كتاب النكاح الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
القائلون] 1 بنفي التحديد أيضًا بما خرجه أبو عيسى الترمذي: [أن] امرأة تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ملكتيه نفسك ومالك بنعلين؟ " فقالت: نعم 2 فجوَّز نكاحها وقال فيه: هذا [حديث] 3 حسن صحيح، وهذا نص في محل النزاع.
فأما القائلون بالتحديد للصداق بربع دينار: فإنهم التمسوا أصلًا يقيسون عليه، فلم يجدوا شيئًا أشبه به من نصاب القطع وحددوا، وقالوا: عضو يستباح بمال فوجب أن يكون مقدرًا بربع دينار [فإنهم يلتمسون أصلًا يقيسون عليه فلم يجدوا شيئًا أشبه به من] 4، أصل القطع في السرقة.
واعترض بعض أئمتنا على هذا القياس، كالفقيه ابن النجار وغيره، وقالوا: هذا قياس ضعيف من قبل أن القطع غير الوطء، وإن جمعتهما لفظة الإباحة، فإن القطع استباحة على وجه العقوبة والمثلة، والنكاح استباحة على وجه اللذة والمودة.
ومن شأن قياس الشبه، على ضعفه أن يكون الذي تشابه به الفرع والأصل شيئًا واحدًا، لا باللفظ بل بالمعنى، وأن يكون الحكم إنما وجب في الفرع من جهة الشبه، وهذا كله معدوم في هذا القياس.
ومع هذا فإنه من الشبه الذي لم ينبه عليه اللفظ، وهذا النوع من القياس مردود عند المحققين من الأصوليين.
وعلى القول بأن أقله مقدر بربع دينار، فإن وقع النكاح [بينهما] 1 [مقدرًا] 2 بأقل من ربع دينار تزوجها بدرهمين ثم عثر على ذلك قبل البناء أو بعده، هل يفسخ النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح مفسوخ قبل البناء وبعده، ولها بعد البناء صداق المثل، وهو قول غير ابن القاسم في بعض روايات "المدونة"، وعليه اختصر ابن أبي زمنين وغيره.
والثاني: التفصيل بين أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده.
فإن عثر على ذلك بعد البناء أجبر على أن يكمل لها ربع دينار، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن عثر على ذلك [قبل] البناء خير الزوج بين أن يكمل لها ثلاثة دراهم، وإلا فرق بينهما.
وقيل: يكمل لها صداق المثل، وهو قول عبد الملك.
فإن اختار الفراق، هل يكون لها نصف الدرهمين أو لا شيء لها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لها نصف الدرهمين، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: لا شيء لها، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: في الفصل الأول ما كان فساده في صداقه، هل يصححه البناء أم لا؟
وفي الثاني ما كان فساده أيضًا في صداقه، فإذا فسخ قبل البناء، وكان من مال الزوج أن يجيزه، هل يشطر فيه الصداق أم لا؟ والقولان قائمان من "المدونة".
فوجه القول الأول: بأنه إذا عثر على ذلك بعد البناء، ثبت النكاح، وكان لها ربع دينار، وذلك أنها كما رضيت بدرهمين، فقد وهبت مما هو حق لها وحق لله تعالى، [فردت هبتها فيما هو حق لله تعالى] 1 ومضت هبتها فيما هو حق لها.
والموضع الرابع: في جنسه وكل ما يجوز أن يتمول ويقع الاعتياض عنه في البيع والشراء من سائر الأعيان الممتلكات فإنه يجوز النكاح عليه، وهل من شرطه جريان الملك عليه واستدامته أو ليس من شرطه؟ مثل أن يتزوجها بمن يعتق بالملك إذا ملكته، على ما سنعقد عليه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
واختلف في النكاح بما يتمول وليس بعين قائمة، كالنكاح على استيفاء المنافع منه أو من غيره، مثل أن يتزوجها على أن يبني لها دارًا أو يحفر لها بئرًا أو يرعى لها غنمًا مدة معلومة أو على أن تستخدم عبده أو دابته مدة معلومة، فهل يجوز هذا النكاح أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح جائز، فإن كان مع الإجارة ربع دينار أو ما يساويه: جاز له الدخول، وإن لم يقدم لها شيئًا كره له الدخول، وهو قول أصبغ في "العتبية".
والثاني: أن النكاح لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" فيمن
وقع له صبي في جُبِّ فقال لرجل: إن أخرجته فقد زوجتك ابنتي، أو أنا أزوجكها فأخرجه فقال: لا يجوز، ولا يكون النكاح جُعلا، وأرى له أجر مثله في إخراجه إياه، حيا أو ميتا.
والثالث: الكراهة، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، وكذلك النكاح على الحج، أعني على أن يحججها، فالكلام فيه كالكلام في الإجارة سواء، كرهه مالك في الجميع، وقال: لأنه ليس من عمل الناس، فكرهه في الجميع، ولم يقل في شيء منه أنه يفسخ.
وابن القاسم اضطرب قوله في جميع ذلك؛ لأنه إذا طلق قبل البناء أتبعته بنصف الحج، ذكر عنه أصبغ معناه: نصف قيمة ذلك.
وسبب الخلاف: شرائع من قبلنا، هل هي لازمة لنا أم لا؟
فمن رأى أن شرائع من قبلنا لازمة لنا، قال بجواز النكاح اقتضاء بقصة موسى مع شعيب صلوات الله عليهما وعلى نبينا وعلى جميع النبيين والمرسلين.
ومن رأى أنها غير لازمة لنا، قال: لا يجوز النكاح، والقول بالكراهة تردد ومراعاة للخلاف [والحمد لله وحده] 1.
المسألة السابعة في هبة المرأة صداقها لزوجها أو لأجنبي
وهبة المرأة ذات الزوج صداقها لا يخلو من وجهين:
أحدهما: أنها تهب لزوجها.
والثاني: أنها تهب لأجنبى.
فإن وهبت لزوجها، فلا يخلو من أن [تكون] سفيهة أو رشيدة:
فإن كانت سفيهة: فالهبة مردودة.
وإن كانت رشيدة: فالهبة جائزة باتفاق المذهب، وإن كان جميع مالها؛ لأن هبة المرأة مالها لزوجها جائزة، وإن أتت على جميع مالها.
وإن وهبت ذلك لأجنبي، فلا يخلو ما وهبت من أن يكون مثل الثلث فأدنى أو [يكون] 1 أكثر من الثلث.
