كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في معرفة حقيقة الغصب، وحقيقة التعدي لغةً وشرعًا
أما حقيقتهما في اللغة:
فإن الغصب والتعدي ينطلقان على أخذ كل ملك بغير رضا مالكه من جميع ما يتمول من مال أو أشخاص أو منافع، سرًا كان أو جهرًا، وسواء أخذه على وجه الغصب أو التَّعَدِّي، أو حرابةً، أو سرقة، أو اختلاسًا، أو خيانة، أو أخذه على وجه الجحد والاقتطاع.
وأما حقيقة الغصب في تعارف الفقه:
فهو أخذ الأعيان المتملكات بغير رضا أربابها على وجه القهر، والغلبة، والملك، والرقبة من ذي سلطان وقوة.
وأمَّا التَّعَدِّي: فإنما يستعمل عرفًا في أخذ المنافع والتصرف في استيفائها بغير إذن المالك ولا رضًا منه سواء كان ذلك [مستندًا] 1 إلى إذن المالك في استيفاء المنافع على وجه ما أو إلى زمن ما كالكراء و [العرية] 2 أو مستندًا إلى إذن في التصرف في المال، إما لمنفعتهما جميعًا كالإقراض، واستئجار الصانع على صنعة ذلك الشيء كالصَّبَّاغ والخَيَّاطة.
وإما لمنفعة المالك وجده كالبضائع [والودائع] 3 أو كان تعديه غير
مستند إلى إذن كاستعمال العبد أو الدَّابة بغير إذن مالكهما، ويكون من يَدّ قاهرة أو غير قاهرة.
وفرق الفقهاء بين الغصب والتعدي بوجوه:
منها: أن الغاصب ضامن السلعة يوم الغصب قولًا واحدًا في المذهب؛ لأنه يوضع اليد صار ضامنًا بشرط الفوات على ما سنوضحه آنفًا إن شاء الله تعالى.
والمتعدي يضمن قيمتها، وإن جاء بها سالمة، وإن كان ابن شعبان قد حكى عن ابن وهب، وأشهب، وعبد الملك: أن الغاصب إذا أمسكها عن أسواقها حتى انتقصت قيمتها، فهو ضامن كالمتعدي على ما سنشرحه في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الغاصب يضمن بالفساد اليسير والمتعدي لا يضمن إلا بالفساد الكثير.
ومنها: أن المتعدي يغرم كراء ما تعدى عليه استعمله أو عطله بكل حال، والغاصب لا إكراه عليه على أحد الأقوال في المذهب [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثانية في حكم التعدي على الخصوص
ومن تعدى على مال رجل، فجنى عليه جناية تفسده: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك الفساد [لا يبطل] 1 منه الغرض المقصود.
والثاني: أن يبطل منه الغرض المقصود.
فإن كان لا يبطل منه الغرض المقصود مثل أن يكون ثوبًا، فشقه شقًا قليلًا، أو عبدًا قطع له أصبعًا أو أصبعين، وهو من عبيد الخدمة أو عبيد التجارة، أو جرحه جرحًا لا يؤثر في فساده، ولا في ذهاب منافعه أو كانت دابة من ذوات الخدمة والسخرة، فقطع أذنها أو أذنيها أو فقأ عينها، وهي مما لا يُرَاد للركوب، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن الجاني يغرم ما نقصته الجناية، وليس لرب السلعة المجني عليها أن يضمن الجاني قيمتها، فإن كان ثوبًا رفاه أو قصعة أصلحها وغرم ما نقص بعد الرفو، والإصلاح فألزمه الإصلاح؛ لأن صاحب الثوب، والقصعة، لا يقدر على استعمالها إلا بعد الإصلاح.
وقد رام بعض متفقهة الزمان أن تستقرأ من هذه المسألة: جواز القضاء بالمثل في العروض بناء منه على أن التوب المشقوق بعد الرفو إذا أخذه رب الثوب كأنه أخذ غير ثوبه، أو أنه أقام الرفو مقام ما قطع من الثوب؛ لكونه أخذ عوضًا عنه.
وذلك خيال؛ لأن الذي نقص من الثوب لا مثل له، والرفو الذي رفاه
المتعدي لا يماثل ما قطع من الثوب ولا يقاربه.
وحقيقة المماثلة: مساواة العوض للمعوض عنه في المثلية، ولو كان الرفو مماثلًا لما نقص من الثوب ما غرم المتعدي النقص بعد الإصلاح؛ لأن من غرم مثل ما تعداه عليه لم يكن عليه غرم آخر.
فإذا فهمت ما ذكرناه تَبَيَّن لك اضمحلال ما خيل به من قصر ذهنه عن النظر في استقصاء المعاني.
فإن كان عبدًا أو دابة فإن الجاني يغرم ما نقصه القطع أو الجرح.
واختلف هل يغرم الجارح أجر الطبيب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه على الجارح كالرفو، ثم إن برئ الجرح على شين غرمه أيضًا.
والثاني: أن أجر الطبيب على [المالك] 1 دون الجارح بخلاف الرفو.
وقد اختلف تأويل المتأخرين في ذلك:
- فمنهم من قال: أن ذلك اختلاف قول، وأنه يلزم في قطع الثوب ألا يلزم القاطع المتعدي الرفو.
- ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف سؤال، وإن الفرق بينهما أن الرفو في الثوب أمر معلوم قدره، ونهايته، وأن الناس فيه على بصيرة أنه بالرفو يمكن الاستمتاع بالثوب، والانتفاع به على حسب ما كان ينتفع به قبل القطع.
فلهذا أمر المتعدي بالرفو؛ لأنه كلف أمرًا معلوم قدره وعاقبته، ومداواة الجرح أمر غائب عَنَّا لا ندري هل ينجح فيه الدواء، فيبرأ أو يموت
العبد أو الدابة قبل البُّرء، فيذهب مال الجاني [وعمله] 1 وعناؤه باطلًا.
[والمخدم له] 2 لابد له إن مات بسبب الجرح أو برئ على شين، ولا فرق على هذا الوجه بين أن يكون الفساد يسيرًا أو كثيرًا، وإليه ذهب أبو الحسن اللخمي، وهو صحيح.
وأما الوجه الثاني: إذا ذهب منه الغرض المقصود مثل أن يكون الفساد في الثوب يؤثر حتى يكون لباسه بعد الرفو [تشويهًا] 3 ومثلةً بين الخلق، أو كان عبدًا، أو دابة، فذهب بالجناية عليه الغرض المقصود منه.
فلا يخلو من أن يكون الفساد كثيرًا أو يسيرًا [فإن كان يسيرًا] 4 كقطع يد العبد أو رجليه أو فقء عينه، أو كان دابة أو فرسًا ففقأ [عينها] 5، وقطع يدها، أو كانت بقرة، أو ناقة، أو شاة ففعل بها ذلك.
أما الثوب، وسائر الحيوان الصامت، فإن "مالك" اختلف فيها قوله، فمرة قال: إن المتعدي [يضمن] 6 ما نقصه، ولم يفسر قليلة كانت جنايته أو كثيرة.
وليس لرب المال المجني عليه أن يضمنه قيمة شيئه، وهذا قوله الأول.
ومرة قال: إن الخيار في ذلك لرب الشيء إن شاء أخذه معيبًا، وإن شاء ضمنه قيمته يوم التعدي.
وهو الذي اختاره ابن القاسم من قول مالك، فعلى القول بأنه بالخيار.
