قلت له: فبحق الله عليك إلا ما حدثتني بحديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عقلتَه وعلمتَه، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثك حديثًا حدثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[أنا] 8 وهو في هذا البيت -عقلتهُ وعلمتهُ ما معنا أحد غيري، وغيره- ثم نشغ 9 نشغة، ثم سكت ثم أفاق، فقال: أفعل، لأحدثنك حديثًا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حتى فعل ذلك ثلاث مرات- فقال: حدثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أن الله تعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهما، وكل أمة جاثية؛ فأول من يدعى به رجل جمع القرآن،
ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال والصدقة، [فيقول] 1 للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: [ماذا عملت] 2؟ فيقول: كنت أقوم به آناء الليل، وأطراف النهار؛ فيقول الله [تعالى له] 3: كذبت، ثم يقول الله تعالى: أما أردت أن يُقال فلان قارئ [وقد] 4 قيل ذلك.
[ثم يؤتى] 5 بصاحب المال [والصدقة] 6، فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك أن تحتاج إلى أحد؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ماذا عملت فيما أعطيتك؟ فيقول: كنت أصل [الرحم] 7 وأتصدق، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، فيقول الله له: أردت أن يُقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك.
[ثم] 8 يؤتى بالرجل [الذي قُتل] 9 في سبيل الله، فيقول الله له: فيم قُتلت؟ [فقال] 10 أُمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قُتلت، فيقول الله له: كذبت، أردت أن يُقال فلان جرىء، فقد قيل ذلك"، ثم ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركبتيه، فيقول: "يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول
خلق الله تُسعَّر لهم النار يوم القيامة" 1.
ثم قال شقي: وحدثت معاوية بهذا الحديث، فقال: قد فُعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقى من الناس، فبكى حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق فمسح الدموع عن وجهه [وقال] 2: صدق الله ورسوله، ثم تلى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ .. إلى قوله: ﴿مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 3.
وروى عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ 4: أنه الرياء، وهذا الوعيد -والله أعلم- فيمن كان أصل عمله الرياء، والسمعة، فأمَّا من كان أصل عمله لله، فلا يضره ذلك إن شاء الله كالخطرات التي في القلب [ولا يملك دفعها] 5.
ولقد سُئل مالك وربيعة [رضي الله عنهما] 6 عن رجل يحب أن يلقى في طريق المسجد، ولا يجب أن يلقى في طريق السوق: فأما ربيعة: فكره ذلك، وأما مالك فقال: إذا كان أول ذلك لله، فلا بأس به إن شاء الله.
قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ 7.
قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ 8.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنه: لأن تكون قلتها أحبَّ إليَّ
من أن يكون لي كذا وكذا.
إذا كان [أخبره] 1 بما كان في نفسه من الشجرة التي مثَّلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجل المؤمن، وسأل أصحابه عنها؛ فوقعوا في شجر البوادي، فقال عبد الله بن عمر: [فوقع] 2 في نفسي أنها النخلة، ثم قال عليه السلام: "أنها النخلة" 3.
فقال مالك: أي شيء إلا مراء، وإنما هو أمر يكون في القلب لا يملك؛ فهذا إنما يكون من الشيطان ليمنعه، فمن وجد ذلك فلا يكسله عن التمادي في الخير، ولا ييئسه من الأجر، وليدفع الشيطان عن نفسه ما استطاع [ويجدد] 4 النية لله تعالى.
وقد روى عن بعض المتقدمين أنه قال: طلبنا العلم لغير الله، فردَّنا العلم إلى الله.
[وفي خبر] 5 عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس من بني سلمة إلا مقاتل؛ فمنهم مَنْ القتال طبيعته، ومنهم مَنْ يقاتل رياء، ومنهم مَنْ يقاتل احتسابًا، فأيّ هؤلاء من الشهداء من أهل الجنة؟ [فقال لمعاذ بن جبل] 6: "مَنْ قاتل على شيء من هذه الخصال، وأصل أمره أن تكون كلمة الله العليا، فقُتل: فهو شهيد من أهل الجنة" 7.