فإن كان مثل الثلث فأدنى: جاز اتفاقا [ووفاقا] 2 في المذهب.
وإن كان أكثر من الثلث: فذلك موقوف على إجازة الزوج أو رده.
واختلف هل له الخيار في رد الجميع أو في رد ما زاد على الثلث خاصة؟ على قولين منصوصين في "المدونة" في كتاب "الكفالات":
أحدهما: أنه يرد الجميع، إلا أن يكون الزائد على الثلث أمر يسير، كالدينار ونحوه فيجوز الجميع، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يرد الزائد على الثلث خاصة، وهو قول المخزومي.
فإذا قلنا بجوازها إذا كان مثل الثلث فأقل، فلا يخلو الموهوب له من وجهين:
أحدهما: أن يكون قبض الهبة قبل الطلاق.
والثاني: أن يطلقها الزوج قبل أن يقبضها.
فإن قبضها قبل الطلاق ثم طلقها الزوج بعد ذلك قبل البناء بها، فلا يخلو من أن تكون الزوجة في حين [الطلاق] 1 موسرة أو معسرة.
فإن كانت موسرة: فإن الزوج يرجع بنصف الصداق عليها، وهل لها هي الرجوع على الموهوب له بقدر ما استرد منها الزوج أو لا رجوع لها عليه [فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا رجوع لها على الموهوب له بشيء مما أخذ منها الزوج وهو المشهور.
والثاني: أن لها الرجوع عليه] 2، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والقولان قائمان من "المدونة".
وهذا الخلاف يتخرَّج على الخلاف في [أصل] 3 الصداق، هل تملك المرأة جميعه بالعقد أو أنها [لا] 4 تملك [إلا] 5 نصفه
بالعقد ونصفه الآخر بالموت أو الدخول أو ما يقوم مقامه من طول المكث؟
فمن رأى أنها تملك جميعه بالعقد، قال: لا ترجع على الموهوب له بشيء؛ لأنها وهبت ما تملك، وتملك التصرف فيه كيف شاءت، وكون الزوج ملك الرجوع عليها بنصف الصداق، وإنما هو أمر طرأ بعد الهبة وقبضها.
ومن رأى أنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة قال: لها الرجوع على الموهوب له بقدر ما أخذه الزوج منها، بمنزلة من وهبت شيئًا ثم جاء من يستحقه فإن للمستحق اتباع الواهب، وللواهب اتباع الموهوب له، على تفصيل وتحصيل في ذلك يأتي في "كتاب الغصب والاستحقاق" إن شاء الله تعالى.
فإن كانت الزوجة معسرة بنصف الصداق، فلا تخلو الهبة من أن تكون قائمة بيد الموهوب له أو تكون فائتة.
فإن كانت الهبة قائمة، فهل للزوج أخذها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن للزوج الرجوع على الموهوب له، وأخذ عين شيئه من يده؛ لأن ذلك من باب الاستحقاق، وهذا يتخرج على القول بأنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة.
والثاني: أن الزوج لا رجوع له على الموهوب له، وإنما تتبع الزوجة في اليسر والعسر [وهو قول ابن القاسم في الكتاب] 1.
وهذا بناء منه على أنها تملك بالعقد جميع الصداق، وكون الزوج يملك الرجوع عليها بنصف الصداق، وليس ذلك بمعنى الاستحقاق، وإنما هو شيء أوجبته الأحكام [وهذا كله إذا جهل الزوج حال الزوجة ولم يعلم بالهبة، وأما إذا علم بحالها وعلم بالهبة فلا رجوع له على الموهوب له قولًا واحدًا؛ لأنها إن كانت موسرة وعلم الزوج بالهبة فالزوج مجبور على دفع الصداق إن كانت معسرة فقد جوز لها فعلها ورضي بإسقاط حقه فباتت الهبة بيد الموهوب له، فإن الزوج لا يرجع على الموهوب له بشيء جملة بلا تفصيل لأن [السقيط] جاء من قبله ولا يدخل فيه من الخلاف والتفصيل ما دخل مسألة الاستحقاق إذا وهبت شيئًا ثم استحقه رجل بعد فواته بيد الموهوب له فافهم ذلك] 1.
فإن طلقها الزوج قبل أن يقبض الموهوب له هبته، وكان الطلاق قبل البناء، فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موسرة يوم الطلاق.
والثانى: أن تكون موسرة يوم الهبة.
والثالث: أن تكون معسرة في الزمانين.
فإن كانت موسرة يوم الطلاق فالهبة ثابتة للموهوب له، وله مطالبة الزوج بها إن كانت الزوجة لم تقبض صداقها منه بعد، وسواء كان الصداق عينا أو عرضًا، ويرجع الزوج عليها بنصف ما أخذ منه من غير اعتبار بيوم الهبة، كانت فيه موسرة أو معسرة.
وهذا بناء منه على أنها ملكت جميع الصداق بالعقد.
وأما على القول بأنها [لا تملك] بالعقد إلا النصف خاصة فلا يكون للموهوب له إلا النصف الذي يصح لها خاصة؛ لأنه بمنزلة من وهب له شيء، فلم يقبضه حتى استحق أو تلف بسبب سماوي، فإنه لا شيء [له] 1.
فإن كانت يوم الهبة موسرة ويوم الطلاق معسرة، فهل تصح جميع الهبة للموهوب له أو للزوج في ذلك مقال؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن للموهوب له قبض جميع الهبة، إما من الزوج إن لم تقبض الزوجة من غيره شيئًا، وإما من الزوجة إن كانت قد قبضت، ولا مقال للزوج في ذلك، وهو قول الغير في "المدونة".
والثاني: أن للزوج أن يتمسك [به بنصف الصداق، ويدفع النصف الآخر للموهوب له، وإن كانت قد قبضت جميع الصداق من الزوج، فإنها تدفع نصف الصداق للزوج] 2 ونصفه الآخر للموهوب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب [النكاح] الثاني" من "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصداق، هل بالعقد تملك المرأة جميعه أو إنما تملك نصفه بالعقد؟
فمن رأى أنها تملك جميعه بالعقد قال: لا مقال للزوج؛ لأن نصف الصداق إنما ثبت له بعد الطلاق، وهو دين عليها من يومئذ، وقد كانت
هبتها ولا دين عليها، والدين الطارئ بعد الهبة لا يؤثر في سقوطها، ومن وهب دينا فلم يقبضه الموهوب [له] 1 حتى طرأ على الواهب دين لم ترد هبته.
