مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 237-276
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة

صفحات 237-276
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والجواب عن القسم الرابع: وهو المفقود في الفتن التي تكون بين المُسلمين فيما بينهم، فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن تشهد البينة العادلة أنَّهُ حضر اللقاء.
والثانى: أنْ تشهد البينة أنَّهُ خرج مع العسكر ولم يروهُ في المعركة.
فإن شهدت البينة على حضوره في اللقاء فقد اختلف المذهبُ [فيه] 1 على أربعة أقوال: أحدها: أنَّه يُحكم لهُ بحكم الموت وليس في ذلك أجل.
وتعتد زوجتهُ [من يوم] 2 اللقاء وإن لم تشهد [البينة] 3 بموته، وهو قولُ سحنون في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّ زوجتهُ تتربَّص سنة.
وهي رواية أشهب، وأحد قولى ابن القاسم: والثالث: التفصيل بين قُرب البلاد التي فيها الفتن وبُعدها.
فما قُربَ مِن [البلاد] يتلوم 4 الإِمام لزوجته باجتهادهِ، [بعد] 5 انصراف مَن انصرف وانهزام مَن انهزم [ثُم تعتد] 6 وتتزوج.
وفيما بعد مثل: إفريقية ونحوها يريد من المدينة تنتظر سنة.
وهو قولُ مالك في "العُتبيَّة" وكتاب [محمَّد بن الموّاز] 7.

والقول الرابع: أنَّ ما بعد هو على حكم المفقود، وتتربَّص أربع سنين وهو قول مالك في كتاب محمَّد أيضًا.
وعلى القول بأنَّها تنتظر سنة، فهل تكون العدَّة داخلة في السنة [أم لا] 1؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها تعتدّ بعد السنة.
والثانى: أنَّ العدَّة داخلة في السنة.
والقولان لابن القاسم في كتاب "ابن الموّاز" على ما حكاهُ أبو محمَّد في "النوادر" [وهذا كله حكم الزوجة] 2. وأمّا مالُهُ: فيتخرج الخلاف [فيه] 3 على الخلاف الذي [ذكرناه] 4 في الزوجة.
فمن رأى أنَّ العدّة مِن يوم التقاء الصفين، قال: يُقسم مالهُ ساعتئذ.
ومن رأى أنَّ الزوجة تتربَّص أربع سنين، قال: يُوقف مالهُ إلى التعمير.
وعلى القول بأنَّها تتربَّص سنة، هل يُقسَّم مالهُ أو يُوقف؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يُقسَّم مالهُ ذلك الوقت الذي تحل فيه.
والثانى: أنه يوقف ماله إلى التعمير.

وأمَّا الوجه الثاني: إذا شهدت البِّينة أنَّهُ [خرج] 1 مع العسكر.
ولم يروهُ في اللقاء، فهذا حُكمهُ حُكم المفقود في جميع أحوالهِ وأحكامهِ.
والجواب عن الوجه الخامس: وهو المفقود في زمان الطاعون أو في زمان المجاعة فنسأل الله السلامة والعافية، هل يحكم لهُ بحكم الميت أو يُحكم لهُ بحكم الحي؟ فالمذهب يتخرج على قولين: [أحدهما] 2: أنَّهُ يُحكم [له] 3 بحكم المفقود في زمان الرخاء والراحة، وهو ظاهر المذهب.
والثانى: أنَّهُ يُحكم لهُ بحكم الميت، وتعتدُّ زوجتُهُ بعد التربُّص والاستيفاء على قدْر ما يرى الإِمام، وهذا على وجه الاستحسان وإلا فالذي تقتضيه نُصوصُ المذهب وهو ظاهر الكتاب أنَّ الَمرأة يأمُرها الإِمام بالعدَّة بغيرِ تربُّصَ ويُقسَّم مالَهُ على ورثتهم.
هذا نصُّ [ما حكاه] 4 بعضُ أصحاب مالك.
أنَّ الناس أصابهم سنة بطريق مكة سعال، وكان الرجلُ لا يسعل إلا يسيرًا ثُمَّ يموت، فماتَ مِن ذلك عالم وفُقد ناسٌ مِمن خرجوا إلى الحجِّ.
فلم يأتِ لهم خبرُ حياةٍ ولا موت.
فرأى مالك: "أن تُقسَّم أموالهم وتعتدُّ نساؤهم ولا يُضرب لهم أجلُ المفقود ولا غيره"، وهو ظاهر قولُهُ في "المُدوّنة" في كتاب "النكاح الأوَّل" في الأعراب: تصيبهم السنة، فوقع عند الرجلِ منهم صبية،

فأراد أنْ يُزوِّجُها، فقال مالك: لا بأس بذلك ومن أنظر لها منهُ.
فأباح مالك رحمهُ الله [للمربى] 1 نكاحها، وما ذلك إلا لكونه حَكَمَ على أبيها وسائر أوليائها بالموت، لأنَّهم انجلوا في البلاد لأجل ما [نزل] 2 بهم من المخمصة والحاجة.
ولاسيَّما على تأويل بعض المتأخرين على مسألَة "المُدوّنة" [أن] 3 للمُربِّى أن يُجبرها على النكاح وأنَّ لهُ أن يُزوجها قبل البلوغ، وهذا لا ينبغى أنْ يُمكَّن منهُ مع حياةِ الأب، فكان ذلك مِن أدلِّ الدلائل [على أن المفقود في سنة المجاعة وزمان الطاعون أنه يحكم عليه بالموت] 4. والجواب عن السؤال الثاني: في التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة.
فلا يخلو الزوج مِن أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان غائبًا [فقدم] 5 وقد تزوجت غيرهُ بعدَ انقضاءِ عدتها، هل ترد إلى الأول أو يكونَ الثاني أحق بها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة": أحدها: أنَّ العقد يفيتها.
والثانى: أنَّ الأوَّل أحقُّ بها ما لم يدخُل بها الثاني.
والقولان منصوصان عن مالك في "المُدوّنة".
والثالث: أنَّ الأول أحقُّ بها أبدًا ولا يفيتها الدخولُ أصلًا قياسًا على أحدِ الأقوال في النصرانية تُسلم وزوجها غائب وقد أسلم قبلها أو بعدها في

العدَّة.
فقد حكى الشيخ أبو محمَّد [عن] 1 عبد الملك أنَّهُ يكون أحقُّ بها وإن ولدت مِن الثاني، وهو الأظهر.
لأنَّ الإِسلام والرجعة [هدما] 2 حكم الطلاق.
ولا تباح للأزواج.
فصارت بمنزلةِ امرأةٍ ذات زوجٍ [تزوّجت ولها زوج] 3 ". وهذا القولُ استقرأهُ بعض الشيوخ مِن "المُدونة" مِن قوله في "كتاب العدَّة" في التي لم تعلم بالرجعة فتزوجت ثُمَّ قدم زوجها الأوَّل وأنَّ مالكًا وقف قبل موتهِ بعام فقال: "زوجُها الأول أحقُّ بها"، فاستقرأ بعض المتأخرين، مِن إطلاق هذا الجواب أنَّهُ أحقُّ [بها] 4 أبدًا.
وسبب الخلاف: تردُّدها بين امرأة المفقود والمنعى لها.
فمن ألحقها بأحدِ الأصلين أجراها على حُكمهِ.
ولا أعلمُ في المذهب نصَّ خلاف في المنعى لها زوجها إذا تزوّجت ثُمَّ قدم زوجها الأول أنَّهُ أحقُّ بها أبدًا.
وأمَّا إذا كان حاضرًا وقد ارتجعها ولم تعلم برجعته حتى تزوّجت ودُخل بها.
فهل يكون أحقُّ بها أو تفوتُ بالدُخول؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يكون أحقُّ بها كالغائب.
والثانى: أنَّها تفوتُ بالدُخول.
والحاضر أعظم ظُلمًا.
وهو قول مالك

