كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد [وآله وسلم تسليمًا] 2.
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع عشرة مسألة؛ [فأولها: مسألة التوقيت] 3.
قال سحنون: قلت [لعبد الرحمن بن القاسم] 4: أرأيت الوضوء، هل كان مالك يوقت فيه واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا؟، قال: لا، إلا ما أسبغ 5.
[و] 6 اعلم أن هذه المسألة قد مُدَّت إليها أيدي الأغراض، وكَثُر عليها الاعتراض؛ فبعضهم يقول: [هذا] 7، فيه تناقض؛ لأنه أثبت ونفى، وبعضهم يقول: [بل] 8 الاستثناء الواقع في الجواب استثناء منفصل، وبعضهم يقول غير ذلك.
وكل يَخْبِطُ عَشْواء، وعن المقصود الأسنى حاد وراء، فها أنا أكشف الغطاء عن سر المسألة حتى تكون أجلى من النهار، وأشهر في الظلام من النار؛ فأقول: هذه الترجمة اشتملت على معنيين؛ سؤال وجواب، فالسؤال [مركب من كلمتين والجواب] 9 مركب على
كلمتين، معادلة وموازنة ومسائلة ومطابقة، فالسؤال اشتمل على الإجمال أولًا، والتفصيل ثانيًا، والجواب يشتمل على التفصيل أولًا، والإجمال ثانيًا.
فالإثبات من الجواب ثانيًا عديل التوقيت من السؤال أولًا، والنفي من الجواب أولًا عديل الواحدة من السؤال ثانيًا.
فالتوقيت لابد منه في مظنة [الجواب] 1 والطهارة واجبة فكأنما مقصود السائل: أن يقع التوقيت عددًا، ومقصود المجيب: أن يقع التوقيت كمالًا.
فالعدد معلوم الأصل، والتوقيت معلوم الأصل دون التفصيل.
والإسباغ: معلوم في الأصل، مجهول التفصيل.
فهذا ترتيب الجواب على هذا السؤال، وليس فيه تناقض كما يَدَّعِي بعض المتفقهة، ويقولون: [نفى وأثبت] 2 فإن مصرف النفي غير مصرف الإثبات كما رتبناه، فلكون التحديد بالأعداد فيها لا يفي بالمقصود، وقد يقع [فيها] 3 قصور أضرب عنها إلى الإسباغ الذي هو معنى كليًا يلتمسه المكلّف ما أمكن حتى يصل إليه، وقد أبان مالك -رحمه الله- فيما روى عنه ابن حبيب في كتابه 4 حيث قال: "لا أحب الواحدة إلا للعالم بالوضوء".
فهذا نص لما قيدناه وميزناه أنه مراده ومغزاه، فإن قيل: ما معنى قوله: [هل] 5 كان مالك يوقت في الوضوء واحدة أو
اثنتين أو ثلاثًا، قال: لا، إلا ما أسبغ؟ فكان الجواب غير مطابق للسؤال.
وهل شرط الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال؟ لأنه سأل عن الأعداد، فأجابه [بالإسباغ] 1.
فالجواب عن التحديد بالأعداد فيه قصور عن [الكلام] 2 فأضرب عنه إلى الإسباغ الذي هو معنى كليًا يلتمسه المكلف قدر الإمكان، كما قدمناه.
وقوله: وقد اختلفت الآثار في التوقيت يريد الأعداد.
وقوله: "هل وقت مالك في الوضوء" بمعنى: قدر فيه مالك عددًا يقتصر عليه، ويوقف عنده ولا يزاد عليه فلا عدد يقتصر عليه ويوقف لديه، ولا يزاد ولا ينقص منه، فهذا معنى كلامه [والحمد لله وحده] 3.
...
المسألة الثانية
الأسآر
فجميع ما يَدُب على الارض ينقسم [على] 1 قسمين؛ آدمي وبهيمي، فالآدمي ينقسم إلى: مسلم وكافر.
فالمسلم: ينقسم إلى مؤمن وفاسق.
فالمؤمن سُؤْره طاهر على الإطلاق، والفاسق ملتحق بقسم الكافر؛ [فسُؤره] 2 كسؤر الكافر: نجس على الإطلاق.
وأما [الكفار] 3: فلنجاستهم حسًا ومعنى.
أما الحس: فلكونهم يباشرون النجس بأيديهم، وبأفواههم من الميتة والخمر ولحم الخنزير، وأفواههم لم تَخْل من فضلات ما أكلوه وشربوه، ثم لا [يؤمن] 4 ممازجة الماء [الذي] 5 شربوا [منه] 6 من مخالطة تلك الفضلات مما يرجع فيه إلى الإناء.
وبهذا الاعتبار ساوينا بين الفاسق والكافر الأصلي؛ [والعلة شاملة للجنسين] 7.
وأما نجاستهم معنى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ 8؛
فقد أخبر الشارع [ق/ 2 جـ]، بنجاستهم ذاتًا وصفة، وهذا هو مشهور المذهب، وهو نص "المدونة" 1.
قال مالك: "ولا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بما أدخل يده فيه" 2، فعمَّ ولم يفصل.
وروى ابن القاسم عن مالك في "العتبية" التفصيل بين سؤره وفضله، قال: "لا بأس بالوضوء بسؤره، وأما بفضله فلا".
وسحنون رضي الله عنه صَّل بين من أُمن شربه الخمر، فإنه يتوضأ بسؤره اختيارًا واضطرارًا، [ومن] 3 لم يُؤْمَن منه فلا.
ويتحصل في المذهب على هذا ثلاثة أقوال في السؤر، وقول واحد في الفضل:
أحدها: أنه نجس إطلاقًا، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه طاهر إطلاقًا، ونص عليه اللخمي، وهو قول مالك فيما روى عنه ابن القاسم في "العتبية" 4.
والثالث: قول سحنون في "النوادر" 5.
وسبب الخلاف: إضافة الماء بشيء نجس, ولم يغيره هل يؤثر في ترك استعماله، ويطلق عليه اسم النجس أم لا؟، وقد يتناول الجميع فيرجع
إلى قول واحد؛ فيُحمل قول مالك [في المدونة] 1 على أنه تيقن مباشرته وشربه للخمر، ويُحمل قول ابن القاسم على أنه قد تيقن مجانبته للخمر، فيرجع الجميع إلى قول سحنون.