فإن اختار أخذه معيبًا، هل له أن يأخذه مع ما نقصه العيب أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن له أخذه مع ما نقصه العيب، وهو قول مالك، وابن القاسم؛ لأن الحق له، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا شيء له من قيمة النقص، وإنما له أخذ شيئه منه ناقصًا، أو أخذ قيمته، فإذا عدل عن أخذ القيمة إلى أخذ عينه ناقصًا، فقد رضي بنقصه، ولا شيء له من أرشه، وهو قول أشهب، ومحمد، وسحنون، وهذا القول قائم من "المدونة" من غير ما موضع منها.
وقوله في كتاب القطع في السرقة في السارق تنهزل الدابة من ركوبه ثم أخذها ربها.
وفي "كتاب أمهات الأولاد"، و"كتاب القذف"، وفي الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما، أن الشريك لا يضمن الواطئ ما نقصها الوطء؛ لقدرته على التضمين، فإن هلكت بَقِيَّت الأجزاء أو الجناية كثيرة، هل يكون الجاني ضامنًا لجملة المجني عليه؛ لما كان لربه أن يضمنه جملة أو لا تدخل البقية في ضمانه إلا باختياره أن يضمنه، فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه ضامن لجملته؛ لأنه أفسد البقية، وصار ضامنًا لها حتى يدفع ربها عنه الضمان، وهو ظاهر الكتاب في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما، فتموت أن الواطئ ضامن لها لإمكان أن تكون حاملًا من الواطئ؛ لأنها تعلقت بضمانه بنفس الفداء عليها حتى تظهر براءة رحمها، فكذلك السلعة المجني عليها، فإنها تعلقت بضمان الجاني حتى [يبرئه] 1 ربها من الضمان.
والثاني: أن الجاني لا يضمن إلا ما [هلك] 1 بسبب جنايته خاصة، وهو الذي يتعلق بضمانه بنفس الجناية [وبقية الأجزاء] 2 لا تدخل في ضمان الجانى إلا باختيار ربه بالتضمين، وهذا القول أيضًا قائم من "المدونة" من غير ما يوضع، وعند ذكر موضع الخلاف يتبين لك موضع الاستقراء.
وسبب الخلاف: من ملك أن يملك، هل يقدر كالمالك قبل أن يملك أم لا؟
وهذا أصل متداعٍ كبير وبنى عليه [مشايخنا] 3 ومسائل لا تتعدد.
وأما الحيوان الناطق كالعبيد إذا جنى عليها جناية مفسدة ذهبت بأكثر منافعها كما فصلناها في أول الفصل، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن الجاني ضامن بقيمة العبد يوم التعدي عليه.
واختلف: هل ذلك بإيجاب الشرع، أو إيجاب السيد؟
فقيل: إن ذلك بإيجاب الشرع، ولا خيار في ذلك لسيد العبد، وهو قول مالك في "المدونة"، وفي "كتاب محمد".
والثاني: أن ذلك بإيجاب السيد، وأنه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته، وإن شاء [ضمنه] 4 ما نقص.
واختلف هل يعتق على الجاني؟ على قولين:
أحدهما: أنه يعتق عليه، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يعتق عليه؛ لأن العتق بالمثلة إنما يكون فيما يملكه ابن
آدم.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَنْ مَثَّلَ بَعبده عُتِق عليه" 1.
وهذا القول أظهر في النظر، والأول أشهر في النقل.
وسبب الخلاف: ما قدَّمْنَاه من اختلافهم في إيجاب القيمة على الجاني، هل ذلك بإيجاب الشرع أم بإيجاب السيد.
وأما إن كان الفساد يسيرًا كقطع اليد الواحدة [أو الرِّجل الواحدة] 2 أو فقء العين الواحدة، أو قطع أذن دابة القاضي أو أذنيها، وأما قطع اليد الواحدة، أو الرجل الواحدة، أو فقء العين الواحدة، أو قطع الأصبع الواحد من العبد الصانع الذي صنعته في يده، ولا حرفة له إلا صنعته، وليس هو من عبيد خدمه، ولا من عبيد التجارة، فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا يضمنه الجاني، وإنما عليه ما نقصه، وهو قوله في "كتاب [الديات] " 3 من المدونة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الغصب"، وهو قول عبد الملك في "ثمانية أبي زيد" في الفرس الغازة تفقأ عينه، وأحد قوليه في أذن دابة القاضي، وهو قول مطرف، وأصبغ، ولا فرق في جميع ذلك بين العبد والدَّابة.
والثاني: أن الجاني يضمن قيمة تلك الجناية، وهو قول مالك في المجموعة، وقول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة" في العبد الصانع الذي عظم خراجه ومنفعته في صنعته، وهو ظاهر قول مالك في
"كتاب الغصب" أيضًا فيمن تعدَّى على عبد رجل ففقأ عينه أو قطع له جارحة أو جارحتين حيث قال: يضمن قيمة العبد كلها إذا كانت جنايته قد أفسدته، بمنزلة ما أفسد من العروض.
فعلق ضمان جميع قميته بفساد الجناية دون اعتبار عدد الأعضاء المقطوعة.
وقال في الدَّابة إذا قطع يدها، أو رجلها، أو فقأ عينها، أو قطع أذنيها: إن ذلك عيب أفسد الدَّابة حتى لا يبقى فيها كبير منفعة أخذها الجاني، ويغرم قيمة جميعها، والغنم، والبقر، والإبل مثل الثوب، وهذا نص قوله في "الكتاب".
فقلت: وأي منفعة تبقى في الدَّابة بعد ذهاب يدها أو رجلها, ولا ينبغي مساواة فقء العين الواحدة، وقطع اليد الواحدة أو الرِّجل في الدَّواب، وإنما ينبغي موازاة العينين فيها باليد الواحدة أو الرِّجل الواحدة؛ بل ينبغي فيها بعض المنفعة مع ذهاب العينين دون قطع اليد والرِّجل.
وذلك أنها تستعمل في جر الرحى، والزرانيق مع ذهاب عينيها, ولا يستعمل المقطوعة [اليد أو] 1 الرِّجل في ركوب، ولا حمل، ولا عمل.
والثالث: التفصيل بين العبد والدَّابة، فيضمن العبد فيما يوجب العتق في المثلة، وإن لم يبطل له منفعة، والدَّابة لا [يضمنها] 2 إلا بما أبطل منها أكثر منافعها، وهو ظاهر قوله في "المدونة" أيضًا حيث قال: إذا كان فسادًا لا منفعة [فيه] 3 حتى يضمنه من تعدى عليه عتق عليه.
وإلى هذا أشار بعض حُذَّاق المتأخرين في الاستقراء، وأما قطع أذن دابة القاضي أو ذنبها، أو قطع عمامته، أو طيلسانه، فقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ضامن لجميع قيمته لذهاب الغرض المقصود منه لصاحب الدَّابة، وكذلك إن فعل بمركوب القاضي خاصة ما يوجب على عراجه، فإنه ضامن لجميع قيمته، وهو قول ابن القصار ومثله في "كتاب ابن حبيب"؛ لأن عادة ذوي الهيئات، والمناصب اجتناب ركوب ما به ذلك من الدَّواب.
والثاني: أنه لا يضمن منها إلا أرض الجناية خاصة بناءً على أن ذلك لم يذهب بأكثر منافعها [لأن فيها منافع] 1 سواء ركوب من ذكرنا [وغيره] 2 وهذا أحد قولي مالك في التعدي في العروض، والدَّواب، ولم يفصل بين أن يكون الفساد يسيرًا أو كثيرًا.
والثالث: التفصيل بين الأذن، والذَّنَب، فيضمن جميع قيمتها في الذَّنَب، وفي الأذن يضمن [قيمة] 3 ما نقص، وهو أحد قولي عبد الملك في "كتاب ابن حبيب".