في "كتاب محمَّد"، وقال بعض المتأخرين: وما قاله ليس بالبِّين ولو أنَّ رجُلًا رأى زوجتهُ تتزوّج فلم يُنكر عليها لم يكُن [ذلك] 1 طلاقًا؟ ولو عُد ذلك مِن المرتجع طلاقًا لاحتُسب عليه طلقةٌ أُخرى وفُرق بينها وبين الثاني واستأنفت العدة مِن الأول انتهى كلامُهُ.
وما قالهُ مسلَّمٌ لهُ إلا قولهُ: [واستأنفت العدة] 2 من الأول فكيف تستأنف العَّدة منهُ وهو لم يدخل بعد الرجعة؟ وإنَّما قُلنا: إنَّ الرجعة تهدم العدَّة فيما إذا طلَّقها بعد الرجعة وقبل الوطء وقبل انقضاء العدَّة فإنَّها تستأنف العدَّة [منه] 3. وأمَّا إذا ارتجع ولم يطأ حتى [انقضت] 4 العدَّة ثم طلَّقها فكأنَّهُ طلَّق قبل البناء، فكان ينبغى ألا تلزمُها العدَّة.
وتأمّل هذا الموضع فإنَّهُ موضع البحث.
على كُلِّ حال وعلى القول بأنَّهُ لا يُفيتها إلا الدُخول فلا يخلو مِن أنْ يتصادقا على الوطء أو يدْعيهِ أحدهما دون الآخر.
فإن تصادق الزوجان على وجوب الوطء مِن الثاني فإنَّها تبقى زوجةً لهُ وفاتت للأوّل على مشهور المذهب.
فإن تصادقا على عدم الوطء فإنَّها لا تحلُّ للثانى، على القولِ بأنَّها لا يُفيتها للأوّل إلا الدخول لإقرار الثاني أنَّها زوجة الأوّل ولا تحلُّ للأول إلا بعد ثلاثة قروء لثبوت الخُلوة بينهما وبعد اتفاقهما على ذلك [بالطلاق] 5،

وهو قولُ محمَّد بن الموّاز.
وهذا إذا كان الزوج الأوّل قد صدقها.
وإن لم يصدقها كان لها أن ترفعَ أمرها إلى السلطان فيُطلِّقها على الأوَّل لأنَّها تقول: أبقى بلا نفقة وبغيرِ إصابة.
فإنْ ادعاهُ [الزوج] 1 وكذّبته المرأة فلا تحلُّ للأوَّل أيضًا، وتبقى زوجةً للثانى غير أنها لا يحل لها أن تُمكِّنهُ مِن نفسها ولا يأتيها إلا وهي كارهة كما لو طلَّقها ثلاثة فجحدَ لها الطلاق.
فإن ادّعتهُ الزوجة وكذبها الزوج فإنَّها لا تحلُّ للثانى أيضًا لإقرارهِ أنَّها زوجة الأوّل، ثُم ينظر إلى الأوَّل.
فإن صدّقها كان لهُ أن يرتجعها، بعد ثلاثة قُروء.
فإن كذّبها كان لها أن ترفع أمرها إلى السلطان كما تقدّم.
والجواب عن السؤال الثالث: في المنعى لها زوجها وهي التي تبلغها وفاة زوجُها.
وهو عند الفقهاء: بضم الميم وفتح العين، وهو خطأ عند أهل العربية، وصوابهُ عندهم: بفتح الميم وكسرِ العين وتشديد الياء.
فإذا [بلغتها] 2 وفاة زوجها ثُمَّ تزوجت ثم جاء زوجها الأول فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّها تُردُّ إلى الأوَّل وإن ولدت أولادًا، قال [في الكتاب] 3: "لأنها كذبت وعجلت ونكحت مِن غير اعتداد ولا تربُّص مِن سلطان وتعتدُّ في بيتها التي كانت تسكُن فيه مع الآخر حتى تحيض أو

يثبت حملُها إن كانت حاملًا".
قال في الكتاب: "ويُحال بين الثاني وبين الدخولِ عليها، ولا أعلمُ خلافًا في منع الثاني مِن الدُخول عليها والنظر إليها وإلى شىءٍ مِن محاسنها لأنَّهُ أجنبىٌ عنها كسائر الأجانب".
وأمَّا الأوّل فلا خلاف أيضًا أنَّهُ يُمنع مِن وطئها في هذهِ العدَّة لأنها إنْ كانت حائلًا يُؤدى إلى اختلاط الأنساب.
وإن كانت حاملًا فيُمنع أيضًا على مشهور المذهب لئلا يسقى ماءَهُ زرع غيره.
وأما ما عدا الوطء مِن أنواع الاستمتاع فمباحٌ له، لأنَّها زوجتهُ وإنما حُبست عنهُ، [لأجل اختلاط] 1 النَّسبين كما [لو ابتدأها] 2 مَن زنا [أو غصب.
وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين.
وما قاله غير صحيح ومذهبنا حماية الذرائع] 3. [وكيف] 4 يباح لهُ الاستمتاع بدواعى الوطء مع ما يُخاف منهُ مِن الإفراط المؤدى إلى الوِقاع المُتفق على تحريمُه في تلك الحال.
والحمد لله وحده.

المسألة الثامنة

في عِدَّةِ امرأة الخصي والمجبوب.

[ومسألة الخصي والمجبوب] 1 تكررت في الكتاب بألفاظٍ مختلفة ومعانٍ مضطربة تُشعر باختلاف أقوال.
فمنها قولُهُ في "كتاب النكاح الأول": في جواز نكاح الخصي والمجبوب وطلاقهِ فقال: "لأنَّ المجبوب يحتاج إلى شىء من أمور النساء".
وقال في آخر الكتاب المذكور في "باب عُيوب الرجال" فيما إذا كان الرجل خصِيًا أو مجبوبًا ولم تعلمْ المرأة فلها الخيارُ؟ قال: "فإن اختارت الفِراق بعد الدخولِ [عليها] 2 فعليها العدَّة إن كان يطأ، وإن كان لا يطأ فلا عدَّة عليها".
قيل: "فإن كان مجبوبَ الذكر قائم الخصي، قال: "إنْ كان يُولد لمثلهِ فعليها العدَّة، ويُسأل عن ذلك فإن كان يُحمل لمثله لزمهُ الولد وإلا لم يلزمُهُ [ولا يلحق به] 3 ". قال في "كتاب النكاح الثالث" من "المُدوّنة": "ولا يحل المرأة ولا يُحصنها مجبوب إذ لا يطأ".
وقال في "كتاب العدَّة": "وتعتدُّ امرأة الخصيَّ في الطلاق".
قال أشهب: "لأنَّهُ يُصيب ببقية ذكرِه ويتحاصنان بذلك، وإن كان المجبوب لا يمسُّ امرأتهُ فلا عدَّة عليها من طلَاق".