فإن توضأ به وصلى، هل يعيد أو لا يعيد؟
فيتخرج الخلاف فيها على الخلاف في الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة ولم تغيره.
وأما البهيمي: فينقسم إلى ما لا يصل إلى النَّتَن، وإلى ما يصل إليه.
[فأما [ما] 2 لا يصل إلى النَّتَن] 3 من جميع البهائم على اختلاف أنواعها: فسؤره طاهر -كان الماء قليلًا أو كثيرًا-.
فأما ما يصل منها إلى النتن: فلا يخلو ما شربته منه من أن يكون [الماء] 4 قليلًا أو كثيرًا، فإن كان كثيرًا كالحوض وشبهه: فالماء طاهر لا يتنجس بشربها؛ سواء أكان في أفواهها وقت شربها أذىً أم لا؛ لقوله عليه السلام: "لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقى شرابًا وطهورًا" 5، ولقول عمر رضي الله عنه: يا صاحب الحوض: "لا تخبرنا؛ فإنا نرد [ق/ 7 أ] على السباع، وترد علينا" 6.
فإن كان قليلًا، مثل آنية الوضوء، وما فوقها قليلًا، شرب منه [أما] 1 ما يصل إلى النَّتَن، فلا يخلو من أن يتيقن في أفواهها أذى وقت الشرب أم لا؟
فإن تيقن الأذى في أفواهها وقت شربها: فإنه لا يتوضأ بذلك الماء.
فإن توضأ به رجل وصلى: فهل يعيد أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يعيد [أصلًا] 2 سواء علم أو لم يعلم -وهو مشهور المذهب-.
والثاني: أنه يعيد في الوقت، وسواء علم أو لم يعلم -وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" 3.
والثالث: التفصيل بين أن يتعمد الوضوء به بعد علمه فيعيد، أو لا يتعمد.
وإذا علم بعد الصلاة: فلا يعيد إلا في الوقت، وهو قول ابن حبيب 4، وهو ظاهر قول أبي سعيد البراذعي في ["التهذيب" 5].
وسبب الخلاف: الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة [اليسيرة] 6، = (250)، وابن المنذر في "الأوسط" (1/ 310). قال الشيخ الألباني: ضعيف.
المشكاة (486)، وانظر: تمام المنة.
ولم تغيره، هل هو طاهر مطهر أو لا طاهر ولا مطهر أو طاهر غير مطهر، وهو شذوذ من القول؟
وأمَّا إن لم يرد في أفواهها وقت شربها أذى، فهاهنا تفصيل وتحصيل:
أمَّا الهرة: فلا خلاف في المذهب في استعمال سؤرها وطهارته؛ لقوله عليه السلام: "إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات" 1، [فخرجت] 2، بهذا الدليل من جملة الحيوانات؛ لِعِلَّة الطّواف والملازمة، وما فيها من المنفعة ["للخليقة"] 3.
أما الكلب: فقد ورد [الخبر] 4 بغسل الإناء من وُلُوغه سَبْعًا عمومًا من غير تفصيل بين المأذون وغيره، وبين أواني الماء وأواني الطعام، فبنا نُشَمِّر الذَّيل إلى التفصيل ونتشوف إلى التحصيل.
أما أواني الماء: فلا خلاف في وجوب غسلها سبعًا حسب ما ورد في الخبر، ولا يغسل بما فيه من الماء؛ لأنه ورد في حديث مسلم: "فليرق الماء .. " 5 ...
فهل يبادر إلى غسله في الحال أو عند إرادة الاستعمال؟ قولان، وسبب الخلاف: هل غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا تعبد أو لنجاسته؟
فمن رأى أنه لنجاسته أجاز التأخير، ومن رأى أنه تعبد منع التأخير أو التعداد؛ إذ لا ينافي أن يكون الغسل لنجاسة؛ لأنَّ القدر الذي يحصل فيه الإنقاء مطلوب لمعنى، والزائد عليه عبادة، كالاستجمار والإقراء؛ إذ الاستبراء يحصل بقرء واحد، والباقي من الثلاثة تعبد، فكذلك أحجار الاستجمار، والتحديد بالسبع من هذا القبيل.
وأما أواني الطعام: فهل هي كأواني الماء في لزوم غسل [ق/ 4 ب] الإناء؟
في المذهب قولان، وسبب الخلاف: العموم هل يخصص بالعادة أم لا؟
وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون؛ فمن قال: إن العموم لا يخصص بالعادة 1، قال: إن أواني الطعام مثل أواني الماء للعموم، وهو قوله عليه السلام: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" 2، والإضافة دليل التعريف، والتعريف دليل العموم، إلا أن يقوم دليل على أن المراد بالتعريف العهد.
ومن رأي أن العموم يخصص بالعادة 3، فيقول: وجدنا عادة العرب التحفظ بأواني الطعام، ورفعها في محل الصيانة؛ إذ لا تستعمل إلا في وقت مخصوص بخلاف أواني الماء تُبْتَذَلُ في كل ساعة، وصارت مُعَرّضة لملاقاة الكلاب، وأن تكون مولغة لها، فكان ذلك مقصود الشرع، والله أعلم.
واختلف في سؤر الكلب، هل هو طاهر أو نجس؟
على أربعة أقوال:
أحدها: أنه طاهر في الماء والطعام، وهو ظاهر قول ابن وهب، وأشهب، وابن زياد 1، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" 2 لقوله: "لأنه يرى الكلب كأنه من أهل الدار وليس كغيره من السباع، وأيّ [مزية] 3 على السباع إن قلنا بنجاسة سؤره، ولاسيما وقد وقع في بعض روايات المدونة: ([والهرة] 4 أيسرهما [لأنها] 5 مما يتخذه الناس) 6، والضمير فيهما يعود على الكلب المذكور قبله.
