كتاب الزكاة الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فإن كان المراح مشتركًا بين أرباب الماشية على الإشاعة بكراء أو ملك فهو من صفات الخلطة.
وإن كان لكل واحد منهم جزء معين، فلا يخلو ذلك الجزء من أن يقوم بماشية صاحبه على الانفراد دون مضرة ولا ضيق، أو لا يقوم بذلك.
فإن كان يقوم بماشية صاحبه، فليس من صفات الخلطة؛ لأن الارتفاق لم يوجد بهذه الصفة.
وإن كان لا يقوم بها، فهو من صفات الخلطة؛ لأن الارتفاق حصل بها، وإلى هذا ذهب أبو الوليد الباجي.
واختلف المتأخرون في الدلو المعتبر في الخلطة على قولين:
أحدهما: أن الدلو [الذي] 1 تسقى به الماشية، فيشترك فيه الخلطاء فتجب مؤنته على جميعهم، وهذا الذي يقتضيه لفظ الدلو في [وضع] 2 اللغة، وهو اختيار الباجي.
والثاني: أن الدلو عبارة عن المياه، وهو أن يكون لبعضهم ماء يسقون منه [ويسقى منه غيرهم من أرباب الماشية، فلا يكون ذلك من صفات الخلطة أو يكون الماء مشتركًا بين] 3 أرباب الماشية، فيكون ذلك من صفات الخلطة؛ كاجتماعهم على حفر بئر يسقون منها مواشيهم، ويمنعون منها غيرهم، وذلك من باب تسمية الشيء بما يلازمه، وذلك سائغ في الاستعمال، وهو تأويل بعض المتأخرين، وهو أسعد بظاهر المدونة.
واتفق المذهب على أنه ليس من شروط الخلطة حصول [جميع] 4
هذه الأوصاف، خلافًا للشافعي في اعتبار جميعها.
والدليل على ما نقوله أن المراعى في الخلطة إنما هو الارتفاق [في اجتماع] 1 الماشية على ما يحتاج إليه؛ وذلك يحصل بحصول بعض الصفات، فيثبت به حكم الخلطة.
ولا خلاف بينهم فيما إذا وجد أكثر الصفات أن الخلطة صحيحة ثابتة.
واختلف هل تصح بوجود أقل الصفات؛ كالاثنين والواحد؟ على قولين 2:
أحدهما: أنهما لا يكونان خليطين إلا أن يجتمعا في جل الأوصاف، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وهو ظاهر المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن الخلطة تحصل بينهما بحصول الوصف الواحد؛ وهو الراعي، وهو قول [ابن حبيب] 3 حكاه عنه [القاضي أبو محمد عبد الوهاب] 4 غير أن أكثر الأصحاب تأولوا على [قول] 5 ابن حبيب غير هذا فقالوا: إذا اتخذا الراعي، فقد حصلت أكثر الأوصاف إذا جمعهما الراعي، فقد جمعهما الفحل، والمرعى، والمراح، على اختلاف التأويل في المراح.
وقد جمعت هاهنا أكثر الأوصاف، والذي قالوه ليس بصحيح؛ لأن المنافع المعتبرة التي تتعين الأحكام بوجودها هي المنافع التي يعم نفعها، ويعظم خطرها [ويمتد وجودها] 6، وذلك مخصوص بالراعي خاصة
دون سائر الصفات؛ لأنها صفات عارضة لا دوام لها ولا استمرار؛ كالدلو فإنه صفة عارضة؛ لأن الخلطة قد تصح دونه، والحاجة إليه في بعض السنة، وقد تحل الزكاة قبل حصوله، ولا جرم أنا لا نعتبر استدامة الخلطة عامًا كاملًا، وإنما اعتبرنا جزء العام على ما يأتي إن شاء الله.
والمبيت أيضًا يفتقر إلى ما عوهد وأُلِفَ، والفحل أيضًا كذلك؛ بل هو أقل تأثيرًا؛ لأن الحاجة إليه في بعض السنة، وقد لا يحتاج إليه [أصلًا] 1؛ إما لكون الغنم كلها ذكران، وإما لكون غنم أحدهما: ضأن، والأخرى: معز، فلا يكون الفحل واحدًا لما علم من العادة أن فحول المعز لا تطرف الغنم، وبالعكس كذلك، وهو أول نصير، وأقل تأثير، فلم يبق بعد امتحان الأوصاف ما يصلح أن يكون وصفًا معتبرًا إلا الراعي؛ فإن منفعته عامة؛ به تجيء الغنم [وتنمو] 2 وباقي الأوصاف تبعة غير مقصودة.
فإذا ثبت ذلك فالمُرَاعَى في الخلطة آخر السنة دون أولها، فإن اجتمعا في أول السنة، وافترقا في آخرها أو [افترقا في أولها و] 3 اجتمعا في آخرها ذكيا على ما هما عليه في آخرها ما لم يقرب ذلك.
واختلف في [حد] 4 القرب على أربعة أقوال:
أحدها: أن [حد] 5 القرب شهران فأكثر لا أقل، وهو قول مالك في المدونة؛ لأنه قال: إن لم يختلطوا إلا [في] 6 شهرين من آخر
السنة.
والثاني: أن حد القرب أقل من شهرين، وهو قول ابن القاسم أيضًا في المدونة.
لقوله: فإن [اجتمعا] 1 في آخر السنة أقل من شهرين فهم خلطاء ما لم يقرب الحول جدًا.
والثالث: أن أقله الشهر فما فوقه، وهو قول عبد الملك.
والرابع: التفصيل بين أن يقصدا الفرار أم لا؛ فإن قصداه عوملا بنقيض مقصودهما، وإن لم يقصداه زكاها الساعي على ما يجدها [عليه] 2 من افتراق أو اجتماع ويقبل قول أربابها أنهم لم يفعلوا ذلك فرارًا إلا بأمارة تقوي التهمة، وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب، وذلك كله يرجع إلى اجتهاد العلماء، فكل منهم على حسب ما أداه إليه اجتهاده، والحمد لله وحده.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم:
وهو أن تكون ماشية أحدهما نصابًا، وماشية الآخر دون النصاب فليسا بالخليطين؛ فالساعي يأخذ الشاة من الغنم التي وجب فيها، فإن أخذها من الغنم التي هي دون النصاب، فلا تخلو الشاة التي أخذها [الساعى] 3 [منه،] 4 من أن تكون من السنن الواجب في الزكاة أم لا.
فإن كانت من غير السن [المأخوذة] 5 في الزكاة كانت مظلمة [على
من] 1 أخذت من غنمه وبقيت الزكاة على مالك النصاب كما كانت.
وإن كان السن المأخوذ من الغنم القليلة مثله يؤخذ في الزكاة: فلا يخلو من أن يدخل على صاحب النصاب مضرة؛ مثل أن يكون الرجل مائة شاة، وللآخر إحدى وعشرون شاة، فأخذ المصدق منهما شاتين، فهل يتراجعان في الشاتين، أو في الشاة الواحدة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما يتراجعان في الشاتين جميعًا على قدر ماشيتهما، وهو قول ابن القاسم، واختيار ابن المواز 2، وهو ظاهر المدونة 3.