ومن رأى أنها لا تملك بالعقد إلا النصف خاصة قال: للزوج مقال؛ لأنها وهبت ما لا تملك، ومن وهب ما لا يملك وقد تقدم له فيها إباحة التصرف، ولم يكن عنده من المال ما يفي بذلك إن طرأ من يستحق ذلك الشيء فإن هبته مردودة بلا كلام.
والجاري على أصول المذهب [أن] 2 للزوج مقال في عين شيئه وإن كانت موسرة؛ لأن الأغراض تتعلق بأعيان العروض، وما قاله في هذه المسألة مخالف لذلك اللهم إلا أن يقال: إن ذلك منه جنوح إلى القول بأن العروض مرادة لأغراضها لا لأعيانها كالعين.
ولهذا الخلاف مطلع آخر وهو حوز الغير ما وهب له من غير رضا الحائز، هل يكون حوزًا ينتفع به الموهوب [له] 3 أم لا؟
وهذا مما اضطرب فيه قول ابن القاسم في "المدونة".
فمرة يقول: لا يكون ذلك حوزًا إلا برضا الحائز، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني [في هذه المسألة] 4 " وهو ظاهر قوله في "كتاب الرهون [أيضًا] 5 "، فيمن رهن فضلة الرهن، حيث اشترط هناك أن يكون
[ذلك] 1 برضا المرتهن الأول.
ومرة رأى أن ذلك حوز ينتفع به الموهوب له، وإن لم يرض بذلك الحائز ولا علم، وهو ظاهر قوله أيضًا في موضع آخر منه، وهو ظاهر قوله في ["كتاب الهبات"، على ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى، وهو ظاهر قول الغير في] 2 "كتاب النكاح"، وذلك أن الغير اعتبر حالتها يوم الهبة.
فإذا كانت موسرة فالهبة جائزة، لأنها هبة [محوذة] 3 في ذمة الزوج تجوز، وإن لم يعلم [بذلك] 4 ولا رضي.
وما يطرأ بعد ذلك من الدين فقد طرأ على هبة محوزة، كمن وهب دينًا في ذمة غيره، فلا يتصور فيه قبض ولا حوز إلا قبض الوثيقة إن كان الدين بكتاب أو القبول إن كان الدَّين بغير كتاب.
وابن القاسم في أحد قوليه اعتبر حالتهما يوم الطلاق.
فإن كانت معسرة: فالهبة غير جائزة؛ لأنها هبة غير مقبوضة ولا محوزة حتى طرأ من الدين ما يفترقها، وذلك مما يبطل الهبة ويوهن العطية.
[وأما الوجه الثالث: إذا كانت المرأة معسرة في الزمانين فلا يخلو من أن تكون قبضت صداقها من الزوج قبل الطلاق أو لم تقبضه.
فإن قبضته واستهلكته فلا شيء للموهوب له قولًا واحدًا.
فإن لم تقبض حتى طلقها فلها النصف الذي تقبضه الزوجة من الزوج بعد الطلاق؛ لأنه قبضٌ ما وجب له، والحمد لله وحده] 5.
المسألة الثامنة في الزوجة بماذا تستوجب الصداق؟
ولا خلاف بين الأمة أن المرأة تستوجب جميع الصداق بالدخول والاستمتاع أو بالموت:
فأما وجوبه بالدخول فقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتم بِهِ مِنْهُن فآتوهنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 1، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ 2، إلى قوله سبحانه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ 3.
وأما وجوبه بالموت: فليس فيه دليل مسموع من كتاب ولا سنة إلا انعقاد الإجماع.
واختلف المذهب عندنا في طول المكث، هل يقوم مقام الدخول؟ على قولين، وقد قدمنا الكلام في الاعتراض عليه فيما سلف من هذا "الكتاب".
واختلف [المذهب] 4 عندنا [أيضًا] 5 هل تملك بالعقد شيئًا من الصداق أم لا؟، على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنها بالعقد تستوجب جميع الصداق، وهو قول مالك في "كتاب الرهون"، حيث قال فيمن رهن لامرأته رهنا [قبل بنائه بها، فقال
مالك: ذلك جائز؛ لأنها تملك بالعقد جميع الصداق، وهو قول [الغير] 1 في "كتاب النكاح الثاني" في باب هبة المرأة] 2 صداقها لزوجها أو لأجنبي وفي [باب] 3 غلات [الصداق] 4.
والثاني: أنها لا تملك بالعقد شيئًا من الصداق، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" فيما يفسخ قبل البناء ويثبت بعده وكان فساده في عقده أو لشروط اقترنت به إذا طلق قبل الفسخ أن الصداق لا يشطر بينهما على مشهور المذهب.
والقول الثالث: أنها تملك بالعقد نصف الصداق، و [يستقر] 5 لها النصف الآخر بالموت أو الدخول، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وفي "كتاب الزكاة الثاني" من "المدونة" إذا تزوجها على غنم بأعيانها، فحال الحول عليها، وهي في يدها أو في يد الزوج، ثم طلقها فجاء [المصدق] فقال: إن كان في [حظ] 6 كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، فإنهما يزكيان زكاة الخليطين؛ لأنه لم يزل في ذلك شريكا في النماء والنقصان.
فإذا وقع الطلاق فإن الصداق يشطر بينهما، لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتمُوهنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 7، وهو
ينقسم -أعنى الطلاق- قبل البناء إلى ما كان باختيار من أحد الزوجين، وإلى ما كان بغير اختيار منهما.
فأما ما كان بغير اختيارهما وإيثارهما، مما يوجب الفسخ قبل البناء، إذا طلق فيه قبل أن يحكم الحكم بفسخه، وكان موجب فسخه غير صداقه، هل يشطر فيه الصداق أم لا؟ على قولين.
وأما إذا كان باختيار من أحدهما، فلا يخلو [من أن يكون] 1 ذلك باختيار منهما أو باختيار منه.
فإن كان ذلك باختيار منها كقيامها بعيب يوجد فيه أو كانت أمة تحت عبد فعتقت، ثم اختارت نفسها أو ما كان في معناه مما لا سبب فيه للزوج، واختارت الزوجة الفراق، فلا شيء لها من الصداق، لا نصف ولا غيره؛ لأن الطلاق جاء من جهتها.
وأما ما جاء باختيار من الزوج، ولا سبب فيه للزوجة، فلا خلاف في المذهب أن لها نصف الصداق.