ولا فرق على هذا القول بين الماء والطعام [وتفريق ابن القاسم في المدونة بين الماء والطعام] 7، استحباب، جار على غير قياس، وإلا لو كان بالعكس أولى؛ لأنَّ الماء يدفع عن نفسه، والطعام لا يدفع عن نفسه، فكان بالطرح أولى، لكن ابن القاسم لاحظ المصلحة، واعتبر الحرمة فقال: "الماء في غالب الأحوال لا قدر له ولا قيمة، والنفوس مجبولة على التسامح [بها] 8، وبذلها بغير عوض؛ لأنه أذل موجود، وبهذا الاعتبار عفا عنه مالك في قاعدة الرِّبا، وجوز التفاضل فيه على مشهور [مذهبه] 9.
فعلى هذا المنهاج أجرى ابن القاسم [مذهبه] 10 في التفرقة بين الماء
والطعام، وأنه ضرب من قياس الشَّبه.
والقول الثاني: أن سؤره نجس في الماء والطعام، ويطرح الجميع ولا يستعمل، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه 1، لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغسل الإناء من ولوغه عمومًا.
والثالث: التفصيل بين المأذون في اتخاذه وغير المأذون، فسؤر المأذون طاهر، وغيره نجس.
والرابع: التفصيل بين البدوي والحضري، فإن كان [البدوي] 2: فسؤره طاهر؛ لأن اتخاذه له مباح، وإن كان [الحضري] 3: فسؤره نجس؛ لأنه خاص في اتخاذه، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف بين من قال بنجاسة سؤره عمومًا [أو بطهارته عمومًا] 4، الأمر بغسل الإناء من ولوغه هل هو تعبد أو لنجاسته؟
وسبب الخلاف بين من يفرق بين المأذون وغيره، وبين من أطلقت اختلافهم في الألف واللام، هل هما للعهد أو للاستغراق، والقول بالتفصيل بين البدوي والحضري لا وجه له إلا أن يقال: [إن] 5 البدوي له [ضرورة] 6 إلى اقتنائه.
وقد وقع لمالك في "المدونة" 7 لفظان؛ أحدهما: قوله: [ولا] 8
أدرى ما حقيقته، والثاني: قول ابن القاسم: "وكان يضعفه" 1 -يعني: مالكًا-.
[واختلف] 2 المتأخرون في تأويلهما وتنزيلهما على الوقف، فقيل: إنه كان يضعف الحديث [لأنه من أخبار الآحاد] 3، والقرآن يعارضه، والله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ 4.
وقيل: أنه كان يضعِّف [العدد] 5؛ لأن الأعداد في غسل النجاسة غير معتبرة.
وقيل: إنه كان يضعف [الوجوب -يعني: وجود الغسل] 6 - وهو تأويل أبي الحسن القابسي [رضي الله عنه] 7، ويدل عليه تخصيصه بالماء، وأعظم إراقة الطعام.
ولو كان الغسل واجبًا لساوى بين الماء والطعام على [مذهبه في] 8 "المدونة"، ولا حجة لمن قال: إنه ضَعَّفَ الحديث؛ بقوله: [وما] 9 أدرى ما حقيقته [لاحتمال أن يريد بقوله ما أدرى ما حقيقته] 10، أي حقيقة معناه، وحكمة الله في هذه [العبادات] 11، أو يكون هذا على
مذهب من قَدَّمَ القياس على خبر الواحد، وهو مذهب جماعة من الفقهاء الأصولين، ومن [أئمتنا] 1 البغداديين، وحكوا أنه مذهب مالك، ويؤيد هذا التأويل قوله في "المبسوط"-: ليس غسل الإناء سبع مرات بالأمر اللازم [والحمد لله وحده] 2. ...
المسألة الثالثة
في أحكام المياه
فالماء على وجهين؛ مطلق ومضاف.
فالمطلق: هو الذي لم يخالطه شيء من الأشياء، فحكمه: أنه طاهر بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
والأصل في المياه الطهارة [والتطهير] 1، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ 2.
والطهور: فعول من التطهير، وهو الطاهر المطهر، ومنه قوله عليه السلام: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" 3، أي: مطهرة؛ لأنَّ التراب كان طاهرًا قبله، وخَصَّ - صلى الله عليه وسلم - وجه الأرض مطهرًا، [أي] 4: فيتيمم به.
وفي الصحيحين: [أنه] 5 عاد مريضًا، فقال: "لا بأس، طهور إن شاء الله" 6.
يُريد أن [المرض] 7 مُطَهِّر من الذنوب، ولم يُرِد أن [المرض] 8
طاهر.
وأما المضاف: فعلى وجهين؛ مضاف بشيء طاهر، ومضاف بشيء نجس.
فأما المضاف بشيء طاهر: لا يخلو من ثلاثة أوجه: مضاف بما لا ينفك عنه غالبًا، ومضاف بما ينفك عنه غالبًا، ومضاف بما ينفك [عنه] 1 في بعض الأزمنة.
فالجواب عن الوجه الأول؛ وهو المضاف بما لا ينفك [عنه] 2 غالبًا كالمضاف بقراره كالماء الجاري على الشَّب [والحديد] 3، والزَّرْنِيخ وغيره من المعادن، أو تغير [مجرى] 4 الماء [بالطحلب] 5: فلا خلاف أنه طاهر مطهر.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو المضاف بما ينفك عنه غالبًا كالمضاف بالحبوب والأخباز والجلود وغير ذلك: فلا تخلو من أحد وجهين:
إما أن يغيره ذلك أم لا، فإن تغير أحد أوصافه [فهو عندنا طاهر غير مطهر، وإن لم يتغير أحد أوصافه] 6، ولا بعضها: فلا خلاف في المذهب أنه طاهر.
[و] 7 هل يسلبه التطهير أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 1:
أحدهما: أنه طاهر مطهر، وأن ما أضافه لا يسلبه التطهير، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهر "المدونة" 2، في رجل أصابته السماء حتى استنقع أنه يتوضأ، وهو مضاف بشيء طاهر؛ لأنَّه ما سال من ثيابه وَمَرَّ على جسده، وهذا على رواية رجل.
والثاني: أنه طاهر غير مطهر، وهو نص قوله في "النوادر" 3، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الوضوء من "المدونة" 4، حيث قال: "ولا يتوضأ بما قد [بُلَّ] 5 فيه شيء من الطعام والشراب، ولا بما وقع فيه جلد فأقام [فيه] 6 أيامًا حتى ابتل"؛ فظاهر هذا [ألا] 7 فرق بين أن يتغير [أو لا يتغير] 8، إلا أنه شذوذ من القول.