وسبب الخلاف: هل النظر إلى بطلان المنافع بالإضافة إلى رب الدَّابة وحده أم النظر إلى اعتبار المنافع على الجملة؟
فمن اعتبر بطلان المنافع بالإضافة إلى رب الدَّابة بانفراده؛ لكونه ممن لا يركب مثل ذلك من الدواب.
قال بوجوب [ضمان] 1 القيمة على المتعدي.
ومن نظر إلى اعتبار منافع الدَّابة على الجملة قال: لا يضمن المتعدي إلا قيمة العيب خاصة لبقاء أكثر منافع الدَّابة في الحملان، والاستعمال، وركوب من لا يستنقص بذلك، ولا يراه وصمًا في حقه.
ومن فرق بين الأذن والذَّنَب يرى أن قطع الذَّنَب أشوه من قطع الأذن.
والشاة، والبقرة إذا ضربها فانقطع درها مثل الدَّابَة في جميع ما ذكرناه إذا كان شأنها اللبن، وهو المقصود منها.
فإذا كان عبدًا فأخصاه ضمن ما نقصه، فإن لم ينقصه فلا شيء عليه، فإن زادت قيمته هل يضمن شيئًا أم لا؟ [فالمذهب] 2 على قولين:
أحدهما: أنه لا يغرم الجاني شيئًا, ولا يضمنه، ويعاقب على فعله ذلك.
والثاني: أنه ينظر إلى تلك الزيادة، فإن كانت قدر ثلث قيمتها أو ربعها، فإن الجاني يغرم قدر ذلك كله كأنه نقص من قيمته، والقولان حكاهما اللخمي [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الثالثة في الحكم في الغصب
فلا يخلو [الشيء المغصوب] 1 من أن يكون قائمًا بيد الغاصب، أو فائتًا من يده.
فإن كان قائمًا فلا يخلو من أن يتغير أو لا يتغير.
فإن لم يتغير لا في الذَّات، ولا في الصفة، فلا يلزم الغاصب إلا رده بعينه، ولا غرم عليه؛ لأن ضمان الغاصب بوضع اليد بشروط فوات الشيء المغصوب، أو تغييره عن حاله، وعليه الأدب الوجيع من السلطان.
فإن تغير عن حاله، فلا يخلو من أن يتغير في ذاته أو في سوقه.
فإن تغير في ذاته، فلا يخلو تغييره من أن يكون بزيادة أو نقصان.
فإن تغير بزيادة فلا تخلو تلك الزيادة من أن تكون من فعل الله تعالى، أو تكون من فعل [الغاصب] 2، فإن كانت من فعل الله تعالى كالصغير يكبر [والهزيل] 3، يسمن، والعيب يذهب، فليس ذلك بفوات على [كل] 4 حال.
فإن كان من فعل الغاصب، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون قد أخرج فيه من ماله عينًا قائمة.
والثاني: ألا يكون أخرج فيه من ماله سوى العمل.
فأما إن كان قد أخرج فيه من ماله عينًا قائمة، فإنه على وجهين أيضًا:
أحدهما: أن يكون ذلك الشيء يمكنه إعادته.
والثاني: ألا يقدر على إعادته، فإن كان مما يقدر على إعادته كالبقعة بينهما، وما أشبه ذلك، فالمغصوب منه يخير بين أن يأمر الغاصب بإعادة البقعة على حالها، وإزالة ما له فيها [أو أخذها بقيمة ما فيها] 1 من النقص مقلوعًا مطروحًا بالأرض.
وهل ذلك يعد طرح أجرة القلع [أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك بعد أجرة القلع] 2.
والثاني: أنه لا يحط من ذلك أجر القلع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الغاصب ممن يتولى ذلك بنفسه أو بغيره، فلا يحط من ذلك أجر القلع، أو يكون ممن يستأجر عليه، فلا يحط من القيمة شيء، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه، وإن لم يكن في البنيان الذي بني الغاصب ما له قيمة إذا قلعه لم يكن للغاصب على المغصوب منه [شيء] 3؛ لأن من حقه أن يلزم الصمت هدم البناء، وإعادة البقعة إلى حالها، فإذا أسقط ما له من الحق قبله في ذلك، فلا حجة له، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" 4.
فأما إذا كان ذلك مما لا يقدر على إعادته على حاله كالثوب يصبغه، والجلد يدبغه، والسويق يلتّه، فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن المغصوب منه يخير بين أن يدفع قيمة الصبغ، وما أشبهه، ويأخذ ثوبه، أو يضمنه قيمة الثوب يوم غصبه، إلا في السويق الذي يلتّه بالسَّمن، وما أشبه ذلك من الطعام، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الغصب"، و"كتاب اللقطة".
والثاني: أن الخيار للمسروق منه دون السارق، وإن شاء أعطاه قيمة الصبغ، وإن أبا بيع الثوب، وهو قوله في "كتاب القطع في السرقة" من المدونة، ولم يجعل الخيار للسارق.
والثالث: أنه يأخذ ثوبه، ولا شيء عليه في العمل من طحين، وطبخ، وصبغ [وغيره] 1 وهو قول أشهب.
والرابع: أنهما يكونان شريكين هذا بقيمة ثوبه، وهذا بقيمة صبغه إذا أبا رب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ [وأبا الغاصب أن يدفع قيمة الثوب , وهذا القول أنكره في "كتاب اللقطة" من "المدونة"، وقال: إن الشركة لا تكون إلا فيما كان بوجه شبهة.
والخامس: أن الصبغ تفويت يلزم الغاصب به القيمة يوم الغصب، ولا يكون للمغصوب منه أن يعطيه قيمة الصبغ، ويأخذ الثوب، وكذلك ما أشبه الصبغ] 2، وأما السويق، والحنطة إذا طحنها، أو الفضة إذا صاغها، أما الحنطة، والفضة، فقد اختلف فيهما في المذهب على قولين [من المدونة] 3:
أحدهما: أنه يكون على الغاصب مثل الحنطة، ومثل الفضة، ولا يأخذ ما عمل من فضة، ولا ما طحن من حنطة، وهو قول ابن القاسم في الكتاب، وعلل ذلك بأن قال: إن أخذت ذلك من الغاصب بلا أجرة ظلمته، وإن دفعت إليه ثمن العمل كان ذلك من التفاضل في الطعام، والفضة.
والثاني: أن له أن يأخذ ما عمل من فضته، وما طحن من قمحه [لأن الطعام طعامه، والفضة فضته] 1 ولاسيما على مشهور المذهب أن الطحين ليس بصنعة، ولا شيء عليه في الأجرة، وهو قول أشهب.
وأما إذا غصبه سويقًا فَلَتّه بسمن، فهل يخير المغصوب منه بين أن يضمنه المثل، ويأخذه ويعطيه قدر ما لَتَّ به من السمن أو لا خيار له أصلًا، وإنما يكون له المثل؟ قولان:
أحدهما: أنه لا خيار له، وإنما يضمنه مثل سويقه؛ لأن ذلك فوت، وهو قول ابن القاسم في الكتاب، ووجهه أنه لو حاول أخذ السويق الملتوت، ودفع ما لَتَّ به من السَّمن لكان ذلك ربًا لأجل التفاضل بين الطعامين؛ لأن قدر ما يدخله من السمن مجهول، والجهل بالتماثل كتحقيق التفاضل.
والثاني: أن له الخيار في ذلك، وأن القدر الذي [أدخله] 2 من السَّمن يُدْرك مقداره بالتحري من أهل المعرفة، والتحري معيار في الشرع.