وروى أن رجلًا قال: يا رسول الله من يعمل العمل فيخفيه، فيطَّلع
عليه الناس فيسره، [فقال] 1: "له أجر السر وأجر العلانية" 2، ويجب على من تعلم العلم: أن يعمل [به] 3 لله؛ فإنه إن لم يعمل به كان عليه حجة يوم القيامة، وحسرة، وندامة.
وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما منكم من أحد إلا ويخلو به ربه يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا بن آدم: ما غرك [بي، يا ابن آدم] 4: ماذا عملت فيما علمت؟ بماذا أجبت المرسلين؟ " 5.
وروى عن أبي الدرداء [أنه قال] 6: من أشر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه.
وقال عليه السلام: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل به مثل الأترجة؛ طعمها طيب، وريحها طيب، والفاجر الذي لا يقرأ القرآن ولا يعمل به: مثل [الحنظل] 7 طعمها مر وريحها مر، ومثل الذي يقرأ القرآن
ولا يعمل به مثل الريحانة؛ ريحها طيب وطعمُها مُر، ومثل الذي [ق/ 5 أ] لا يقرأ القرآن ويعمل به: مثل التمرة؛ طعمها طيب، ولا ريح لها" 1.
[وكان] 2 العلم في الصدر الأول والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى جلود الضأن، وصارت مفاتيحه في صدور الرجال؛ فلابد لطالب العلم من مُعَلِّم يتقى الله [ويَفْتَحُ] عليه ويطرق له، ويتخذه قدوة في دينه، ويرتضيه بأن يكون حاجزًا بينه، وبين النار.
وقد قال النبي عليه السلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفونا [عنه] 3 تحريف الجاهلين، وتأويل الغالين، وانتحال المبطلين" 4.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه عنه" 5.
وأحق من أُخذ العلم عنه، واقتُبس منه، واتخذ فيه إمامًا متبعًا، وقدوة مطاعًا، من كان معروفًا بالعلم والديانة، موصوفًا بالثقة والأمانة، مشهورًا بحسن الاتباع، وتجنب الابتداع، عارفًا بطرق الأخبار، وعلل الآثار، عالمًا بتصحيح الروايات من سقيمها، بصيرًا بذوي الثقة، والضعف من رواتها، صحيح النقل والرواية, مكين المعرفة والدراية،
حافظًا لدينه بالتِّقى والورع، صائنًا لعلمه بالتّنزه عن الطمع، مؤديًا لما يلزمه له من حق غير هائب فيه سطوة ذي ولاية، قد زانه أحسن الأعمال، ولم يَشِنْه بالإهمال والإغفال؛ كأبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المديني رضي الله عنه، فقيه مصره، وشيخ علماء عصره، والمجتمع على فضله ونبله، والمتأول سادات العلماء فيه أنه العالم الذي بَشَّرَ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعلمَ أنه أعلم أهل زمانه، والبائن بهذه الفضيلة دون كافة شركائه، وأقرانه، مع طرائقه المرضية الحميدة، وسيرته في العلم القويمة السعيدة، وتفضيل الأئمة له بما تغني شهرته عن الإطالة باقتصاصه.
فإن قال قائل: لسنا ننازعكم في فضله ونُبله، وعلو قدره، ومنزلته، ولكن لم صرتم إلى مذهبه دون مذهب غيره [ق/3 ب]، وتدينتم بقوله، وأمرتم المبتدئ بالتفقه بدرسه، واعتقاده مع قولكم بصحة النظر ووجوبه، وبطلان التقليد وفساده.
وإن كونه من حيازته الفضائل، والمراتب، وكثرة الشمائل، والمناقب بحيث وصفتم غير كاف فيما ادعيتم؛ لأن هذه الأمور قد [شاركه] 1 فيها من لم تصيروا إلى مذهبه، ولم تحكموا بتصويب طريقته؟
فالجواب عن ذلك من وجهين [اثنين] 2: أحدهما: من طريق الأثر، والثاني: من طريق النظر.
