مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 395-434
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة الثاني

صفحات 395-434
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بعض، فإذا حصل من ذلك نصاب فليزكه وهذا كله في الحبوب والثمار التي هي في الأماكن [المحوزة] 1، والأراضي [المربوبة].
وأما ما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له: فلا زكاة فيه على من أخذه، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز".
والجواب عن [الفصل] 2 الثالث: في [مقدار] 3 الجزء الذي يؤخذ من نصب الحبوب والثمار في الزكاة.
وذلك يختلف باختلاف سقيه وعلاجه؛ فما كان منها يشرب بعروقه أو بسيح 4 أو بالعيون والأنهار أو بماء السماء وما أشبه ذلك مما لا يتكلف فيه مؤونة ولا مشقة شاقة: ففيه العشر.
وما كان يسقى بالغرف أو بدالية: ففيه نصف العشر لكان ما يتكلف في ذلك من المؤونة بماله أو بنفسه.
والدليل على ذلك: ما خرجه البخاري ومسلم مسندًا، وخرجه مالك في الموطأ من طريق بسر بن سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وما سقى بالنضح نصف العشر" 5. وفي حديث مسلم والبخاري: "أو كان عثريًا" 6. فقيل: العثرى: الذي يشرب سيحًا، وقيل: العثرى ما تسقيه السماء،

وكلا القولين حكاهما ابن فارس في كتاب "فقه اللغة"، وكلاهما مخالف للحديث لأنه ذكر في الحديث: "ما تسقيه السماء والعيون"، والعثرى غيرهما، وهو الذي يشرب بعروقه، والله أعلم.
والبعلى: هو ما يشرب بعروقه، وهو قول أبي عبيد في "غريب الحديث" 1، وبه قال أبو داود في "التفسير" أيضًا ومنه قول الشاعر: من الواردات الماء بالقاع تستقى ... بأعجازها 2 قبل استقاء الحناجر ومعنى ذلك أن أصولها تصل إلى الماء تحت الأرض فيقوم لها ذلك مقام السقى، ولا تحتاج أن تسقى بما ينزل إلى عروقه من وجه الأرض من مطر أو غيره، وهذا تأويل أبي الوليد الباجي.
وقال ابن حبيب 3: البعلى ما يشرب بعروقه من غير سقى سماء ولا غيرها.
وقال الباجي: وهذا لا أراه إلا بمصر إلا أنها على كل [حال] 4 يأخذها سقى النيل.
فإذا كان الشرب بالوجهين جميعًا بالنضج أو بالعيون أو بالسماء: فلا يخلو من أن يتساوى السقيان، أو يختلفا.
فإن اختلفا: مثل أن يسقى نصف السنة بماء العيون ثم انقطع ويسقى بالنضح في النصف الباقي: كان عليه ثلاثة أرباع العشر، نصف زكاته

عشر، والنصف الآخر نصف العشر، وهو قول مالك في كتاب محمد فإن اختلف السقيان وكان أحدهما أكثر من الآخر: فقد اختلف في القدر المأخوذ [منه] 1 على ثلاثة أقوال: أحدهما: إن النظر إلى الذي [جاء] 2 به الزرع فيكون الحكم [له] 3 سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
والثاني: أن الأقل تبع للأكثر إن سقى بالعين ثلثى السنة وبالنضح ثلث السنة [كان] 4 الحكم للأكثر تقدم أو تأخر، وهو قول مالك في [الكتاب المذكور] 5، وبه قال عبد الملك 6. والثالث: أنه يؤخذ من كل واحد منهما بحسابه، وهذا القول خرجه القاضي عبد الوهاب في المذهب.
وينبني الخلاف على الخلاف في الأتباع هل تراعى أو لا تراعى؟ فعلى القول بأنها لا تراعى كان الحكم للأكثر، وهو القول [الأول] 7. وعلى القول بأنها تراعى [فهل] 8 المعتبر بالأخذ الذي جاء به الزرع؛ إذ الغرض كمال الزرع وانتهاؤه إلى حيث ينتفع به، وهو القول [الثاني] 9.

أو يراعى كل واحد من السقيين إذ بالأول [تتم] 1 فائدة السقى الثاني، ولو انفرد الثاني ولم يتقدمه الأول لم ينتفع بالثاني فيكون لكل واحد منهما تأثير فتقسم الزكاة على قدر المنفعة، وهذا القول الثالث، وهو قول قياس، والله أعلم.
والجواب عن [الفصل] 2 الرابع 3: في معرفة ما يُخرص وما لا يخرص من الحبوب وسائر الثمار.
أما الثمار التي هي النخيل والأعناب: فعلى ضربين: منها ما يشرع فيه [الخرص] 4 بالاتفاق، وضرب ثان اختلف فيه هل يخرص أم لا؟ فأما الضرب الأول المتفق عليه بالتخريص فهو النخل الذي يثمر والعنب الذي يتزبب.
والدليل على ذلك فعله عليه السلام بوادي القرى وبعثه عبد الله بن رواحة إلى [الأنصاري] 5 إلى خيبر ليخرص عليهم التمر.
ومن طريق المعنى: إنها أصول جرت العادة بالتفكه بها وامتداد اليد إليها في أول طيبها لأن النفس تستحليها، والشهوة تستجنيها، والجار [يستمنحها]، والمار يستوهبها، فإذا انحنى لهم ذلك دون خرص أدى ذلك إلى أحد أمرين ممنوعين: إما أن يبسطوا أيديهم في الأكل والاستهلاك إلى الجذاذ فيؤدي ذلك إلى أن يأتي على الثمرة كلها أو جلها فيضر ذلك بالمساكين، أو يمنع أرباب [الأصول] 6 من التصرف فيها والتفكه برطبها

إلى يبسها وجذاذها أضر ذلك بهم فاقتضت الحكمة الشرعية بعثة الخراص ليحرز الأموال ويحصى الزكاة ثم يخلى بينهما وبين أربابها ينتفعون بها وزنًا بين الفريقين بالقسطاس المستقيم.
وهل يجتزئ في ذلك بالخارص الواحد أو لابد من اثنين؟ فالمذهب يتخرج على قولين: أحدهما: أنه يجتزئ بالواحد، وهو المنصوص في المذهب.
والثاني: إنه لابد من اثنين، وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] 1، وهذا أحد أقاويل الشافعي.
وينبني الخلاف على الخلاف في الخرص هل طريقه طريق الشهادة، أو طريقه طريق الحكم؟ فإن قلنا: إن طريقه طريق الشهادة فلابد من اثنين.
فإن قلنا: إن طريقه طريق الحكم: فإنه يكتفي في ذلك بالواحد، والعدالة والمعرفة بالخرص معتبرتان بالاتفاق من الجميع.
وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة وحده إلى خيبر ليخرص التمر على اليهود عامًا بعد عام [فهذا] 2 أدل الدلائل على إرسال الواحد إلا أن يعارضه قوله عليه السلام لأصحابه إذ مر بامرأة في حديقتها بوادي القرى حين ذهابه إلى تبوك: "اخرصوا" وخرص رسول - صلى الله عليه وسلم - عشرة أوسق 3 الحديث.
فظاهر هذا أنه لو جاز الواحد ما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اخرصوا".