والثاني: أنهما يتراجعان في الشاة الواحدة، والشاة الأخرى على رب الماشية [وهو قول ابن عبد الحكم] 4.
وينبني الخلاف: على [الخلاف في] 5 خلاف غير المذهب هل يراعى أو لا يراعى.
فمن رأى أنه يراعى قال: إنهما يتراجعان في الشاتين جميعًا؛ لأن هذا حكم قد مضى على مذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وجعل الشاتين في المالين [جميعًا] 6.
ومن رأى أنه لا يراعى قال: إن الشاة الواحدة على رب النصاب، والشاة الثانية لم تجب على واحد منهما، إلا أنها أخذت بتأويل لابتعد؛
فيجب أن يتراجعا فيها على قدر ماشيتهما، فإن لم يدخل على صاحبه مضرة؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون، وللآخر ثلاثون، فأخذ الساعي منهما شاة، فإن أخذها من صاحب الأربعين: لم يرجع على صاحبه بشيء، فإن أخذها من غنم صاحب الثلاثين: رجع على صاحب الأربعين بمثلها أو بقيمتها على الخلاف الذي قدمناه بين ابن القاسم، وأشهب في [أول] 1 المسألة.
فإن أخذ الساعي منها شاتين.
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: يأخذها كلها من غنم صاحب الأربعين، أو يأخذهما كليهما من غنم صاحب الثلاثين أو أخذ واحدة من هذه، وأخرى من هذه [فإن أخذ كليهما من غنم صاحب الأربعين فلا يرجع على صاحبه بشيء؛ لأن الأولى ضمنها بين فرضه، والثانية أخذت منه ظلمًا وعدوانًا] 2.
وإن أخذهما كليهما من غنم صاحب الثلاثين رجع على صاحب الأربعين بواحدة، والأخرى غصبها الساعي.
وإن أخذ واحدة من غنم كل واحد منهما، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يبتدئ الأخذ من الأربعين، أو الثلاثين.
فإن ابتدأ الأخذ من الأربعين: لم يرجع صاحب الثلاثين على صاحب الأربعين بشيء؛ لأن الشاة المأخوذة من الأربعين لا تخلو من أن تكون مما يجزئ في الزكاة، أو مما لا يجزئ في الزكاة.
فإن كانت مما يجزئ فذلك ما كنا نبغي.
وإن كانت مما لا يجزئ فلا يرجع عليه أيضًا؛ لأنه ابتدأ الأخذ من أربعين
فقد عادت إلى ما لا زكاة فيه قبل الأخذ من الثلاثين، فسقطت الزكاة منها، ثم أخذ الثانية بعد سقوط الزكاة، وهذا من لطيف الفقه لمن تأمله.
فإن ابتدأ الأخذ من الثلاثين: فلا تخلو الشاة التي أخذ منها من أن تكون مما يجزئ في الزكاة أم لا.
فإن كانت مما يجزئ في الزكاة، والتي أخذت من الأربعين لا تجزئ في الزكاة: فإنه يرجع [عليه] 1 صاحب الثلاثين بقيمة شاته اتفاقًا؛ لأن الشاة المأخوذة [منه] 2 إنما غصبها بعد وجود الزكاة وبعد قبضها.
فإن كان ما أخذ من الجانبين مما لا يجزئ في الزكاة إلا أنه بدأ بالأخذ من الثلاثين، فقد رأيت لأبي الحسن اللخمي أنه لا يرجع على صاحب الأربعين؛ لأنه قال: فإن كانت التي أخذت من الأربعين مما يجزئ في الزكاة لم يرجع عليه بشيء، ولم يفصل في هذا الوجه، وفصل في غيره.
والوجه الذي يقتضيه النظر خلاف ذلك أنه إذا ابتدأ الأخذ من الثلاثين، وأخذ منهما ما يجزئ في الزكاة فكان النظر يقتضي أن يرجع عليه صاحب [الأربعين] 3؛ لأن الأولى أخذت بنية الزكاة، والأخرى أخذت بنية الظلم، والاغتصاب، فلا يجزئ لتقدم الأخذ بنية الزكاة عليه، وهذا ظاهر لمن تأمله [فإن كان مما لا يجزئ، فهذه مظلمة عليه] 4.
والجواب عن الوجه الثالث 5: إذا لم يكن في ماشية كل واحد منهما
نصاب إلا أنهما بالضم والجمع نصاب؛ مثل أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة من غنم أحدهما هل يتراجعان أم لا؟
فلا يخلو الساعي من أحد وجهين:
إما أن يأخذ منهما على التأويل، أو يأخذ بغير تأويل فإن أخذها على التأويل؛ إما لكونه يظن أنها لمالك واحد، أو لكونه تأول مذهب من اعتبر النصاب على الضم والجمع، فإنهما يتراجعان بينهما على السوية إن تساوت الماشية.
وإن تفاضلت هل يترادان على عدد الغنم أو على عدد المالكين؟
قولان:
[أحدهما: أنهما يترادان على عدد الغنم.
والثاني: عكسه] 1.
وإن أخذها [الساعي] 2 على غير تأويل فهي مظلمة على من أخذت من غنمه، ولا يرجع على صاحبه بشيء.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا لم يكمل النصاب [في غنمهما] 3 لا على الانفراد، ولا على الضم، فأخذ الساعي شاة من غنم، أحدهما: فإنها مظلمة [على من] 4 أخذت من غنمه؛ قولًا واحدًا 5.
وهذه المسألة متشعبة الأكناف ممتدة الأطراف، وقد حصلتها تحصيلًا
متقنًا ورتبتها ترتيبًا حسنًا ينتفع بها المنتهى [ويستعين] 1 بها المبتدى بحمد الله وحسن عونه [والحمد لله وحده] 2.
المسألة السابعة في الهارب بماشيته
1
ولا يخلو الهارب بماشيته من الساعي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يهرب بنصاب من الماشية ثم ظفر به، أو جاء تائبًا وهي على حالتها.
والثاني: أن يهرب بنصاب من الماشية، ثم جاء تائبًا، وقد زادت ماشيته.
والثالث: بالعكس؛ مثل أن يهرب بعدد من الماشية ثم جاء، وقد نقصت عن ذلك العدد.
والجواب عن الوجه الأول: إذا هرب بأربعين شاة خمس سنين، ثم ظفر به الساعي، أو جاء تائبًا، وهي على تلك الحال، هل يأخذه بزكاة [ما مضى من] 2 السنين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه تؤخذ منها شاة واحدة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 3.
والثاني: أنه يؤخذ منه خمس شياه لخمسة أعوام، وهو قول أشهب وعبد الملك 4.
وسبب الخلاف: هل يبتدئ الساعي [بالأخذ] 1 بأول عام أو بآخر عام؟
فمن رأى أنه يبتدئ بأول عام قال: يأخذ شاة واحدة، وإذا أخذها تبقى تسعة وثلاثون؛ وهي دون النصاب فلا زكاة فيها؛ إذ الشاة المغصوبة باقية عنده لبقاء الغنم، ولا ينتقل إلى الذمة إلا بهلاك الغنم.