وروى مثله عن [الشيخ] 9 [أبي الحسن] 10 القابسي رضي الله عنه.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أضيفت بما ينفك عنه في بعض الأزمنة دون بعض كالمضاف بأوراق الشجر والحشيش، وما في معناه، وهذا 11 يتخرج على ثلاثة أقوال [ق/ 3 جـ]:
أحدها: أنه يمنع [التوضؤ] 1 به كالمضاف بالحبوب؛ لأن ذلك لا يجانس [الماء] 2 والاحتفاظ منه ممكن، وهو قول أبي العباس الإبياني.
والثاني: أنه لا يمنع [التوضؤ] 3 كالمضاف [لما] 4 يلازمه من حمأة أو طحلب؛ لأن التكليف [بالمحافظة] 5 عن مثل [ذلك] 6 مشقة [حافة] ومضرة [ق/ 8 أ] لاحقة، وهو مذهب العراقيين [من أصحابنا] 7.
و [القول] 8 الثالث: التفصيل بين زمان الإمكان من الاحتراز منه، فلا يتوضأ به، وبين الزمان الذي لا يمكن الاحتفاظ منه، فيجوز [التوضؤ] 9 به، وهذا القول توسط بين القولين المتقدمين، وهو مُخَرَّج غير منصوص.
وأما المضاف بشيء نجس: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: [أن تتغير الأوصاف أو بعضها، والثاني: ألا يتغير له وصف من الأوصاف] 10.
فالجواب عن الوجه الأول إذا تغيرت [الأوصاف] 11 أو بعضها: فإن
تغيرت الأوصاف الثلاثة [الرائحة] 1، أو اللون، أو الطعم: فلا خلاف في مذهب مالك رحمه الله أنه [ماء] 2 نجس, وأنه ليس بطاهر ولا مطهر.
وإن تغيرت الرائحة بانفرادها، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه نجس, وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه طاهر ليس بنجس, وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: الزيادة في الخبر إذا كان راويها ثقة، هل تقبل تلك الزيادة أم لا؟
والأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مختلفة بالزيادة والنقصان؛ فمنها ما [خرَّج] 3 أبو داود من طريق أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن بئر بضاعة -وهو بئر تلقى فيه لحوم الكلاب والحيض- فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الماء لا ينجسه شيء" 4.
وفي حديث آخر: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو طعمه" 5 وفي حديث آخر: "أو رائحته".
فلأجل هذا الاختلاف اختلف في الرائحة، هل هي من الأوصاف
المعتبرة كاللون [والطعم] 1 أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أضيف بشيء نجس, فلم تتغير الأوصاف: فلا يخلو ذلك من أن يكون كثيرًا مستبحرًا أم لا، فإن كان كثيرًا مستبحرًا: فلا خلاف في مذهب مالك أن الإضافة لا تؤثر، وأن الماء طاهر مطهر.
[فإن كان الماء قليلًا دون القلتين التي آنية الوضوء مثله: فاختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه طاهر مطهر] 2 على أصله، وهذا هو مشهور المذهب.
والثاني: أنه نجس؛ ومن توضأ به عالمًا وصلى أعاد أبدًا، وهو قول ابن حبيب -متأوَل على قول ابن القاسم في الكتاب- لأنه قال: "ومن توضأ بماء ولغ فيه ما يأكل الجِيَف، فإنه يعيد في الوقت" 3. والإعادة في الوقت لغير المتعمد، وهو نقل أبي سعيد.
والثالث: أنه مكروه، ويستحب تركه مع وجود غيره.
والرابع: أنه ماء مشكوك في حكمه، هل هو طاهر أو نجس.
وهذه الأقوال كلها ترجع إلى قولين أصلين: إطلاق الطهارة، وإطلاق النجس.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار الواردة في ذلك:
فمنها: ما [روى] 4 مالك من طريق أبي هريرة أنه قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" 1.
فيفهم منه أن قليل الماء ينجسه قليل النجاسة.
وكذلك يفهم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" 2.
ويعارضه حديث أنس بن مالك: أن أعرابيًا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعوه لا تَزْرِمُوهُ" 3، فلما فرغ أَمَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذَنوب من ماء، فصب على بوله" 4.
فظاهره: أن قليل الماء لا ينجسه قليل النجاسة؛ إذ المعلوم أن ذلك الموضع قد طهر بذلك الذَّنوب.
وعلى القول بأنه نجس, هل يتيمم مع وجوده من لم يجد سواه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتيمم ويتركه، وهو [قول] 5 ابن القاسم.
والثاني: أنه يجمع بين التيمم واستعماله، [وبه قال] 6 محمَّد بن مسلمة، وعبد الملك.
وعلى القول [بالجمع] 7 بين التيمم والوضوء كيف يجمع بينهما؟
[فالمذهب] 1 على قولين:
أحدهما: أنه يتوضأ به، ثم يتيمم ويصلي، وبه قال عبد الملك.
والثاني: أنه يتيمم ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي، ويقدم الصلاة بالتيمم، وهو قول سحنون، قبل أن تتنجس أعضاؤه بذلك الماء، ثم يتوضأ بعد ذلك ويصلي به مراعاة لقول من يقول: أنه [ماء] 2 طاهر؛ [فتوقع] 3 الصلاة على وجه [مجمع] 4 عليه لعدم الترجيح.
فإن حضرت صلاة أخرى: فإنه يعيد التيمم، ثم يصلي.
فإن [انتقضت] 5 طهارته: توضأ بما بقى من ذلك الماء أيضًا.