وأما إذا لم يخرج الغاصب فيما أحدثه في الشيء المغصوب سوى العمل، فذلك على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك يسيرًا لا ينتقل به الشيء عن اسمه.
[والثاني: أن يكون العمل كثيرًا ينتقل به الشيء المغصوب عن اسمه.
فإن كان يسيرًا لا ينتقل به الشيء المغصوب عن اسمه] 1 كخياطة الثوب، والرفو، وما أشبه ذلك، فلا حق فيه للغاصب ويأخذ [المغصوب] 2 منه الشيء المغصوب معمولًا.
فإن كان العمل كثيرًا ينتقل به الشيء المغصوب منه عن اسمه حتى يكسب بذلك اسمًا آخر كالخشبة يعمل منها تابوتًا، أو أبوابًا، أو القمح يطحنه، أو الغزل ينسجه، أو الفضة يصوغها حُليِّا، أو يضربها دراهم، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك كله فوت يوجب للمغصوب منه أخذ القيمة يوم الغصب أو المثل فيما يقضي بمثله، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن للمغصوب منه أخذ ذلك كله، ولا شيء عليه فيما لا يقدر الغاصب على أخذه من الخياطة، والرفو، والنسج، والطحين، وعمل التابوت، والأبواب، وغير ذلك، وهو قول أشهب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" 3.
وأما الوجه الثاني من الوجه الثاني من أصل التقسيم:
إذا تغير بنقصان ذاته، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون [ذلك] 4 بسبب سماوي.
والثاني: أن يكون بسبب آدمي.
فإن كان ذلك بسبب سماوي، فلا يخلو ذلك النقص من أن يكون
يسيرًا أو كثيرًا.
فإن كان كثيرًا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المغصوب منه يخير بين أن يضمنه قيمته يوم الغصب، أو يأخذه ناقصًا, ولا شيء له من قيمة النقص، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يأخذه ويضمن الغاصب قيمة النقص يوم الغصب، وهو قول سحنون.
فإن كان العيب يسيرًا، هل يضمن به الغاصب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يضمن بالعيب اليسير كما يضمن بالكثير، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا يضمن بالعيب اليسير كالتعدي، وهو ظاهر قول مالك في المدونة "في كتاب الغصب"، حيث قال: [في] 1 الغاصب للجارية إذا أصابها [عيب] 2 غير مفسد: قال [لي] 3 مالك: ليس له إلا جاريته إلا أن تنقص في بدنها، ولم يقل لي نقصان قليل، ولا كثير.
فقال ابن القاسم: وذلك عندي سواء نقصت قليلًا أو كثيرًا إن أحب أن يأخذها معيبة على حالها، وإن أحب يضمنه قيمتها يوم غصبها.
وظاهر قول ابن القاسم، هذا مخالف لقول مالك لقوله: "وذلك عندي سواء" [لأنه] 4 يشعر بخلاف ما تقدم من قول مالك، وظاهر
[قول مالك] 1 أن الغصب، والتعدي سواء لا يلزمه القيمة إلا في اليسير دون الكثير، وهو ظاهر قوله في "كتاب محمد"، وهو نص أبي القاسم ابن الجلَّاب في "التفريع" 2: أن العيب اليسير لا يضمن به الغاصب.
فإن كان بسبب آدمي فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بجناية الغاصب.
والثاني: أن يكون بجناية غيره.
فإن كان بجناية الغاصب، فالمغصوب منه مخير قولًا واحدًا.
واختلف فيما يخير على خمسة أقوال:
أحدها: أنه مخير بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب، أو يسقط عنه حكم الغصب، فيأخذه، وما نقصته الجناية يوم جنايته، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه مخير إن شاء ضمنه القيمة يوم الغصب، أو يأخذه، وما نقصته الجناية يوم الغصب، وهو مذهب سحنون.
والثالث: أن للمغصوب منه أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه ناقصًا, ولا شيء له في الجناية، وهو مذهب أشهب، ويوجد لابن القاسم مثله في "المدونة" في السارق بهزل ركوبه الدَّابة: أنه لا شيء عليه مما نقصه [الهزال] 3، وفي "كتاب القذف" في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما, ولم تحمل.
والرابع: أن للمغصوب [منه] 4 أن يضمن للغاصب في الوجوه كلها التي تفيت المقصود والقيمة قيمته أي يوم شاء، فيكون له عليه أرفع القيم،
حكى هذا القول ابن شعبان عن ابن وهب، وأشهب.
وعبد الملك قال: لأن الغاصب مخاطب برد الشيء المغصوب كل يوم، وكل وقت، ومتى لم يرده كان مبتدئ الغصب حينئذ مثل أن تكون قيمته حين غصبه خمسين ثم بلغت [بعد] 1 ذلك مائة ثم عادت إلى خمسين، ثم فات فوتًا يوجب التضمين.
والخامس: التفصيل بين أن يكون الشيء المغصوب للقنية أو للتجارة, فإن كان للقنية، فعليه قيمته يوم الغصب، وإن كان للتجارة [فإنه يكون عليه أرفع القيم، وهو اختيار بعض المتأخرين، ووجهه أنه إنما كان للقنية لم يفت له فيه غرض مرتقب إلا قدر ما فيه من الخدمة لا غير؛ فلذلك تكون عليه قيمته يوم الغصب؛ لأن بوضع اليد صار ضامنًا فشرط الفوات، وإذا كان للتجارة] 2 فقد ارتقب به زيادة الأسواق وغزارة الأرباح، فإنه يغرم أرفع القيم؛ لأنه حرمه البيع بحبسه إياه عن أسواقه، فوجب [بذلك] 3 أن يكون عليه الأكثر، وهو قول الغير في كتاب [كراء] 4 الرواحل، والدواب في المكترى يحبس الدابة بعد [أمد] 5 الكراء، وربها غائب.
وأما إن كانت الجناية من الأجنبي: فالمغصوب منه مخير بين أن يضمن الغاصب ويتبع الغاصب الجاني أو يسقط عن الغاصب طلبه، ويتبع الجاني
[بحكم الجناية] 1، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
فإن اختار تضمين الغاصب، فأي قيمة يضمنه؟ فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: قيمته يوم الغصب على مذهب ابن القاسم، أو الأكثر على ما حكاه ابن شعبان.
أو التفصيل على اختيار ما حكاه بعض المتأخرين على ما قدمناه.
فأما إن تغير سوقه، أو طال مكثه في يد الغاصب، ولم يتغير سوقه، ولا يد له، فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا ضمان على الغاصب بذلك، وإنما للمغصوب منه أخذ عين شيئه، ولا خيار له في ذلك، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أن الخيار للمغصوب منه بين التضمين وأخذ عين شيئه، وهو ظاهر ما علل به ابن شعبان حيث قال: لأنه مخاطب بالرد كل يوم، وكل وقت، فصار كمبتدئ الغصب في الحال، فجعل له أرفع القيم؛ لأنه ردها بعد [تعطيل] 2 أسواقها، وفوته الفرصة فيها، وإذا كانت أسواقها لم تتغير إلا أنها طالبت إقامة الشيء المغصوب عنده فيضمن؛ لأنه حبسه عن منافعه، وعطّله عن الانتفاع به، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الغصب" من المدونة حيث قال: لولا ما قاله مالك لجعلت على السارق مثل ما جعلت على المتكاري من كراء ركوبها، وأضمنه قيمته إذا حبسها عن أسواقها، والغاصب، والسارق في الضمان واحد.
والثالث: التفصيل بين أن يكون قد سافر عليها أو حبسها في داره.