فإذا ثبت هذا فصفة الخارص.
أن يكون من أهل المعرفة، [والعدالة] 1 [أن يخرص] 2 كل نخلة [على حدة] 3 ويحصى خرصها حتى يأتي على جميع الحائط، ثم يضم ذلك ويجمعه، وذلك أحوط له في إحصاء الزكاة، ويحرز ما في كل نخلة من الثمر اليابس عند الجذاذ على ما علم من حال ذلك الثمر وجنسه، وما ألف من حمل ذلك النخل كل سنة عند الإثمار؛ لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرًا، وهكذا العنب يخرص عنبًا، ثم يقال: [كم] 4 ينقص من العنب إذا تزبب فيسقطه، فإن بقى بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه وذلك خمسة أوسق، ثم لا يخلو ذلك [التمر] 5 من أن يكون جنسًا واحدًا أو أكثر.
فإن كان [جنسًا] 6 واحدًا فلا يخلو من أن يكون من أوسط الثمر، أو أعلاه، أو أدناه.
فإن كان من أوسط الثمر: أدى منه، وهو قوله في "المدونة" 7: فإن كان من [أدنى] 8 الثمر كالجعرور ومصران الفأرة فهل يؤدى منه الزكاة أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: إنه يؤدى مما عنده، ولا يكلف غيره، وهو قول ابن القاسم

في "المدونة"، وبه قال أشهب.
والثاني: إنه يكلف أن يشتري الأوسط فيؤديه عن الذي عنده [وهو ظاهر قول مالك في الموطأ ورواه ابن نافع عنه نصًا وبه قال عبد الملك بن الماجشون وهو ظاهر المدونة في المواشى إذا كانت كلها شرارًا.
فإن كان التمر جيدًا فإن علاوة الثمر هل يؤدى منها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن يؤدي مما عنده وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن له أن يأتي مكانه بالأوسط ولا يؤدي مما عنده [وهو ظاهر قول مالك في الموطأ] 1. وهو اختيار سحنون وهي رواية ابن نافع عن مالك: وسبب الخلاف: الثمار والحبوب هل قياسها على الماشية، أو قياسها على العين أقرب؟ فمن قاسها على العين قال: يؤخذ منها على ما هي عليه من علاوة أو دناوة.
ومن قاسها على الماشية [قال] 2: يكلف الإتيان بالوسط في الطرفين.
فإن كان الحب أنواعًا والثمر أنواعًا، هل يؤخذ من كل نوع بقدره أم لا؟ أما الحبوب: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أنه يؤخذ من كل نوع ما يصيبه من حصته من الزكاة إذا كان مما يجمع في الزكاة؛ مثل: القمح، والشعير، والسلت بالاتفاق، والقطاني على الخلاف، ولا يبعد دخول الخلاف فيها [بالمعنى] 3.

وأما الثمار والنخيل والأعناب إذا كانت أنواعًا فقد اختلف فيها في المذهب على قولين: أحدهما: أن الزكاة تؤخذ من وسطها، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة".
والثاني: أن يؤخذ من كل صنف بقدره، وهي رواية أشهب عن مالك في "كتاب ابن المواز" 1. ووجه قول ابن القاسم: اعتبار المشقة اللاحقة في اعتبار إخراج الزكاة من كل جزء منها، وتعذر حساب ذلك وتمييزه، فكان [العدل] 2 الرجوع إلى وسط ذلك.
ووجه رواية أشهب: أن هذا مال تخرج زكاته بالجزء منه ولا مضرة في قسمته فوجب أن تخرج زكاة كل نوع منه كما لو كان جزءًا واحدًا.
وهذا إذا كانت الأنواع متساوية [وأما إذا كانت مختلفة] 3، وكان الواحد أكثر من الثاني فهل تؤخذ من الأكثر أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنها تؤخذ من الأكثر، ولا يلتفت إلى الأقل، وهو قول عيسى ابن دينار على ما نقله عنه أبو الوليد الباجي.
والثاني: أنه يؤخذ من كل صنف بقدره من الكثير ومن القليل بقدره، وهو قول أشهب في كتاب محمد وفي "المجموعة".

وسبب الخلاف: هل الأقل تبع للأكثر أم لا؟ واختلف المذهب في الخارص هل يخفف عن أصحاب الثمار في الخرص لمكان ما يعرون ويأكلون أم لا؟ على قولين حكاهما أبو محمد عبد الوهاب عن مالك: أحدهما: أنه لا يخفف عنه، ولا يترك لهم لمكان الفساد والأكل شيئًا، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يترك لهم لمكان العرايا والأكل والفساد شيئًا، وهو اختيار ابن حبيب.
واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر [بالتخفيف] 1 بالراقطة والساقطة واللاقطة وما ينال العيال وما يأكله المارة وعوافي الطيور، والحديث ليس بثابت.
وسبب الخلاف: الزكاة هل تجب بالطيب، أو لا تجب إلا باليبس [والجذاذ] 2؟ فمن رأى أنها تجب [بالطيب] قال: لا يترك لهم شيء لثبوت حق المساكين في ذلك المال [على العموم] 3 وتعلقه به تعلقًا يوجب ألا يستثنى رب [الحائط] 4 لنفسه شيئًا يستبد به على الخصوص.
ومن رأى أنها لا تجب إلا باليبس [والجذاذ] 5 قال بجواز التخفيف

والترك لهم بقدر ما يرتفقون للأكل والعرية؛ لأن الزكاة لم تجب عليهم بعد ولا ثبت عندهم للمساكين حق في الحال، وإنما قدم الخرص توسعة على أهل الثمار، على ما سنوضحه في الفصل الخامس إن شاء الله.
واختلف في الخارص إذا أخطأ في الخرص، أو كانوا جماعة فاختلفوا في الخرص؛ مثل أن يخرص أحدهم مائة وسق وخرص غيره أقل أو أكثر.
وأما الخارص إذا خرص ثم تبين أنه أخطأ في الزيادة أو النقصان؛ مثل أن يخرص أربعة أوسق فوجد فيها ربها أكثر هل يزكى على ما خرص عليه، أو على ما وجد؟ فقد قال مالك في "المدونة" 1: "إذا خرص عليه الخارص أربعة أوسق ثم رفع منها خمسة أوسق فقال: أحب إليَّ أن يخرج الزكاة لقلة إصابة الخراصين اليوم".
وقال في "كتاب محمد" 2: إذا كان الخارص من أهل البصيرة والأمانة فليس عليه إلا ما خرص، وقال أيضًا: إن خرصه عالم فوجد أقل أو أكثر فلا شيء عليه في الزيادة، وإن خرصه غير عالم فليترك الزيادة، وهي رواية علي وابن نافع عنه في "المبسوط" ونحوه في "المجموعة".
وقال ابن نافع في رواية: يؤدي زكاة الزيادة؛ خرصه عالم أو جاهل.
وقال أشهب في "كتاب سحنون" 3: إن خرص عليه أربعة أوسق فأصاب خمسة، فإن كان في زمان العدل عمل على ما خرص عليه.
زاد أو نقص -فإن كان في زمان الجور فليخرج [على] 4 ما وجد- زاد أو