فإن اشتركا في السبب، مثل: أن يكون الطلاق لعدم الصداق أو لعجزٍ عن النفقة، فالمرأة تسببت في الطلاق بطلبها ما يؤدي إليه، والزوج تسبب فيه أيضًا لإظهاره العجز عما طلبته المرأة مع الإمكان أن يكون قد أخفى ماله، وأظهر الفقر، إلا أن سبب الزوجة في ذلك أظهر من سبب الزوج، فقد اختلف المذهب في ذلك على قولين:
أحدهما: أن لها نصف الصداق، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنها لا شيء لها من الصداق [كما للرجل] 1، وهو قول ابن نافع، ولا فرق عنده بين قيامها بحدوث فقر أو حدوث عيب، وهذا هو الأظهر.
فإن كان الفراق بغير تسبب واحد من الزوجين، وكان ذلك من غيرهما، كمن تزوج كبيرة ومرضعتين، فأرضعتهما الكبيرة قبل البناء، فنكاح الكبيرة منفسخ على كل حال؛ لأنها من أمهات نسائه، ولا شيء لها من الصداق؛ لأن الفسخ جاء من قبلها, وله أن يختار إحدى المرضعتين.
واختلف في التي يفارقهما منهما، هل لها شيء من الصداق، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا شيء لها من الصداق، لا نصف ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن لها ربع صداقها؛ لأنه لو فارقها قبل أن يختار كان النصف بينهما.
والثالث: أن لها نصف صداقها، كما لو طلقها طوعًا؛ لأنه طلاق لا سبب لها فيه، وهو قول ابن حبيب في "واضحته".
وسبب الخلاف: المخير بين شيئين هل يعد مختارًا [لما ترك] 2 أم لا؟ وذلك أن الزوج قادر على أن يطلق التي أمسك، ويمسك التي طلق.
ومن رأى أنه لا يعد مختارًا [لما ترك] 3 قال: لا شيء عليه؛ لأنه مغلوب على الفراق.
وعلى القول بأن الزوج يغرم لها نصف الصداق، وهل يرجع الزوج بذلك على الكبيرة، أو هل ترجع عليها الصغيرة بنصف صداقها على القول بأنها لا شيء لها على الزوج؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الزوج يرجع عليها بما غرم على المرضعة؛ لأنه بسببها غرم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب القطع في السرقة": في الشاهدين إذا شهدا على رجلٍ أنه طلق زوجته قبل البناء، ثم رجعا عن شهادتهما بعد الحكم بها فقال ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق، فظاهره أنهما يغرمانه للزوج على الخلاف في ذلك.
والثاني: أن الزوج لا يرجع على الكبيرة بشيء مما غرم [وهو قول أشهب] 1 في مسألة السرقة.
وسبب الخلاف: الغرور بالفعل، هل يلزم أو لا يلزم؟
فمن رأى أن الغرور بالفعل يلزم، قال: يرجع عليها؛ لأنها تسببت بفعلها إلى أن غرم الزوج نصف الصداق.
ومن رأى أن الغرور بالفعل لا يلزم قال: لا يرجع عليها بشيء.
وهكذا الخلاف في الصغيرة، وهل يرجع على الكبيرة [على القول] 2 بأنها لا شيء لها على الزوج أم لا؟ على قولين.
وسبب الخلاف: ما قدمناه [آنفا] 3.
ومن رأى أنها ترجع عليها بنصف صداقها، قال: لأنها فوتت عليها دينًا وجب لها على زوجها بفعلها.
ومن رأى أنها لا ترجع عليها بشيء، قال: لأنها لم تفوت عليها بفعلها شيئًا، لكون سلعتها معها؛ ولهذا أخذ العوض التام عنها مهما أحبت، على الوجه الذي يكون الصداق بينهما نصفين.
وإذا وقع الطلاق بينهما قبل [البناء] 1 باختيار من الزوج، فلا يخلو الصداق من أن يكون قائمًا بيدها أو فائتًا.
فإن كان قائمًا أخذ الزوج نصفه، واختلف هل يرجع الزوج بالغلة إن كان الصداق مما له علة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها ترد نصف [الغلة وتحاسب فيها بما أنفقت ما لم تكن النفقة أكثر من الغلة، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة".
والثاني: أنها لا ترد الغلة] 2؛ لأن الغلة بالضمان ولأن الصداق لو هلك كان الضمان منها، وكان للزوج أن يبني بها، وهو قول عبد الملك في "كتاب المذكور"، وهو قول الغير المذكور [فيه] 3، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة هل تملك جميع الصداق بالعقد أم لا تملك إلا نصفه خاصة؟
فإن كان الصداق فائتا فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون سببا للفوات من جهتها.
والثاني: أن يكون من قبل الله تعالى.
والثالث: أن يكون من [قبل] 1 آدمي أجنبي.
والرابع: أن يكون ذلك [بسببها] 2 من [قبل] 3 الصداق نفسه.
فأما الوجه الأول: إذا كان سبب الفوات من جهة الزوجة، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون تفويتا معنويا، مثل: أن تهب أو تعتق [أو يكون تفويتها تفويتا يرجع إلى أن تختص هي فيه من منافعها الخاصة أو في منافعهما جميعا وزوجها] 4 أو تبيع.
فإن كان تفويتها تفويتا معنويا، مثل أن تهب الصداق أو تتصدق به أو تعتق إن كان عبدًا أو أمة فلا تخلو الزوجة من أن تكون موسرة أو معسرة:
فإن كانت موسرة يوم الطلاق فلا إشكال في نفوذ ما فعلت وتغرم للزوج نصف القيمة.
واختلف في القيمة متى تعتبر؟ على قولين:
أحدهما: أن عليها القيمة يوم الهبة أو العتق، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن القيمة يوم القبض، وهو قول عبد الملك.
وإن كانت يوم الطلاق معسرة، فلا تخلو من أن تكون يوم الهبة موسرة
[أو معسرة.
فإن كانت معسرة فللزوج الرجوع في عين شيئه إن كان قائما واتباع ذمة زوجته إن كان فائتا، فإن كانت يوم الهبة موسرة] 1 ويوم العتق معسرة فقولان، وقد قدمناهما بشرحٍ كافٍ.
[والحمد لله وحده] 2.
فإن فوتته فواتا يرجع إلى منفعتها الخاصة بها، مثل أن تشتري بصداقها ما لا يصلح لجهازها، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تشتري ذلك من زوجها.