فهذا ما وقع في الكتاب مِن الأجوبة والألفاظ.
والمجبوب: في تعارف الفقهاء عبارة عن الممسوح، وهو: مقطوعُ [الذكر] 1. والخصىُّ: عبارة عن مقطوع إحدى [الآلتين] 2، إمَّا الذكر، وإمَّا الأُنثيين.
وقولهُ: "لأنَّ المجبوب يحتاجُ إلى شىءٍ مِن أمور النساء" يفيد أنَّهُ يستمتعُ بعض الاستمتاع.
وقولُهُ: "لأن المجبوب لا يطأ" يُفيد أنَّ المجبوب لا حاجة لهُ إلى النساء في ظاهر الأمر، لأنَّ مَن لا يطأ ولا عندهُ آله [الوقاع] 3 فلا إربة لهُ في النساء.
وقولُهُ: "إن كان يطأ أو لا يطأ" تردَّدَ في أمره، والجهل بحالهِ وهو مُنافٍ لقولهِ: " [المجبوب] 4 لا يطأ".
ولهذا قال أبو عُمران الفاسى رضي الله عنه: "هذا غريبٌ مِن اللفظِ في قوله إن كان ممن [لا] 5 يمسَّ" قال: " [إذ] 6 هو مِمن لا يمسّ".
قال بعض المتأخرين اعتذارًا عما في الكتاب ودرأ لِما ألزمَهُ الشيخ أبو عمران [للكتاب] 7: [و] 8 قد يحتمل لفظُهُ في الكتاب عندي أنْ

يكون معناهُ: "إن كان ممن لا يحتاج إلى النساء ولا ينزل ولا يتلذّذ فإن كان هذا متأكدًا تحقَّق أنَّهُ لا يُولد لهُ".
ويكون هذا معنى قولُهُ في "النكاح الثالث".
"وإنْ كان مِمن دنا إلى النساء، وعالج التداوى [وأنزل] 1 فهذا يُخشى منهُ الولد كما يُخشى مِمن يطأ ويعزل ولا ينزل".
فيكون هذا معنى قولُهُ في "النكاح الأول" [في قوله] 2: "لأنَّ المجبوب يحتاجُ إلى شىءٍ مِن أمور النساء"، ومعلومٌ أنَّهُ لم يقصد بذلك الاقتصار على القُبلة والمباشرة، وإنَّما قصدَ أمرًا زائدًا عليهما وهو أمرٌ يوصلهُ إلى اللَّذة الكبرى.
فيكون قولهُ: "إن كان ممن لا يمس امرأتهُ" جزمًا على هذا المعنى.
وما قالهُ [هذا المتأخر] 3 رضي الله [عنه] 4 ظاهر، وعليهِ يُحمل جميعُ ما في الكتاب، وهو تأويلٌ صحيح ولا وصم فيهِ.
وإن كان ابن حبيب أشار إلى مثل ما قال الشيخ أبو عمران فقال: "إن كان ممسوحًا فلا عدَّة عليها ولا يلحق الولد بالزوج إن [جاءت به] وتحدُّ هى".
وأمَّا الخَصِىُّ: فإن كان قائم الذكر كما قال في كتاب "النكاح الثالث" أو معهُ بعضَهُ كما يُفهم مِن كلام أشهب في "كتاب العدَّة".
وهو مقطوع الأنثيين أو إحداهما أو اليُسرى منهما على اختيار "ابن

حبيب".
فهذا هو الخصي الذي قال في الكتاب: يُسأل عنه أهل المعرفة.
إن كان يُولده لمثلِهِ.
لأنَّهُ يُشكل إذا قطع الذكر دون الأُنثيين أو الأُنثيين أو أحدهما دون الذكر هل ينزل وينسل أم لا؟ وإن كان ابن حبيب فصَّل [في] 1 هذا فقال: "إذا بقى معه أُنثياه أو اليُسرى منهما وبقى معهُ من العسيب ما يُمكنه بهِ الوطء فالولدُ يُلحقُ بهِ"، لأنَّهُ يرى أنَّ الماء مِن الأُنثيين، والولد مِن اليسرى منهما، وما بقى معهُ مِن العسيب يُوصِّل بهِ الماء إلى داخل الفرج.
وقال أشهب في "الكتاب": "يُحتمل ما قالهُ ابن حبيب".
[وذلك أن] 2 قولهُ: "لأنَّهُ يُصيب بما بقى مِن ذكره" يُحتمل أنْ يُريد بقولهِ "مِن" للتبعيض، ويكون بعض الذكر.
وتكون "مِن" للبيان، فيُحمل على جميعهُ.
وكلا التأويلين على مذهب الكتاب سواء، وكذلك [على] 3 مذهب ابن حبيب.
وإنَّما وقع الخلاف بين ابن حبيب والكتاب في بقاء الأنثيين أو إحداهما.
فمذهب "الكتاب": الإحالة على سؤال أهل المعرفة

عن صفةِ حالهِ من الحاجة للنساء.
وعند ابن حبيب: الإحالة على رأى أهل الطب.
وأمَّا ما يرجعُ إلى الإحلال والإحصان، ووجوب الصداق والحدُّ والاغتسال: فإن ذلك منوطٌ ببقاء الذكر أو بعضه خاصة، دون بقاء الأُنثيين أو إحداهما إلا أنْ يكون [منه] 1 أمر يُوجب الاغتسال كالإنزال مع المُلاعبة.
وكان [كتاب] 2 النكاح [الأول] 3 أولى بهذهِ المسألة لكنَّا أخَّرناها إلى هذا الموضع لغرضٍ لنا فيهِ.
والحمدُ لله وحدهُ [وصلى الله على محمَّد نبيه] 4.

المسألة التاسعة

في سكنى المُعتدَّة.

و [المُعتدَّة] 1 لا تخلو مِن وجهين: أحدهما: أنْ تكون معتدَّة مِن طلاق.
والثانى: أنْ تكون معتدَّة مِن وفاة.
فإن كانت معتدَّة مِن طلاق، فلا يخلو مِن أنْ يكون الطلاق رجعيًا أو بائنًا.
فإن كان رجعيًا: فلا خلاف بين العلماء أن لها [النفقةَ والسُّكنى] 2. وإن كان بائنًا: فلا يخلو مِن أن تكون حاملًا أو حائلًا.
فإن كانت حاملًا: فلا خلاف أيضًا أنَّ لها الأمرين جميعًا، النفقة والسكنى، لقولهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ الآية.
فإن كانت حائلًا: فهل لها النفقة والسكنى أم لا؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن لها السكنى والنفقة، وهو قولُ الكُوفيين.
والثانى: أنَّها لا نفقة لها ولا سُكنى، وهو مذهب [أحمد بن حنبل] 3 وداود وأبى ثور وإسحاق وجماعة.

والثالث: أنَّ لها السَّكنى ولا نفقة لها، وهو [مذهب] 1 مالك والشافعى وجماعة.
وسبب الخلاف: اختلاف الروايات في حديث فاطمة بنت قيس [ومعارضة ظاهر الكتاب له.
فمن لم يوجب لها نفقة ولا سكنى استدل بما روى في حديث فاطمة بنت قيس] 2 أنها قالت: "طلَّقنى زوجى ثلاثًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجعل لي نفقة ولا سكنى" خرَّجهُ مُسلم.
[و] 3 في بعض الروايات [أنه قال:] 4 "إنَّما النفقة والسُّكنى لمن لزوجها عليها الرجعة".
وهذا القول مروىٌ عن علي وابن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم [أجمعين] 5. ومَن أوجب لها السُّكنى دون النفقة احتجَّ بما خرّجهُ مالك في موطأه من حديث فاطمة المذكور، وفيه: فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أنْ تعتدَّ في بيت أمِّ شريك، ولم يذكر فيها إسقاط السُّكنى، فبقى على عمومهِ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾.
[وجعل] 6 أنَّ أمرهُ - صلى الله عليه وسلم -[لها] 7 أنْ تعتدَّ في بيت أمِّ شريك مُعلَّلٌ

بأمور منها: أنَّها كانت في مكان وحش، فخاف عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو قول عائشة رضي الله عنها.
ومنها أنها كانت [لَسِنَة تؤذى] 1 أحماءها وجيرانها، وهو قول سعيد بن المسيب رضي الله عنه.
ومن أوجب لها الأمرين جميعًا (النفقة والسكنى) صار إلى وجوب السكنى لها بعموم قولهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ وصار إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوُجوب السُّكنى في الرجعة وفي الحامِل وفي نفس الزوجية.
وبالجُملة فحيثما وجبت السكنى في الشرع وجبت النفقة، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ في حديث فاطمة هذا: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقولِ امرأةٍ لا ندرى أصدقت أم كذبت".
يُريد: قولهُ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ.
. . .﴾ الآية.
والمعروف من [سنة] 2 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ أوجب النفقة حيث تجب السُّكنى.
وقال بعض المتأخرين: "الأوْلى في هذه المسألة أحد المذهبين: إمَّا أن يُقال: لها الأمرين جميعًا فيصير إلى ظاهر الكتاب والمعروف مِن السُّنة.
وإمَّا أنْ يُخصص [هذا] 3 العموم بحديث فاطمة بنت قيس المذكورة.