نقص.
وهذا غاية ما نقل [في] المسألة من الأقوال.
وقد اختلف المتأولون في تأويل ما وقع لمالك في المدونة في قوله: "أحب أن يزكى لقلة إصابة الخراص اليوم"؛ فمنهم من حمل لفظة الاستحباب هاهنا على الوجوب و [أنه] 1 ليس على بابه، وليس ذلك ببدع في الاستعمال.
وقد وقع لفظ الاستحباب بمعنى الوجوب في المدونة في مواضع معدودة، وعدوا منها هذا الموضع.
ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وقال: إن لفظ الاستحباب هنا على بابه، وجعل أن ذلك ظاهر المدونة بقوله: (أحب إليَّ) وبتعليله بقلة إصابة الخراص اليوم، فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى الخراص -أصابوا أو أخطأوا- وهذا تأويل القاضي [عياض] 2. فعلى [القول] 3 بالتأويل الأول يتحصل في جملة المسألة أربعة أقوال إلا أن ذلك يرجع إلى ما فسره مالك في كتاب محمد.
وعلى تأويل القاضي يتحصل منه خمسة أقوال 4: أحدها: أنه يعمل على ما وجد وعليه يزكى خرصه عالم أو جاهل، وهو رأى ابن نافع.
والثاني: التفصيل بين أن [يزكيه] 5 عالم أو جاهل؛ فإن [زكاه] 6

عالم فلا شيء عليه في الزيادة ويعمل على ما خرص، وإن خرصه جاهل: عمل على ما وجد، وهي رواية ابن نافع [عن مالك وهو قول مالك في كتاب محمد] 1. والثالث: التفصيل بين من له الخبرة والأمانة [وغيره.
فإن خرصه من له الخبرة والأمانة عمل على ما خرصه وإن خرصه غيره] 2 عمل على ما وجد، وهو قول مالك في كتاب محمد.
والرابع: التفصيل بين زمان العدل وزمان الجور، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.
والخامس: أن ذلك على معنى الاستحباب، وهو ظاهر "المدونة" على أحد التأويلين.
هذا إذا حملنا الأقاويل على ظاهرها، وإن نظرت إلى التحقيق وسلكت طريق التطبيق تجد الأقوال كلها ترجع إلى ثلاثة أقوال: القول بالاستحباب [والقول بأنه يزكى على ما وجد عنده] 3، وهو ظاهر المدونة.
والتفصيل بين زمان العدل وزمان الجور.
والتفصيل بين العالم العدل وبين الجاهل.
والقول بأنه يزكى على ما وجد جملة، والأقوال كلها ترجع إلى هذه الأقوال [الثلاثة] 4. والقول الرابع بالاستحباب على القول بأن الاستحباب قول يرجع إلى أربعة أقوال.

وسبب الخلاف: حكم الحاكم هل يعذر به المحكوم له أم لا؟ فمن رأى [أنه] يعذر به قال: لا زكاة عليه في الزائد.
ومن قال: لا يعذر به قال: يعمل على ما وجد عليه رب الثمر، وهذا هو الأصح في النظر، والبناء على هذا الأصل يجر إلى المذهب العراقي الذي يقول: إن حكم الحاكم يحلل المحكوم به للمحكوم له، وهو خلاف النص المشهور.
والثابت من طريق الجمهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما أنا بشر مثلكم" الحديث.
وأحد أقاويل المذهب في هذه المسألة عين مذهب الحنفي في أن حكم الحاكم يحلل الحرام، وإلا كيف تسقط الزكاة عمن رفع من تمر حائطه نصابًا لخمسة أوسق، وحق المساكين مستحق عليه وثابت عنده؟ ويعد خطأ الحاكم مما يسقط الحق الواجب عليهم ومتى عهد في الشريعة مثل هذا؟ والخارص إنما جعل حقًا لأرباب الأموال لئلا يحال بينهم وبين الانتفاع بأموالهم، وليس بأن يوجب أمرًا [غير] 1 ما كان قبل الخرص؛ ألا تراه لو ترك الخرص إذًا لكان ذلك مما يسقط الزكاة؟ وهذا ظاهر لمن أنصف، والحمد لله وحده.
وأما إذا كانوا جماعة فاختلفوا فخرص أحدهم نصابًا، وخرص بعضهم دون النصاب: فالحكم في ذلك بما خرصه الأكثر؛ إما إسقاط الزكاة وإما إثباتها؛ لأن الصواب إلى الأكثر أقرب، والخطأ إلى الواحد أقرب.
وإن تساوى العددان هل يحكم لمن أثبت أو لمن نفى؟ فالمذهب فيها

يتخرج على قولين.
فإن خرص أحدهم مائة وسق وخرص الآخر فيه تسعين، وخرص الآخر ثمانين، قال مالك في "المجموعة" "وكتاب ابن سحنون" إنه يؤخذ من قول كل واحد منهم ثلثه، ولا [يبعث] 1 في ذلك إلا أهل المعرفة والأمانة.
وأما ما لا يثمر ولا يتزبب من التمر والعنب فهل يخرص كما يخرص الذي يتمر أو يتزبب؟ فالمذهب فيها على قولين: أحدهما: أنه يخرص كما يخرص التمر الذي يثمر والعنب الذي يتزبب، ويقال كم ينقص على تقدير أن ينقص أو [يتصور]، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أنه يخرص على قدره من غير تقدير نقصان، فإن كان في حبه رطبًا خمسة أوسق وجب عليه فيه الزكاة، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] 2 في "المبسوط".
والخلاف في هذه المسألة [ينبني] علي الخلاف في زكاة هذا النوع من الثمار، هل تؤخذ من [حبه و] 3 عينه أو [تؤخذ] 4 من جنس ما [يتمر و] 5 ما ييبس من التمر والزبيب؟ فمن رأى أنه يجوز له أن يؤدي الزكاة من حبه قال: يعتبر خمسة أوسق

في حبه رطبًا من غير تقدير.
ومن رأى أنها تؤخذ من التمر اليابس، ويكف رب الحائط الإتيان بها قال: تخرص عليه على تقدير أنه يتمر أو يتزبب.
والقولان قائمان من المدونة.
وينبني الخلاف فيها على أصل آخر؛ وهو النادر الشاذ، هل يعطى له حكم نفسه أو يعطى له حكم غالب جنسه؟ فمن رأى أنه يعطى له حكم نفسه قال: يخرص حبًا ويخرج زكاته عنبًا.
ومن رأى أنه يعطى له حكم غالب جنسه قال: يخرص عنبًا.
[ثم] 1 يقال كم ينقص إذا يبس وتزبب؛ على تقدير إن تزبب أو يبس إن كان تمرًا.
وهناك قول ثالث: أنه يخرج الزكاة من ثمنه إذا باعه وسواء باعه بنصاب من العين أو بدونه، وهو قول مالك في كتاب محمد.
فيتحصل فيما لا يثمر ولا يتزبب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الزكاة تؤخذ من حبه.
والثاني: أنها تؤخذ من غالب الجنس، وهو التمر والزبيب -أكله أو باعه.
والثالث: أنه إن باعه أخرج الزكاة من ثمنه [وإن أكله أخرج الزكاة من حبه] 2. وأما ما يتزبب ويتمر من النخيل والأعناب والزيتون الذي له زيت إذا باعه صاحبه قبل عصره وتزبيبه وإتماره فهل يخرج الزكاة من [زيت و] 3