فأما من طريق الأثر: فما رواه سفيان بن عيينة عن [أبي] 3 جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل [في طلب العلم] 1 فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة" 2.
قال سفيان بن عيينة: وكانوا يرونه مالك بن أنس.
وروى عبد الله بن عمر عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعرى
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يخرج طالب العلم من المشرق [والمغرب] 3 فلا يجد عالمًا أعلم من عالم المدينة".
ومعلوم أن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - إخبار بأن عالم المدينة أعلم من تُشَد إليه الرِّحَال، وتُطوى لديه المراحل، وتُضْرب إليه أكباد الإبل.
وقد علمنا أنه لم يرد بذلك عصره [ولا عصر الصحابة من بعده] 4 إنما أراد بذلك [الأعصار] 5 بعده، وليس أحدا بعد عصره وعصر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ثبت له إطلاق هذا الاسم، وضربت إليه أكباد الإبل إلا مالك رضي الله عنه؛ فوجب بذلك ما قلناه من تقديمه على غيره؛ لأنه هو الذي انتهى إليه علم السلف الصالح من أهل المدينة، وضُربت إليه أكباد الإبل من الفجاج العميقة، والأقطار البعيدة.
وسُمِّي فقيه المدينة، وعالم المدينة، وإمام دار الهجرة، كما سُمِّي غيره عالم العراق والشام، حتى أن مخالفيه يسمونه، وينسبونه إليه، ويقولون: قال مالك -فقيه المدينة، وعالم المدينة، وقال [ابن] 1 المدني- فيكتفون بذلك في تعريفه.
[وقد] 2 روى عن ابن جريج، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي أنهم كانوا يرونه مالك بن أنس.
ومما حكى عن سفيان [إن يكن] 3 مَنْ هذه صفته: فأبو عبد الرحمن -يعني المقري- فقد رجع عن ذلك، فقال: العالم من يخشى.
وأما من طريق النظر: فلأن المدينة لما كانت مستقر التنزيل، ومعدن التأويل، ودار الهجرة, ومستقر النبوة، وعرصة الوحي، وكان النبي عليه السلام بين [ظهراني] 4 أهلها قاطنًا مطمئنًا قد اتخذها مسكنًا، ووطنًا، يشرِّع ويَسن ويوضح، ويبين؛ كان أهلها أعلم من غيرهم؛ فمن تابعهم لما ثبت لهم من مزية الشهادة، وفضل القرب والمعاينة، وقد شاهدوا الأحكام [ق/ 1 جـ]، ومعرفة تفاصيل الحلال والحرام على حسب ما نزل به الروح الأمين على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وبهذا الاعتبار رجع مخالفوهم [إلى قولهم] 5 في الأحباس، والأوقاف، والمُد، والصَّاع، وغير ذلك.
[وبهذه الطريقة] 6 رجح أصحابنا إجماع أهل المدينة من طريق
الاجتهاد؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي، والتنزيل، [وشاهدوا] 1 الأحكام التي [نزل] 2 بها الأمين جبريل، وعرفوا الأغراض، والمقاصد، وميزوا بين المصادر، والموارد؛ فكان استخراجهم واستنباطهم أقرب إلى الحق والصواب، وكان مالك [رضي الله عنهم] 3 [هو] 4 الآخر منهم، والوارث لعلومهم، وإليه انتهت علومهم، وعليه اجتمعت فضائلهم، وعلى أصولهم بني وأسس [وَوَلَّد وفَرَّع] 5 ومنها استنبط، واستخرج، وقاس، واعتبر، ووجب بذلك تقديمه على غيره، وكون مذهبه أولى [بأن] 6 يصار إليه، ويؤخذ به.
هذا على أنا لم نذكر شيئًا من فضائله المشهورة.