وإمَّا التفريق بين إيجاب السُّكنى وإسقاط النفقة فعسير.
ووجهُ عُسره: ضعفُ دليلهِ.
فعلى مذهب مالك رحمهُ الله [الذي] 1 أوجب لها السُّكنى دون النفقة، فلا تخلو الدار التي سكن فيها الزوج مع زوجته مِن أربعة أوجه: أحدها: أنْ تكونَ للزوج ملكًا.
والثانى: أنْ تكونَ لهُ بِكِراء.
والثالث: أنْ تكونَ للزوجة ملكًا.
والرابع: أنْ تكونَ بكراء على الزوجة.
فإن كانت مِلكًا للزوج فهي أحقُّ بها حتى تنقضى عدتها وهي أحقُّ بها مِن الغُرماء في الفلس بالاتفاق، وفي الموت على الخلاف على ما سنذكره في فصلِ [المُتوفى عنها زوجها] 2 إن شاء اللهُ تعالى.
[فإن أراد] 3 [الغرماء] 4 [أو الورثة] 5 بيعها، ويُشترطوا مُدَّة العدَّة على المشترى، هل يجوز ذلك البيع أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدَّونة": أحدهما: أنَّ ذلك جائزٌ، وهو نصُّ المُدوَّنة.
والثانى: أنَّ ذلك لا يجوز، وهو قول ابن عبد الحكم، وهو قائم مِن المُدوّنة، وتبيَّن لك موضعهُ آنفًا.

وعلى القول: بأنَّهُ يجوز البيع وتستثنى مُدة العدَّة، هل يستثنى أمد العِدَّة المعتادة أو يجوز لهُ أنْ يستثنى أمد الريبة؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّهُ لا يجوز لهُ أن يستثنى إلا [أمد] 1 العدَّة المُعتادة.
خاصةً إن كانت العدة مِن طلاق ثلاثةِ قُروء أو ثلاثة أشهر.
وإن كانت مِن وفاة: فأربعةُ أشهرٍ وعشرًا، وهذا ظاهر "المُدوّنة"، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنَّهُ يجوز له أن يستثنى على المُشترى سُكنى [أمد] 2 الريبة إلى أربع سنين [أو] 3 إلى خمسِ سنين، على الخلاف بين أصحاب مالك في ذلك، وقد قدَّمناهُ فيما سلف من هذا الكتاب، وهذا القول استقرأهُ الشيخ أبو إسحاق التونسى مِن [المذهب] 4، وهو ظاهر "المُدوّنة"، ونحن نُبيِّن موضع الاستقراء إن شاء الله.
وعلى القول بأنَّهُ لا يجوز له أن يستثنى على المشترى [في] 5 أمد الريبة فإذا استثنى أمد العدَّة المعتادة ثُمَّ استرابت بعد وفاته وكماله، هل يرجع الخيار إلى المُشترى [في] 6 فسخ البيع أو لا خيار لهُ؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّهما إن ارتابت فهي أحق بالمقام إلى انقضاء أمدِ الريبة،

وهو قولُ مالك في كتاب "ابن الموّاز".
قال سحنون: "فإن تمادت إلى خمسِ سنين، فلا حُجَّة لهُ.
لأنَّهُ قد علم، فكأنَهُ قد علمَ أن [قضاء] 1 العدَّة خمسُ سنين فكأنَّهُ قد دخلَ على عِلم".
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في "العُتبيَّة"، مِثل قولِ مالك وسحنون "أنَّهُ لا حجَّة للمُبتاع".
والثانى: أنَّ الخيارَ يرجعُ إلى المُشترى على البائع، فإن شاء فسخَ بيعهُ وأخذ الثمن، وإن شاء تماسك ببيعه فلا شىء يرجعُ بهِ، لأنَّ البيع إنَّما وقع على استثناء العدَّة المُعتادة في الغالب ولو وقع البيعُ بشرطِ الاسترابة.
فقال الشيخ أبو إسحاق التونسى رضي الله عنه: "أما جعلَهُ المُشترى بالخيار في فسخِ البيع والرضا به إذا استبرأت المرأة ففيه نظر لأنَّهُ إذا وجب لهُ [رد البيع] 2 لمكان حبس جُملة الدار [عنها] 3 أمدًا لا يعرفهُ لجواز أن يكون سنة أو خمسِ سنين.
فإن رضي بالتمادى على هذا الشراء بعد وجوب الرد، كابتداء شرائه، وهو قد قال: لو اشتراها بشرط الاسترابة يفسخ البيع إلا أن يكون القولُ على أحد التأويلين فيمن خُيِّر بين شيئين فاختار أحدهما أنَّهُ لا يُعدُّ مُختارًا لما ترك".
انتهى كلامه.
فعلى هذا الأصل الذي ذكرهُ الشيخ ينبنى الخلاف في المسألة.
فعلى القول بأنَّهُ يُعدُّ مُختارًا لما ترك، يجوز البيعُ بشرط استثناء أمد

الاسترابة، لأنَّهُ قد اختار الفسخُ أولًا ثُمَّ تركه.
ويرجع ثُمَّ يختارُ الإمضاء فيعودُ ذلك الاستثناء، وهو ظاهرٌ لِمن تأمَّلهُ.
وعلى هذا الأصل ينبنى أكثر فروع "المُدوّنة".
فإن مات الزوج قبل انقضاء عدتها ولا دين عليه، هل لها السكنى في مالِ الميت [إلى تمام المدة أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة: أحدهما: أن لها السكنى في مال الميت ثابت] 1. بخلاف المتوفى عنها زوجها، وهو قولُ ابن القاسم في "الكتاب".
ومعنى [قوله في المتوفى عنها زوجها ألا سكنى لها] 2 إذا لم تكن الدار لهُ، ولا [نقد] 3 الكراء، فلم يلزمهُ السكنى لانقطاع ذمَّتهِ بموته، وصار المالُ للورثة، فهذا معنى قولهُ في الكتاب ومعنى قولهُ في المطلقة: أنَّ السكنى ثابتٌ لها في [ذمَّتهِ] 4، وهو دينٌ عليه في حياته، وليس الموت بالذى يسقط عنهُ ما وجب عليه قبل الموت" وهذَا نصُّ "المُدَوّنة".
والقول الثاني: أنَّ المُطلَّقة والمتوفَّى عنها سواء.
أنَّهُ لا سكنى لواحدةٍ منهما بعد الموت في مال الميت، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "المدونة".
ووجههُ أنَّ سكنى المُطلَّقة ليس بدين ثابت في ذمَّةِ الزوج في الحياة بدليل: أنَّهُ لو اعتبر في حياتهِ لم يلَزمُهُ لأنَّ ما لم يأت بعد لا يتقرَّر في