تمر وزبيب، أو إنما يخرجها من الحب؟ فإنه يتخرج في المذهب قولان: [أحدهما: أنه يخرج ما وجب عليه من زيت أو تمر أو زبيب وهو نص المدونة] 1. والثاني: إنه [يجوز له أن] 2 يخرج ما وجب عليه من الزكاة من الحب، وهو قول مالك في المدونة في مسألة الجلجلان إذا كان قوم لا يعصرونه ذلك شأنهم إنما يبيعونه للذين يزيتونه للادهان [فقال:] 3 أرجو إن أخذ من حبه أو يكون خفيفًا.
وقد اختلف المتأخرون فيما وقع في المدونة في هذه المسألة.
هل ذلك اختلاف أحوال، أو ذلك اختلاف أقوال؟ فمنهم من حمل المسألة على الوفاق ويرى أن ذلك اختلاف حال ويرى أن الجلجلان إنما تجب زكاته زيتًا في البلاد التي عادتهم استعمال زيته واستخراجه وزرعه لذلك؛ وكلامه في المدونة في مسألة الجلجلان على قوم عادتهم لا يعصرونه، فلم يكن لزيته [إذًا] 4 اعتبار حتى لو كان في بلد لا يستعملونه [فيها] 5 للاقتيات ولا يعصرون منه الزيت لكان لا زكاة فيه على القول بأنها تجب فيما يقتات به ويدخر، وهو أصل العيش غالبًا.
أو على أنها تجب فيما [يدخر] من الحبوب، وإلى هذا ذهب أبو الفضل - رحمه الله.

ومنهم من ذهب إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن الذي يلزم في الجلجلان يلزم في سائر الحبوب والثمار.
وقد حكى أبو الوليد الباجي عن مالك في المسألة قولين في الجلجلان والزيتون وسائر الحبوب التي يراد منها الزيت، ويقاس على ذلك الثمار من النخيل والأعناب وسائر ما كان في معناها.
وأما الزيتون والزرع فلا يخلو الأمر فيها من أحد وجهين: إما أن يكون هناك سبب [يحرك الحزم] إلى خرصها أم لا، فإن لم يكن هناك سبب [يقتضي] 1 الخرص [فلا خلاف في المذهب أن الخرص] 2 فيها غير مشروع؛ وذلك أن السنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخرص إنما كان في النخيل والأعناب دون ما عداهما من سائر الحبوب التي تراد [للاختباز] والزيت إما لكونها شريعة غير معقولة المعنى.
وإما لكون النخيل والأعناب مما يتأتى فيه الخرص لبروز الثمرة وظهورها، ويأتي الاحتياط بقدرها للناظر، وذلك المعنى معدوم في الزيتون والقطاني وسائر الحبوب التي يراد منها الزيت؛ لأن ثمارها مستترة بالأوراق مختفية في الأكمام، ويتعذر فيها الخرص على الخارص، وهذه العلة معدومة في الزرع، ومع ذلك الخرص فيه غير مشروع؛ وذلك أن الزرع مساوٍ للثمار في تأتي الخرص وإدراك الكمية؛ ولذلك جاز بيعه في سنبله وهو قائم قبل حصاده لتمكن الإحاطة بمقداره كالثمر.
وإما لكون ثمار النخيل والأعناب إنما جرت العادة بامتداد الأيدي إليها في أول بدو صلاحها والانتفاع برطب فواكهها بيعًا وعارية وأكلًا، والزرع والزيتون بخلاف ذلك في غالب الأحوال، وهذه العلة أشبه لأنها أعم

للفروع من غيرها، والعلة إذا كانت تعم فروعها مقدمة على التي لا تعم فروعها عند الترجيح.
فإن كان هناك سبب يحرك الحزم على الخرص عليهم [أصلًا] 1، إما لحاجتهم [إلى] 2 أكلها والانتفاع بها على تلك الحالة كأكل الزرع سويقًا [وفريكًا]، وأكل [القطاني] 3 رطبة، والانتفاع بالزيتون أخضر.
وإما لأنهم غير مأمونين ويخشى أن يكتموا منه شيئًا، ويخونوا فيه ويضروا بالمساكين، هل يخرص عليهم أو يجعل عليهم أمين؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يخرص عليهم ولا يجعل أمين؛ وذلك ماض إلى أمانتهم [فما] 4 أكلوا منه رطبًا أو يابسًا، أو علفوه لدوابهم، أو تصدقوا به على المارة: فإنهم يحسبون ذلك ويحتاطون فيه لحق المساكين، وهو ظاهر المدونة والموطأ.
والثاني: أنه يخرص عليهم كما تخرص الثمار؛ وذلك أن الزيتون يخرص [حبه] 5، فإذا بلغ خمسة أوسق أخرج زكاته من زيته من غير التفات إلى كيل الزيت -قلَّ أو كثر- وهو قول عبد الملك [ابن الماجشون] 6. والثالث: أنهم إن اتهموا جعل عليهم أمين فإن احتاجوا إلى أخذ شيء

أخذوه وأحصى عليهم وهو قول ابن عبد الحكم.
وقول عبد الملك أقيس وأجرى على أصول المذهب.
والجواب عن [الفصل] 1 الخامس: في معرفة الوقت الذي تجب فيه الزكاة في الثمار والحبوب.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 2. والحصاد المراد: عبارة عن حصول الزرع والثمر إلى حد يمكن ادخاره ورفعه إلى المخازن، وذلك بعد فراغ مؤونته وتطييبه وتخليصه حتى يصير حبًا وتمرًا وزبيبًا وذلك [وقت] 3 الأداء بلا خلاف.
واختلف المذهب في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال 4: أحدها: [أن الزكاة] 5 تجب [بالطيب] 6 فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وحل بيعه وأفرك الزرع واستغنى عن الماء واسود الزيتون أو قارب الاسوداد: وجبت الزكاة فيه، وهو قول مالك - رضي الله عنه - في "المدونة".
والثاني: أنها تجب بالخرص لا بالطيب، وأن الخارص في الثمار كالساعي في الغنم، وهو قول المغيرة [المخزومي] 7. والثالث: أن الزكاة إنما تجب باليبس والجذاذ، وهو قول محمد بن