ومن رأى أنه يبتدئ بآخر عام قال: يأخذ منها خمس شياه؛ شاة منها عن [العام] 2 الآخر، وأربعة في الذمة؛ لأن كل عام مضى كان فيه غاصبًا لزكاة ذلك العام، وصارت دينًا في ذمته، والدين لا يسقط زكاة الماشية.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا هرب بنصاب ماشية، ثم جاء تائبًا، وقد زادت؛ مثل أن يهرب بأربعين شاة خمس سنين، ثم صارت في العام الخامس ألف شاة بفائدة: فلا تخلو من أن يحول الحول على غنم الفائدة، أو لم يحل.
فإن حال الحول على غنم الفائدة، فلا يخلو من أن يعلم ذلك ببينة، أو بمجرد دعواه.
فإن علم ببينة أنها صارت ألفًا في السنة الخامسة، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤخذ منها إحدى عشرة شاة، العشرة منها عن السنة الآخرة التي صارت فيها ألفًا، والشاة الواحدة عن أول عام، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه يؤخذ منها أربع عشرة شاة؛ العشرة منها على الألف، والأربع عن أربع سنين؛ لأنها في الذمة على ما تقدم في الوجه الأول لأشهب، وعبد الملك.
والثالث: أنه يزكي عن الألف للسنين الماضية، ويؤخذ منها على هذا القول خمسون شاة، وهو قول أشهب؛ ونزله منزلة من تخلف عنه السعاة، وهذا قياس لا يصلح؛ لأن الغاصب لا يطالب بأكثر مما غصب، والذي تخلف عنه الساعي أخرج بدليل.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
فإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، هل يصدق أنه كما أفادها، أو لا يصدق؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يصدق، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أنه لا يصدق، وهو قول عبد الملك في "المجموعة".
وسبب الخلاف: هل الجناية التي ارتكبها مما يسقط ثقته وأمانته أم لا؟
فمن رأى أن ذلك مما يسقط أمانته، قال: لا يقبل قوله، والظالم أحق أن يحمل عليه.
ومن رأى أن ذلك لا يسقط أمانته؛ لأن المالك يقبل قوله في الحول على أي صفة كان من غير التفات إلى صلاحيته، وطلاحيته قال: يقبل قوله.
وعلى القول بأنه يقبل، أو لا يقبل فيجري الخلاف فيما يؤخذ منه على الخلاف الذي قدمناه في تضاعيف المسألة.
فإن لم يحل الحول على الفائدة: فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها؛
قول ابن القاسم: لا يؤخذ منها إلا شاة واحدة على أصله [أنه] 1 بالسنة الأولى يبدأ، فإذا أخذت [عن الأولى] 2 نقصت عن النصاب، ثم لا زكاة في الفائدة إلا بعد الحول لقصور الأصل عن النصاب.
وعلى قول عبد الملك: يبتدئ بالسنة [الأخرى] 3 وتزكى الفائدة عن السنة الواحدة؛ لأن النصاب الأول لم ينتقض منه شيء على مذهبه، وعلى [قول] 4 أشهب تزكى الفائدة عن السنين كلها كأن الهارب هرب بالألف يوم هرب كالذي تخلف عنه الساعي.
والجواب عن الوجه الثالث:
إذا هرب بعدد وافر ثم جاء، وقد نقصت ماشيته عن ذلك العدد؛ مثل أن يهرب: بماشيته، وهي ألف شاة خمس سنين، ثم جاء تائبًا في السنة الخامسة، فادعى أنها لم تزل على هذه الصفة منذ هرب بها، وأنها هلكت في السنة التي هرب فيها إلا هذا القدر.
فالمذهب أنه لا يقبل قوله، ولا يصدق، وتزكى على ما كانت عليه يوم هروبه، إلا في هذا العام الذي قدم فيه، فإنه يؤخذ منه شاة واحدة؛ لأنه يتهم فيما يدعيه، والظالم أحق أن يحمل عليه [والحمد لله وحده] 5.
المسألة الثامنة في الذي تخلف عنه الساعي سنين كيف يزكي وقد زادت ماشيته أو نقصت
1
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما لا يأتيه الساعي أصلًا، أو مما يأتيه الساعي.
فإن كان مما لا يأتيه الساعي أصلًا لبعد [البلاد] 2 فإن هؤلاء يزكون كل عام، ولا ينتظرون قدوم السعاة؛ لأنهم انتظروا قدوم من لا يجيئهم، فإن كان عندهم مساكين سلموها إليهم، وإلا فليجلبوها إلى حواضر البلاد، وهو قول مالك في كتاب ابن سحنون.
فإن كان ممن يأتيه السعاة في كل زمان، ثم تخلف عنه الساعي سنين، فلا يخلو تخلفه من وجهين:
إما أن يكون بإيثار واختيار أو بغلبة واضطرار.
فإن كان تخلفه بإيثار واختيار: فإن أرباب المواشي يزكون مواشيهم؛ إذ ذلك من الساعي، ولا يتركون الزكاة؛ لأن حق المساكين قد تعلق بها، ولا يكون ترك السعاة الخروج باختيارهم ما يسقط حقهم، ثم لا ضمان على أرباب الماشية فيما فعلوه إذا سلموها للمساكين، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا الوجه.
فإن كان تخلفه بغلبة واضطرار، فلا يخلو ذلك من أن يكون سببه من العباد، أو لا سبب لهم في ذلك.
فإن كان مما لا سبب للعباد [فيه] 1 كالمحل وزمان الجدب، هل يبعث فيه السعاة، أم لا [قولان:
أحدهما: أنهم لا] 2 يبعثون فيه أصلًا حتى يجني الناس؛ لأنهم يأخذون فيه ما ليس له ثمن، فإن جلبوه لم ينجلب لهم، وذلك حق للمساكين، وليس لأهل المواشي.
فإذا جنى الناس في العام المقبل أرسل السعاة، وأخذت الزكاة للعامين، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز.
والثاني: أن السعاة يبعثون، ويأخذون الصدقات من أهلها، وإن كانت عجافًا، فيجلبونها إن كانت تجلب أو يبيعونها، ويسوقون ثمنها، وإن قلَّ، وهي رواية ابن وهب عن مالك 3.
وإن كان سبب تخلفه من العباد كفتنة هاجت بين الأمراء، فأشغلتهم عن بعثة السعاة حتى مضت الدهور، والأعوام، هل ينبغي للناس أن يخرجوا زكاة مواشيهم أو ينتظرون بها خروج السعاة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يخرجون [زكاتهم] 4 ويصرفونها إلى المساكين، ولمن [سماهم] 5 الله تعالى من الأصناف المنصوص عليها، ولا يؤخرون إخراجها لعدم المصدق كزكاة العين والحبوب، وهذا قول قياس؛ وذلك أن
الساعي وكيل على الزكاة ليوصلها إلى الفقراء والمساكين، وليس ذلك بحق له، وإنما هو واسطة لغيره، فإذا عدم كان لمن له فيها حق القيام بحقه، ولا يمنع من حقه لعدم وكيله.