ذمته.
فإن كانت بكراءٍ على الزوج فهي أحقُّ بسكناها أيضًا مِن الغُرماء إذا أنفذ الكراء وسكنت.
فإن انقضى أمدُ [الكراء] 1 قبل انقضاء العدَّة فإنَّهُ [ينظر إلى رب الدار.
فإن رضى أن يضاعف المدة بكراء الأول أو بكراء المثل مما لا ضرر فيه على الزوج فإنه] 2 يُجبر على [إتمام] 3 ذلك، ولا يُمكَّن مِن إخراجها.
وإن أخرجها ربُّ الدار، لكونهِ محتاجًا إلى دارِهِ أو لِكونهِ طلب مِن الزوج ما يجحفه مِن الكراء: كان [له] 4 الخروج [بها] 5 ولا إثم عليها، ثُمَّ كان لها على الزوج أنْ يكترى لها منزلًا آخر تتمُّ فيه بقيةُ العدَّة.
فإن اختلفا فدعا الزوج إلى موضعٍ، ودعت هي إلى غيره.
فلا يخلو مِن أن يدعو الزوج إلى مسكنٍ يملكه أو إلى مسكنٍ يكتريه [فإن دعاها إلى موضع يملكه كان القول قوله إلا أن تسقط عند الكراء فيتخرج على الخلاف فكذلك إن دعاها إلى مسكن يكتريه] 6، ودعت هى إلى غيره وهو أكثر كِراء وهو الوجهُ الثاني كان القولُ قولهُ.
فإن أسقطت عنهُ الزائد، هل يكون القولُ قولها؟ فالمذهب يتخرّج على قولين:

أحدهما: أنَّ القول قولُها إذا توازى الكراءُ أو أسقطت جميعُ الكراءِ عن الزوج أو أسقطت الزائد عن كراء الزوج إذا دعت إلى موضعٍ مأمون وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ القول قولُ الزوج ولا تُترك إلى ما دعت إليه، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة" أيضًا.
وسببُ الخلاف: العدَّة هل هى حق لله تعالى خصوصًا أو فيها حقٌ للعبد؟ فمن رأى أنَّها حقٌ للهِ تعالى خصوصًا: كان القولُ قولُها فيما دعت إليه.
وَمَنْ رأى أنَّ فيها حقا للزوج: كانَ القولُ قولهُ فيما دعاها إليه.
فإن كان الزوج مُعسرًا في جميع العدَّة أو في [بعضها] 1: فلا شىء عليه فيما هو فيه مُعسر.
فإن كان المسكن لها ملكًا، فسكنت فيه مع الزوج حتى طلَّقها، أو اعتدَّت فيه ثُمَّ طالبت الزوج بالكراء.
أمَّا المُدَّة التي سكن معها وهي في عصمته فلا أعلمُ في المذهب نصَّ خلافٍ في أنَّها لا ترجع على الزوج بِكراء سكنى العصمة [إذا كانت رشيدة] 2. وفي السَّفيهة: [إذا] 3 سكنت في بيتها مع زوجها وحملتْ عنهُ موؤنة السكنى مخافة الطلاق قولان بين المتأخرين:

أحدهما: أنَّ ذلك جائز ولا رُجُوعَ لها عليه بشىء ولا كلام في ذلك لوليِّها، واستقرأ بعض المتأخرين هذا القول مِن "المُدّونة" من كتاب "النكاح الثاني" في باب "نكاح التعويض" في عفو الوصى عن بعض الصداق مخافة الفِراق والرغبة في الزوج، فقال: "لا يجوز ذلك إلا برضاها" فقال: "يُؤخذ مِن هذه المسألة أنَّ المحجورة تسكن [مع] 1 زوجها في دارها وتُنفق على نفسها رغبةً في الزوج ومخافة الطلاق، وغبطتها بهِ، [وأنها] 2 إن فارقها رجعت تسكُن دارها وتُنفق على نفسها وتعدم زوجها" وبهذا أفتى أبو القاسم بن عتاب وغيره من شُيُوخ الأندلسيين رحمهم الله.
والثانى: أنَّ ذلك لا يجوز، وبه قال [مطرف] 3 وغيرُهُ، ويكونُ الرُجوعُ لها عليهِ بِكراء المثل، كما لا يجوز له أن يأخذ شيئًا مِن مالها إذا ساعدتهُ [وخافت] 4 من فراقهِ إن لم تفعل".
قال القاضى أبو الفضل: "وهذا لا يلزم" والقولُ الأوّل أظهر والفرقُ بين أخذه مِن مالها وبين سُكناهُ معها في بيتها أنها تقول: "إن فارقَتنى رجعت [آكل] 5 مالى وأسكن دارى ولا أتزوج سواهُ فسكونى الآن دارى وأكل مالى مع زوجى [أرغب أوليائى] 6 [وغير] 7 ذلك من مالها باقٍ طُلقت أو بقيت.

وأمَّا سكنى أمد العدَّة هل ترجع بهِ على الزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدها: أنَّها ترجع عليهِ بِكراء أمد العدَّة، وإليه ذهب القاضى بن زرب وابن عتاب وأبو الحسن اللخمى رضي الله عنهم، وهو ظاهر "المُدَوَّنة" في "كتاب العدَّة": في التي تسكنُ بِكراء منزل هى اكترتهُ، فطلقت ولم تطلب الزوج بالكراء حتى انقضت العدَّة، قال مالك: ذلك [لها] 1. والثانى: أنَّ ذلك لا يلزم [الزوج] 2 ولا ترجع عليه بشىءٍ، وبهِ أفتى مِن شُيوخ [الأندلس] 3 أبو عمران البكرى وابن القطان، وبهِ قال "الأصبهانى" وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" أيضًا مِن مسألة الأمة إذا طلَّقها زوجها وهو عبد ولم يتبوأ معها بيتًا: أنَّها لا سكنى لها في العدَّة كما لا سكنى لها في العصمة سواءٌ أَعتق بعد الطلاق [أم لا] 4. لقولهِ في الكتاب: "وإنَّما حالها اليوم بعدما طلَّقها كحالها قبل أن يُطلِّقها في ذلك، وإنَّما يلزم الزوج ما كانَ يلزمُهُ حين طلَّقها، فما حدث بعد ذلك لم يُلزم الزوج [منه] 5 شىء"، وهذا منهُ بناء على أنَّ السكنى لو لزمته قبل الطلاق لَلَزمتهُ بعد الطلاق وفي زمان العدَّة.
وسببُ الخلاف: سكنى العدَّة هل هى تبعٌ لسكنى العصمة أم لا؟

فمن رأى أنها تبعٌ لسكنى العصمة قال: لا [كراء لها] 1 على الزوج.
ومن رأى أنها مخالفة لها [قال: لها أن] 2 ترجع على الزوج بِكراء أمد العدَّة.
والفرقُ بين سكنى العصمة وسكنى العدَّة على أحد القولين: أنَّ زمان العصمة زمان مكارمة فلا يُقبل فيه [للزوجة] 3 دعوى لو طلبت فيه الكراء.
وزمان العدَّة زمان المُنافرة والمُغايرة، فدعواها فيه مقبولة فإن كان المسكن بالكراء على الزوجة فسكنت فيهِ مع الزوج أمد العصمة [وسكنت فيه بانفرادها أمد العدة فطالبت الزوج بكراء أن العصمة] وكراء أمد العدة 4. [أمَّا أمد العدَّة] 5: فإنها تطلب الزوج بحصَّته من الكراء -بلا خلافٍ أعلمُهُ في المذهب في ذلك، وهو نصُّ "المُدوّنة" في "كتاب العدَّة": لأنَّها قامت على الزوج في ذلك بالواجب، كما لو أنفقت على نفسها وهي في عِصمةِ الزوج وهو مُوسر وإنَّما ترجع عليه بما أنفقت ولا يبعد دُخول الخلاف [فيه] 6 [بالمعنى] 7. وأمَّا أمد العصمة فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":