مسلمة 1. وفائدة الخلاف وثمرته: إذا مات المالك فعلى قول من يرى أنها تجب بالطيب؛ فإذا مات بعد طيب الثمار فإنها تزكى على ملكه؛ لأنه مات بعد وجوب الزكاة.
وعلى القول بأنها تجب بالخرص؛ فإذا مات الميت بعد الخرص زكيت على ملكه، وإذا مات قبل الخرص زكيت على ملك الورثة فتجب الزكاة على من حصل في سهمه نصاب دون من لم يحصل له.
وعلى القول بأنها تجب باليبس والجذاذ؛ فإذا مات قبل الجذاذ واليبس: فإنها تزكى على ملك الورثة.
وإنما قدم الخرص توسعة على أهل الثمار، ولو قدم رجل زكاته [بعد] 2 الخرص وقبل الجذاذ لم تجزئه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها كزكاة الفطر، وهو قول محمد في "المبسوط".
والأقوال كلها قائمة من "المدونة" من كتاب "الزكاة" [الثاني] 3 في مسألة زكاة الحوائط المحبسة على ما سنبينه فيها إن شاء الله تعالى ومن "كتاب الحبس" أيضًا.
فإن اجتيحت الثمرة فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تجتاح قبل الخرص.
والثاني: بعد الخرص وقبل الجذاذ.
والثالث: أن تجتاح بعد الجذاذ والتذرية.

فإن أصابتها قبل الخرص وبعد الطيب: فعلى القول بأن الزكاة لا تجب إلا بالخرص، ولا اعتبار به؛ لأن الخرص لم [يتناوله].
وعلى القول بوجوبها بالطيب: فالكلام فيه كالكلام في الوجه الثاني إذا اجتيحت بعد الخرص وقبل الجذاذ.
فإن بقى ما دون النصاب: فإنه يبطل حكم الخرص وتسقط الزكاة؛ لأنها إنما تجب بالطيب وبالخرص بشرط سلامة الثمرة ووصولها إلى أربابها.
فإذا أُصيبت ونقصت عن النصاب: سقطت الزكاة فكان بمنزلة أن يخرج الحائط ذلك المقدار.
فإن اجتيحت الثمرة أو الزرع بعد الجذاذ أو التذرية فالكلام فيه يأتي بعد هذا في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[والحمد لله وحده] 1.

المسألة الثانية عشر في زكاة الأموال المحبسة في سبيل الله

1 والأموال المحبسة الموقوفة: فلا تخلو من وجهين: أحدهما: ما تجب الزكاة في غلته.
والثاني: ما تجب الزكاة في عينه.
فأما ما تجب الزكاة في عينه كالعين والماشية فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يوقفه لينتفع به.
والثاني: أن يوقفه ليفرق عينه.
فإن أوقفه لينتفع به: فلا يخلو من أن يوقف ذلك على [معنيين] [أو مجهولين فإن أوقفه على معنيين] 2؛ فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون وقفه وإذنه وقفًا يرجع إلى الضمان [أو لا يرجع إلى الضمان] 3؟ فإن كان وقفه وإذنه وقفًا يرجع إلى الضمان؛ مثل أن يوقف مائة دينار ليسلفها من أرادها ويردها إذا قضى وطره بها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في وجوب الزكاة فيها في زمان وقفها، وتزكى على ملك [موقفها] 4 إلا متأولًا.
فإذا تسلفها أحد وصارت في ذمته: فإنها لا تزكى على ملك صاحبها.
وهل تزكى عليه إذا نضّتْ عنده ولم يعول على ردها بعد أم لا؟

فقد روى ابن القاسم عن مالك في "المجموعة" 1 فيمن حبست عليه مائة دينار يعمل بها: أنه لا زكاة عليه فيها إلا أن يكون عنده عرض يفي بها، وقاله أشهب أيضًا.
وكذلك يجب في مسألة السلف أيضًا أن يزكيها إذا كان عنده عرض يفي بها [لوجوب] 2 الضمان في السؤالين.
ولا فرق في ذلك كله بين أن يكون الموقوف للسلف على [معينيين] أو على مجهولين: فإن ربح فيها نصابًا من العين ثم ردها، فإن ردها قبل الحول: استقبل بالنصاب الذي هو الربح حولًا.
وإن ردها بعد الحول: زكى الربح لوقته ولا ينتطر به حولًا آخر، وهو قول مالك في "المجموعة".
فإن كان وقفه لا يرجع إلى الضمان؛ مثل أن يعطيه مائة دينار ليعمل بها لنفسه سنة ويأكل ربحها على أن لا ضمان عليه فيها، فهل يسقط ذلك الشرط عنه الضمان أم لا؟ فالمذهب على قولين.
أحدهما: أنه لا ضمان عليه فيها إن تلفت، ولا زكاة عليه فيها إن بقيت، وإن كان عنده من العروض ما يفي بها بعد الحول، وهي رواية ابن القاسم في "العتبية"، وهو قول ابن حبيب أيضًا.
والثاني: أن عليه فيها الضمان كالسلف أو كالمال المحبس، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور.
وهل يزكى على ما ربح فيها من المال إن كان نصابًا وحال عليه الحول عنده أم لا.
فمن رأى أنه كالسلف قال: يزكى الربح لحول الأصل ويزكى الأصل

وإن كان عنده عرض يفي به.
ومن رأى أن الشرط ينفعه وأنه لا يضمن الأصل: فلا يزكى الأصل وإن كان عنده عرض يفي به، ويستقبل بالربح حولًا من يوم ملكه، وإذا رد الأصل لمالكه: زكى لعام واحد.
وأما الماشية: فإنها تزكى على كل وجه إذا كانت نصابًا، وزكاتها على ملك مالكها إذا وقفت لينتفع بغلتها، مثل صوفها ولبنها سواء وقفت على [معينيين] أو على مجهولين.
ولم يقع للمعينيين إلا شاة واحدة لأنها موقوفة على ملك محبسها، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
وأما إن سَبَّلَ أولادها لتفرق مع غلتها: فهذا يفصل فيه بين المعينيين والمجهولين: فإن كانت لمعينيين ويقع لكل واحد من أولادها ما فيه الزكاة: زكاها إن كان للأولاد حول من يوم ولدوا وإن لم يقبض.
وإن كانت لغير معينيين؛ مثل أن حبس على المساكين أو في السبيل فتأخرت قسمة الأولاد حولًا من يوم الولادة وهي جملة الولادة ما فيه الزكاة.
زكيت على ملك المحبسين، وهو قول ابن القاسم في الكتاب المذكور.
وأما ما وقفت ليفرق عينه: فلا يخلو من أن يكون عينًا أو ماشية.
فإن كان عينًا؛ مثل أن يوقف مائة دينار لتفرق فحال الحول عليها قبل أن تفرق: فلا زكاة فيها - كانت على [معينيين] أو على مجهولين -أو في السبيل- كانت في وصية أو في غير وصية، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن المواز".