وتفصيل أئمة العلم، وإخبارهم بصواب رأيه، ووفور علمه، وعقله , ودينه، وفضله، وزهده، وورعه، وتوقيره للعلم، وإعظامه محله , وما رؤى له من المبشرات، والرؤى الصالحات، وما مضى له [مع] 7 أصحاب الولايات من كثرة المراجعات والمقالات، [في] 8 الذَّب عن الدِّين، والمنع عن [إعطاء الدنية] 9 والرضا فيه من التبعية، وما أصابه في ذلك من المِحَن التي لم يزده الصبر عليها، والتجريع لغُصصها إلا رتبة، ونبلًا، ومحلًا، وفضلًا.
ولا ذكرنا شيئًا من فضائل أصحابه [المتأدبين] (1) بآدابه المتمسكين بمذهبه كعبد الرحمن بن القاسم الذي هو شيخ مذهبه، والقائم به، والموثوق بروايته، وقياسه، والمعول على استنباطه، واستخراجه مع [محله] (2)، وفضله، ودينه، وكسحنون، واسمه: عبد السلام بن سعيد الذي هو أمين المذهب، وحامل رايته، وناشره في مشارق الأرض ومغاربها، الذي اشتهرت [إمامته] (3) وظهرت [مفاخره] (4)، وثبتت فضائله في كل ناد، وثبتت عند كل حاضر، وباد رضي الله عنهم.
فصل في بيان أحكام الشريعة
5
[وأقسام] 6 الشريعة [تنقسم] 7 على خمسة أقسام؛ واجب ومستحب، ومباح، وحرام، ومكروه.
فالواجب: ما حرم تركه، وله خمسة أسماء؛ واجب وحتم، ومفروض، ولازم، ومكتوب، وكلها قائمة من القرآن.
[وهو ينقسم] 8 على ثلاثة أقسام؛ واجب بالقرآن، وواجب بالسنة، وواجب بالإجماع، [وهي] 9 كلها سواء في لحوق الإثم.
والمندوب: ما كان في فعله ثواب، ولم يكن في تركه عقاب؛1234
كالعتق [المبتدأ] 1 والكتابة.
والمباح: ما استوى طرفاه.
والمحظور: ضد الواجب في لحوق الإثم بالمتلبس به.
والمكروه: ضد المستحب في كونه [ثواب] 2 على الترك.
فإذا ثبت ذلك؛ فالمندوب ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ سنن، ورغائب، ونوافل.
والسنن: ما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله، وقرن بأمره ما يدل [على] 3 أن المراد به [غير] 4 الندب، ولم تقترن به قرينة على مذهب من [يرى] 5 الأوامر على الندب ما لم تقترن به قرينة 6، أو ما داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله بغير صفة النوافل.
والرغائب: ما داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله، ورغب؛ فيقول من فعل كذا وكذا فله كذا.
والنوافل: ما قَدَّرَ الشرع [أن] 7 في فعله ثوابًا من غير أن يأمر النبي
- صلى الله عليه وسلم - بفعله، أو يرغب فيه، أو يداوم على فعله.
والعبادات التي لها هذه الأحكام تنقسم على ثلاثة أقسام: [قسم] 1 [منها] 2 يتوجه إلى القلوب، وقسم [منها] 3 يتوجه إلى الأبدان، وقسم [منها] 4 يشترك فيه القلوب والأبدان.
فأما القسم الذي يتوجه منها إلى القلوب: خمسة أجناس؛ نظر، واعتقاد، وعلم، وظن، وإرادة.
وأما [القسم] 5 الذي يتوجه إلى الأبدان، وهو ما لا يفتقر فيه إلى النية كإزالة النجاسة عن الثوب، والبدن.
وأما القسم الثالث: وهو ما يشترك فيه القلوب والأبدان كالطهارة؛ وهي في أصل اللغة 6: النزاهة عما تستقذره الطباع، وتنافره [الأخلاق الرفاع] 7. ومنه يقال: فلان طاهر الذيل ذي الأخلاق النفيسة [المنزهة عن النقائض الخسيسة] 8، قال الله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ 9، وقال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ 10.