فإن سافر عليها إلى بلد بعيدة مثل ما بين مكة، والمدينة أو أكثر، فإنه يضمنه أو يأخذها وكراء المثل كالمكترى يعتاد المسافة، فحيث [لم] 1 يلزم المكترى القيمة لم تلزم الغاصب أمرهما واحد، فإن حبسها في داره قدر ما لو سافر بها للزمته، ولم يلزمه فيها قيمة، وهو قول عبد الملك في "ثمانية أبي زيد".
والرابع: التفصيل بين أن يكون للقنية أو للتجارة، فإن كانت للقنية، فلا يضمن بحوالة الأسواق، وإن كانت للتجارة فإنه يضمن، وهو اختيار بعض المتأخرين على ما قدمناه.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل [المسألة] 2:
إذا كان المغصوب فائتًا، فلا يخلو فواته من وجهين:
إما أن يفوت فوات عين.
أو يفوت فوات معنى.
فإن فات فوات عين: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يموت حتف أنفه.
والثاني: أن يموت مقتولًا.
فإن مات حتف أنفه، فعلى الغاصب قيمته يوم غصبه، ولا خلاف في ذلك.
وإن مات مقتولًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون القتل من الغاصب.
والثاني: أن يكون من غير الغاصب.
فإن كان الغاصب هو الذي قتله، فإن الغاصب يضمن القيمة.
واختلف متى تعتبر القيمة على قولين:
أحدهما: أن القيمة في ذلك يوم الغصب، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو أحد قولي سحنون في "المجموعة".
والثاني: أن له أن يضمنه قيمته يوم القتل، وهو قول ابن القاسم في "الدمياطية".
[وأحد قولي سحنون في "المجموعة"]، 1؛ لأن القتل فعل حادث غير الغصب، وقد اختلف فيه قول ابن القاسم، وسحنون.
فإن قتله أجنبي غير الغاصب، فلا يخلو من أن تكون قيمته يوم القتل ويوم الغصب متفقة أو مختلفة.
فإن كانت متفقة، فله أن يتبع أيهما شاء إن شاء الغاصب، وإن شاء القاتل، فإن اختار اتباع القاتل كان ذلك براءة للغاصب، فإن اختار [اتباع] 2 الغاصب كان للغاصب الرجوع على القاتل بمثل ما غرم ما لم يخرج عن النقد المألوف بينهم في بلدهم.
فإن اختلفت القيمة فلا يخلو من أن تكون قيمته يوم الغصب أكثر أو قيمته يوم القتل أكثر.
فإن كانت قيمته [يوم الغصب] 3 أكثر مثل أن تكون قيمته يوم
الغصب مائة وعشرون وقيمته يوم [القتل] 1 مائة؛ فله الخيار في ذلك إن شاء أتبع الغاصب، وإن شاء أتبع القاتل.
فإن أتبع الغاصب، فإنه يأخذ منه مائة وعشرين ثم يرجع الغاصب على القاتل بمائة، وإن أتبع القاتل، فيأخذ منه مائة ثم ينظر، فإن قصد باتباع القاتل رفع حكم الغصب عن الغاصب، فلا يرجع عليه بشيء، فإن لم يقصد ذلك، فله الرجوع على الغاصب بتمام ما عجز عنه القاتل، وهو عشرون دينار [وإنما سوغنا له اتباع القاتل أولًا؛ لأنه غريمه في ذلك الشيء، فإن كانت قيمته يوم القتل مائة وعشرون وقيمته يوم الغصب مائة، فالخيار للمغصوب منه أيضًا، فإن اختار اتباع القاتل أخذ منه مائة وعشرين] 2.
وكان ذلك براءة للغاصب، وإن اختار اتباع الغاصب، فإنه يأخذ منه مائة، ثم يرجع الغاصب على القاتل.
واختلف هل يرجع عليه بما غرم خاصة أو بجميع قيمته يوم القتل، على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يرجع بمائة وعشرين جميع قيمته يوم القتل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
ووجهه أنه لما غرم الغاصب قيمته يوم الغصب وجب أن يكون [النماء] 3 الحادث فيه من زيادة القيمة، واختلاف الأسواق للغاصب كما عليه نقصه إن نقصت.
والثاني: أنه لا يرجع عليه إلا بالمائة التي غرمها خاصة، والعشرون
الزائدة تكون للمغصوب منه؛ لأن الغاصب، والمتعدي لا يربح، وهو قول أشهب على ما نقله التونسي، وهو قول ابن القاسم أيضًا في "كتاب السلم الثاني" من "المدونة" في باب: تعدي الوكيل.
فأما إذا فات الشيء المغصوب فوات معنى، فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يبيع.
والثاني: أن يهب أو يتصدق.
والثالث: أن يعتقه إن كان عبدًا.
والرابع: أن يطأها إن كانت أمة.
فأما الوجه الأول: إذا باع الشيء المغصوب، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون قائمًا بيد المشتري، أو فائتًا.
فإن كانت قائمًا: فالخيار في ذلك للمغصوب منه إن شاء أجاز البيع، وأخذ الثمن، وإن شاء أخذ عين شيئه، ويفسخ البيع.
فإن اختار إجازة البيع، وأخذ الثمن: فإن ذلك لازم للمشتري ولا حجة له، وتكون عهدته على المستحق، إلا أن يكون المغصوب منه فاسد الذمة بحرام أو أنه سيئ المعاملة، فلا يلزم البيع للمشتري إلا أن يشاء، وهو قول بعض المتأخرين، وما قاله تفسير للمذهب، فإذا قلنا بلزوم البيع للمشتري في الصورة التي لا خيار له فيها، فإن لم يقبض الغاصب الثمن أو قبضه، وهو موسر فلا إشكال في الجواز.
فإن قبضه الغاصب، وهو في حين جواز البيع معسر، فهل يغرم المشتري الثمن ثانيًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرجع عليه المستحق، ويغرمه الثمن ثانيًا.
ذمة الغاصب على مقتضى هذا القول.
والقولان حكاهما اللخمي، ولم يُسم قائلها.
وسبب الخلاف: اختلافهم في العقد بانفراده، هل يسمى بيعًا، وإن لم يقارنه قبض أو لا يسمى بيعًا حتى يقارنه القبض؟
فإذا قلنا: إن [العقد يسمى بيعًا] 1 كان له الرجوع بالثمن على المشتري ثانية؛ لأنه يقول: إنما أجزت البيع دون القبض.
وإذا قلنا: إن العقد لا يسمى بيعًا إلا بالنقد، لم يكن له الرجوع على المشتري بالثمن ثانية؛ لأنه قد جوز البيع على الصفة التي وقع عليها من المنافذة والمقابضة، اللهم إلا أن يصرح ويقول: إنما [أجزت] 2 البيع بشرط أن أقبض الثمن في الحال، وإلا فلا أُجَوِّز، فيكون على شرطه.
فإن كان فائتًا، فلا يخلو من أن يكون الفوات بسبب سماوي أو بسبب آدمي.
فإن كان بسبب سماوي، فلا يخلو المشتري من أن يعلم بالغصب أو لا يعلم، فإن علم بالغصب فحكمه حكم الغاصب في جميع ما ذكرناه في الغاصب، فإن لم يعلم بالغصب فلا [ضمان] 3 على المشتري، وضمان الشيء المغصوب [على] 4 الغاصب.
فإن فات بسبب آدمي، فلا يخلو من أن يكون بسبب المشترى, أو بسبب أجنبي.
فإن كان فواته بسبب المشترى مثل أن يكون عبدًا فقتله أو قطع يده.