وأما الماشية يوقفها لتفرق وكانت نصابًا، فإن كان الوقف على مجهولين أو في السبيل فهي كالعين باتفاق المذهب: فإن كان الوقف لتفرق على (معينيين) فهل هي كالعين أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهم كالمجهولين ولا زكاة فيها، وهو قول ابن القاسم لأنها تفرق كلها كالعين.
والثاني: أنهم كالخلطاء، والزكاة على من بلغ حظه منهم ما فيه الزكاة منها، وهو قول أشهب في كتاب محمد على ما نقله ابن أبي زيد في "النوادر" 1. وأما الوجه الثاني: وهو ما تجب الزكاة في غلته دون عينه كالحوائط المحبسة: فلا تخلو من أن يكون محبسة على غير [معينيين]، أو على معينيين.
فإن كانت محبسة موقوفة على غير معينيين: فلا خلاف أن ثمرتها تزكى على ملك المحبس، وأن الزكاة تجب في ثمرتها إذا بلغت جملتها ما [تجب] 2 فيه الزكاة.
وإن كان الحبس والوقف على معينيين؛ مثل أن يحبس ثمر حائطه أو جنانه على قوم بأعيانهم: فلا يخلو من أن يكونوا هم المتولون للسقى والعلاج، أو كان ربها هو الذي يتولى العمل.
فإن كان المحبس عليهم هم [الذين] 3 يسقون ويعملون لأنفسهم فهل

هم كالشركاء [وينظر إلى ما ينوب كل واحد منهم أم لا؟.
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنهم كالشركاء] 1 ويعتبر النصاب في [حظ] 2 كل واحد منهم فمن حصل عنده نصاب؛ إما من ثمر الحبس بانفرداها، وإما بإضافتها إلى ثمر جنان له [أُخر] 3: فإنه يزكي دون من لم يحصل له نصاب على ما وصفناه، وهو قول أشهب في "كتاب الحبس" من "المدونة" 4. والثاني: أنه يعتبر خمسة أوسق في جميع [الحوائط] 5، فإن كان فيها خمسة أوسق أخذت منه الزكاة من غير اعتبار بما يصح لكل واحد من المحبس عليهم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحبس" من "المدونة"، وهو ظاهر قول مالك "في كتاب الزكاة الثاني" من "المدونة" 6؛ حيث قال: (وتؤخذ الزكاة من الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم).
فظاهر هذا الكلام يقتضي اعتبار خمسة أوسق على الجملة.
وينبني الخلاف على الخلاف في المحبس عليهم هل [يملكون] 7 الثمرة بالإبار، أو لا يملكونها إلا بالطياب؟ فمن رأى أنهم يملكونها بالإبار قال باعتبار النصاب في حظ كل واحد منهم على الصفة المتقدمة، ومن مات منهم بعد الإبار فحصته موروثة عنه،

وهو نص قول أشهب في "كتاب الحبس".
ومن رأى أنهم لا يملكونها إلا بالطياب قال باعتبار خمسة أوسق في جميع ثمر الحائط فتزكى على ملك [المحبس] الذي هو رب الحائط.
فإن كانت ثمرة المحبس دون النصاب: أضافها إلى ما يتم بها النصاب إن كان عنده.
فإن كان رب الحائط هو الذي يتولى السقى والعلاج دونهم وإنما يقسم عليهم الثمرة: فإن الثمرة تزكى على ملك المحبس قولًا واحدًا من غير اعتبار بما يحصل لكل واحد من المحبس عليهم [والحمد لله وحده] 1.

المسألة الثالثة عشر

في الزكاة إذا ضاعت بعد إخراجها وقبل وصولها إلى مستحقها

1 وقد وقع في هذه المسألة إشكال واضطراب في الكتاب وتباينت أجوبة مالك -رحمه الله- فيها لأنه قال مرة: إذا أدخله منزله ضمن.
ومرة قال: إذا أخرج زكاته قبل أن يأتيه المصدق فضاعت ضمن.
وقال مرة: إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن.
واختلف المتأولون والشارحون في مذهب مالك -رحمه الله- في هذه المسألة، وصحيح قوله فيها، وتأويل ما وقع فيها لابن القاسم والمخزومي، ونحن بحمد الله نحصله أي تحصيل وننزلها على أحسن التأويل، ونفصلها أتم تفصيل.
ونقول من حيث التفصيل: لا يخلو ضياعها من أن يكون قبل إبرازها من المال، أو بعد إبرازها.
فإن ضاع جميع المال قبل إبراز الزكاة منه: فلا ضمان عليه قولًا واحدًا.
وإن ضاعت الزكاة بعد الإبراز: فلا يخلو من أن يكون ضياعها في والإندار، أو في الجرين، أو يكون ضياعها بعد أن أدخلها بيته.
فإن كان ضياعها في الإندار، أو الجرين، مثل أن يجمع الزرع أو الثمر في الإندار أو الجرين فإن أخرج الزكاة منه وعزلها في الجرين، فإن ضاعت بتفريط وتضييع: ضمن قولًا واحدًا.
وإن ضاعت بغير تفريط قبل مجىء الساعي [فلا ضمان عليه] 2 لأن

وضعها [في الجرين] 1 وجمعها فيه يعود بمنفعة الثمر في تيبسه وكماله وهو مما [لم يلزم] 2 رب الحائط فعله، ولا يلزمه فيه ضمان، وقسمة الثمر وإخراج زكاته منها مما له فعله لأنه يريد أن [يحيز] 3 حصته ويشرع في الانتفاع بها والاقتيات منها، فلا يجوز أن يمنع منها بتأخير الساعي، فكانت القسمة له مباحة، بخلاف الماشية؛ لأنه لو أبرز زكاة ماشيته قبل أن يأتي الساعي فهلكت: لأخذ الساعي منه الزكاة.
والفرق بين المسألتين ظاهر؛ وهو أن الخرص في الثمرة قد قدر عليه ما يجب عليه من الزكاة، وأطلق يده على التصرف فيها بالانتفاع، والماشية بخلاف ذلك.
وهذا كله إذا كان ساعي بنفسه.
وأما إذا كان ممن يأتيه الساعي فقولان: أحدهما: أنه كالوجه الأول [لا ضمان عليه؛ لكونه مأذونًا له في التصرف -كما قدمنا- وهو ظاهر قول ابن القاسم] 4. والثاني: أن الزكاة [تؤخذ] 5 مما بقى إن كان نصابًا، وهو قول أشهب، وكأنه يرى مقاسمته على الساعي لا تجوز.
فإن كان ضياعها بعد أن أدخلها بيته: فلا تخلو الحالة التي أدخلها عليها بيته من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يدخلها في معنى الحوز والصون.