ومنه قول الشاعر:
خليلي هل لي قطرة بعد توبة ... أداوي بها قلبي على فجور
إلى رجح الأكفال غيد من الظبا ... عذاب الثنايا ريقهن طهوري
أي: بقى طاهر نقي غير مستقذر الفضلات، كما قال الآخر 1:
ثياب بني عوف طهاري نقية ... وأوجههم عند المشاهد غراف
[وهي] 2 في الشرع على ما هي عليه [ق/6 أ] في الموضع غير أن للشرع فيها تصرفات، وزيادات، وصفات.
واختلف العلماء؛ هل هي معقولة المعنى، ومفهومة المغزى فمن نظر إلى اختصاص المجمل يؤذن [أن] 3 الغرض منها تنظيف الأعضاء المبتذلة في التصرف، والامتهان لما يتعلق بها من الأدران؛ ولاسيما: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين؛ إذ هما مسارح الأبصار، معرضة غالبًا لملاقاة الغبار، ومصادمة الأوطار، والأقذار.
والطاهر منها في الأكثر هذا المقدار، والرأس مستور بالعمائم والقلانس، وقد يبدو منه بعضه أو كله للاسترواح، ولابد من هبوب الرياح، فشرع له فيه المسح الذي هو أدنى مزيل لأقل مُزال.
والإنسان منكمش على المعاش، ويأوي إلى الفراش، عاريًا من الرياش، ولابد من عرق، وغبار متعلق، ووظف غسل الجنابة على الجسد عمومًا.
والاعتراض على هذا يخرج التيمم [عن] 4 التنظيف
والتحسين؛ إذ الظاهر منها التلويث والتغيير؛ إذ التيمم [أحد] 1 الطهارتين، فالعبرة بالعبر، والمعاني، لا بالصور [والمباني] 2، قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ 3، فجعل القصاص الذي هو عين الإتلاف: حياة، وإلى هذا ذهب [متأخرو] 4 الشافعية، أو ليست بمعقولة المعنى نظرًا إلى أسرار الربوبية، واختصاص الألوهية غسل المَحَالّ الظاهرة النقية بالأوامر الواردة الشرعية لخروج خارج من محل مخصوص، وربما اقتصر المكلف على تطهير ذلك المحل أو بمزيل العين خاصة كالاستجمار، وأي معنى في كون الأذى يخرج من محله، ويوجب الغسل في محل آخر.
وهل هو في المثال إلا كما يقول الأول: حكمة على ذنبه، [وهو النابغة الذبياني الشاعر] 5:
[فَحَمَّلَتْنِي] 6 ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يُكوى غيره وهو راتع
ولكن الله تعالى يتصرف في عباده، وفي خلقه كما يشاء، ويأمر عباده كيف شاء، لا يُعترض على فعله، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ 7، وهذا هو مذهب مالك رضي الله عنه، وهو أصح من مذهب الأول.
وهي تنقسم -أعني الطهارة- إلى قسمين: طهارة لإزالة الخبث، وطهارة لرفع حدث.
فأما الطهارة لإزالة الخبث، وهي من العبادات المتوجهة إلى الأبدان، فلا يفتقر إلى النية باتفاق المذهب، وإنما اختلف في حكم إزالتها؛ هل هو واجب أو مستحب، أو واجب مع الذِّكْر ساقط مع النسيان؟ على ما اقتضته رسوم المذهب.
وأما الطهارة لرفع الحدث: فهي من العبادات المتوجهة إلى القلوب والأبدان، فهل يفتقر فعلها إلى نية أم لا؟
فالخلاف فيها بين فقهاء الأمصار؛ بل بين أرباب المذهب عندنا.
وقد حكى أبو عبد الله المازري في "المُعلم" رواية في المذهب: أن الطهارة لا تفتقر إلى النية كمذهب المخالف، إلا أنها مهجورة 1 في المذهب، والمشهور خلافها على ما لا خفاء له على من [شد] 2 [طرفًا] 3 في الأدلة، والحمد لله وحده.
...
كتاب الطهارة