وقد اختلف المذهب عندنا إذا أخرجها قبل مجيء الساعي وبعد الحول ولم يتخلف [عنه] 1 ثم أتاه بعد ذلك هل تجزئه أم لا؟ فهو إذا تخلف عنه أجزأ.
والثاني: إنه لا يجزئه، ويأخذها منه السعاة إذا قدموا، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن المواز.
وعلى القول بأنهم لا تجزئهم، وأنهم ينتظرون السعاة حتى يقدموا، فإذا قدموا عليهم فلا يخلو ما بأيديهم من الماشية من خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون غنمه أربعين شاة، فغاب عنه الساعي سنين، ثم جاءه وهي أربعون.
والثاني: أن يغيب عنه، وهي أربعون شاة، ثم باعها قبل قدوم الساعي.
والثالث: أن يغيب عنه وعنده نصاب غنم ثم نقص في بعض السنين ثم جاء الساعي، ووجدها قد عادت عنده نصابًا.
[والرابع: أن يغيب عنه وعنده نصاب ثم جاءه وعنده أكثر من النصاب.
والخامس: أن يغيب عنه وعنده أكثر من النصاب ثم جاء ووجد عنده
نصابًا] 1.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا غاب عن نصاب غنم خمسة أعوام ثم جاء والنصاب لم ينقص، فإنه يأخذ منه شاة واحدة لا أكثر؛ لأنه إذا أخذ شاة من الأربعين، فقد نقص النصاب، ولا خلاف في هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا غاب عنه الساعي، وعنده نصاب، ثم باعها ثم قدم عليه الساعي بعد أعوام، فلا يخلو من أن يبيعها بنصاب من العين أو بدون النصاب.
فإن باعها بدون النصاب فلا شيء عليه قولًا واحدًا.
وإن باعها بالنصاب فأكثر، فإنه يزكي عن كل سنة نصف دينار حتى يأتي على آخرها، أو يرجع الثمن إلى أقل من عشرين دينارًا، أو أقل من مائتي درهم، وهذا إذا كان الزائد على النصاب هو أحد السنين التي يغيب عنه الساعي؛ مثل أن يغيب عنه خمس سنين، وعنده أربعون شاة.
وفي المذهب قول ثان أنه لا يزكي [إلا لعام] 2 واحد.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا غاب الساعي، وعنده نصاب من الغنم خمس سنين، ثم نقصت في بعض السنين، ثم جاء الساعي وهي أربعون بولادتها أو بمبادلة، ثم أفاد إليها ألف شاة، هل يزكي الألف على الأعوام كلها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يزكي الألف عن الخمس سنين كلها، وهو قول مالك
"في كتاب محمد" 1.
والثاني: أنه لا يزكيها عن الأعوام الماضية إلا أن تبقى تلك الأربعون إلى يوم الفائدة، وهو قول ابن المواز 2.
والقول بأنه يزكي الألف عن جميع تلك الأعوام أصح؛ لأنها إذا عادت نصابًا [بالولادة] 3 كانت كالنصاب الأول بالاتفاق.
وإن عادت نصابًا بالمبادلة، فيتخرج على الخلاف في مبادلة الجنس بالجنس، وقد قدمناه.
وشذ أشهب فقال: إذا كان الأصل دون النصاب ثم صار في العام الخامس نصابًا [فأكثر] 4 فإنه يزكيه [عن ما] 5 مضى من السنين، وهو قوله في كتاب "النوادر" 6 وهو [قول] 7 مخالف للأصول -كما ترى.
والجواب عن الوجه الرابع:
إذا غاب عنه الساعي خمس سنين، وبيده أربعون شاة، ثم صارت في العام الخامس ألفًا، هل تزكى الفائدة عن الأعوام الماضية أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يزكي الألف عن الخمس سنين، وهو قول مالك، وابن
القاسم في المدونة وغيرها؛ فيأخذ عن أول سنة عشر شياه، وعن الأربع سنين تسعًا.
والثاني: أنه يزكي عن الأربع شياه واحدة، وعن السنة الخامسة تسع شياه، ولا يزكى الألف عن الخمس سنين، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن سحنون" 1؛ بناء منه على أن الساعي يبتدئ بأول عام، وهذا عكس مذهبه في [مسألة] 2 الهارب.
وسبب الخلاف الإجماع إذا انعقد 3 على خلاف الأصل، هل تقوم به الحجة أم لا؟
فمن رأى أنه يكون حجة قال: إنه يزكي ما وجد عنده [عما مضى من] 4 السنين؛ لأن الفتنة هاجت بين الأئمة رضوان الله عليهم، فقام الناس نحوًا من ست سنين لم تؤخذ منهم الزكاة، فلما استقر الأمر في نصابه، وعاد إلى صوابه، واتفقت كلمة الإسلام، واتخذت البيعة للإمام، وبعثت السعاة، وأمروا بالأخذ عن سالف الأعوام مما وجد بأيدي الملاك من الأنعام ما لم ينقص عن النصاب، فاتفق رأي الجماعة أن ذلك هو الصواب.
ومن رأى أن ذلك لا يكون حجة [قال] 5 لا يزكى عن سنة إلا ما كان عند رب الماشية منها، ولا يزاد عليها، وكونه يزكى عن سنة بنصاب سنة أخرى هو مراغم للقياس.
والأصول موضوعة في الزكاة على أن كل سنة معتبرة بانفرادها ولا تحمل على غيرها [ولا يحمل عليها غيرها] 6 ولاسيما أن الملاك لم
تصدر منهم جناية، ولا جربت منهم خيانة؛ بل هم منتظرون لورود السعاة ليصدروا وهم عنهم راضون إلا أن سبب التأني من ولاة الأمر، فليس ذلك مما يوجب التغليظ على أرباب المواشي، وربك أعلم.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا غاب عنه الساعي خمس سنين، وغنمه ألف شاة، فلما كانت السنة الخامسة رجعت إلى أربعين، ثم جاء الساعي فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يؤخذ منه إلا شاة واحدة؛ لأن المالك غير متعد، ولا كان منه تفريط ولا تضييع [والحمد لله وحده] 1.
المسألة التاسعة في زكاة الماشية المغصوبة
1
[فإذا] 2 غصبت ماشية ثم ردت على صاحبها بعد أعوام، وكانت نصابًا فأكثر، فهل يزكيها ربها لعام واحد، أو لأعوام؟
فلا تخلو من أن تكون قد زُكِّيَت عند الغاصب كل عام أم لا، فإن كان الساعي يأخذ زكاتها من الغاصب كل عام فلا شيء على صاحبها إلا زكاة العام الذي ردت عليه، ولا خلاف في هذا الوجه لبقائها على ملك صاحبها، وعلى ملكه زكيت؛ إذ الغصب لا ينقل الملك.