والثاني: أن يدخلها بيته ليأكلها ويفوتها.
والثالث: أن يجهل [الوجه الذي أدخلها عليه، ففي هذا الوجه ينحصر الكلام في المسألة] 1. فالجواب عن الوجه الأول: إذا أدخلها على معنى الصون والحوز والخوف عليها في أنادره: فلا يخلو من أن يكون ممن يأتيه الساعي، أو هو ساعي نفسه فإن كان ممن يأتيه الساعي ولا يتكلف عنه، فضاعت بغير سببه: فلا ضمان عليه لا في الذمة ولا فيما بقى عنده من الملك وإن كان نصابًا، وقد قال أبو إسحاق التونسي: وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه إن شاء الله تعالى.
فإن كان ساعي نفسه فضاعت الزكاة [فإن ضاعت بتفريط] 2؛ مثل أن يمكنه الصرف إلى مستحقها فلم يفعل حتى ضاعت: فإنه ضامن لحق المساكين في الذمة -ضاع المال أو بقى.
فإن ضاع بغير تفريط: فلا ضمان عليه؛ كما لو ضاع في الأندر.
والجواب من [الوجه] الثاني: إذا أدخلها على معنى [الانتفاع] 3 فلا خلاف في المذهب أنه يضمنها؛ لأنه على ذلك دخل.
والجواب عن [الوجه] الثالث: إذا جهل الوجه الذي أدخلها عليه؛ هل أدخلها للحوز أو للضمان ففي هذا الوجه اختلف المتأخرون في التأويل؛ فمنهم من قال [إن جميع ما في المسألة من الأجوبة المضطربة تسعى إلى معنى حسن أن الرواية المطلقة بالضمان ترد] 4 إلى المفسدة بإدخاله

[في] 1 بيته، وأن ابن القاسم بزيادة الإشهاد غير مخالف؛ إذ يحتمل أن يشهد ليسقط الضمان عن نفسه، ثم يأكلها.
ومقتضى قول ابن القاسم بالإشهاد سواء كان بالأندر أو بعد أن أدخلها بيته.
وأما مالك فساوى الإشهاد وعدمه.
والمخزومي يبرئه وإن لم يشهد، وهذا تأويل بعض المتأخرين، وإليه نحا أبو عمران الفاسي.
ومنهم من حمل على ظاهرها وخرّجَها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مهما أدخل ذلك بيته لم يضمن.
والثاني: أنه مهما لم يفرط: لم يضمن -أدخل ذلك منزله أم لا.
والقولان لمالك.
والثالث: التفصيل بين أن يشهد، أو لا يشهد فإن أخرجه وأشهد عليه فتأخر عنه المصدق حتى ضاع: لم يضمن.
فإن أخرجه بغير إشهاد: ضمن.
وهو قول المخزومي، وهو موافق لأحد قولي مالك.
وقول ابن القاسم مخالف لهما جميعًا.
وسواء ضاع [عنده] 2 ذلك كله، أو ضاع العشر، وحده، وهذا تأويل بعض مشايخ الأندلسيين، وإلى هذا التأويل مال القاضي ابن رشد [والحمد لله وحده] 3.

المسألة الرابعة عشر

فيمن باع زرعه بعد أن أَفْرَكَ (1) ويبس

ولا يخلو البائع من أن يشترط [زكاته على المشتري] 4 أو لا يشترطها.
فإن اشترطها فلا يخلو بيعه من أن يكون بعد الخرص أو قبله [وقد] 5 علم أن فيه [ما تجب فيه] 6 الزكاة بأمر لا شك فيه، أو شك، هل تجب فيه الزكاة أم لا؟ فإن باعه قبل الخرص أو بعده وعلم أن فيه [ما تجب فيه] 7 الزكاة: فالبيع جائز، ويخرج المشتري الزكاة للمساكين.
فإن اجتيحت الثمرة قبل الجذاذ أو بعد الجذاذ ولم يتراخ عن الإخراج: لم يضمن المشتري زكاته.
وإن أصيب البعض وبقى ما لا زكاة فيه: فلا يخلو البائع من أن يشترط ذلك الجزء لنفسه، أو للمساكين.
فإن اشترط ذلك لنفسه: كان للبائع جزء الزكاة؛ لأنه رجل باع زرعه واستثنى منه ذلك الجزء [لنفسه] 8 فإن اشترط ذلك للمساكين: فلا شيء عليه.
فإن شك هل فيه نصاب [أم لا] 9؟2

فإن اشترط ذلك الجزء بكل حال إن كان نصابًا فللمساكين، وإن كان دون النصاب فلنفسه.
وإن اشترطه للزكاة خاصة: لم يجز البيع، لأن ذلك مخاطرة ولا يدرى هل يبلغ النصاب فيصح [الشرط] 1، أو لا يبلغ النصاب فيسقط الشرط.
فإن باعه ولم يشترط زكاته على المشتري: فالبيع جائز وتؤخذ الزكاة من مال البائع.
فإن اجتيحت الثمرة بعد البيع: لم تسقط الزكاة عن البائع إذا كانت الجائحة بعد اليبس، إذ لا جائحة فيها ساعتئذ؛ لأن البائع لما باع على تلك الحال رضي أن تكون الزكاة مضمونة عليه بدفعها من ذمته.
فإن أعسر البائع قبل دفع الزكاة، هل يرجع بها على المشتري أم لا؟ [على قولين منصوصين] 2 في "المدونة".
أحدهما: أنه يرجع [بها] 3 على المشتري فيؤخذ منه مقدار الزكاة، ثم يرجع هو [بقدر ذلك] 4 على البائع متى أيسر.
وهو قول ابن القاسم.
و [القول] 5 الثاني: لا يؤخذ من المشتري شيء، وهو قول أشهب.
قال [الشيخ] 6 أبو إسحاق التونسي: هذا القول حسن؛ وذلك أن

لمن عليه زكاة الزرع أن يخرجها من زرع غير الزرع الذي رفع إذا شاء، وإذا باع فقد رضي أن يخرج من غيره وهو موسر بثمن ما باع فليس عسره، بعد ذلك بالذي ينقض ما كان جائزًا له فعله، كمن أعتق وعنده مال ثم أعسر بعد ذلك بدين كان عليه بعد أن كان عنده [وما] بالقيمة وقت عتقه والذي قاله ظاهر جار على أصول المذهب.
وينبني الخلاف على الخلاف في المسبب والمباشر أيهما أولى بالمؤاخذة؟ لأن البائع قد تسبب ببيعه في إتلاف حق المساكين، والمشتري قد باشر تلفه بالاستهلاك والتلف، والله أعلم [وهو الموفق للصواب والحمد لله وحده] 1.