فإن قتل فلا يخلو من أن يكون قتله عمدًا أو خطأ، فإن قتله المشتري
عمدًا، فالمغصوب منه يخير بين مطالبته الغاصب، ومطالبته المشتري، فإن اختار مطالبة الغاصب كان مخيرًا بين شيئين، إما أخذ الثمن الذي باع به الغاصب، وإما أن يأخذه بحكم الغصب، فيضمنه القيمة.
إما قيمته يوم الغصب على مذهب الكتاب.
وإما قيمته يوم البيع على قول ابن القاسم في "الدمياطية"؛ لأنه تعدٍ ثانٍ على قوله في [الكتاب] 1 وفي كلا الوجهين لا رجوع للغاصب على المشتري بشيء.
فإن اختار مطالبة المشتري فيأخذه بقيمته يوم قتله، ثم لا رجوع للمشتري على البائع الذي هو الغاصب في الثمن؛ لأن العوض الذي أخذه منه قد أتلفه.
فإن قتله خطأ هل يرجع عليه المغصوب منه بشيء أم لا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يأخذه بالخطأ كما يأخذه بالعمد.
والثاني: أنه لا يأخذه كما لو مات حتف أنفه؛ لأنه أخطأ على مال نفسه في الظاهر، والمستحق قادر على أن يضمن الغاصب ويجيز البيع، ويأخذ الثمن، والقولان حكاهما اللخمي وغيره.
ووجه القول الأول أنه أخطأ على مال غيره، فيجب أن يضمنه؛ لأن العمد والخطأ في أموال المسلمين سواء.
وعلى القول بأن له مؤاخذة المشتري في قتل الخطأ، فإن المشتري يرجع على الغاصب بما قبض منه من الثمن.
وعلى القول بأنه لا يؤاخذ المشتري في قتل الخطأ، فإنه يتبع الغاصب، وكذلك الحكم إذا قطع يده عمدًا أو خطأ، فيكون للمستحق أن يأخذ العبد وما نقصته الجناية، ويرجع المشتري على البائع بالثمن.
ويختلف فيه إذا كان القطع خطأ، فإن كان القطع من أجنبي تساوى فيه العمد، والخطأ، فإن قتله أخذ منه قيمته، وإن قطع [يده] 1 أخذ العبد وأرش الجناية من الجاني إن شاء المستحق، ويرجع المشتري على البائع بالثمن الذي أخذه منه، وإن شاء أخذ الثمن أو القيمة من الغاصب على ما بيناه.
وأما الوجه الثاني: إذا وهبه الغاصب أو تصدق به، فلا يخلو من أن يكون قائمًا أو فائتًا.
فإن كان قائمًا بيد الموهوب له أو المتصدق عليه لم يكن له إلا أخذه ونقضه للهبة أو الصدقة لا غير ذلك.
فإن كان فائتًا فلا يخلو من أن يكون بسبب الموهوب له أو بسبب سماوي.
فإن كان بسبب سماوي، فلا يخلو من أن يكون عالمًا بالغصب أو غير عالمٍ.
فإن كان عالمًا فحكمه حكم الغاصب في جميع ما قدمناه.
فإن لم يعلم بالغصب، فلا ضمان عليه قولًا واحدًا.
فإن كان [ذلك] 2 بسبب الموهوب له مثل أن يكون عبدًا فأعتقه أو قتله، أو ثيابًا، فلبسها حتى أبلاها، أو طعامًا فأكله ثم استحق ذلك
رجل العضب فلا يخلو الغاصب من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان معسرًا فلا خلاف أن المستحق بالخيار إن شاء جَوَّز فعل الغاصب وأتبعه بقيمة شيئه إما يوم الغصب على قول، وإما يوم الهبة على قول، [وإن شاء] 1 أتبع الموهوب له بقيمة شيئه يوم استهلكه ثم لا رجوع للموهوب له على الواهب بذلك.
فإن كان الغاصب موسرًا، هل يخير [المستحق] 2 في التبدئة أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا خيار له، فإن طلبه على الواهب [أولًا] 3، فيأخذ منه قيمة شيئه، فإن لم يقدر عليه، فعند ذلك يرجع على الموهوب له، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن الموهوب له هو المُبَدَّىء ولا يرجع على الغاصب إلا في عدم الموهوب له، وهو قول الغير في "كتاب الاستحقاق" من المدونة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الشركة"، وهو قول أشهب في "العتبية" وغيرها.
والثالث: أنه مخير يرجع على أيهما شاء، وهذا القول حكاه ابن عبدوس عن أشهب، واختاره سحنون.
وعلى القول بأنه يرجع ابتداءً على الغاصب، فإن وجده عديمًا، فيرجع على الموهوب له، فهل للموهوب له الرجوع على الغاصب أم لا؟ [فالمذهب] 4 على قولين، والصحيح أنه لا يرجع عليه، وهو قوله في
"كتاب الدور" من المدونة.
وعلى القول بأنه يرجع على الغاصب إذا وجد الموهوب له عديمًا، هل للغاصب أن يرجع على الموهوب له بما أدى للمغصوب منه أم لا؟ فالمذهب أيضًا على قولين.
فانظر كيف جعل ابن القاسم المستحق في هذه المسألة يبدأ بالمسبب الذي هو الغاصب، ولم يقل ذلك فيمن استأجر عبدًا على تبليغ الكتاب إلى بعض المواضع، فعطب أنه يضمن، والجمع بينهما أن الموهوب له، والمستأجر قد تصرفا فيما يضمنانه ملكًا لمن أذن لهما في التصرف.
والفرق بينهما أن العبد لا يمكن أن يضمن منافع نفسه لسيده، والغاصب [ضامن] 1 الدّابة لربها؛ فلهذا لم يضمن واضع يده على منافعها؛ لوجود من يضمن له رقبتها, ولما كان العبد لا يضمن لسيده؛ لأنه [هو] 2 ماله صار واضع يده على منافعه كالمخطئ في مال غيره بغير إذنه، فوجب أن يضمن قيمته؛ فلهذا قلنا في الغاصب إذا وهب: إنه يضمن، ولا يضمن الموهوب، فإذا لم يوجد عنده شيء ضمنه الموهوب، فالعبد أحرى أن يضمنه الذي استأجره لعدم من يضمن بحال.
وسبب الخلاف: بين ابن القاسم , وأشهب في المسألة اختلافهم في المسبب، والمباشر أيهما أولى بالضمان، فلو كان عبدًا فأعتقه الموهوب له، ثم اختار المستحق إتباع الغاصب بالقيمة، فلا خلاف أن عتقه يمضي بالعتق الأول، ولا يحتاج إلى تجديد عتق.
واختلف فيما مضى من أفعاله كنكاحه، وموارثته وشهادته، هل يمضي ذلك أو يرد؟
على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك صحيح جائز، ولا يرد منه شيء.
والثاني: أن ذلك من [عتق] 1 مردود؛ لأنه عتق موقوف على الرد والإجازة، كعتق المِدْيَان إذا أجاز الغرماء عتقه، وقد كان العبد شاهدًا، ووارثًا أن ذلك كله مردود، وهو قول ابن القاسم في "عتق المِدْيان"، وظاهر قول أشهب: أنه يجوز في المِدْيَان؛ لأنه قال في المكاتب يعتق عبدًا له فيموت، فيريد السيد أن يجيز عتقه، ويرثه.
فقال: ذلك له، وهذا أصل عتقه غدًا كعتق المديان.
والفرق بين عتق الموهوب له، وعتق المديان على أصل ابن القاسم أن الموهوب له لم يتعد في عتقه، والمديان متعد في عتقه، وهذا الفرق كما تراه، فلو عكس الجواب لكان أولى، وذلك أن حقوق الغرماء لم تتعلق بعين مال المديان، وإنما تعلقت بذمته، فإذا أفاد مالًا يقضي به ديونهم مضى عتقه، ولا مقال لهم فيه، فإذا جوزوا عتقه، وسوغوا فعله كانت تصرفاته قبل الجواز، وبعده [نافذة] 2.