فإن كانت الغنم غير مزكاة عند الغاصب من يوم غصبها إلى يوم ردت على صاحبها، هل يزكيها صاحبها لماضي الأعوام أو إنما يزكيها لعام واحد؟
فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه يزكيها لعام واحد، وهو أحد أقاويل ابن القاسم.
والثاني: أنه يزكيها لماضي السنين حتى ترجع إلى ما لا زكاة فيه أو تنقضي السنون، وهو قول ابن القاسم [وأشهب أيضًا] 3.
وسبب الخلاف: الغاصب هل يرد الغلات أم لا؟
فعلى القولين بأنه يرد الغلات، فعلى رب الماشية زكاتها لماضي السنين على ما تؤخذ عليه عنده؛ لأنها باقية على ملكه بخلاف العين على أحد
الأقوال؛ لأن [الغلة، 1 لما ردت مع الأعيان، فكأنها قط لم تزل من يده 2. وعلى القول بأن الغاصب لا يرد الغلات، فليس على المغصوب منه أن يزكيها إلا لعام واحد؛ لأنها [أموال] 3 محبوسة عن تنمية مالكها، فسقطت عنه فيه الزكاة قياسًا على العين في أحد الأقوال، والحمد لله وحده.
المسألة العاشرة في شراء المرء صدقته
1
ولا يخلو شراء المرء صدقته من وجهين:
أحدهما: أن يشتريها قبل أن تقبض منه، أو بعد ما قبضت منه.
فإن اشتراها قبل أن تقبض منه، فلا خلاف في المذهب أن ذلك يمنع ابتداء.
فإن وقع ونزل وأخذ الساعي عوضًا عما وجب له من الشاة أو حب، فهل يجزئه أو يعيد؟
فلا يخلو ولاة العهد من أن يكونوا ولاة العدل، أو ولاة الجور.
فإن كانوا ولاة العدل، فأخذوها عند محلها، وفيما أخذوه وفاء [عما] 2 وجب لهم وهم يضعونها مواضعها ويصرفونها لمن يستحقها، فإنها تجزئه، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "الموازية".
ولا فرق على هذا القول بين أن يأخذ منهم القيمة طوعًا أو كرهًا.
والدليل على جواز إخراج القيمة في الزكاة إذا كان الإمام عدلًا فعل معاذ بن جبل باليمن حين بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم -[مصدقًا قال لهم: ائتوني بعوض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، فإنه أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وإنما كره ذلك من كرهه لعموم قوله عليه السلام: "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" 3.
وإن كانوا ولاة جور فهل يجزئ ما أخذوا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يجزئ ما أخذوا طوعًا ولا كرهًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: التفصيل بين الإكراه والطوع؛ فإن أخذ منهم العوض بالإكراه أجزأه، وإن أخذ منهم طوعًا استحبت لهم الإعادة، وهو قول أصبغ، وابن وهب، وغيرهما.
ووجه قول ابن القاسم: أنها زكاة أخذت ووضعت في غير محلها، وصرفت لغير مستحقها، فلا تجزئه كما لو دفعها إلى عبد أو نصراني.
ووجه قول أصبغ: أن [الفداء] 1 إنما وقع عليها بعد أن أخذوها وبرئت منها ذمة المزكي، فكانت جائزة عنه؛ إذ لا يمكن الخروج عليهم إذا كانوا مسلمين لما في ذلك من سفك الدماء، وسبي الحريم، وإثارة الفتنة، وذلك مما لا يحل؛ ولأجل هذا منع القيام على ولاة الجور إذا لم يتوصل إلى عدلهم إلا بعد سفك الدماء، وسبي الأموال، وهتك الحرمات، وبه قال القاضي ابن رشد، والشيخ أبو عمران، وابن عبد البر، وغيرهم من متأخري المذهب، فإن اشتراها بعد ما قبضت منه فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يشتريها من الذي قبضها منه.
والثاني: أن يشتريها من غيره.
فإن اشتراها من الذي قبضها منه؛ مثل أن يشتريها من المسكين أو المتصدق عليه؛ إن كان تطوع بها، فإن البيع ممنوع ابتداء، فإن نزل هل
يفسخ أم لا؟ قولان قائمان من المدونة.
أحدهما: أن البيع نافذ، ولا يفسخ، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
والثاني: أن البيع مفسوخ، وهو قول أبي إسحاق التونسي على ما نقله عنه أبو الوليد الباجي.
والقولان قائمان من المدونة في المدير وغيره يخرج في زكاته عرضًا بقيمته، فلا يجزئه عند ابن القاسم، وقال أشهب: يجزئه إذا لم يحابي نفسه، ولبئس ما صنع.
وينبني الخلاف: على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم -[نهى عن شراء المرء صدقته] 1، [ولا خلاف] 2 في هذا بين الفرق والتطوع.
فإن اشتراها من غير الذي قبضها منه؛ مثل أن يقبض زكاة ماله، أو تصدق بصدقة على رجل ثم وجدها بيد غيره، فهل يجوز له أن يشتريها منه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يكره له أن يشتريها منه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الشراء يجوز له ابتداء من غير كراهة، وهي رواية عيسى عن مالك في المدونة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في حماية [الذريعة] 3 [هل تحمى أو لا
تحمى، ولا خلاف في مذهب مالك أن الذريعة تحمى، وإنما الخلاف في الحماية، 1 تحمى أم لا؟ ووقع لمالك في المدونة في مواضع أنها تحمى؛ فمنها قوله في كتاب الآجال فيمن باع [سلعة] 2 بثمن إلى أجل ثم وكل غيره على أن يشتريها له بأقل من الثمن نقدًا، قال: لا يجوز ذلك؛ وهذا منه بناء على أن الحماية تحمى، ومثله قوله في "كتاب الزكاة الثاني" وغيره [لا ينبغي له] 3 أن يشتري صدقته من [غير] 4 الذي تصدق بها عليه؛ وذلك لأن العلة التي من أجلها منع الشراء من الذي قبضها منه مخافة وجود المسامحة في بعض [الثمن من البائع] 5 فيؤول ذلك إلى أن يرجع إلى المتصدق بعض صدقته بلا عوض، فمنع من ذلك سدًا للذريعة.
وهل يتصور وقوع ذلك من الأجنبي أم لا؟
فمن رأى أن الحماية تحمى قال: يمنع ذلك من الأجنبي كما يمنع من المتصدق عليه نفسه.
ومن رأى أن الحماية لا تحمى جَوَّز الشراء من الأجنبي لارتفاع التهمة.
فهذه معان رائقة ينبغي للناظر تفهمها، والتشوف إلى معرفتها، [وربما تكون لنا العودة لتقييد هذا الأصل، ووضوحه بموضعه في "كتاب الآجال" إن شاء الله تعالى] 6 [والحمد لله وحده] 7.
المسألة الحادية عشر [في زكاة] (1) الثمار والحبوب
2
والكلام [في] 3 هذه المسألة في خمسة فصول:
أحدها: في معرفة ما تجب فيه الزكاة من أنواع الحبوب والثمار.