والثاني: أن تشتري من أجنبي.
فإن اشترت ذلك من زوجها مثل: أن تشتري [منه] 3 عبدًا أو دارًا، ثم طلقها قبل البناء بها، فهل يرجع عليها بنصف ما اشترت أو بنصف ما أصدقها؟ على قولين:
أحدهما: أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يرجع عليها بنصف ما أصدقها، كما لو اشترت ذلك من أجنبي، وهو الأظهر.
وما رأيت لقول ابن القاسم في "المدونة" وجهًا إلا شيئًا ذكره إسماعيل القاضي وذلك بأن قال: إنما جوز للزوج الرجوع عليها بنصف ما اشترت منه، لاحتمال أن يكون حابته في الشراء فإذا رجع عليها بنصف ما أصدقها: كان ذلك ظلما عليها، فوجب له الرجوع عليها بنصف ما اشترت
[منه؛ لأن الزوج على ذلك دخل فكأنه الذي أصدقها، فإن اشترت ذلك من أجنبي فلا خلاف في المذهب أنه يرجع عليها بنصف ما اشترت به] 1، الذي هو الصداق.
فإن فوتته فواتا ترجع منفعته إليهما جميعًا مثل أن تشتري به ما يصلح لجهازها مما جرت به العادة لأمثالها: فلا خلاف في المذهب عندنا أيضًا أنه يرجع عليها بنصف ما اشترته، لأن الزوج على ذلك دخل.
والوجه الثاني: إذا كان الفوات من قبل الله تعالى فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون فواتًا للكل.
والثاني: أن يكون نقصانًا.
والثالث: أن يكون زيادة.
والرابع: أن يكون زيادة ونقصانًا.
فإذا فات فوات الكل، ولها على ذلك بينة، فالضمان [منهما] 2 جميعًا، ولا يرجع عليها الزوج [بشيء] 3، سواء كان مما يغاب [عنه] 4 أو مما لا يغاب [عنه] 5.
فإن لم يقم لها على الفوات بينة فإن كان مما لا يغاب [عنه] 6
كالحيوان والعبيد فالقول قولها ما لم يتبين كذبها.
وإن كان مما يغاب عليه فلا يقبل قولها في الفوات.
وإن كان نقصانًا فذلك بينهما ولا ضمان عليها فيما نقص.
فإن كان زيادة أو زيادة ونقصانًا: فذلك بينهما أيضًا إنصافا على ما هو عليه من نماء أو نقصان.
والوجه الثالث: إذا كان التفويت من سبب أجنبي مثل أن يكون الصداق عبدًا فجنى عليه أجنبي جناية، [فإنهما يتبعان به بما] 1 نقصته الجناية، ويكون بينهما نصفين، فمن عفا منهما سقط حقه وأتبعه الآخر بقدر حقه.
والوجه الرابع: إذا كان سبب الفوات من قبل الصداق نفسه مثل أن يكون عبدًا فيجني عليه جناية فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن [يسلمه] 2 من هو في يديه منهما من الزوج أو الزوجة.
والثاني: [أن يفتديه بأرش تلك الجناية] 3.
فإن أسلمه من هو في يديه منهما [على القول أن المرأة تملك نصف الصداق بالعقد خاصة] 4 فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحابي في الدفع.
والثاني: أن يسلم من المحاباة [فإن سلم من المحاباة فلا شيء للآخر علي العبد ولا له على صاحبته شيء وهو نص مالك في الكتاب في المرأة] 1.
فإن [حابت] 2 في الدفع [من دفعه] 3 منهما، فلا يخلو العبد من أن يكون قائمًا بيد المجني عليه أو فائتًا:
فإن كان قائمًا كان الخيار للآخر منهما بين أن يدفع نصف الجناية [ويسترجع] 4 نصف العبد أو يرضى بفعل صاحبه [بالتسليم] 5.
فإن كان العبد قائمًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون فواته فواتًا حسيًا.
أو يكون فواته فواتا معنويًا.
فإن كان فواته فواتا حسيًا مثل أن يموت عند، فلا يخلو موته من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولًا.
فإن مات حتف أنفه، هل يرجع الآخر على الذي حابى في الدفع بقدر نصيبه [في] 6 المحاباة أم لا؟ على قولين في المذهب:
أحدهما: أنه يرجع عليه بحقه من المحاباة، وهو قول محمَّد بن الموَّاز.
والثاني: أنه لا يرجع عليها بشيء إن كان الدفع من الزوجة؛ لأنها تقول: لم يكن عليَّ أن أفتديه وكرهت أن أدفع ثمنًا من عندي [وكرهت بقاءه عندي] 1 خوفًا أن يعود لمثل ذلك، إلي هذا أشار أبو الحسن اللخمي - رضي الله عنه -.
فإن مات مقتولا فلا يخلو المجني عليه من أن يأخذ فيه أرشًا أم لا؟
فإن أخذ فيه أرشًا، فللذي لم يسلمه من الزوجين خيار بين أن يأخذ نصف المحاباة من صاحبه أو يدفع نصف الأرش للمجني عليه أو لا يشاركه فيما أخذ من قيمة العبد من الذي قتله، وإن لم يأخذ فيه، فالحكم فيه كالحكم أن لو مات حتف أنفه، وقد قدمناه.
فإن كان فواته فواتًا معنويًا، مثل أن يفوت بحوالة سوق فاعلا، فللذي لم يسلمه من أحد الزوجين الخيار أيضًا بين أن يرجع على صاحبه بنصف المحاباة أو يدفع للمجني عليه نصف الأرش، ويكون العبد بينهما نصفين [فإن فداه من هو في يديه منهما بأرش تلك الجناية فلا سبيل للآخر إلى أخذ نصفه حتى يدفع له نصف ما فداه] 2 والحمد لله وحده.
المسألة التاسعة إذا تزوجها على من يعتق عليها
ولا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
إما أن يتجهلا جميعًا، أو يعلما جميعًا، أو يجهل الزوج وتعلم المرأة، أو تجهل الزوجة ويعلم الزوج.
فإن جهلا جميعًا الزوج والزوجة، ثم علما بعد ذلك، وقد [طلقها 1 أو لم يطلق فإنه يعتق عليها بالعقد، ويكون التراجع بين الزوجين إن طلق فليرجع عليها بنصف قيمته أو يرجع في نصف العبد ويكون معها شريكا.