وأما العبد الموهوب، فحق المستحق متعلق بعينه؛ لأنه عين شيئه، فإذا أجاز فيه المستحق عتق الموهوب [له] 3 يأخذ القيمة من الغاصب كان الموهوب له كمبتدئ العتق حينئذ، فتدبر ذلك تجده صحيحًا.
والمشتري من الغاصب [في عتقه] 4 كالموهوب له على سواء.
وأما الوجه الثالث: إذا أعتقه الغاصب، وكان عبدًا [فلا يخلو] 1 من أن يتغير بعيب أو لا يتغير.
فإن دخله عيب، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه القيمة يوم الغصب، وإن شاء أخذه، وبطل العتق.
وهل يرجع عليه بما نقصه العيب إذا كان بسبب سماوي أم لا؟
فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في أثناء فصول المسألة.
فإن لم يدخله عيب، ولا يتغير، فلربه أخذ عبده، ويبطل عتق الغاصب، فإن طلب رب العبد أن يلزم الغاصب [قيمة عبده] 2 وينفذ فيه عتقه بغير اختيار الغاصب.
هل يلزمه ذلك أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يلزم الغاصب؛ لأنه أعتق [ما لا يملك وهو الأظهر، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق التونسي.
والثاني: أن ذلك لازم للغاصب؛ لأنه أعتق] 3 ما في ضمانه كأنه راضٍ بالتزام القيمة لما أعتق.
[كما] 4 قال مالك: في الأب إذا أعتق عبد ابنه الصغير أنه ينفذ عتقه، ويغرم قيمته إن كان له مال.
وأما الوجه الرابع: إذا كان أمة فوطئها أو غاب عليها، فلا يخلو من
أن يغيب عليها بعد [الغصب] 1 أم لا.
فإن لم يغب عليها، وهي على حالها، فليس للمغصوب منه إلا أخذها بوجهها.
فإن غاب عليها, ولم يطأها، فلا يخلو من أن تكون فارهة أو وخشية، فإن كانت وخشية، فليس للسيد [على الغاصب] 2 إلا أخذها.
فإن كانت فارهة وغاب عليها, ولم يعلم هل أصابها أم لا؟
فلا يخلو سيدها من أن يكون قد اعترف بإصابتها أم لا، فإن كان السيد مُقِرًا بالإصابة، فإن القيمة تؤخذ من الغاصب وتوقف.
فإن ظهر بها حمل ردت القيمة على الغاصب، وتكون الأمة أم ولد لسيدها، فإن حاضت أخذت القيمة لسيدها [إن شاء ويضمنها الغاصب.
وإن ماتت قبل أن يتبين هل هي حامل أو غير حامل أخذ المغصوب منه القيمة أيضًا، والظالم أحق أن يحمل عليه، وإن أنكر سيدها الوطء عجلت له القيمة] 3 في الحال إلا قدر قيمة عيب الحمل، فإنه يوقف، فإن تَبَيَّن أنها حائل أخذها المغصوب منه، وإنْ تَبَيَّن أنها حامل ردت إلى الغاصب.
فأما إن [ثبت] 4 أن الغاصب وطئها، فلا فرق في هذا الوجه بين أن تكون فارهة أو وخشية، فللسيد أن يضمنه، ويأخذ منه قيمتها إما يوم الغصب، وإما يوم الوطء على اختلاف قول ابن القاسم، وسحنون في
ذلك.
فإن ولدت عند الغاصب، فلا يخلو ذلك [الولد] 1 من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون من وطء الغاصب أو بزنًا من غيره [وإما أن يكون بنكاح أو بملك يمين، فأما إن كان الولد من الغاصب أو بزنًا من غيره] 2 فالحكم فيهما سواء للمغصوب منه أن يأخذ الأمة، والولد، فإن مات الولد، فهل يضمنه الغاصب أم لا؟ فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يموتا جميعًا الولد، والأم.
وإما أن تموت الأم دون الولد.
وإما أن يموت الولد دون الأم.
فإن ماتا جميعًا الولد والأم، فلا يخلو من أن يموتا حتف أنفهما أو ماتا مقتولين.
فإن ماتا حتف أنفهما فلا خلاف في المذهب أن الغاصب يغرم قيمة الأم، وهل يغرم قيمتها يوم الغصب [أو يوم الوطء] 3 قولين، وقد قدمناهما.
واختلف في الولد، هل يضمن قيمته أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه [لا] 4 يضمن قيمة الولد، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أن عليه قيمة الولد يوم ولد، وهو قول أشهب في "الموازية"،
ووجهه: أن الولد مغصوب كالأم، وقد كان رده واجبًا [عليه] 1.
وعلى قول من اعتبر أعلى القيم يغرم قيمته يوم مات، فإن قتلا أو أحدهما.
أما إن قتلا جميعًا، فلا خلاف أيضًا أنه يغرم قيمة الأم إما يوم الغصب، وإما يوم القتل على ما قال ابن القاسم في "الدمياطية".
وفي الولد قولان:
أحدهما: أنه لا يغرم عنه شيئًا؛ إلا أن يكون مقتولًا قتله أجنبي، فأخذ له أرشًا، فإنه يغرم ذلك الأرش قولًا واحدًا [وكأنه هو الذي قتله، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة":
والثاني: أن الغاصب يغرم قيمة الولد إما قيمته يوم ولد كما قال أشهب.
وإما قيمته يوم قتل على ما حكاه ابن شعبان عن أشهب، وابن وهب، وعبد الملك.
فإن مات أحدهما، وبقى الآخر، فإن ماتت الأم، وبقى الولد، فإن الولد يرد مع قيمة الأم قولًا واحدًا] 2 على التفصيل الذي قدمناه بين أن تموت حتف أنفها، أو ماتت مقتولة، فإن ماتت مقتولة، فعلى ما ذكرناه.
فإن ماتت حتف أنفها، فعلى قولين:
وابن القاسم يقول: الخيار للمغصوب منه إما أن يأخذ [قيمة] 3 الأم يوم الغصب، ولا شيء عليه في الولد، أو يأخذ الولد، ولا شيء عليه
في الولد، أو يأخذ الولد، ولا شيء عليه من قيمة الأم.
وأشهب يقول: يأخذ الولد وقيمة الأم يوم الغصب، فإن مات الولد وبقيت الأم، فللمغصوب منه أن يأخذ الأم يبيعها قولًا واحدًا، ثم ينظر في الولد، فإن قتله الغاصب أو غيره، فأخذ له أرشًا، فإنه يرد قيمته مع الأم قولًا واحدًا.
والخلاف في وقت اعتبار القيمة قد قدمناه إما يوم ولد وإما يوم قتل.
فإن مات حتف أنفه أو قتل ولم يؤخذ له أرش، ولا قدر على قاتله أو جهل القاتل أصلًا، ففي غرم الغاصب قيمته قولان بين ابن القاسم، وأشهب، وقد قدمناه.
فإن قتل أحدهما، ومات الآخر فالقيمة في الأم على أي حال ماتت أو قتلت غير أنها إن ماتت، فالقيمة فيها يوم الغصب، فإن قتلت فقولان:
قيل: يوم الغصب، وقيل: يوم قتلت.
وفي الولد إن مات حتف أنفه قولان، فابن القاسم يقول: لا شيء عليه فيه، وأشهب يقول: يغرم قيمة الولد.