والثاني: معرفة ما يضم [بعضه] 4 إلى بعض من تلك الأنواع.
والثالث: معرفة المقدار الذي يؤخذ منها.
والرابع: معرفة ما يخرص منها مما لا يخرص.
والخامس: معرفة الوقت الذي تجب فيه الزكاة في تلك الأنواع.
فالجواب عن الفصل الأول:
في معرفة ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وسائر [أصناف] 5 الثمار.
والأصل في وجوب الزكاة في الحبوب والثمار على الجملة الكتاب والسنة [وإجماع الأمة] 6.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 7.1
وأما السنة: فما خرجه [البخاري] 1 ومسلم، ومالك في "الموطأ" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليست فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" 2.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيما دون خمسة أوسق من حب ولا تمر صدقة" 3، وهذا الحديث انفرد به مسلم.
وأما الإجماع: فمعلوم من دين الأمة ضرورة وجوب الزكاة بشروط أحكمتها السنة.
وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - مجمل القرآن، فأوجب الزكاة في شيئين الثمر والحب، وأنه لم يبين ذلك الثمر ما هو، ولا جنس ذلك الحب ما هو، ووكل بيان ذلك اجتهاد المجتهد لكي لا يخليه من تعب الاجتهاد، فالله تعالى يقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ 4، وأما تفصيل ما وجبت فيه الزكاة من الثمار والحبوب، فإن الزكاة تجب في النخيل، والأعناب، والزيتون قولًا واحدًا؛ لأنها أصول الأقوات المدخرة، وأصل المعاش غالبًا.
واختلف فيما كان غالبًا، ويدخر ويراد للتفكه، مثل اللوز، والجوز، والجلوز، والفستق، وما لا يدخر، ويراد للتفكه مثل البلح، هل يزكى إذا كان نصابًا أم لا؟
أما ما يدخر ويراد للتفكه مما ذكرنا: فالمذهب في وجوب الزكاة فيها على قولين:
أحدهما: أنه لا زكاة عليه أولًا، وقول مالك، وابن القاسم،
وجميع أصحابه على ما حكاه ابن أبي زيد.
والثاني: أن الزكاة تجب في جميع الثمار كلها ذوات الأصول، وما يدخر منها وما لم يدخر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 1، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
وسبب الخلاف: العموم: هل يخصص بالقياس أم لا؟ 2 وأما ما لا يدخر، ويراد للتفكه مثل البلح الذي لم يزهو هل تجب فيه الزكاة أم لا؟
فالمذهب فيها يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: وجوب الزكاة فيه، وهو قول مالك، وابن القاسم في المدونة في كتاب الزكاة الثاني.
ويتخرج القول الثاني بأنه لا زكاة فيه من مسألة الفواكه، والخضروات فقد نص مالك في "المدونة" 3 وغيرها أن لا زكاة فيها، وقد اعترض فضل ابن مسلمة [مسألة المدونة] 4 فقال: كيف تؤخذ الزكاة من تمر لا يجد إلا بلحًا، ويلزم على هذا أن تؤخذ الزكاة من الفصيل إذا جَدَّ.
والاعتراض واقع جدًا، وقد [اعترض] 5 حذاق المتأخرين عن هذه [المسألة] 6 وراموا الانفصال عن ما اعترض به فضل؛ منهم القاضي أبو
الفضل عياض، فإنه قال: لعل معنى قوله: "لا تزهو": أي لا يتم زهوها، ولا ترطب، ولا تتمر، وأنه يبدو فيه الصلاح، ولا يتم على ما يتم عليه مثله، ولا يكون بلحًا كبيرًا، أو بسرًا، ولم يرد البلح الصغير الذي هو علف، فيشبه [الرطب الذي] 1 لا يجف ويصير تمرًا، فيكون موافقًا للأصول، ويكون قوله: لا يزهو لفظ غير محصل، ولا وقع موقع التحقيق، وإن لم يكن هذا معناه [وإلا] 2 فالقول ما قال فضل.
وممن ذهب إلى [مثل] 3 هذا التأويل الشيخ أبو عمران الفاسي، فإنه قال: معناه أنها لا تحمر، ولا تصفر، ولكنها تبقى خضراء، وتدخلها الحلاوة، وهذا تأويلهم على المسألة.
وعلى تسليم هذا التأويل ينبني الخلاف في المسألة على الخلاف في أنواع الأموال في الزكاة، هل يراعى كل نوع بانفراده، ولا يعتبر سواه، أو الاعتبار بالغالب، ويكون الأقل تبعًا للأكثر، فإن اعتبرنا الأنواع [وجب أن لا زكاة] 4 في البلح الذي لا يزهو؛ لأنه ليس مما في الحديث، ولا هو أصل للعيش، والعنب الشتوي من هذا القبيل.
وإن اعتبرنا الغالب وجبت الزكاة في البلح والعنب الشتوي؛ لأن الغالب من ثمار النخيل، والأعناب الادخار، والأقل تبع للأكثر، ويحكم له بحكمه.
وأما ما تجب الزكاة فيه من الحبوب وسائر القطاني، فلا خلاف في المذهب فيما كان منها مقتاتًا مدخرًا أصلًا للمعاش غالبًا أن الزكاة واجبة
فيه؛ وذلك مثل القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والدخن، والذرة، والفول، والعدس، والحمص و [الجلبان] 1 واللوبيا، والبسيلة -وهي الكرسنة- وما ثبت معرفته عند الناس أنه من القطاني، والزيتون، والسمسم [إلا أن هذه الحبوب منها ما يراد لزيته كالزيتون والسمسم] ومنها كان في معناهما مما سنذكره تفصيلًا إن شاء الله تعالى.
ومنها ما يراد [لعينه] 2 لكونه قوتًا في نفسه كالقطاني.
واختلف فيما عدا المسميات التي ذكرناها من سائر القطاني، هل تجب فيها الزكاة أم لا؟ مثل الترمس، وفيما عدا الزيتون والسمسم مثل حب الفجل، والسلجم، وبذر الكتان، و [حب] 3 القرطم، وهي ذريعة العصفور، وأما الترمس: فقد نص عليه ابن القاسم في كتاب محمد أنها من القطاني، وأنها تزكي، وهو ظاهر قول أبي محمد بن أبي زيد وتأويله لقول مالك أن لا زكاة في الترمس؛ لأنه اشترط الحبوب التي تزكى أن تكون أصلًا للمعاش والترمس ليس بأصل للمعاش.
وقد اختلفوا في العلة الجالبة للزكاة في الحبوب، هل الاقتيات والادخار خاصة، فتكون العلة ذات وصفين أو يضاف إليهما وصف ثالث؛ وهو أصل للمعاش غالبًا، فتكون العلة مركبة من ثلاثة أوصاف، [وإلى أن العلة من ثلاثة أوصاف] 4 ذهب أبو محمد بن أبي زيد، وإلى أنه ذات وصفين ذهب القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
وعلى هذا الاعتبار اختلف المذهب في التين، هل تجب فيه الزكاة أم
لا على قولين:
أحدهما: نص مالك في المدونة أنه لا زكاة في التين، وهو المشهور في النقل [والمهجور في المعنى] 1.