وإن [لم] 2 يطلَّق فلا ترجع عليه بقيمته؛ لأن العقد وقع على عوض مملوك تجوز المعاوضة به وعليه، واستمرار الملك بعد ثبوته أمرًا آخر.
فإن علما جميعًا الزوج والزوجة فإن العبد عتيق، ويكون ولاؤه لها، ولا رجوع لها على الزوج بشيء.
واختلف في الزوج إذا طلقها هل يرجع عليها بنصف قيمته أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن يتبعها بنصف قيمة العبد.
والثاني: أنه لا يرجع عليها بشيء.
والقولان لمالك -رحمه الله [ولا خلاف عندنا] 1 في المذهب، أنه لا سبيل له إلى رد العتق في العسر واليسر.
فإن جهل الزوج وعلمت المرأة فللزوج الرجوع عليها إن طلق في نصف العبد إن كانت معسرة أو بنصف قيمته إن كانت موسرة.
فإن جهلت الزوجة بأنه أبوها أو من يعتق عليها، ففي رجوع الزوج [عليها إن طلق] 2 قولان وقد قدمناهما.
واختلف في رجوعها على الزوج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن لها أن ترجع عليه بقيمة جميعه [إن أمسك] 3 أو بقيمة نصفه إن طلِقَّ؛ لأن ذلك غرور [في القول] 4 والفعل، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع، وهو نص قوله في "كتاب محمَّد" وفي "المبسوط".
والثاني: أنها لا ترجع [عليه] بشيء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الفرائض" من "المدونة" في العامل إذا اشترى من يعتق على رب المال أو على العامل، وظاهره لا فرق بين أن يعلم البائع أو لا يعلم، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب العتق الثاني" من "المدونة" [والحمد لله وحده] 5.
المسألة العاشرة في نكاح التفويض
ونكاح التفويض: هو أن يتزوج الرجل المرأة ولم يذكر الصداق لا إثباتا ولا إسقاطا.
ولا خلاف بين الأمة في جوازه لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 1 [معناه ولم تفرضوا لهن فريضة] 2 فأباح الله تعالى الطلاق قبل البناء وقبل التسمية، فكان ذلك دليلًا على نكاح التفويض؛ لأن الطلاق لا يلزم إلا في نكاح صحيح، فدل ذلك على جوازه.
فإذا ثبت ذلك فالزوج بين خيارات ثلاث:
إما أن يطلق ولا يفرض، وإما أن يفرض صداق المثل، وإما أن يفرض ما يطلبه إليه من له الرد والقبول.
فإن طلَّق ولم يفرض لها فليس لها من الصداق شيء وإنما لها المتاع، وهذا هو المشهور عند العلماء [ومنهم] 3 من ذهب إلى أنها إذا طلبت الفريضة لزم الزوج أن يفرض لها صداق المثل، ولا خيار له في ذلك.
فإن طلق الزوج قبل الفريضة لزم [على] 4 ما قال هذا القائل أن
يكون لها نصف الصداق، وذلك بعيدٍ جدًا، ومراغم لكتاب الله تعالى، لأن الله تعالى لم يثبت لها إذا طلقت قبل البناء إلا المتاع.
فإن فرض لها الزوج صداق المثل، فلا كلام لأحد في ذلك، لا لها ولا لأوليائها.
واختلف في المثلية المعتبرة، ما هي؟
فقال قائل: المثلية نساء عصبتها خاصة، وهو مذهب الشافعي.
وقائل يقول: يعتبر في ذلك نساء قرابتها من عصبتها وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقائل يقول: تعتبر المثلية بذوات الأرحام خاصة، وهو مذهب ابن أبي ليلى.
وقائل يقول: تعتبر في المثلية الحال والمال [والجمال] 1 والشطاط، من غير التفات إلى نساء قومها ولا إلى قرابتها، وهو مذهب مالك - رضي الله عنه -.
وسبب الخلاف: هل المماثلة في [المنصب] 2 فقط أو [في المنصب] 3 في المال [والجمال] 4؟ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها، فعليك بذات الدين تربت يداك" 5.
فإن فرض ما طلبه به من له الرد والقبول، فلا يخلو من أن يطلب إليه
صداق المثل أو [فرضه هو ابتداء قبل أن يسأله فرضيت به أو رضي به الولي أو] 1 طلب إليه أقل من صداق المثل.
فإن طلب إليه أقل من صداق المثل: ففعل، فلا كلام لواحد منهما في ذلك.
فإن طلب إليه أقل من صداق المثل أو فرضه هو ابتداء قبل أن يسأله فرضيت به أو رضي به الولي، فلا يخلو حالها من ثلاثة أوجه:
إما أن تكون ذات أب، أو ذات وصي، أو مهملة.
فإن كانت ذات أب فلا تخلو من أن تكون مالكة أمر نفسها أو غير مالكة.
فإن كانت مالكة أمر نفسها فالرضا بالصداق إليها دون الأب.
فإن فرض أقل من صداق [المثل] فرضيت به جاز ذلك، ولا كلام في ذلك لأبيها.
وإن كانت غير مالكة أمر نفسها فالرضا في ذلك إلى الأب.
فإن فرض لها الزوج أقل من صداق مثلها، وكان ذلك قبل البناء أو بعده فرضي بذلك الأب، فهل يجوز ذلك على الابنة أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز عليهما، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني".
والثاني: أن ذلك [غير] جائز، وهو قوله في "كتاب النكاح الأول"
[من المدونة] 1.
وقد أتقنا هذه المسألة في "كتاب النكاح الأول" إتقانًا لا مزيد عليه.
فإن كانت ذات وصي فلا تخلو من أن تكون رشيدة أو سفيهة.
فإن كانت رشيدة: فالرضا إليها دون وصيها.
فإن فرض لها أقل من صداق مثلها فرضيت به جاز ذلك ولا كلام للوصي.
فإن رضي به الوصي دونها لم يجز.
فإن كانت سفيهة، فرضى لها الزوج صداق مثلها جاز ذلك ولا كلام لها ولا للوصي.
فإن فرض لها أقل من صداق مثلها، فرضيت بذلك دون الوصي لم يجز.
وإن رضي بذلك الوصي دونها، فقولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز عليها ولازم لها؛ لأن النظر في المال إلى الوصي لا إليها، وهو ظاهر قوله في "كتاب ابن حبيب" وهو اختيار شيوخنا المتأخرين.
والثاني: أن ذلك لا يجوز إلا باجتماع منهما على الرضا، وهو ظاهر
قول مالك في "باب نكاح التفويض" من "المدونة".
وفي المسأله قول ثالث: أن ذلك لا يجوز وإن تراضيا؛ لأن رضاها لا يعد رضا، لكونها محجورًا عليها، ومحاباة الوصي في مالها لا يجوز أيضًا، فلم يبق إلا المنع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن كانت مهملة وكانت ثيبًا: فالرضا بالصداق إليها دون وليها.
وإن كانت بكرًا ففرض لها الزوج أقل من صداق مثلها، فهل يجوز لها الرضا بما فرض لها أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن رضاها بذلك لا يجوز، هو ظاهر قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن رضاها بأقل من صداق المثل جائز، وهو وقل الغير في بضع روايات "المدونة"، وعليها اختصر أكثر المختصرين، كأبي سعيد وغيره.
وسبب الخلاف: هل البلوغ علامة الرشد [حتى يظهر السفه؟ أو يحمل بعد البلوغ على السفه حتى يتبين الرشد؟ وإلى أن البلوغ دلالة على الرشد] 1 في الذكران والإناث.
ذهب زياد شبطون فيما رواه عن مالك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الذكران في "كتاب النكاح الأول" من "المدونة" في قوله: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء إلا أن يخاف عليه من ناحية السفه، فللأب أن يمنعه.
ومشهو [المذهب] 1: [أن] 2 الاحتلام لا يكون دلالة على الرشد لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رشْدًا فَادْفَغوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ...﴾ الآية 3.
وقد ينبني فيه الخلاف على الخلاف في أفعال السفيه غير المحجور عليه، هل هي على الجواز حتى ترد أو على الرد حتى يجاز؟ ومشهور المذهب: أنها على الجواز حتى ترد وما أظن خالف في ذلك من أصحاب مالك إلا ابن القاسم [فإن مات أحدهما فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يموت قبل البناء وقبل التسمية.
والثاني: أن يموت قبل البناء وبعد التسمية.
والثالث: أن يموت بعد البناء] 4.
فإن مات أحدهما قبل البناء وقبل الفريضة، فلا خلاف في مذهب مالك -رحمه الله- أنها لا شيء لها من الصداق وأنهما يتوارثان بينهما.
وذهب أبو حنيفة إلى أن لها [صداق المثل] 5، وهو أحد قولي الشافعي.
وسبب الخلاف: معارضة القياس للأثر.
أما الأثر فما أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود أنه
سئل عن هذه المسألة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي، فقال: "أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع بنت واشق" 1.
فأما القياس [المعارض] لهذا الأثر: فهو أن الصداق عوض، فلما لم يقبض العوض لم يجب العوض قياسًا على البيع، ولا يعترض على هذا القياس بالمتوفى عنها [قبل البناء وقبل التسمية؛ لأن الأصل كان ألا شيء لها من الصداق أيضًا؛ لأنها خرجت بالإجماع وقال المزني من أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -] 2: إن ثبت حديث بروع فلا حُجَّة لأحدٍ مع السنة والذي قاله هو الصواب.
والله أعلم.
فإن مات أحدهما قبل البناء وبعد التسمية، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون التسمية في المرض.
والثاني: أن تكون في الصحة.
فإن كانت التسمية في الصحة، فلم يدخل بها حتى مات أحدهما فلا خلاف أن لها جميع الصداق الذي فرض لها والميراث بينهما.
فإن كانت التسمية في المرض، فلا تخلو من أن تكون هي المريضة أو الزوج هو المريض.
فإن كانت الزوجة هي المريضة، ففرض لها وهو صحيح، فلا تخلو من أن تموت من مرضها وهو صحيح أو تموت وهو مريض.
فإن ماتت وهو صحيح فالصداق لورثتها، ميراثًا بينهم وبينه.
وإن ماتت وهو مريض، فلا يخلو من أن يموت من ذلك المرض أو يصح بعد موتها.
فإن مات من ذلك المرض، فلا صداق لها ولا لورثتها , لا في الثلث ولا في رأس مال؛ لأن ذلك من باب "لا وصية لوارث".
فإن صحَّ من مرضه، فهل يكون ما فرض لها ميراثًا بينهم وبينه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا شيء [عليه] 1 مما فرض وهو مريض، وهو ظاهر قوله في كتاب النكاح [الثاني] 2 من "المدونة" في "نكاح المريض".
والثاني: أن ذلك لازم له أو لورثته، وهو قول أصبغ، لأنه إذا صح تبين أن ذلك المرض مما لا يخشى عليه منه الموت.
فإن كان الزوج هو المريض، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يفرض ويدخل.
والثاني: أن يفرض ولم يدخل.
فإن فرض في المرض ودخل بها فيه كان لها الأقل من المسمَّى أو صداق المثل من رأس ماله؛ لأن العقد في الصحة، والدخول في المرض بوجهٍ جائز
يفارق النكاح في المرض.
فإن مات بعد البناء وقبل التسمية، فلها صداق المثل من رأس المال، والله أعلم [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الحادية عشرة في نكاح التحكيم
واختلف في نكاح التحكيم، هل هو مثل نكاح التفويض، وهو أن يتزوجها على حكمه أو على حكمها، أو على حكم فلان لوليها، أو على حكم أجنبي من الناس مستقل بذلك أو شارك أحد الزوجين فيه، أو نكاح التحكيم على خلاف نكاح التفويض؟ على أربعة أقوال:
أحدهما: أن نكاح التحكيم مثل نكاح التفويض في الجواز إطلاقا، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: المنع مطلقا ما لم يفت بالدخول، وهو قول الغير في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين تحكيم الزوج فيجوز، وبين تحكيم غيره فيمنع، زوجة كان [المحكم] 1 أو غيرها، وهو قول [ابن عبد الحكم] 2 في "كتاب محمَّد".
والقول الرابع: بالتفصيل بين أن تحكم الزوجة فيمنع، وبين غيرها فيجوز، زوجا كان أو غيره، وهو قول عبد الملك [أيضا] 3.
فعلى القول بجوازه مطلقا، هل الحكم فيه على الحكم في التفويض أو على عكسه؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن الحكم فيه على الحكم في نكاح التفويض، وأن الغرض في ذلك إلى الزوج، سواء كان الحكم إليه أو إليها أو إلى أجنبي، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ.