فإن مات مقتولًا، فإنه يغرم ما أخذ في أرشه أو كان [الغاصب هو] 1 الذي قتله، فإنه يغرم قيمته يوم القتل على قول، أو يوم ولد على قول.
وأما إن كان الولد من وطء نكاح أو ملك يمين، فلا يخلو الزوج من أن يعلم أنها أمة، أو دخل على أنها حُرّة، فإن علم أنها أمة، فالولد [تابع] 2 لأمه في حكم الاستحقاق، فإن دخل على أنها حُرّة أو كان وطؤه إياها بملك يمينه، فالكلام يأتي فيه في "كتاب الاستحقاق" في
مسألة مفردة إن شاء الله.
وأما نقل الشيء المغصوب من بلد إلى بلد، هل يكون ذلك فوتًا يوجب تضمين الغاصب أم لا؟
فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون المغصوب حيوانًا أو عروضًا.
والثاني: أن يكون مكيلًا أو موزونًا مأكولًا.
فإن كان حيوانًا أو عروضًا، فالمذهب فيه على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن ذلك فوت، والمغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ منه متاعه بعينه، أو يضمنه قيمته يوم الغصب، وهو قول أصبغ، وظاهر روايته عن أشهب في سماعه.
والثاني: أن ذلك ليس بفوت، فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ متاعه، وهو قول سحنون؛ لأنه [رأى] 1 أن نقل ذلك كله من بلد إلى بلد بمنزلة حوالة للأسواق.
والثالث: التفصيل بين الحيوان والعروض، فتفوت العروض بذلك، ويكون المغصوب منه فيها بالخيار بين أن يأخذها، وبين أن يضمن الغاصب فيها قيمتها يوم غصبها في البلد الذي غصبها فيه، ولا يفوت الحيوان بذلك، فيأخذها المغصوب منه حيث وجدها, ولا يكون له أن يضمن الغاصب قيمتها، وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى الكراء على حملانه كالعبد، والدّابة، والبقرة، فهذا يجبر صاحبه على قبوله إن طلبه الغاصب، ويجبر الغاصب على دفعه إن طلبه المغصوب منه.
وأما ما يحتاج إلى الكراء على الحملان كالجواري، وصغار العبيد،
فهو كسائر العروض، وهو قول مالك في "المجموعة".
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وهذا إذا كان الطريق من البلد إلى بلد المغصوب منه مأمون.
وأما إن كان غير مأمون فلا يجبر المغصوب منه على قبوله.
وأما الكيل والموزون من الطعام، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ليس للمغصوب منه إلا مثل طعامه من البلد الذي اغتصبه [فيه] 1.
والثاني: أن المغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ طعامه بعينه، وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه.
والثالث: تفرقة أصبغ بين أن يكون البلد الذي حمله إليه قريبًا أو بعيدًا، فإن كان قريبًا كان الخيار له بين أن يأخذ طعامه، وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه، وإن كان بعيدًا لم يكن له إلا مثله في البلد الذي اغتصبه فيه [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الرابعة في اختلاف الغاصب والمغصوب منه
ولا يخلو اختلافهما من أربعة أوجه:
أحدها: أن يختلفا في قدره [أحدهما] 1 يقول: غصبني مائة، ويقول الآخر: خمسين.
والثانى: أن يختلفا في الجنس، يقول: غصبني هذا العبد، ويقول الغاصب: بل هذا الثوب.
والثالث: أن يتفقا في الجنس أنه عبد أو ثوب، فيقول هذا: جيد، ويقول الآخر: ردئ، أو يأتي الغاصب بعبد، فيقول: هذا الذي غصبتك، ويقول الآخر: عبدي أفضل.
والرابع: أن يتفقا أنه العبد، أو الثوب، ويأتي به معيبًا أو خلقًا، فيقول: هكذا كان، ويقول الآخر: بل كان جديدًا أو سليمًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اختلفا في المقدار، واتفقا في الجنسية.
فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القول فيه قول الغاصب سواء طرحها أو غاب عنها إذا ادعى معرفة ما فيها، وهو قوله في "المدونة" و"العتبية" فيمن انتهب صبرة، والناس ينظرون إليه أن القول [قول الغاصب] 2، ولم يفصل بين أن يغيب أو يكون قد طرحها.
والثانى: أن القول قول المنتهَب منه، وهو قول أشهب، ومطرف،
وابن كنانة، وهو الأظهر؛ لأن من غصب وفعل مثل ذلك لا يقر بالحق على وجهه، ويعترف بجميع ما أخذ، وهو بمنزلة من كتم، ولم يُقِر بشيء، فإن القول قول المغصوب منه إلا أن يأتي بما لا يشبه.
والثالث: التفصيل بين أن يغيب عليها الغاصب، أو يكون قد طرحها، فإن غاب عليها كان القول قول الغاصب؛ لأنه ادعى التحقيق، فإن طرحها يكون القول قول المغصوب منه؛ لأنه ادعى التحقيق والغاصب ادعى التخيير، فالقول قول من ادعى التحقيق ما لم يأت [بأمر] 1 يستنكر.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اختلفا في الجنس يقول: غصبني هذا العبد، ويقول الغاصب: بل هذا الثوب فلا يخلو من أن يأتي الغاصب بما يشبه أو لم يأت به، فإن أتى بما يشبه، فالقول قول الغاصب.
وإن أتى بما لا يشبه، فهل يقبل قوله أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل قوله، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يقبل قوله، وهو قول أشهب فيمن غصب جارية، وقال: قد كانت صَمَّاء بَكمَاء عَمْيَاء، أن القول قوله، والذي قاله أشهب [في الجارية] 2 فيه نظر؛ إذ لا يكاد تجتمع هذه العيوب، ويرغب أحد في غصبها.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا اتفقا في الجنس، واختلفا في الصفة.
مثل: أن يتفقا أنه عبد أو ثوب، فيأتي الغاصب بثوب أو عبد، فيقول: هذا الذي غصبتك، ويقول الآخر: عبدي أفضل، فالقول قول
الغاصب مع يمينه.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا اتفقا على عين الشيء المغصوب، واختلفا في صفته.
مثل: أن يتفقا على [أنه] 1 ثوب أو عبد، فأتى بعبد معيب، أو ثوب خلق، فيقول: هكذا اغتصبته، ويقول الآخر: بل [كان] 2 سليمًا وجديدًا، كان القول قول الغاصب مع يمينه ويسلمه لربه، فإن وجد المغصوب منه بينة أنه سليمًا أو جديدًا، أو الثوب قائم بيده، أو هلك، أو باعه، أو كان عبدًا، فأعتقه المغصوب منه، فإنه ينظر، فإن كان اختلافهما ليغرمه ما بين القيمتين رجع عليه بما بين قيمته جديدًا أو خلقا من غير مراعاة لحال الثوب، والعبد من وجود أو [فوات] 3.
وإن كان اختلافهما ليضمنه، فقال الغاصب لا [أضمن] 4؛ لأنه كان خَلِقًا كان للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بقيمته يوم غصبه جديدًا، ثم ينظر في الثوب، فإن كان قائمًا رده المغصب منه، وإن هلك كانت مصيبته من الغاصب؛ لأنه أكرهه على رده إليه، والقول قول ربه مع يمينه أنه هلك، ويرجع بالقيمة، وإن باعه أسلم الثمن الذي باعه به، وإن لبسه، فأبلاه غرم القيمة، وإن وهبه فقولان:
أحدهما: أنه يتبع بقيمته كما لو لبسه، فأبلاه وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم.
والثاني: أنه لا شيء عليه؛ لأن الغاصب باع له ذلك ظلمًا،