والثاني: وجوب الزكاة [فيها] 2، [وهو قول ابن حبيب] 3 وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في كتاب الزكاة الثاني في باب زكاة الفطر على رواية جبلة بن حمود، وعيسى بن مسكين بعد قول مالك: لا يجزئه إخراج زكاة الفطر، وأنا أرى [أن] 4 كل شيء من القطنية؛ مثل اللوبيا أو شيء من الأشياء التي ذكرناها أنها لا تجزئه، وإذا كانت عَيْش قَوْم فلا بأس أن تؤدي من ذلك [زكاة الفطر] 5، وتجزئهم.
ومن جملة الأشياء التي ذكرها التين، فإذا جاز أن تؤدى منه زكاة الفطر وجب أن تجب فيه [زكاة الوسق] 6، وهذا القول ضعيف في النقل مشهور [في المعنى] 7.
ولا خلاف عند مالك في وجوب الزكاة في الزيت لكونه مقتاتًا مدخرًا، أصلًا للعيش غالبًا، فالتين أقوى اقتياتا من الزيت، وأنفع للجسم، والتعويل عليه عند من هو عندهم مثل الأندلس وغيرهم من بلاد المغرب أكثر من التعويل على الزبيب والتمر عند أهلها في النفقة، والمؤونة، فما كان هذا [سبيله] 8 فكيف لا تجب فيه الزكاة؟.
وقد اعتذر القاضي أبو الحسن بن القصار عن قول مالك، وقال: إنما
تكلم مالك [عن بلده] 1 ولم يكن التين عندهم، وإنما كان يجلب إليهم، فلو عاشرها وباشرها لأوجب فيه الزكاة [كما] 2 أوجبها في غيره.
والذي قاله القاضي صحيح، وقد وقع في كتاب المساقاة والحوائج من المدونة ما يدل على تأويل ابن القصار على ما سنوضحه في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله.
وأما الجواب عن الحبوب المختلف في وجوب الزكاة فيها: مما يراد للزيت كالقرطم، وبذر الكتان، وحب الفجل، والسلجم: فلابن القاسم في "العتبية" في حب القرطم قولان:
أحدهما: أن الزكاة في زيته.
والثاني: أنه لا زكاة فيه، [وهو] 3 الذي اختاره سحنون.
وأما بزر الكتان: فقد روى ابن القاسم عن مالك أنه لا زكاة في حبه، ولا في زيته؛ إذ ليس مما يقتات به، وبه قال المغيرة وسحنون، وقال أصبغ في كتاب ابن المواز: فيه زكاة -يريد في زيته- وهو أعم نفعًا من زيت القرطم.
وأما حب الفجل: فقد نص ابن القاسم في "المدونة" 4 أن الزكاة تؤخذ من [حبه] 5 إذا بلغ حبه خمسة أوسق، والسلجم في معناه، وله في كتاب محمد: لا زكاة فيه.
وهذا الاختلاف كله يرجع إلى اختلاف أحوال، وصفات التصرفات في الاستعمال؛ وذلك أن الزيتون لما اتفق وجه العمل [فيه] 6 واتحد الانتفاع بزيته في مشارق
الأرض ومغاربها أطبقت الأمة على وجوب الزكاة فيها، كان مما يعصر أو لا يعصر كزيتون مصر، وكان ذلك مطابقًا لورود النص فيه.
وأما السمسم: فهو حب ذو زيت يقتات به على الجملة، فإذا نظرت من حيث التفصيل تجد أحوال [الناس] 1 في صفة استعماله تختلف، فأقوام يتخذونه عمدة الأكل ويعولون عليه كما يعولون على زيت الزيتون كأهل الشام واليمن فتجب عليهم فيه الزكاة كما تجب في الزيتون، وأقوام يتخذونه للعلاج ويستعملون منه [الأدهان كالبنفسج] 2 والورد والياسمين وغير ذلك كأهل المغرب: فهؤلاء [يجب أن لا زكاة] 3 عليهم فيه على القول بأن الزكاة إنما تجب في المقتات الذي هو أصل للعيش غالبًا -يريد في حالة ألاختيار والسعة لا حالة الإقتار والضرورة فإن الناس إذ ذاك لا يستثنون شيئًا من شيء حتى الغاسول، والبلوط، [ونوى] 4 الخروب فإنه يقوم عندهم في زمان الشدة مقام سميد القمح حتى صار عندهم أصلًا للعيش، فنسأل الله العافية والسلامة.
ولهذا وقع الخلاف في بزر الكتان والقرطم؛ لأنه بالنظر إلى وجود الزيت فيه يقال بوجوب الزكاة فيه وبالنظر إلى أنه لا يعاش به وإن كان [الزيت] 5 يخرج منه إلا أن القدر الذي يخرج مه نذر يسير [يقال أن لا زكاة فيه] 6 لأن الزكاة شرعت مواساة للفقراء من الأغنياء، ولا تجب إلا في الأموال التي تحتمل المواساة وتسد الخلات، ولا جرم أن النصب موضوعة في الأموال النامية وضعًا لا يحل الزيادة عليها ولا النقصان منها.
والجواب عن [الفصل] 1 الثاني: في معرفة ما يضم بعضه إلى بعض من الحبوب والثمار في الزكاة 2.
والحبوب في الزكاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
منها القمح والشعير والسلت: فلا خلاف في المذهب في وجوب ضم بعضها إلى بعض في الزكاة، وأنها صنف واحد في الزكاة وفي قاعدة الربا.
واختلف في العلس [وهو] 3 الإشقالية: وهو حب مستطيل مصوف يكون باليمن [هل] 4 يضم بعضه إلى القمح والشعير [والسلت أم لا] 5 على قولين:
أحدهما: أنه من جنس القمح والشعير والسلت، وهو قول أكثر أصحاب مالك على ما نقله ابن حبيب في واضحته.
والثاني: أنه صنف رابع، ولا يضاف إلى الأنواع الثلاثة، وهو قول ابن القاسم، وبه قال ابن وهب وأصبغ.
ووجه القول الأول: أنه تساوى مع القمح في المنفعة ولا يكاد يخلو منه.
ووجه القول الثاني: أنه لا يتفق مع الحنطة والشعير في الوجود [فدل ذلك] 6 على اختلاف منفعتهما.
ومنها: الأرز والذرة والدخن فهل هي صنف واحد، أو كل واحد منهما
صنف؟
فالمذهب على قولين:
وهل [هذا] 1 الخلاف يتخرج على الخلاف في الأرز والدخن والذرة هل هي صنف واحد مع القمح والشعير في [باب] 2 الربا أم لا؟
فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أن كل واحدة من هذه الأنواع الثلاثة التي هي الذرة والدخن والأرز صنف [منفرد] 3 لا يضاف [إلى شيء ولا يضاف] 4 إليه شيء لا من القمح ولا من غيره، وهذا هو نص المدونة في كتاب الزكاة الثاني، وفي كتاب السلم الثالث، وهذا القول هو الأشهر في المذهب.