أحدها: أنَّها ترجع عليه بكراء تلك المُدَّة، وهو قول ابن القاسم في [كتاب] 1 "العدَّة".
والثانى: أنَّها لا ترجع عليه بشىء إلا أن يتبيَّن لهُ أنَّها في بيت كراء، وهو قولُهُ في "كتاب كراء الدور [والأرضين.
والقول الثالث: أن لها عليه الأقل من كراء المثل وما اكترت به المرأة وهو قول الغير في كتاب الدور والأرضين] 2. وسببُ الخلاف: ملكها لمنافع الدار هل هو كملكها لِرقبة الدار أم لا؟ فمن جعل مِلك المنافع كمِلك الرقبة قال: لا ترجع عليهِ بالكراء.
ومَنَ جعلهُ مُخالفًا لمِلك الرقبة قال: ترجعُ عليهِ بالكراء لأنَّها [ترجع] 3 عليهِ بالواجب.
فإن كانت مُعتدَّة مِن وفاةِ الزوج فلا خلاف أنَّها لا نفقة لها، سواءٌ كانت حاملًا أو حائلًا لأنَّها وارثة [والحمل وارث] 4. واختلف المذهب عندنا في وُجوب السكنى لها على قولين: أحدهما: وجوب السكنى لها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنَّها لا سكنى لها، وهذا القولُ حكاهُ محمَّد بن خويز منداد عن مالك في "أحكام القُرآن" لهُ، وهو اختيار القاضى أبى الحسن بن القصار قال: "لأنَّهُ يزولُ ملكهُ عن المال، وبعد الموت تجب العدَّة".
وهذا القول يُؤخذ مِن "المُدوّنة" مِن رواية ابن نافع عن مالك في "كتاب

العدَّة": في المُطلَّقة تكونُ لها السكنى ثُمَّ يموتُ الزوج في العدَّة أنَّ: "السكنى تسقط بموتهِ، كما تسقط نفقة الحمل بموتهِ"، فهذا [يؤخذ منهُ] 1 ألا سُكنى للمُتوفى عنها جملة، لأنها إذا أسقط السكنى بالوفاة [مع تقدم الطلاق كان إذا وجبت العدة بالوفاة] 2 مِن غير طلاق أولى وأحرى.
وعلى القول بأنَّ للمُتوفى عنها السكنى على الجُملة فلا يخلو مِن أن يتوفَّى عنها الزوج وهي في بيت أبيها أو يتوفى بعد أن زفَّها وحملها ونقلها إلى بيتهِ: فإن توفَّى الزوج وهي عند أهلها قبل أن يزُفَّها فلا سُكنى عليه اتفاقًا في المذهب، وتعتدُّ زوجتهُ حيثُ كانت تسكُن ويلزمُها مِن اللبث واللازمة ما يلزمُها إذا اعتدَّت في بيت زوجها.
فإن مات بعد أن حوّلها إلى منزلهِ فلا يخلو ذلك المنزلِ مِن أنْ يكونَ لهُ مِلك أو اكتراهُ: فإن كان لهُ مِلك، إمّا مِلك رقبة [الدار] 3 أو مِلك [انتفاع] 4 كالحبس والعمران وما كان في معناهما من العوارى فهي أحقُّ بالسكنى إلى آخر الآمد فيما قُدِّر بِمدة كالحبس المُؤجَّل والعارية المُؤجلة وإلى انقضاء العدَّة فيما يملك رقبتهُ وهي أحقُّ بهِ مِن الغُرماء في جميع ما ذكرنا.
فإن أرادوا بيع الدار، وأرادهُ الورثة فإنَّهم يُبيعونها بشرط استثناء أمد

العدّة على الخلاف والتفصيل الذي قدَّمناهُ [في مسائل الطلاق] 1. فإن كان أمد السكنى المُؤجل يحل أجلهُ قبل انقضاء العدّة فإنَّها تخرج إذا أخرجها رب الدار وتنظر لنفسها في موضع تتمُّ فيهِ العدَّة على حسب ما ابتدأتها.
فإن حوّلها إلى بيت اكتراهُ فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكون على الوجبية.
والثانى: أن يكون على المشاهرة والمساماة.
فإن كان الكراء على الوجبية فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينقد الزوج الكراء ويسكن.
والثانى: أن ينقد الزوج ثم مات قبل أن يسكن.
والثالث: أن يعقد الزوج الكراء [وسكنته] 2 ثمَّ مات قبل النقد.
فإن نقد الزوج الكراء وسكنته [ثم مات الزوج] 3 فلا خلاف في المذهب [أنها] 4 أحقُّ بالسكنى مِن الورثة والغرماء وهي كدار يملكها الميت.
فإن نقد الزوج الكراء أو عقدهُ ثُمَّ مات قبل أن يَسكُن فالكراء لازمٌ [له] 5. في ذمتهِ وهو مالٌ موروثٌ عنهُ ولا سُكنى للزوجة في ماله.
كما لو مات وهي ساكنة في بيتها أو في بيت أبيها وهو قولهُ في "المُدوّنة" وغيرها.

فإن عقد الزوج الكراء وسكنت ثُمَّ مات قبل أن يُؤدى جميع الكراء أو بعضهُ هل تكون أحقُّ بالسكنى من الغُرماء والورثة أو يرجع الكراء ميراثًا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: [أنها] 1 أحق به، لأنَّ الكراء قد وجب في ذمَّته فأشبهَ دارًا يملكُها، وهذا تأويل ما وقع في "المُدوّنة" عند بعضهم، ومِثل هذا في رواية أبى قرَّة وعلي بن زياد وابن وهب عن مالك.
والثانى: أنَّ باقى الوجبية التي لم يؤد الزوج كراها ميراث إلا أن تشاء المرأة أن تسكُن في حصَّتها وتكرى نصيب الورثة يريد برضاهم، وهو نصُّ قول مالك في كتاب محمَّد بن المواز، وهذا القول أسعد بظاهر "المُدوّنة".
وعلى هذين التأويلين يتخرج ما في المُدوّنة من الإشكال في المسألة فإن كان الكراء [على] 2 المشاهرة مِثل أن يُكريها كُلُّ شهر بكذا [أو كل سنة بكذا فهذا] 3 لا يخلوا مِن أن ينقد الكراء أو لا ينقده: فإن نقد جميع الكراء كان كالوجبية، والكراء لازمٌ لها وهو مالٌ مِن مالِ الزوج.
فإن لم ينقد الكراء فلا [سكنى] 4 لها في ذمة الزوج، ثُمَّ لأهل الدار إخراجها إذا أرادوا.
وكذلك إن كان الكراء على الوجبية فانقضت الوجبية قبل انقضاء العدَّة فلهم أن يُخرجوها إذا أرادوا، وهو نصُّ قولُ مالك في "المُدوّنة".
قال بعض المتأخرين: "معنى ما وقع في "المُدوّنة": إذا كان