وهنا فصل أخر [في المياه] 6:
اختلف فيه من أي قبيل هو؟ وهو الماء المستعمل، هل يستعمل في رفع الحدث مرة ثانية أم لا؟
فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من "المدونة" 7:
أحدهما: أنه لا يستعمل أصلًا، ويتيمم من لم يجد سواه، وهو قول مالك في "المختصر"، وفي كتاب ابن القصار، عليه حمل حذاق المتأخرين قول مالك في "الكتاب" [حيث قال] 8: "ولا يتوضأ بما قد
توضأ به مرة ولا خير فيه" 1، وإن قول ابن القاسم خلاف، ويؤيده قوله فيمن ذكر وهو في الصلاة أنه لم يمسح رأسه، وفي لحيته بلل، فقال: "لا يجزئه أن يمسحه بذلك البلل" 2.
وظاهره سواء كان البلل يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنه ماء مستعمل.
ولعبد الملك في غير "المدونة": أنه يمسح به إذا كان الماء كثيرًا، وهو القول الثاني في المذهب: أن الماء المستعمل يستعمل، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" إذا كان الذي توضأ به أولًا طاهر الأعضاء.
وسبب الخلاف: اختلافهم في هذا الماء هل يطلق عليه اسم الإطلاق أم لا؛ فمن رأى أنه ماء مطلق، وأن [هذا] 3 الاسم يتناوله، قال: إنه يستعمل.
ومن رأى أنه لا يطلق عليه [هذا] 4 الاسم، قال: لا يستعمل ولأصحابنا المتأخرين [على] 5 هذه المسألة [توجيهات] 6، أضربتُ عن ذكرها لضعفها، [والله وليّ التوفيق] 7 [والحمد لله وحده] 8.
...
المسألة الرابعة
فيما ينتقض الطهارة
والطهارة ينقضها ثلاثة أشياء:
أحدها: خروج خارج.
والثاني: دخول داخل.
والثالث: ما ليس [بداخل ولا] 1 بخارج، ولكنه سبب لخارج، فالجواب عن الوجه الأول؛ وهو خروج خارج، [فأرشق] 2 عبارة [عَبَّرَ بها] 3 مُتأخرو المذهب في حصر النواقض أن تقول: الخارج المُعتاد [من المَخْرَج المعتاد] 4 على سبيل الاعْتِياد: فهو الذي يوجب الوضوء باتفاق [من] 5 المذهب.
[وقولنا] 6: الخارج المُعتاد: كالبول، [والغائط] 7، والريح، وما يخرج من الذَّكر على اختلاف أنواعه وأسمائه؛ احترازًا من غير المعتاد كالدود، [والحصى] 8، والدَّم من الدُّبر.
وقولنا: من المَخْرَج المُعتاد، احترازًا مما يخرج من الفم من دم أو
قيء، أو ما يخرج من جرح من دم أو قيح؛ فإن أبا حنيفة اعتبر الخارج دون المخرج، والشافعي [اعتبر] 1 المخرج دون الخارج، وتابعه على ذلك محمد بن الحكم من أصحابنا.
وقولنا: على سبيل الاعتياد؛ احترازًا مما ليس بمعتاد كالدُّبر، والدود تخرج عارية عن البَّلَّة، والحصا، وسلس البول، والمذي، والريح، ودم الاستحاضة، فهذا لا يوجب الوضوء عند مالك، ولا ينقضه على تفصيل لنا فيه.
والزائد على القدر المعتاد كالسلس والاستحاضة: لا يخلو إما أن يكون دائمًا [مسترسلًا على سائر الأوقات أو يكون منقطعًا يأتي المرة بعد المرة، فإن كان دائمًا] 2 متصلًا لا يفتر: فلا خلاف [في المذهب] 3 أن
الوضوء في حقه لا يجب، لكنه مستحب.
فإذا بال بول العادة، أو كانت المستحاضة ممن لها التمييز: فيجب الوضوء على صاحب السلس، والغسل على المستحاضة [فإن] 4 كان غير دائم: ففي هذا الوجه يفترق حكم صاحب البول، وصاحب المذي؛ فصاحب البول: لا خلاف أنه يتوضأ لكل صلاة.
وهل ذلك على معنى الوجوب أو على معنى [الندب] 5؟
فبين المتأخرين [قولان متأولان] 6 على "المدونة"، والظاهر
منهما: أنه على الوجوب.
وأما صاحب المذي فلا يخلو سلسه [منه] 1 مرة بعد مرة من أن يكون ذلك [من سببه] 2، أو [من سبب] 3 يقدر على رفعه، أو من سبب لا يقدر على رفعه ودفعه، فإن كان ذلك من سببه كالتَّذكر، وكان لا يخرج منه إلا بالتذكر: فهذا يجب عليه الوضوء باتفاق المذهب، ولكن هل يغسل جميع الذكر أو رأس الإحْلِيل خاصة؟
فالمذهب على قولين، وفي "المدونة" ما يدل على القولين جميعًا؛ لأنه قال في موضع: "فإنه يغسل ذكره" 4؛ فظاهره كله.
وقال في موضع آخر: "يغسل ما به" 5، وظاهره رأس القضيب [خاصة] 6.
وهل يفتقر غسله إلى نية أم لا؟
وهذا يتخرج على صفة غسله؛ فمن قال [بغسل] 7 جميع الذكر: فقال: يحتاج إلى نية؛ لأن ذلك جنابة الذكر.
ومن قال [بغسل] 8 مخرج الأذى خاصة، قال: لا يحتاج إلى النية.
فإن كان ذلك من سبب يقدر على دفعه بالتَّسَرِّي والنكاح: فهل يجب
الوضوء ابتداءً بهذا الوصف، أو لابد من اعتبار التذكر معه؟ [فإذا طالت العزبة واستدام التذكر، فيخرج المذي ويجب الوضوء] 1.
وهل يجب بانفراد العزبة وإن لم يقارنه التذكر؟
ففي "المدونة" روايتان:
إحداهما [قوله] 2: إن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر خرج منه" 3، فاقتضت هذه الرواية: أن الوضوء لا يجب بمجرد العزبة، وإن خرج مذي حتى يتذكر.
[والرواية الأخرى] 4: فإن كان ذلك من طول عزبة أو تذكر فكل وصف ["اعتبر على انفراده" 5] 6: فالتذكر بانفراده، والعزبة بانفرادها.
فقد تبين لك ما بين الروايتين من المعنى.
وعلى الرواية باعتبار العزبة على الانفراد، فإن قدر على إزالتها بالشراء أو النكاح: فهل يجب عليه الوضوء لكل صلاة أو يؤمر؟
قولان مخرّجان على المذهب.
وسبب الخلاف: من ملك أن يَمْلك قبل أن يُمَلك هل هو كالمالك؟
فإن كان ذلك [ق/ 9 أ] من سبب لا يقدر على دفعه وزواله، كمن به علة دائمة، فإنه يؤمر بالوضوء اتفاقًا، فهل ذلك على معنى الندب أو على معنى الإيجاب؟
قولان قائمان من "المدونة".
[والموجب الثاني] 1: وهو دخول داخل كالإيلاج في قُبُل أو دُبُر، فلا خلاف في مذهب مالك [في] 2 أنه ينتقض الوضوء ويوجب الطهارة عليهما؛ كان معه إنزال أم لا [على أحد القولين فيمن أكره على الزنا أنه يحد لوجود الانتشار والنشاط منه؛ لأن ذلك ينافي الإكراه فإنه يجب عليه الغسل على هذا القول لاحتمال أن يصدر ذلك عن إرادته واختياره، وأما المرأة فقد روى إسماعيل القاضي عن مالك أنها لا غسل عليها، والقياس وجوبه عليها كان معها إنزال أم لا] 3 إذا كان الإيلاج بالاختيار منهما.
فإن أُكرها أو أحدهما هل يفسد ذلك وضوءهما، أو وضوء المكرَه منهما أم لا؟
فهذه المسألة لم أرها في [المدونة] 4 نصًا، والذي تقتضيه أصول المذهب وفصوله: ألَّا وضوء على المكرَه منهما؛ لأن المكره على مذهب مالك رحمه الله لا ينسب إليه فعل.
[والجواب عن الوجه الثالث] 5: وهو ما ليس بخارج، ولكنه سبب للخارج كالنوم، والقُبلة، والمباشرة، والملامسة، وأشباهها.
فأما النوم: فاختلف المذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه حدث في نفسه، وهو قول ابن القاسم 6 فيما حكاه أبو
الفرج [عنه] 1 وإليه مال ابن القصار.
والثاني: أنه ليس يحدث [في نفسه وهو مشهور المذهب] 2، [وإنما هو سبب للإحداث] 3.
ولهذا تعتبر حالة النائم، والهيئة التي يغلب بها على الظن أنه يخرج ولا يشعر، وهو على أربع مراتب؛ أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها [الاضطجاع] 4 [ق/ 4 جـ]، ثم السجود والركوع، ثم القيام، ثم الاحتباء.
واختلف في الركوع، فقيل: كالقيام، وقيل: كالسجود.
واختلف في الاستناد؛ فقيل: كالجلوس، وقيل: كالاضطجاع؛ فإذا نام الرجل مضطجعًا، فعليه الوضوء بالاستثقال، وإن لم [ق/ 5 ب] يطل، وإذا نام ساجدًا هل يجب عليه الوضوء بمجرد النوم أو لابد من الإطالة؟.
في المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجب عليه الوضوء إذا نام ساجدًا -قليلًا كان نومه أو كثيرًا- وهو ظاهر "المدونة" 5 من قوله: وقد يتوضأ أيسر شأنًا ممن فقد عقله بجنون أو إغماء أو سكر، وهو الذي ينام ساجدًا أو مضطجعًا.
وإلى هذا الترجيح مال بعض مشايخ الأندلسيين.
والثاني: أنه لابد من اعتبار الوصفين؛ الإطالة والاستثقال، وهو نص
"المدونة" 1.
والثالث: أنه يجب بالاستثقال، وإن لم يطل.
وقد وقع في بعض روايات "المدونة" بإسقاط الألف في قوله: "من استثقل وطال"، وفي رواية: "أو طال ذلك".
فهذا ما يؤيد هذا القول من "المدونة".
وكل ما هو مزيل للعقل حتى لا يشعر الإنسان بنفسه: فحكمه حكم النوم.
وسواء كان المزيل بإيثار المكلّف، واختياره كالسكْر، أو كان ذلك بغير اختياره كالإغماء والجنون، فهذا مما لا [اختلاف] 2 فيه في المذهب.
وأما القُبلة مع وجود اللَّذة والقصد [إليها] 3، فاختلف فيها في المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القُبلة توجب الوضوء بأي وجه كانت على الفم أو على [غير الفم] 4 كانت بطوع أو إكراه على الفاعل والمفعول، وهو ظاهر قوله في [آخر] 5 باب التيمم من كتاب الوضوء حيث قال: "وإن كانا متوضئين فلا يقَبِّل أحدهما صاحبه إلا أن يكون معهما من الماء ما يكفيهما جميعًا" 6، ولم يفصل بين أن تكون على الفم [أو] 7 على غيره.
الثاني: التفصيل بين [أن تكون على] 1 الفم [أو] 2؛ غيره فإن كانت على الفم: وجب الوضوء عليهما جميعًا، وإن كانت على غير الفم: وجب الوضوء على الفاعل، ولا شيء على المفعول به، إلا أن يلتذ، وهو نص قوله في كتاب الوضوء، حيث قال: "أرأيت من قَبَّلْته امرأته على غير الفم -على ظهره أو على رأسه- أتكون هي اللامسة [دونه] 3 في قول مالك؟ قال: نعم" 4.
والقول الثالث: إنه لا شىء عليه إلا أن يلتذ 5، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وأشهب عن مالك في كتاب الصيام: أن من قَبَّل امرأته أو باشرها وهو صائم: [أنه] 6 لا شيء عليه إلا أن يمذى، فيقضي.
وسبب الخلاف: ما يؤدي إلى الشيء، هل هو كالشيء أم لا؟
[فالمباشرة] 7، والملامسة من هذا القبيل، ثم لا يخلو اللمس من أربعة أوجه:
أحدها: أن يقصد [إلى] 8 اللذة ووجدها، أو لم يقصد إليها ولم يجدها أو قصد، ولم يجد، أو وجد ولم يقصد.
فالجواب [على] 9 الوجه الأول -وهو أن يقصد إلى الالتذاذ فيلتذ؛
و [لا] 1 خلاف عندنا في وجوب الوضوء؛ لوجود الملامسة التي سمَّاها الله حِسًا ومعنى.
والجواب عن الوجه الثاني -وهو ألا يقصد بها الالتذاذ ولا يلتذ-: فتفترق فيه القبلة والمباشرة والملامسة:
أما المباشرة واللمس: فلا يجب عليه فيهما وضوء؛ لعدم الملامسة التي سماها الله بقوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ ولا وجد معها لذة.
وأما القبلة: فاختلف فيها على قولين:
أحدهما: إيجاب الوضوء منها، وهي رواية أشهب عن مالك، وقول أصبغ، وهو ظاهر "المدونة" 2، آخر باب التيمم، وعلة ذلك: أن القبلة لا تنفك عن اللذة، إلا أن تكون صبية صغيرة قبَّلَهَا على سبيل الرحمة.
والثاني: أنه لا يجب الوضوء منها كالملامسة والمباشرة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون وغيرهما 3.
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالصور أو الاعتبار بالمعاني؟
والجواب عن الوجه الثالث -وهو أن يقصد بها إلى اللذة [فلا] 4 يلتذ- فالمذهب فيه أيضًا على قولين:
أحدهما: وجوب الوضوء، وهي رواية عيسى بن القاسم، وهو ظاهر "المدونة" 5؛ لوجود الملامسة التي ذكر الله تعالى في كتابه.
فإذا ابتغاها
وطلبها وجب عليه الوضوء -وجدها أم لا- لأن الله تعالى [لم] 1 يشترط في الملامسة وجود اللذة.
والقول الثاني: إنه لا وضوء عليه، وهو قول أشهب عن مالك، ووجه [ذلك] 2، أن المقصود بالملامسة وجدان اللذة، فإذا عدمت لم يجب الوضوء.
والجواب عن الوجه الرابع -وهو أن يجد اللذة ولم يقصدها- فهل يجب عليه الوضوء؟ قولان قائمان من المدونة 3.
[وسبب الخلاف] 4: هل العبرة بوجود المعنى أو العبرة بوجود الصور.
والحمد لله وحده.
...
المسألة الخامسة
مسألة الإنعاظ
1
وإنما أفردناها بالكلام عن باب [الملامسة] 2 لما فيها من التفصيل الذي لا يمكن تحصيله إلا [إذا أفردت] 3، فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
[أحدها] 4: أن ينعظ ويلتذ فيخرج منه الماء.
[والثاني] 5: أن ينعظ ويلتذ ولا يخرجه منه الماء.
[والثالث] 6: أن ينعظ وخرج [منه] الماء ولم يلتذ.
[والرابع: أن ينعظ ولم يلتذ ولم يخرج منه الماء.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أنعظ والتذ وخرج منه الماء فلا خلاف في وجوب الوضوء.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أنعظ والتذ ولم يخرج منه الماء هل يجب عليه الوضوء أم لا؟ قولان والمشهور وجوبه.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أنعظ وخرج منه الماء ولم يلتذ] 7،
فالمذهب على قولين أيضًا، والمشهور وجوبه إذ الغالب أن خروج المذي لا يكون إلا عن لذة.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا لم يكن إلا مجرد الإنعاظ وانكسر عن غير ماء هل يجب الوضوء أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة" 1 على اختلاف الروايات [فيها] 2 في إثبات الألف في قوله: إذا التذ أو أنعظ، وفي رواية أخرى: إذا التذ وأنعظ، وهكذا مذكور في كتاب الوضوء وكتاب الصيام 3، والحمد لله وحده.
...
المسألة السادسة
إذا شك في الحدث وأيقن بالوضوء
[فقيل] 1: الخوض في مقصود المسألة يتعرض لتعاطي البحث عن معنى عبارة تلهج بها ألسنة الحذاق.
وقد تلتبس على من لم [يتبحر] 2 في دقائق هذا الفن، ويقولون: [إن] 3 اليقين لا [يترك] 4 بالشك، [ويقرون] 5 ذلك، ويجعلونه مراعًا، ومأخذًا لأحد قولي المذهب في جميع مسائل الشكوك، وذلك غير صالح [لإثبات] 6 المأخذ ولا مؤيد بدليل سمعي، وإن [وافق] ظاهرها، فإنها عند البحث عن عوارها يتلاشى المتمسك بها، ["وبكع" 7] 8 عنها ملتمسها، فنقول في [ترتيب] 9 العبارة [وتحريف] 10 الطريقة: اليقين إذا تصور معه شك، فضلًا عن ترك اليقين به؛ إذ هما متنافران متدابران فالاستحالة في نفسها ترجع إلى الجمع بين الشيء ونقيضه.
وقول القائل: اليقين أولى من الشك يوهم الترجيح عند الاجتماع، وتوهم الاجتماع بين الشك واليقين لا يقابل بالباطل سواء؛ إذ اليقين [تصميم 1]، والشك تجويز، وذلك [في] 2 غاية التضاد، ونهاية [التجاسر] 3 بل لا يصح أن يناط المثبوت بالمشكوك، والشريعة مثبوتة فلا تناط بهواجس مشكوكة بحقيقة أن الترجيح فرع اعتقاده مصادفة تكون لديها مصادمة والمصادمة لا تتحقق فضلًا عن المصادمة بما أشرنا إليه.
فإذا ثبت هذا فليس المعنى بقول القائل: لا يترك اليقين للشك.
وجود القطع واليقن حالة الشك والتخمين.
ولكن عني بذلك أن ما سبقت استيقانه والقطع به إذا انقضى بذلك وتصرم بطرد الشك.
ويقينًا غير مستيقنين بما استبقيناه قاطعين ببقائه على أن القطع الأول بطرد الشك لا يتضمن ارتفاع العلم عما استيقناه أولًا، وهذا في ضرب المثال بمثابة المتطهر إذا شك في الحَدَث فإن هذا الشك مسبوق بالقطع واليقين، واليقين بحصول الأعضاء مغسولة، لكنه غير موجود حالة الشك لو وجد لا يبطل الشك، وهذا مما لا يطرد فيه [القول] 4؛ لأنه تحرم الثقة باليقين لطروء الشك عليه، فقد تعذرت [الدلالة] 5 بترك حكم ما سبق عند طروء الشك والالتباس، وذلك [بمثابة] 6 من طلق الواحدة من الأربع غير معينة، فإنه لا يساغ له القرب [بالغشيان] 7 في واحدة
إلا بعد بيان المطلقة من الجملة، وإن كانت كل واحدة [منهن] 1 قد سبقت فيها استيقان النكاح على نعت القطع والتعميم، ولو لم يقع فيها بطلاق.