والمذهب: أن القمح والشعير والسلت والدخن والذرة والأرز كلها صنف واحد لا يجوز التفاضل في شيء منها في باب الربا، وهي رواية زيد ابن بشير عن ابن وهب، على ما نقله القاضي أبو الوليد الباجي في "المنتقى" 5؛ فعلى هذا يجب أن تجمع في الزكاة أيضًا، وذلك من باب أولى؛ لأنه يجمع في الزكاة بين ما يختلف [فيه] 6 في الربا هل هو جنس واحد أو جنسان، وذلك لا يخفى على من شد طرفًا من المذهب.
ومنها: القطاني على تعدد أسمائها: فلا خلاف في المذهب أنها لا تضم
إلى [شىء] 1 من القسمين المتقدمين؛ لا إلى القمح والشعير والسلت، ولا إلى الدخن والذرة والأرز واختلف في [الزكاة في] 2 [الكرسنة] 3 وهي البسيلة على تفسير بعضهم، هل هي من القطاني أو هي صنف منفرد على قولين:
أحدهما: أنها من جملة القطاني، وهو قول أشهب في "العتبية"، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" إن صح أن [الكرسنة] هي البسيلة.
والثاني: أنها صنف على [حدته] 4 لا يضم إلى القطاني، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
واختلف في القطاني هل هي صنف [واحد] 5 في البيوع أم لا؟
على قولين منصوصين عن مالك في "المدونة" في كتاب السلم.
"الثالث"، فمرة قال: إنها صنف واحد لا يجوز التفاضل فيه، ومرة قال: إنها أصناف يجوز فيها التفاضل.
واختلف أصحابنا [المتأخرون] 6 في ترجيح هذين القولين في الزكاة، فمنهم من قال: إن القولين جاريان في الزكاة كجريانهما في البيوع، وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
ومنهم من قال: إن القولين لا يدخلان في الزكاة [وأن القطاني كلها في الزكاة] 7 صنف واحد وفي البيوع قولان، وهو ظاهر قول مالك في
"الموطأ"، "والمدونة".
والذي اختاره أبو الوليد الباجى أن يكون كل [واحد] 1 منها صنفًا منفردًا لا يضم إلى غيره في الزكاة والبيوع، قال: لأنا إن عللنا للجنس بانفصال الحبوب بعضها من بعض اطرد ذلك فيها وانعكس وصح.
وإنْ عللنا باختلاف الصور والمنافع صَحّ أيضًا، وهذا كُلّه [فيما] 2 يجمع من حيث الجِنسِيّة، وأما ما يُجمع من حيث الزَّمان والحَصَاد فلا يخلو من وجهين:
إِمَا أنْ يَخْتَلفُ زَمَانهمَا في الحَرْث والحَصَاد، أو يَتَّفِق.
فَإنْ اخْتَلَفَ الزَّمَان كالشِّتْوِي والصَّيْفِي فَإنّه يُعْتَبر النِّصاب في كِلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [قولًا واحدًا] 3.
وإنْ اتَّفَقَ الزَّمَان فلا يخلو مِنْ وجهين:
أحدهما: أنْ يُزْرعَ الثَّاني قَبْلَ حَصَاد الأوَّل.
والثاني: أنْ [يزرع] 4 بَعْدَ حَصَادِ الأوَّل.
فَإنْ زَرعَ الثاني قَبْلَ حَصَادَ الأوَّل: فلا يخلو من أن يرفع مِنْ كُلّ واحد منهماَ نِصَابًا، أو دُونه.
فإن رَفَعَ مِنْ كُلّ واحد منهما نِصابًا: فلا [كَلَام] 5.
وإن وقع من كل واحد منهما دون النصاب إلا أنهما في الضم والجمع
يكون النصاب فيهما، هل يضم بعضها إلى بعض، أم لا؟ [فالمذهب] على قولين:
أحدهما: أنه [يضم الأول إلى الثاني] 1 ويزكى، وهو قول مالك في "كتاب ابن سحنون"، وبه قال محمد بن مسلمة.
والثاني: أنه لا يضم بعضه إلى بعض، ولا زكاة عليه حتى يرفع من كل [ما حصد] 2 ما تجب فيه الزكاة، وهي رواية ابن نافع عن مالك في [الكتاب المذكور أيضًا] 3، وهذا هو الأصوب؛ لأن الحصاد إذا اختلف اختلافًا متباينًا حتى لا يشبه ما بينهما ما بين البكري والمتأخري، فلا ينبغي أن يجمعا في الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 4.
فالحق إنما وجب عليه بنفس الفراغ من عمله -أعني وجوب الإخراج.
وأما وجوب التكليف فقد تعلق [بطيبه] واستغنائه عن الماء، فإذا كان الزرع في تلك الساعة لا تجب فيه الزكاة لقصوره عن النصاب فلا تجب فيه الزكاة ساعة أخرى.
فإن قيل زرع الثاني بعد حصاد الأول: لم يضم الأول إلى الثاني، واعتبر النصاب في كل واحد منهما كالشتوي [مع] 5 الصيفي.
وعلى القول بأنه [يضم] 6 الأول إلى الثاني في الوجه الأول، فإن زرع ثالثًا بعد حصاد الأول وقبل حصاد الثاني: فإنك تنظر، فإن كان الزرع الأوسط ثلاثة أوسق، والأول والثالث وسقان: زكى عن الجميع؛ لأنك إن
أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق، وإن أضفته إلى الآخر كان كذلك أيضًا.
ولو كان الأوسط وسقان، والأول ثلاثة أوسق والثالث وسقان: لزكى الأول والأوسط دون الثالث.
ولو كان الأول وسقين، والأوسط والثالث ثلاثة أوسق: لزكى الأوسط والآخر، ولا يزكى الأول، ولا مجمع بين الأول والثالث أصلًا إلا إذا كان الأوسط ثلاثة [أوسق] 1 -كما تقدم- فافهم هذا التحصيل ترشد إن شاء الله تعالى، وهذا كله في الحبوب التي تُراد للاقتيات بنفسها.
وأما الحبوب التي يُراد منها الزيت: فإنها أصناف مختلفة ولا يضم بعضها إلى بعض كالزيتون والسمسم وغيرهما من إلأشياء [مما يعصر] 2 للزيت لأنها متباينة المنافع، والتفاضل فيها جائز، فيعتبر النصاب من كل واحد من تلك الأجناس على الانفراد.
وأما الثمار والأعناب: فكل واحد منهما صنف على اختلاف أنواعها؛ فالتمر كله [صنف] 3 على اختلاف أنواعه [وأسمائه] 4 وصفاته مما يتمر أو يزهو، أو لا يتمر ولا يزهو، أو لا يتمر [ولا يزهو] 5 وإنما يكون بلحًا على القول بوجوب الزكاة [فيه] 6 على ما قدمناه في الفصل الأول.
وكذلك العنب الشتوي والصيفي فإنه صنف واحد يضاف بعضه إلى