إخراجهم لحاجةٍ لهم في الدار مِن سكنى أو بناء وشبه هذا".
وهكذا فسَّرهُ بن كنانة في "المبسوط"، قال: "ليس لربِّ الدار أن يُخرجها إلا لعُذر مجحف يخاف على دارهِ إنْ تركت فيها، وليس لهم أن يزيدوا في الكراء على القدر الذي [كان] 1 يتكارى بهِ زوجها".
وقال بعض الحُذّاق: "ومعناهُ عندي: أن يكون ذلك مِن قِبَلِ أنفسهم وأمَّا إن جاءهم مَنْ يكتريها منهم بأكثر كان لهم إخراجها إلا أن تلزم الزيادة".
ولا خلاف في المذهب أنَّ: أهل الدار متى تركوها بكراءِ مثلها أنَّهُ لازمٌ للزوج في الطلاق ولها في الوفاة، وهذا في "الكتاب" ظاهر.
فإذا ثبت ذلك وتقرَّر لها السكنى في مالِ زوجها، هل يجوز لها الانتقال مِن ذلك المنزل والتحول منهُ إلى غيرهِ؟، فذلك على وجهين: إمَّا أن يكون ذلك بغلبة واضطرار أو يكون ذلك على معنى الترفُّه والاختيار.
فإن كان ذلك [على معنى الترفه والاختيار فإن ذلك] 2 لا يجوز بالإتفاق، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لفريعة بنت مالك بن سنان: "امكثى في بيتك، حتى يبلغَ الكتابُ أجلهُ"، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "للنساء اللاتي أتين تتحدثن عند إحداكن ما بدا لكن ثم تؤوب كل امرأة إلى بيتها".
فأباح لهنَّ الاجتماع بالحديث بالليل حتى إذا أرادت النوم، وترجع كُلَّ واحدةٍ منهنَّ إلى بيتها، قال محمَّد: "ومعناهُ: أن يقمن في الحديث إلى وقت نيام الناس"، ولهذا قال مالك رحمهُ الله:

"تخرج إلى حوائجها سحرًا قرب طلوع الفجر [وترجع] 1 ما بينها وبين العشاء الآخرة" فأباح لها التصرُّف فيما لا مندوحة [لها] 2 عنهُ في النهار وفي طرفى الليل ومنعها فيما سوى ذلك.
وذلك أنَّ النهار محلٌّ للانتشار والتصرف فيُؤمَنْ عليها مِن الريبة لأنَّها لو حاولت شيئًا لظهرَ عليها.
وكذلك طرفى [الليل] 3 لأنَّ عوائد الناس مِن السَّحر يخرجون إلى أراضيهم وبساتينهم، فإذا أدلجت معهم فلا يبقى [عليها] 4 ريبة.
وكذلك ما بين العشاءين فإنَّ عادة الناس قضاء المآرب مِن الأسواق والمشى إلى المساجد.
وما سوى ذلك فلا تمكن فيه وينبغى للإمام إذا علم منها المبيت عن بيتها أن ينهاها عن ذلك ويعظُها، فإن عاودت أدبها فإذا منعت من المبيت في غير بيتها، ومن كثرة الخروج بالنهار لغير حاجةٍ تعرَّضت لها فبأنْ تُمنع مِن الانتقال مِن منزلٍ إلى منزلٍ أولى وأحرى.
ولا فرق في ذلك بين الحُرَّة والأمة، ولا بين العدَّة للوفاة والطلاق.
وقد وقع في "المُدوّنة" في "كتاب العدَّة" مسألة اضطربت [فيها] 5 آراء المتأخرين في التأويل وهي "الأمة الحادَّة" حيثُ قال: "لا يُزينونها للبيع ولا يبيعونها لمنْ يُخرجُها مِن موضِعُها حتى تتمَّ عدَّتُها".
ثُمَّ قال في آخر "الكتاب": "إذا انتقل أهلها انتقلوا بها".

فاختلف المتأخرون: هل ذلك اختلاف أقوال أو ذلك اختلاف سؤال أو ذلك اختلافُ أحوال؟ فمنهم مَن يقولُ: إن ذلك اختلاف قول، فإذا كان لهم الخروج فكيف لا يجوز للُمشترى؟! وهو قولُ بعض المتأخرين، [وإليه] 1 أشار حمديس.
ومنهم من يقول: إن ذلك اختلاف أحوال، وإنَّما قال: لا يُخرجها المشترى مِن موضعها كالبائعين لها.
فإذا أرادوا الانتقال بها انتقلوها كما جاز ذلك للبائعين.
وقيل: لا يبيعونها إلا لمن يرعى ذلك ولا يبقى عليه في إخراجها.
ومنهم مَن قال إنَّ ذلك اختلاف سؤال، وأنهم ينتقلون بها إذا لم يتبوأ معها بيتًا، وهو معنى [ما] 2 قال في آخر "الكتاب"، وهو نصُّ قولُهُ في "كتاب محمَّد" ومعنى ما قال في "باب الإحداد": أنَّه قد بوأ معها بيتًا.
فإذا كان انتقالها وتحوُّلها على معنى الغلبة والاضطرار، مِثل: أنْ تخافَ سقوط بيتها أو لُصُوص أو تخاف مِن جار سوء وهي في البادية أو خشيت أن ينتقل عنها الجيران أو حدث منها هى أمرٌ يُوجبُ إخراجها أو أخرجها ربُّ الدار لحاجةٍ لهُ [في الدار] 3.

إذا انقضى أمدُ الكراء قبل انقضاء أمد العدَّة.
فلا حرج عليها في ذلك فيما بينها وبين الله تعالى.
والحمد لله وحده.

المسألة العاشرة

في [سكنى] (1) التي تُوُفِى عنها زوجها في السفر، ولا يخلو سفرها معهُ مِن وجهين:

أحدهما: أن [يكون سفر انتجاع.
والثانى: أن يكون سفر ارتجاع.
فإن كان سفر انتجاع كمن رفض سكنى بلده وانتقل بأهله إلى غيره ثم مات فلا يخلو من وجهين: أحدهما أن] 2 يموت قبل الوصول إليه.
والثانى: مات بعد الوصول.
فإن مات قبل الوصول إلى الموضع الذي انتقل إليهِ فلا يخلو مِن أن يموتَ ويتركُها في مُستعتب أو في غير مُستعتب.
فإن تركها في مُستعتب فإنَّها تعتدُّ هناك ولا تنفد لوجهها ولا ترجع، لأنَّ ذلك يُؤدى إلى أن تفرغ عدَّتُها في الأسفار لغير معنى.
فإن تركها في غير مُستعتب فلها الخيارُ بين ثلاثة أشياء: إمَّا أن تنفد إلى الموضع الذي أقبلت إليه.
أو ترجع إلى الموضع الذي خرجَت منهُ.
أو تعُد إلى أىِّ موضعٍ شاءت ممَّا هو قريبٌ منها.
وهذا كُلُّهُ إذا كانت تصل إلى الموضع الذي تذهب إليه قبل انقضاء عدَّتها أو مُعظمها وَوَجَدَت ثقةً تذهب معهُ.1