وكذلك إذا كان معه إناء فيه ماء طاهر، فإذا اختلط ذلك الماء بآخران طاهر ونجس, والذي عنده فيما مضى والقضاء، وقد سبقت فيه استيقان الطهارة، وإنما النجاسة طارئة وعارض صالح، ومع ذلك فلا يجوز الاستمساك بحكم ما سبق من اليقين؛ لأنَّه بالشك ارتفع اليقين فيجيء من ذلك أن التمسك بحكم ما سبق في المحل التنويع بحساب قوله اليقين، وذلك موضع [ق/ 10 أ] الإرشاد ومقام الترداد، بل لا يجوز التمسك به في منازل الأدلة إلا أن يقوم الدليل، وهذا مما لابد لنا من بيانه، وسياقه على الإيجاز، والاختصار، والتطويل فيه والإكثار مُحَالٌ على فَنّ الأصول.
فليرجع بنا الكلام إلى تحصيل المسألة وتهذيبها؛ لأنها في الكتاب مع ما عليها من الاستكمال في حيز [الاستدلال] 2.
قال مالك 3 رحمه الله: فيمن توضأ ثم شك في الحدث؛ فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا:
إن كان مستنكحا فلا شيء عليه، وإن كان غير مستنكح فليعد الوضوء كالذي يشك في الصلاة، فلم يدر أصلي ثلاثًا أم أربعًا، فإنه يلغي الشك، ويبنى على اليقين.
فكأن هذا الاستدلال أتى فجأة في نفسه على ظاهر الصورة؛ لأنه في مسألة الشك في الوضوء، وفي مسألة الصلاة يبنى على اليقين، فالذي يليق بالاستدلال [أن يقال] 4 يعيد الصلاة، وإلا لم تصح المناسبة بين
المسألتين.
وإلى هذا المعنى أشار بعض المتأخرين، وهو ظاهر، إلا أن مقصود صاحب الكتاب [في الاستدلال] 1 بمسألة الصلاة على مسألة الوضوء من طريق المعنى، لا من جهة الصورة؛ لأن اليقين في مسألة الوضوء [ألا تؤدي] 2 إلا بطهارة متيقنة ولا تبرأ ذمته إلا بها، وكذلك مسألة الشاك في الصلاة [لأن] 3 ذمته معمورة بأربع ركعات مثلًا، فلا تبرأ ذمته إلا بالإتيان بأربع ركعات، فيقال له: الغ الشك، وابْن على يقينك وائت بركعة رابعة، وهذا التشبيه من جهة المعنى، وهو مقصود صاحب الكتاب.
وأما التشبيه من جهة الصورة فتوازى مسألة الشك في [صلاة] 4 مَنْ شك في أثناء وضوئه في غسل عضو منه، فيقال له: ألق الشك وابن علي اليقين، واغسل ذلك [العضو] 5 كما يقال لمن شك أصلى ثلاثًا أم أربعًا: الغ الشك وائت بركعة رابعة.
فهذا وجه التمثيل من حيث الصورة، فافهم هذه الدقيقة، فإنها جليلة.
ثم لا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يستيقن بحصولهما [جميعًا] 6 إلا أنه يشك أيهما كان قبل صاحبه، أو يشك فيهما جميعًا، أو يتيقن في أحدهما، ويشك في طروء
الآخر عليه، أو يتيقن بأحدهما ويشك في فعل الآخر، ويشك بعد ذلك إن كان قبله أو بعده؛ فهذه أربعة أوجه.
فأما إن تيقن بهما جميعًا؛ ولم يدر أيهما كان قبل صاحبه فليتوضأ، والوضوء هاهنا واجب؛ لأنه ليس عنده أمر يتيقنه فيبنى عليه.
وأما إن تيقن بالحدث وشك في طروء الحدث عليه: فهذا يكون الوضوء عليه واجبًا؛ لأنه على أصل الحدث، ولا ينتقل عنه إلا بيقين.
وأما إن تيقن [ق/ 5 جـ]، وشك في الحدث، فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا؛ قولان قائمان من "المدونة" 1:
أحدهما: [أنه يعيد] 2 الوضوء، وهو نص قوله في هذه المسألة.
والثاني: أنه لا وضوء عليه، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأيمان" بالطلاق.
وعلى القول بأنه يعيد الوضوء على ما نص عليه في الكتاب: هل الإعادة إيجابًا أو استحبابًا؟
وظاهر "المدونة" [ألا إعادة عليه] 3 إيجابًا [باستدلاله بمسألة الصلاة] 4.
وسبب الخلاف: تعارض الأصلين أيهما يقدم على الآخر؛ وذلك أن الصلاة ثابتة في الذمة، فلا تبرأ إلا بيقين وبطهارة متيقنة ولا يقين هنا مع وجود الشك والأصل استصحاب [حالة] 5 اليقين، [والحمد لله وحده] 6.
...
المسألة السابعة
إذا رأي في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة، أو في غير الصلاة
والمصلي مأمور بأن يناجي ربه بقلب طاهر، وثوب طاهر على موضع طاهر، ولا خلاف في ذلك.
وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث المقداد: أنه أمر بغسل المذي من الثوب 1.
وثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه أمر بغسل المني حيث قال لعمر: " [توضأ] 2 واغسل ذكرك [ثم نم" 3] 4.
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب طهارة الثوب والجسد للصلاة.
ومن صلى بثوب نجس عامدًا قادرًا على غسله أو على غيره: فإنه يعيد أبدًا [على مشهور المذهب من حديث ابن عمر] 5، ولا خلاف في المذهب في أن المكلف مأمور بغسل [جميع] 6 [النجاسات] 7 كلها من ثوبه قبل الشروع في الصلاة، من أي نوع كانت تلك النجاسة، قليلة أو