والثاني: أن الحكم فيه على عكس نكاح التفويض، وأن المحكم هنا كالزوج في التفويض، فإن فرض صداق المثل لزمها.
وإن حكم بأقل من صداق المثل لزم الزوج، وكانت المرأة بالخيار، وإن فرض أكثر من صداق المثل لزم المرأة، والزوج بالخيار، ويجعل هذا معنى قوله في "الكتاب": إن رضي بما حكمت أو رضيت بما حكم فلان أجاز النكاح، وإلا فرق بينهما، فلم يكن عليه شيء بمنزلة التفويض، إذا لم يفرض لها صداق المثل، وهذا تأويل أبي الحسن القابسي على "المدونة".
والقول الثالث: أن الحكم لا يلزم إلا بتراضي الزوج والمحكم زوجة كانت أو غيرها.
فإن فرض الزوج صداق المثل فأكثر ولم ترض بذلك المحكم، زوجة كانت أو غيرها لم يلزم.
وإن فرض الحكم صداق المثل فأقل برضاها لم يلزم الزوج إلا أن يشاء، وهو تأويل أبي محمَّد.
والرابع: أنه لا يلزم إلا بتراضي الزوجين، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمَّد".
والخامس: أنه لا يلزم إلا بتراضي الزوجة، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] 1 في الرخص هل يقاس عليها أو لا يجوز القياس عليها؟ وذلك أن نكاح التفويض رخصة من الله تعالى ورفقا بعباده.
والحمد لله وحده.
المسألة الثانية عشر في نكاح المريض والمريضة
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تكون المرأة هي المريضة.
والثاني: أن يكون الزوج هو المريض.
فإن كانت الزوجة هي المريضة، فتزوجها في مرضها، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الصحة أو بعد الصحة.
فإن عثر على ذلك بعد أن صحَّت، هل يثبت النكاح أو يفسخ بينهما؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه يفسخ وإن صحَّت، وهو الذي رجع عنه مالك.
والثاني: أنها إن صحت ثبت النكاح بينهما، وهو الذي ذهب إليه مالك.
وعلى القول بأنه يفسخ وإن صحت، فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الدخول أو بعده.
فإن عثر عليه البناء، فلا صداق لها , لا نصف ولا غيره.
وإن عثر على ذلك بعد البناء، كان لها المسمى على أشهر المذهب، ولا ميراث بينهما.
وإن ماتت هي فلا يرثها، وإن كان أبوها هو الذي زوجها ولا وارث لها غيره، وهذا نص قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد" [فإن عثر عليه في
المرض فهل يجوز أن يفسخ وهو المشهور؟ قولان] 1:
وإن كان الزوج هو المريض، فلا يخلو مرضه من أن يكون مرضًا مخوفًا منه أو غير مخوف منه.
فإن كان غير مخوف ويده مطلقة بالتصرف في ماله فحكمه حكم الصحيح في جميع أموره ولا إشكال في ذلك.
وإن كان مرضه مرضًا يخاف عليه منه حتى يمنع من التصرف في جميع ماله بالتعارف، فهل يجوز نكاحه أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح فاسد ويفسخ، متى عثر عليه ولا ميراث فيه، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن النكاح جائز جملة بلا تفصيل، وهو قول مطرف.
والثالث: التفصيل بين أن [يكون] 2 نكاحه للحاجة [والإصابة] والقيام بحقوق الزوجة فيجوز، أو يكون غير قادر على الإصابة وقصد الإضرار بالزوجة فلا يجوز، وهذا القول حكاه ابن المنذر عن مالك وابن القاسم.
وعلى القول بفساد النكاح، فإن صحَّ فهل يثبت النكاح أم لا؟ على قولين [منصوصين في المدونة.
وعلى القول بأنه يفسخ إن عثر عليه في المرض، هل يكون فسخه بطلاق أو بغير طلاق فالمذهب على قولين قائمين] 3 من "المدونة":
أحدهما: أنه يفسخ بطلاق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يفسخ بغير طلاق، وهو قول أشهب.
وهكذا اختلفوا أيضًا إذا مات من مرضه ذلك، هل عليها عدة الوفاة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها تعتد عدة الوفاة، وهو أحد قولي ابن القاسم على ما حكاه عنه أبو محمَّد في "النوادر".
والثاني: أن عدتها ثلاثة قروء، وهو قول أشهب، وإليه رجع ابن القاسم.
وسبب الخلاف: في جميع ما قدمناه [اختلافهم] 1 في العلة التي لأجلها منع نكاح المريض، هل العلة فيه استدخال الوارث على الورثة [أو] العلة الغرر الحاصل في الصداق؟
فمن ذهب إلى أن العلة المؤثرة في نكاح المريض استدخال الوارث على الورثة؛ لأنه كما منع من استخراج الوارث كذلك يمنع من استدخاله، وإلى هذه العلة مال [جمهور] 2 متفقهة الزمان.
واختلف على موجب هذه العلة إذا تزوج أمة أو نصرانية، هل يجوز نكاحه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز نكاحه أيضًا، وهو قول محمَّد بن الموَّاز.
والثاني: أن النكاح جائز، وهو قول أبي مصعب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الطوارئ هل تراعى أو لا تراعى؟
فمن اعتبر الطوارئ قال: لا يجوز لأن الأمة قد تعتق والكتابية قد تسلم.
ومن لم يعتبرها قال: بالجواز لأن الإِسلام [والعتق] 1 [يقل] 2 وقوعه.
وهكذا [اختلفوا] 3 أيضًا إذا تزوج حرة مسلمة بإذن ورثته، هل يجوز النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز لإمكان أن يموت الآذن ويصير الميراث لغيره، وهو قول محمَّد في كتابه.
والثاني: أنه جائز وهو اختيار بعض المتأخرين، وهذا مبني على الأصل الذي قدمناه.
ومنهم من ذهب إلى أن العلة المؤثرة في فساد النكاح الغرر الحاصل في الصداق، إذ لا يدري هل يصح من مرضه فيكون الصداق من رأس المال أو يموت فيكون من الثلث؟
فإذا صرف إلى الثلث لا يدري ما يحمل الثلث منه هل كله أو بعضه؟ وهذا غاية ما يكون من الغرر.
وهذه علة صحيحة يشهد [لها] 4 الاطراد والانعكاس.
والعلة الأولى ضعيفة في نفسها لوجود الحكم [مع عدمها] 5، وهو