فإن مات بعد الوُصول إلى الموضع الذي خرجت إليه فلا يخلو مِن أن يموت بعد أن [اتخذ لها] 1 مسكنًا أو قبل.
فإن مات بعد أن [اتخذ لها] 2 مسكنًا فلا إشكال أنَّها تعتدُّ فيهِ كما تعتد في المنزل الذي خرجت منهُ.
فإن مات قبل أن يتخذ لها مسكنًا فإنَّها تعتدُّ حيث شاءت.
فإن كان سفرُهُ سفرَ ارتجاع فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكونَ [سفر] 3 بِر وطاعة.
والثانى: أن يكون [سفرًا] 4 لقضاء المآرب والحاجات.
فإن كان سفرهُ سفرَ بِر وطاعات، فلا تخلو تلك الطاعات مِن أن تكون مِمن يحتاج إلى إحرام كالحج [أو ممن له يحتاج إلى الإحرام كالغزو والرباط.
فإن كانت ممن يحتاج إلى إحرام كالحج] 5 فلا يخلو مِن أن يموت الزوج قبل الإحرام أو مات بعدهُ.
فإن مات الزوج بعد الإحرام فلا خلافَ أعلمُهُ في المذهب أنَّ امرأتهُ [تنفد في] 6 حجِّها ولا ترجع إلى بيتها سواء قربت أو بعدت، وسواءٌ كان الحجُّ الذي أحرمت بهِ تطوعًا أو واجبًا.
فإن مات الزوج قبل الإحرام فهاهنا يُفصَّل بين أن يكون الحجَّ واجبًا أو

تطوُّعًا.
فإن كان الحجُّ واجبًا فلا يخلو ذلك مِن أن يكون بالقرب أو بالبُعد.
فإن مات قبل أن يتباعد مِثل اليومين أو الثلاثة، فهل ترجع أو تنفد؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّها ترجع إلى بيتها ولا ترجع إلى مع ثقةٍ، وهو ظاهر "المُدونة"، لأنَّهُ قال: في "الكتاب": "ترجع" ولم يُفصِّل بين النفلِ والفرض.
والثانى: أنَّها تتمادى قياسًا على الاعتكاف.
وسببُ الخلف: اختلافُهم من الحجِّ، هل هو على الفورِ أو على التراخى؟ فَمَنْ رأى أنَّهُ على الفور قال: إنَّها تنفد ولا ترجع.
وَمَنْ رأى أنَّهُ على التراخى قال: ترجع.
فإن مات الزوج بعد أنْ يتباعد فإنَّها تنفد ولا ترجع اتفاقًا في المذهب.
فإن كان الحجُّ تطوُّعًا فلا يخلو ذلك مِن أن يكون بالقُرب أو بالبُعد: فإن كان بالقُرب فإنَّها ترجع قولًا واحدًا في المذهب.
فإن كان بالبعد فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّها تتمادى ولا ترجع، وهو ظاهر "المُدوّنة".
والثانى: أنها ترجع، وهو أحد قولى مالك فيمن خرج إلى الجهاد أو إلى الرباط ثُمَّ مات هناك أنَّ امرأتهُ ترجعُ وتعتدُّ في بيت زوجها الذي خرج منهُ.

ولا فرق في الحقيقة بين حجِّ التطُّوع والجهاد إذا لم يتعيَّن.
وإن كانت تلك الطاعات ممَّا لا تفتقر إلى الإحرام كالغزو والرباط فإنَّها ترجع في القرب، وفي البُعد والوصول قولان عن مالك.
فإن كان سفرهُ [سفر] 1 قضاء المآرب والحاجات، وكانت الحاجة أوَّلها فمات في الطريق قبل الوُصول، أو مات بعد الوُصول إلى موضع الحاجة فإنَّها ترجع إلى بيت زوجها إن كانت تصلُ إليه قبل انقضاء عدَّتها أو مُعظمها ووجدت ثقةً ترجعُ معهُ.
فإن كانت لا تصلُ إلا بعد انقضاء عِدَّتها لبُعد البلاد أو كانت تصلُ في بقيَّةِ العدَّة إلا أنَّها لا تجد ثقة، فإنَّها تعتدُّ في الموضع الذي توفَّى فيهِ زوجها.
والحمد لله وحده.

المسألة الحادية عشرة

في سكنى المُرتدَّة،

ولا تخلو المُرتدَّة مِن أن تكون حاملًا أو حائلًا أو مشكوكًا فيها.
فإن كانت حاملًا فلها النفقة اتفاقًا لأجلِ الولد، ولا سُكنى لها على مشهور "المذهب".
وقد وقع في "المُدوّنة" حرف مُشكل في "كتاب العدَّة" في قوله: "أرأيت المُرتدَّة أيكون لها النفقة والسُّكنى؟ قال: "نعم، لأنَّ الولدَ يلحقُ بأبيهِ، فمن هنا لزمتهُ النفقة".
واختلف المتأخرون في الاعتذار عن إطلاق جوابهِ "نعم" هل هو على عموم النفقة والسُّكنى معًا أو على النفقة خاصةً؟ فمنهم مَن حملهُ على النفقة خاصةً دون السُّكنى إذْ هى مسجونة لا تترك فكيف يجبُ لها السُّكنى على الزوج؟، وهذا تأويل ابن اللباد وغيره.
ومنهم مَن قال: معنى ذلك "أن لها النفقة والسُّكنى إذا غُفل عن سجنها".
ومنهم مَن قال: "معنى ذلك إذا كان الموضع الذي تُعتقلُ فيه يُطلب فيهِ الكراء فيكون على الزوج".
فإن كانت حائلًا فإنَّها تقتل بعد الاستتابة، وهل تُستتاب ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّها تُستتاب ثلاثة أيام، وهو مشهور "المذهب".

والثانى: أنَّها تُستتاب ثلاث مرات [استحبابًا] 1، وهذا القول مروى عن مالك، وبهِ قال أشهب، وهو قائم مِن "المُدوّنة" مِن قولِهِ: "إن كانت غيرُ حامل يعرفُ ذلك لم تُؤخَّر واستُتيبت".
وقولُهُ "لم تُوخَّر" يُريد ثلاثة أيام.
وقولُهُ "استُتيبت" يريدُ ثلاثَ مرات.
فإن جُهل حالها ولا يُدرى إن كانت حاملًا أو حائلًا، فإنَّها تُؤخَّر إنْ طَلَبَ الزوجُ ذلك، إلى أن تحيضَ [حيضة] 2 واحدة أو تمر بها ثلاثة أشهر.
فإن أسقط الزوج حقَّهُ ينظر.
فإن مضى لإصابته أربعون يومًا [لم يعجل عليها لاحتمال أن يكون الرحم مشغولًا بالولد لأنه بعد الأربعين] 3 مِن [يوم] 4 الإصابة يكونُ علقة.
وإن لم يمض لإصابتهِ أربعون يومًا قتلت ولم تُؤخر.
وهذا معنى قولهُ في "المُدوّنة": "وإن كانت غير حامل".
فاعرف ذلك [والحمد لله وحده] 5.

المسألة الثانية عشرة

في المُكاتب إذا اشترى زوجتهُ.

وإذا اشترى المكاتب زوجتهُ وقد كانت ولدت منهُ أو لم تلد فعجز [فرجع رقيقًا أو مات عنها فلا يخلو المكاتب من وجهين: أحدهما: أن يطأها بعد اشترائه لها.
والثانى: ألا يطأها حتى مات أو عجز.
فإن وطأها المكاتب بعد الشراء] 1 ثم مات [أو عجز] 2 فعليها حيضة واحدة اتفاقًا وهي في العجز استبراء.
وفي الموت قولان: قيل: استبراء، وقيل: عدَّة.
فإن مات أو عجز قبل أن يطأ فهل تستبرئ بحيضة أو بحيضتين؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المُدوَّنة عن مالك في آخر "كتاب العدَّة": أحدهما: أنَّها تستبرئ بحيضة واحدة.
والثانى: أنَّها تستبرئ بحيضتين، وهو الذي رجع إليه مالك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الاستبراء مِن الفسوخ، هل هو استبراءٌ أو عدَّة؟ لأن طرآن الملك على النكاح قد تقدم أمره.
فمن رأى أنَّهُ استبراءٌ محض قال: تُستبرئ بحيضة.

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل