كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهذا الذي قاله ليس بالبين؛ لأن الحد والكفارة حَقَّانِ من حقوق الله تعالى، وموجبهما في هذه الصورة واحد.
وهذا بخلاف المرأة إذا أكرهت على الوطء، فلا خلاف أنها لا حد عليها.
وإن كان الرجل هو الذي أكره امرأته على الوطء أو القبلة: فلا خلاف في وجوب الكفارة والقضاء عليه عن نفسه.
واختلف هل يكفر عنها أم لا على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يكفر [عنها] 1 جملة؛ سواء أكرهها على الوطء، أو على القبلة، أو أتاها وهي نائمة، أو رجل أكره غيره فصب الماء في حلقه وهو صائم.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في باب الإكراه على الوطء.
ويؤخذ من الكتاب في النائمة أيضًا [من قوله] 2 بأي وجه كان ناسيًا أو غير ناس، ورواه عبد الملك وابن نافع عنه.
والثاني: أنه لا يلزمه أن يكفر عنها جملة.
وهو ظاهر المدونة فيمن أتى نائمة، أو أكرهها فصب في حلقها ماء؛ إذ لا فرق بينهما و [هو] 3 مذهب سحنون.
والثالث: التفرقة بين القُبلة والوطء، فيكفر عنها في الوطء، ولا يكفر عنها في القُبلة.
وهو ظاهر "المدونة" على ما تأوله أبو الحسن القابس [وابن
شبلون] 1 لقوله في "المدونة": إذا قَبَّل امرأته مكرهة حتى يُنْزِلَا: فالكفارة عليه، وعلى المرأة القضاء.
ووجه التفرقة: أنه لا انتهاك في مسألة القبلة؛ لأنه لم يكن الإنزال إلا من فعله؛ ولأنه بنفس الإيلاج تجب الكفارة.
وأظهر الأقوال: ما ذهب إليه سحنون؛ وذلك أن المذهب اتفق [على] 2 ألا كفارة عليها؛ لأنها مكرهة والمكره لا ينسب إليه فعل.
فإذا كانت الكفارة لا تجب عليها، فما الذي يحمل عنها؟ وكذلك إن أكره أمته على الوطء: فإنه يكفر عنه وعنها على أحد الأقوال.
وقال ابن أبي زيد: قال بعض أصحابنا في كتاب آخر: وإن وطئ أمته: كفر عنها، وإن طاوعته -يريد في الأمة وإن طاوعته كالإكراه للرِّق-.
وعلى القول بأنه يكفر عنها، فإن كان معسرًا: كفرت عن نفسها، ورجعت عليه، وهو قول ابن شعبان في "الزاهي".
وفي ذلك نظر؛ لأنه يشعر بأن الكفارة واجبة عليها ثم حملها الزوج عنها، ولا قائل به في المذهب.
وهل يجب عليها الغسل أم لا؟
فلا تخلو من أن تكون قد التَّذَّت أم لا.
فإن الْتَّذَّت: فلا خلاف في المذهب في وجوب الغسل عليها.
وإن لم تَلْتَّذ، أو كانت نائمة: فالرواية أن لا غسل عليها، وهي رواية إسماعيل القاضي عن مالك.
والقياس يُوجب دخول الخلاف فيها.
واختلف هل تقضي أم لا؟
فالمشهور من المذهب أنها تقضي، وذهب القاضي أبو الحسن بن القصار إلى أنها لا قضاء عليها.
وعلى هذا: يتخرج الخلاف في الكفارة عنها هل هو وطء المُكْرِه جِنَايَة أفسدت صيام المُكْرَه أم لا؟
فمن رأى وجوب القضاء عليها: قال بوجوب الكفارة عنها؛ لأنه جنى على صومه وصوم غيره.
ومن رأى أنها لا قضاء: يقول لا يكفر عنها؛ لأن جنايته لا تأثير لها في صيامها.
وعلى القول [بأنه] 1 يكفر عنها: فليكفر عنها بالعتق والإطعام، وإن كانت حُرَّة، يكون الولاء لها.
ولا يكفر عنها بالصيام؛ إذ لا يصوم أحد عن أحد عند مالك.
وإن كانت أمته: فليكفر عنها بالإطعام خاصة؛ إذ العتق ليس من كفارة العبد [والحمد لله وحده] 2.
المسألة السادسة عشر إذا أصبح الصائم ينوي الفطر
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن ينوي الفطر قبل الفجر فاستمر على تلك النية إلى الغروب، ولم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس.
وإما أن ينوي الإفطار بعد ما أصبح فلم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس.
وإما أن ينوي الفطر قبل طلوع الفجر، وأصبح على ذلك، ثم ينوي الإمساك قبل طلوع الشمس.
فأما الوجه الأول:
إذا أصبح ونيته الإفطار، ولم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس، فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: وجوب الكفارة، وهو قول ابن القاسم ومالك 1.
والثاني: أنه لا كفارة عليه، وهو ظاهر قول أشهب في "الكتاب" على تأويل بعضهم، وهو قول مالك في غير "المدونة" على ما حكاه [عنه] 2 أبو الفرج القاضي عنه في "الحاوي".
ويؤخذ من قول ابن القاسم في هذه المسألة أنه يفتقر إلى تبييت النية في
كل ليلة على ما قدمناه في سالف الكتاب.
وأما الوجه الثاني:
إذا نوى الإفطار بعد ما أصبح، فلم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس، هل يقضي ويُكَفِّر أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يقضي ويكَفِّر وجوبًا، وهو قول ابن القاسم في الوجه الأول، وهو نص قول مالك في غير "المدونة"، واستحبه ابن القاسم في "المدونة" 1.
والثاني: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة إلا استحبابًا بالقضاء، وهو ظاهر الكتاب في إسقاط الكفارة.
وهو قول سحنون في غير "المدونة" 2، ولابن حبيب مثله؛ أن لَّا شيء عليه.
والثالث: أنه يقضي ولا يكفر، وهو قول أشهب في "الكتاب".
وأما الوجه الثالث:
إذا نوى الإفطار قبل طلوع الفجر، ثم نوى الإمساك قبل طلوع الشمس، فعلى قولين:
أحدهما: أن عليه القضاء والكفارة، وهو قول ابن القاسم 3 [في الكتاب] 4.
والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.
وهو متأول على قول أشهب في "الكتاب" وهو في [هذا] 1 الوجه لم يكن [منه] 2 إلا ترك النية عند طلوع الفجر، وأنه رجع إلى الإمساك بالقرب، والوجه الأول ترك التبييت واستدامة العزم على الفطر إلى آخر النهار، فهل لذلك تأثير أم لا؟
وسبب الخلاف: الصوم هل يرتفض بالنية أم لا؟
وسبب آخر: هل يفتقر الصائم إلى التبييت كل ليلة أم لا؟.
المسألة السابعة عشر [من] (1) صام رمضان عن رمضان آخر
وإذا أفطر رمضان لعذر، فلم يصمه حتى دخل عليه رمضان آخر، فصام هذا الداخل ينوي به قضاء الماضي، فهل يجزئه عن أحدهما أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" 2:
أحدها: أنه لا يجزئه عن واحد منهما.
وهو قول أشهب، وسحنون، وابن حبيب، وابن القاسم في غير "المدونة"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في كتاب "الظهار" 3: إذا صام شعبان ورمضان عن ظهاره، فقال: إنه لا يجزئه عن واحد منهما؛ لا عن الظهار، ولا عن رمضان، وهذا القول أظهر في النظر على أصل المذهب؛ وذلك أن هذا الشهر الذي هو فيه لم ينوه، ونوى الأول في زمان مستحق عينه، ولا يصح فيه صوم غيره.
والثاني: أنه يجزئه عن الذي هو فيه، وعليه قضاء الأول.
وهو تأويل ابن أبي زيد، [وابن شبلون] 4 على قول ابن القاسم في "المدونة" لاحتجاجه بقول بعض أهل العلم في ناذر الحج، وهو ضروري إذا خلطهما أنه يجزئه لفرضه، وعليه قضاء النذر، وبه استدل ابن القاسم في "الكتاب"؛ حيث قال: فإنه يجزئه، وعليه قضاء1
الآخر؛ لأن بعض أهل العلم يرى أن ذلك يجزئه عن فرضه، ففهم من استدلاله أنه يجزئه عن الذي فيه؛ لأنه مستحق الزمان، ولاسيما على مذهب العراقيين من أصحاب مالك الذين يرون أن الحج على الفَّوْر، وهو الأَشْهَر الذي عليه الحُذَّاق، وعليه يناظرون بالعراق.
ويحتمل أن يكون مراد ابن القاسم في الاستدلال بقول بعض أهل العلم أنه يجزئه لفرضه أن هذا الزمان مستحق العين للصوم، فكان صومه له أولى من غيره؛ كما تعين النذر في الحج بالدخول فيه، والفرض على التراخي، والتأويل الأول أظهر، وبهذا القول قال المغيرة، وأشهب، وعبد الملك.
والثالث: أنه يجزئه عن الأول، وعليه قضاء الثاني الذي هو فيه.
وهذا القول متأول على "المدونة"، وممن تأوله على هذا الوجه فضل ابن سلمة، والقاضي عليّ بن جعفر [التلباني] 1، وهو مذهب سحنون في تأويل المسألة أيضًا، وهو نص ابن القاسم في "العتبية"، وقاله أشهب أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل ما [وقع] 2 في "المدونة": من قوله: "يجزئه، وعليه قضاء الآخر"؛ بالفتح أو بالكسر.
فمن أخذ برواية الكسر، قال: يجزئه عن الأول الماضي، وعليه قضاء الذي هو فيه؛ لأنه هو الثاني لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ 3.
وربما لاحظ أن نيته إنما كانت للأول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات" 1.
وبهذا قال إذا خلطهما في نية واحدة أنه لا يجزئه عن واحد منهما لتشتيت النية.
ومن أخذ برواية الفتح، قال: يجزئه عن الثاني، ويقضي الأول، ويكون معنى قوله: "ويقضي الآخر" يعني: [الماضي] 2.
والظاهر في الاحتمال أنه إشارة إلى الماضي؛ بناء منه على أن الثاني مستحق للزمان، ويكون هو أولى به من غيره، ولا يضره إصراف النية إلى غيره؛ لكونه لا يفتقر إلى النية على أحد أقاويل المذهب.
والقول بأنه لا يجزئه عن واحد منهما: أشهر في النظر.
وعلى القول بأنه لا يجزئه عن واحد منهما، هل يجب عليه كفارتان أو أنه يجزئه عن الأول دون الثاني، وهل تجب عليه كفارة الإفطار.
أو أنه يجزئه عن الثاني [وهل تجب عليه كفارة] 3 التفريط أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا كفارة عليه أصلًا؛ لا صغرى ولا كبرى، وهو قول [أشهب] 4.
والثاني: أنه تجب عليه [كفارتان] 5؛ علي القول بأنه لا يجزيه عن
واحد منهما.
أو واحدة على أحد القولين؛ إما الصغرى، وإما الكبرى على حسب اختلاف الترجيح.
وهذا القول نقل عن ابن المواز، وقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد رحمه الله: هذا شيء بلغني عن ابن المواز، ولم يقع له عندنا في كتاب الصيام.
والثالث: أنه يكفر إن لم يعذر بجهل ولا تأويل، وهو قول ابن أبي زيد.
وسبب الخلاف: [هل يعتبر] 1 وجود الصيام في زمان رمضان وعدم الانتهاك، ثم لا كفارة، أو يعتبر كونه شهر رمضان ولم يصمه: فتجب الكفارة كما لو كان صامه تطوعًا.
وكذلك كفارة التَّفْرِيط هل بمضي شعبان تجب الكفارة، أو إنما تجب إذا لم يحتمل بقضائه شيئًا منه أنه يجزئه، هل يعذر بذلك أم لا؟ [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الثامنة عشر كفارة الفطر في رمضان
في هذه المسألة ثلاثة أسئلة:
منها: معرفة الفطر الموجب للكفارة.
ومنها: الكفارة هل هي على الترتيب أو على التخيير؟
ومنها: الصنف الذي يبدا [على الأصناف] 1 [على] 2 السؤالين [جميعًا] 3.
فالجواب عن السؤال الأول:
في معرفة الفطر الموجب للكفارة: فالإجماع على وجوب الكفارة بالوطء عامدًا.
وفي النسيان -عندنا- قولان:
أحدهما: سقوط الكفارة، وهو المشهور الذي عليه الجمهور.
والثاني: وجوب الكفارة، وهو قول ابن حبيب 4، وهو مذهب أحمد بن حنبل 5.
ولا خلاف عندنا في وجوب القضاء عليه.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة أنه لا قضاء عليه 1.
وسبب الخلاف: معارضة القياس للأثر.
أما الأثر: فما أخرجه البخاري [ومسلم] 2 من طريق أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسى وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" 3.
ويشهد لقوة هذا الأثر عموم قوله عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 4.
وأما القياس المعارض لهذا الأثر، وهو قياس الصوم على الصلاة، وهو قياس الشبه، ومن شبه [ناسي] 5 الصوم بناسي الصلاة: أوجب القضاء لوجوبه بالنص على ناسي الصلاة.
وأما الفطر بأكل أو شرب: فإن كان ناسيًا، فعليه القضاء -عندنا- اتفاقًا.
وإن كان عامدًا: فلا يخلو [من] 6 أن يكون فطره بتأويل، أو بغير تأويل.
فإن كان فطره بتأويل: فلا كفارة عليه إلا أن يكون تأويله تأويلًا بعيدًا؛ كالذي اغتاب، أو احتجم فظن أن صومه لا يجزئه فأفطر.
فإن كان فطره بغير تأويل قاصدًا للانتهاك: فلا خلاف في المذهب في
وجوب الكفارة، وبه قال أبو حنيفة، وخالفهما الشافعي فقال: لا كفارة عليه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تنقيح المناط؛ وذلك أن أعرابيًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو ينتف شعره، ويلطم خده، ويقول: هلك الأبعد .. الحديث 1.
فأوجب [عليه] 2 النبي - صلى الله عليه وسلم - الكفارة، فاختلفوا في الوصف الذي أناط به الشارع الكفارة، وجعله عِلَّة؛ لأن [العلة] 3 اشتملت على أوصاف عدة، فالشافعي رضي الله عنه يرى عِلَّة الحكم كونه وطئ عمدًا، ومالك وأبو حنيفة يَرَيَانِ بأن عِلَّة الحكم كونه انتهك حرمة رمضان، فأوقع فيه الوقاع، فجعل الانتهاك هو العِلَّة؛ وهي عِلَّة مُتَعَدِّية إلى كل منتهك يأكل أو يشرب.
وهذه أحكام العِلَل المستنبطة أن تختلف باختلاف نظر المجتهدين، بخلاف العلل المنصوص عليها؛ فالشافعي يرى أنه عِلَّة قاصرة 4، ومالك يرى أنها عِلَّة متعدية 5.
وقد اختلف الأصوليون في العلة القاصرة، هل يصح التعليل بها أم لا 6؟ على ما هو مبسوط في فن الأصول.
والجواب عن السؤال الثاني:
الكفارة هل هي على الترتيب، أو على التخيير؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها على التخيير دون الترتيب، وهو المشهور.
والثاني: أنها على الترتيب، وهو قول ابن حبيب -من أصحابنا-.
وسبب الخلاف: تعارض الآثار وتجاذب الاعتبار؛ [أما الآثار] فمنها حديث الأعرابي 1؛ إذ سأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل تستطيع أن تعتق رقبة"؟
فقال: لا، فقال: "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " فقال: لا.
فقال: "وهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " فقال: لا، إلى آخر الحديث.
ويعارضه ما خرجه مالك: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، وهذا على التخيير؛ إذ موضوعية "أو" في كلام العرب للتخيير في غالب الاستعمال.
وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب أدْيَم وَأَقْعَد بمفهوم الأحوال، وحالات الألفاظ.
وأما الأقيسة المتعارضة في ذلك: فتشبيهها بكفارة الظهار [تارة] 2 وتارة بكفارة الأيمان، وهي إلى كفارة الظهار أشبه منها بكفارة الأيمان، وعلى المذهب المشهور أنها على التخيير.
والجواب عن السؤال الثالث: في الصنف الذي يبدأ به: فقد اختلف فيه = ويقاس عليها العلة المستنبطة كالسفر المبيح للفطر.
المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بالطعام.
قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك في الكفارة غير الإطعام، ولا يأخذ بالعتق، ولا بالصيام، وقال في كتاب الظهار: وما للعتق وما له، فتغالى بعض المتأخرين في تأويل هذه المسألة على ظاهر لفظه حتى قال: إن مالكًا لا يرى غير الطعام.
وهذا لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق الإجماع؛ إذ لم يقل بذلك أحد.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: لم يختلف العلماء أن الثلاثة الأشياء كفارة في الصيام، وإنما اختلفوا هل هي على الترتيب، أو على التخيير.
وظاهر هذا القول ألَّا فرق بين أن يكن فطره بجماع أو غيره.
والثاني: التفصيل بين الإفطار بأكل، أو جماع؛ فإن كان بأكل: فالبداية بالإطعام، أو على طريق الاستحباب.
وإن كان بالجماع: فالبداية بالعتق، وهو ظاهر قول ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن مزين.
والثالث: إن كان فطره بأكل أو شرب: فليكفر بالإطعام خاصة، وإن كان بجماع: فبالعتق أو الصيام، وهو قول أبي مصعب.
والرابع: أنه يبدأ بأي الأصناف الثلاثة شاء؛ جملة بلا تفصيل من أي شيء كان الإفطار، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: معارضة القياس لخبر الواحد؛ وذلك أن الأثر ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[بتقديم العتق وتأخير الإطعام بواو التخيير، فكان
الأصل يقتضي متابعة ما تابعه النبي - صلى الله عليه وسلم -] 1 وإن كان ذلك تخييرًا, ولكن تبدئة النبي عليه السلام بالعتق [وختمه] 2 بالطعام لا يخلو من فائدة، غير أن التخيير يشعر بالإباحة أن يبدأ بأيها شاء.
وأما القياس المعارض لهذا الخبر، وذلك أن الإطعام قد وقع بدلًا من الصيام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره استئناسًا؛ بل القرآن يذكر الإطعام للمفطر في رمضان، ولاسيما على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ 3، ولهذا استحب لمن مات وعليه صوم وأوصى أن يكفر عنه بالإطعام إذا وصى، فرأى مالك تقديم القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لم تشهد له الأصول، وغيره اعتبر محض الإباحة في التخيير [فرأى التبدئة بأي الأصناف شاء، والآخر اعتبر تبدئة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعتق وإن كان في معرض التخيير] 4 فقال: يبدأ به؛ إذ لا يصح أن يبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - به إلا لمعنى.
وبعضهم يفرق بين الإفطار بالجماع أو بالأكل [فإن كان بالأكل بدأ بالإطعام] 5 [وإن كان بالجماع] 6 بدأ بالعتق وكفارته بالعتق استئناسًا بقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه بالعتق حكم على الأعرابي ابتداء.
والإفطار بأكل أو شرب لم يرد فيه حكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب حملها على كفارة الأيمان [الثابتة] 7 بنص التنزيل، والحمد لله [كما هو أهله وصلى الله على محمَّد نبيه] 8.
كتاب الاعتكاف