المسألة الخامسة عشر

فيما يلزم [الرجل] (1) أن يؤدي عنه زكاة الفطر:

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أدوا الزكاة عمن تُمَوِّنُون" 2. إلا أن الحديث ليس [بتلك الصحة] 3 والعمل بمقتضاه [مذهب الفقهاء] 4 ويؤديها الرجل عمن تلزمه نفقته من المسلمين، إلا أن لزوم النفقة على وجهين: منها ما يلزم بالشرع؛ ومنها ما يلزم [بالملك] 5. فأما النفقة الواجبة بالشرع كالنفقة على الزوجات، والنفقة على الآباء والأبناء.
فأما نفقة الزوجات: فإنها تجب بالدخول أو بالادعاء [والتمكين] 6، أو بالتمكن بانفراده على ظاهر ما [وقع] 7 في كتاب النكاح الثاني.
فإذا وجبت لها النفقة هل يجب على الزوج [إخراج] 8 زكاة الفطر عنها أم لا؟1

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه [يؤدي] 1 عنها زكاة الفطر، وهو قول مالك وابن القاسم [في المدونة] 2. والثاني: أن زكاة الفطر عنها وعن [عبيدها] 3 في مالها، لا [في] 4 مال الزوج، وهو قول ابن شرس من أصحاب مالك.
وسبب الخلاف: النفقة على الزوجات هل هي من باب المعاوضات، أو من باب المواساة؟ فمن رأى أنها من باب المعاوضات قال: لا زكاة على الزوج عنها.
ومن رأى أنها من باب المواساة أو أنها وظيفة غير معقولة المعنى قال: إن الزوج يزكى عنها [فعلى القول بأن الزوج يزكى عنها] 5. وهل يزكى عن خادمها أو عن خدم إن كان لها أم لا؟ فلا يخلو حال الزوجة من أن تكون ممن تخدم نفسها، أو ممن لا تخدم نفسها.
فإن كانت ممن تخدم نفسها: فليس على الزوج إخدامها.
وإن كان لها خادم فنفقتها وفطرتها عليها.
فإن كانت ممن لا تخدم نفسها فقيل: إن الزوج مخير بين ثلاثة أشياء: إما أن يكرى لها من يخدمها، أو يشتري لها من يخدمها، أو ينفق على خادمها.

وقيل: [إنه] 1 مخير بين أربعة أشياء: ثلاثة تقدمت، والرابع: أن يخدمها بنفسه.
فإن اختار النفقة على خادمها: كان عليه أن يؤدي عنها زكاة الفطر؛ لأنها تابعة للنفقة بالشرع.
فإن كانت ممن تحتاج إلى خادمين فأكثر: فعلى الزوج [نفقتهن] 2، وإخراج زكاة الفطر عنهن، وبه قال أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية" 3. فأما نفقة الآباء: فإنها نفقة بر وطاعة، فلا خلاف أنها تجب على الولد إذا كانا معسرين بشرط الابتغاء، على ما بيناه في كتاب الزكاة الأول، وإن كان الأبوان قويين على العمل.
ويزكى عنهما زكاة الفطر ما داما زوجين، فإن كان الأب زوج غير الأم فهل ينفق عليه وعلى زوجه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ينفق عليهما ويزكى عنهما جميعًا، وهو مذهب "المدونة"، وبه قال جمهور أهل المذهب.
والمذهب: أنه لا يلزمه أن ينفق على زوجة أبيه إلا أن تكون له أم، وهو قول المغيرة على ما نقله.
[الشيخ أبو محمد] 4 بن أبي زيد في "النوادر" 5. وينبني الخلاف على الخلاف في الأب هل له أن [يتزوج] 6 من مال

ولده أم لا؟ فمن رأى أنه يتزوج [من مال ولده] 1 قال: إنه ينفق على زوجته قال: لأنها إن طلقت عليه لعدم النفقة كان له أن يتزوج الأخرى من [مال ولده] 2. ومن رأى أنه ليس له أن يتزوج من مال ولده، وهو نص مالك في "المختصر" 3، قال: (لا يلزمه أن ينفق على زوجة أبيه).
فإن كان للأب زوجات: فالمنصوص في [المدونة وغيرها] 4 أنه لا ينفق إلا على واحدة منهن وعلى خادم واحد من خدمها إن احتاجت إليها.
والخلاف في الإنفاق على الزائد يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في تزويج الأب من مال ولده إذا احتاج إلى النكاح.
وأما النفقة على الأبناء وزكاة الفطر [عنهم] 5 من مال أبيهم: فلا يخلو من أن يكونوا صغارًا، أو كبارًا.
فإن كانوا صغارًا: فلا يخلو من أن يكون [الولد] 6 موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فنفقته وزكاة فطره [عليه] 7 في ماله.
وإن كان معسرًا: فالنفقة في مال أبيه وكذلك فطرته.
وإن كان بالغًا: فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا فإن كان

موسرًا: فنفقته [وزكاة فطره] 1 في ماله.
وإن كان معسرًا: فلا يخلو من أن يكون صحيحًا أو زمنًا.
فإن كان صحيحًا: فنفقته عليه وكذلك فطرته.
وإن كان زمنًا: فلا يخلو من أن تكون الزمانة طرأت عليه بعد البلوغ، أو بلغ وهو زمن.
فإن طرأت عليه بعد البلوغ فهل تعود النفقة على الأب أم لا؟ قولان: أحدهما: أن [زكاة] 2 فطرته [ونفقته] 3 على نفسه ولا تعود على الأب بعد الإسقاط.
وهو قول مالك في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أنها تعود على الأب.
وهو قول عبد الملك، وهذا هو الأظهر في النظر لأنه إن كانت العلة الموجبة للإنفاق عليه إذا بلغ زمنًا كونه عاجزًا عن الاكتساب فالعلة موجودة ومن شرط العلة أن يوجد الحكم بوجودها.
فإن بلغ وهو زمن: فنفقته وفطرته في مال الأب لم تزل؛ لأن الزمانة تمنع من الاكتساب كالصغير أو أشد.
فأما النفقة الواجبة بالملك؛ كالنفقة على العبيد الأرقاء: فلا يخلو من أن يكون عبدًا أو أمة يملك جميعه، أو عبدًا بينه وبين غيره.
فإن كان عبدًا يملك جميعه: فلا يخلو من أن يكون

ملكه فيه تام وتصرفه فيه [تام] 1 نافذ، أو يكون قد عقد فيه عقدًا يمنعه من ذلك.
فإن كان تصرفه فيه ماض وملكه تام لا [شرك] 2 لأحد معه، ولا عقد فيه عقدًا من عقود الحرية، ولا يعلق به لأحد حق: فلا خلاف في المذهب أن نفقته على سيده وزكاة فطره [هذا في عبيد مسلمين.
فأما عبيده النصارى فلا زكاة عليه عنهم على قول ابن القاسم لأنهم غير مخاطبين وروى ابن وهب أنه يزكى عنهم كما يزكى عن عبيد مسلمين] 3. فإن كان تصرفه غير نافذ وملكه فيه غير تام إما لعارض اضطراري وإما لعارض اختياري.
فإن كان منعه من التصرف التام لعارض اضطراري مثل أن يجنى العبد جناية فيها نفسه فمضى يوم الفطر وهو عنده هل يزكى زكاة الفطر أم لا؟ فإنه يتخرج من الكتاب قولان: أحدهما: [أن سيده] 4 يزكى عنه زكاة الفطر لأن عليه نفقته بعد.
ويتخرج من "المدونة" 5 قول ثان: أنه لا زكاة عليه فيه من قوله في الكتاب: "فيما إذا كان له عبد وعليه عبد مثله، فأتى يوم الفطر وهو عنده أنه لا زكاة على السيد عنه إذا لم يكن له مال"، فهذا نص "المدونة".
وقد اختلف في [معنى] 6 قوله: [إذا لم يكن معه مال] 7؛

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل