مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 47-86
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 47-86
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب ابن سحنون.
والثاني: أنه لا يأخذه إلا بالثمن، وهي قضيته من الحاكم وافقت اختلافًا من الناس، فقد قال الأوزاعي: إنه يقسم وإن [عرف] 1 ربه ولا يأخذه إلا بالثمن، وهو قول سحنون.
وإن كان المستحق دنانير أو دراهم: فلا سبيل [لصاحبها] 2 إليها بعد القسم لأنه لا يأخذها إلا [بثمنها] 3 وإن كان حيوانًا ناطقًا؛ مثل العبيد يُستحقون بعد القسم: فلا يخلو السيد المستحق من أن يكون عقد فيهم عقدًا من عقود الحرية قبل الأسر أم لا؟ فإن عقد فيهم عقدًا من كتابة، أو عتق إلى أجل، أو تدبيرًا، أو إيلادًا إن كانت أمة.
[أما الكتابة] 4 فلا يخلو المكاتب من أن يعرف أنه مكاتب ولا يعرف ربه بعينه، أو لا يعرف ربه إلا بعد القسم.
فإن عرف أنه مكاتب قبل القسم؛ مثل أن يشهد شاهدان على شهادة غيرهما ممن يجوز له النقل عنهما أن مولاه كاتبه فلم يسألاه عق اسمه، أو قالا: ذكره لنا فنسيناه: فإن كتابته تباع في القسم، فإن جاء ربه: كان له [الخيار بين] 5 الفداء أو التسليم.
ولا تجوز فيه شهادة السماع وإن لم يعرف إلا بعد القسم ثم جاء سيده [بما يستحقه] 6: فقد اختلف المذهب في [كيفية] 7 تخيير [السيد في

الفداء أو] 1 التسليم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ينظر إلى المكاتب أولًا، فإن قدر على غرم ما بيع به في المقاسم ويعود مكاتبًا إلى سيده فعل، وإلا فقد عجز، ويخيره بين أن يسلمه عبدًا أو يفديه بما ذكرنا [كالجناية] 2 وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قوله في كتاب الجنايات من "المدونة".
والثاني: أنه يبدأ بالسيد؛ فإن فداه: بقى له مكاتبًا، وإن أسلمه: قيل للمكاتب أما أديت صرت فيه لهذا، وتمضي على كتابتك.
وإن لم يقدر: فهو كمكاتب عليه دين فأفلس به: فإنه يعجز، وهو قول ابن سحنون.
والثالث: أنه يخير سيده بين أن يفديه بالثمن ويبقى مكاتبًا له، وإلا أسلمه فصار عند مبتاعه مكاتبًا إن عجز فهو رق له، وإن [أدى] 3: عتق، وكان ولاؤه لعاقد الكتابة.
والقولان لسحنون في كتاب ابنه، على ما نقل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر" 4. وكذلك لو فداه رجل من دار الحرب أو ابتاعه منه فهو -كما ذكرنا- إذا وقع في المقاسم على قول ابن القاسم، واختلاف قول سحنون.
وأما المدبر إذا علم أنه مدبر بما يعلم به المكاتب: فلا يقسم.
فإن لم يعلم أنه مدبر حتى قسم أو فداه رجل من دار الحرب: فسيده مخير بين أن يفديه بما وقع به في المقاسم أو ما اشتراه به من

دار الحرب، أو يسلمه.
فإن فداه السيد: استخدمه حتى يموت السيد أو يعتق من ثلثه ولا يتبع بشيء [مما] 1 فداه وإن مات السيد من فوره؛ لأنه إنما أفدى الخدمة لا الرقبة [كجناية] 2 سواء.
وان أسلم السيد خدمته إلى الذي فداه: فإنه يستخدمه بما فداه به، فإن استوفى والسيد حي: رجع إليه، وإن مات [السيد قبل أن يستوفي] 3 والثلث يحمله: فإنه يخرج حرًا.
وهل يتبع بما بقى عليه مما فدى به أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتبع به جملة سواء اشتراه من المغنم أو من أهل الحرب.
وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون.
[والثاني: أنه لا يتبع بشيء مما بقى عليه وهو نص ابن القاسم في المعتق إلى أجل والمدبر مثله - قال بعضهم: وهو أصل قول مالك وهو رأيه برواية أبي زيد بن أبي العمر عن ابن القاسم في "ثمانيته"] 4. والثالث: التفصيل بين أن يشتريه من [المقاسم] 5 [أو من أرض الحرب.
فإن اشتراه من المقاسم] 6 فلا يتبعه بشيء [كالحر] 7، وإن

اشتراه من [أهل] 1 الحرب: أتبعه بما بقى [عليه] 2 مما فداه به.
وهو قول عبد الملك في "الموازية" و"الواضحة".
وهذا كله إذا حمله الثلث كله، وإن [لم] 3 يحمله الثلث كله: فالحكم فيما حمله الثلث كالحكم إذا حمل جميعه.
وسبب الخلاف: هل يقاس ما فدى به على الجناية أم لا؟ فمن جوز القياس قال: يتبع؛ لأنه مجبور على الإخدام في كلا الموضعين.
ومن منع القياس فرق بين الحالتين؛ وذلك أن الجناية من فعل نفسه، والشارع يقول: العبد فيما جنى، فكان الأصل يقتضي أن يكون العبد ملكًا لأهل الجناية بنفس اقترافه لهذه الجناية [لكن الشارح] 4 لاحظ حق السيد وجعل له الخيار بين الفداء أو التسليم، وقدم حقه على حق [أولياء] 5 الجناية فيما لم تكن جناية عمد فيها بنفسه على ما سنوضحه في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى.
وأما المعتق إلى أجل يشتري من المغنم أو من أرض العدو: فالكلام فيه كالكلام في المدبر سواء.
فإن علم أنه معتق إلى أجل: وقفت خدمته لسيده ولا تدخل في المقاسم.
وإن لم يعلم حتى قسم ثم جاء سيده واستحقه: فله الخيار بين أن يفديه

أو يسلمه.
فإن فداه: اختدمه حتى يحل الأجل ثم يخرج حرًا، ولا يتبع بشيء اتفاقًا.
وإن أسلمه إلى الذي اشتراه من المقاسم أو من العدو: فإنه يختدمه حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل فينظر، فإن استوفى من الخدمة ما اشتراه به: خرج حرًا ولا يتبع بشيء اتفاقًا.
وإن حل الأجل ولم يستوف، هل يتبعه بما بقى له أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال على حسب ما حكيناه في المدبر هل يتبع أو لا يتبع، والتفصيل بين أن يُشترى من المغنم أو من دار الحرب.
فلو أعتقه من صار في سهمه: فلا يخلو من أن يكون عالمًا أو لا.
فإن أعتقه ولم يعلم بأنه معتق [إلى أجل لم يجز عتقه.
وإن أعتقه وقد علم بأنه معتق إلى أجل فهل يمضي عتقه أم لا؟.
فالمذهب على قولين: أحدهما] 1: أن عتقه لا يجوز ويبقى على حاله جملة، وهو قول حكاه ابن سحنون عن بعض أهل المذهب.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ما اشتراه به أكثر من قيمة خدمته: فيمضي عتقه، أو يكون أقل: فلا [يجوز] 2 عتقه، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
وقد سكت عن المثل ولم يذكر حكمه إذا كان ما اشتراه به مثل قيمة الخدمة، والذي يوجب النظر على مقتضى مذهبه: ألا يجوز عتقه أيضًا ولا ينفذ؛ لأن العلة التي اعتبرناها معدومة في هذا الوجه كما هي معدومة إذا كان أقل؛ لأنه إذا كان ما اشتراه به أكثر من قيمة الخدمة فكأنه ملك من

رقبة العبد القدر الزائد على الخدمة، والله أعلم.
وأما الإيلاد: فإذا غنم المشركون أمّ ولد لرجل: فلا يخلو من أن [يغنموها] 1 بعد الإيلاد، أو بعد الوطء وقبل الإيلاد.
فإن غنموها بعد الإيلاد ثم اشتراها رجل من الغنائم أو من أهل الحرب: فلا خلاف أن سيدها مجبور على الفداء، وإن كان [مالك] قد قال في "الموطأ": (إن السلطان يفتديها له، وذلك مع العدل وصلاح الحال؛ لأن أمّ الولد معدة للاستمتاع وفراش للوقاع فأشبهت الحرائر [اللواتي] 2 يجب على السلطان فداؤهن وسائر أحرار المسلمين من بيت المال فجعل مالك السلطان يبدى على السيد في الفداء وإن كان مليًا.
وإنما اختلف أصحاب مالك هل يعيدها بالثمن ما بلغ [أو بالأقل على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أن على السيد أن يفديها بالثمن الذي أخذها به] 3 وإن كان أكثر من القيمة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، ونص روايته [عن مالك] 4 في كتاب ابن سحنون وكتاب ابن المواز.
والثاني: أن على السيد الأقل من قيمتها أو الثمن الذي أخذها به [المشتري] 5، وهو قول أشهب والمغيرة وعبد الملك في الكتابين المذكورين.
ويؤخذ [هذا القول] 6 لابن القاسم من "المدونة" في "كتاب

الجناية" 1 في جناية أم الولد حيث قال: أحسن ما سمعت في جناية أم الولد أن سيدها يفديها بالأقل من قيمتها أو من أرش جنايتها، فإذا كان عليه الأقل في الجناية التي هي فعلها، فبأن يكون عليه في فدائها من الغنائم أولي [وأحرى] 2. فوجه القول باعتبار الثمن ما بلغ في الفداء، أما إن أمرناه بدفع الأقل، و [تكون] 3 القيمة هي الأقل أدى ذلك إلى الإضرار بالمشتري من كون المشتري أخذ من يده بدون الثمن الذي دفع فيه فصار مضارًا [من] 4 الوجهين بخلاف الجناية لأنه إذا أخذ [فيه] 5 الأرش وكان هو الأقل: لم يظلم لكونه أخذ أرش جنايته.
فإن أخذ القيمة وكانت هي الأقل: لم يظلم [أيضًا] 6 لكونها عوضًا من عين أم الولد؛ إذ لا يجوز إسلامها [فيما جنت] 7. ووجه القول الثاني: ما أشرنا إليه من باب [الأولوية والأخروية] 8 أن الذي يقتضيه الدليل في فصل الأسر أن يأخذها سيدها بلا ثمن؛ جريًا على سنن الاستحقاق، ومتى عهد في الشريعة أن من استحق عين شيئه وقد أخذ من ملكه بغير اختياره أنه لا يأخذه حتى يؤدي [فيه] 9 ثمنًا، ولولا ما أحكمته السنة وأوجبته الشريعة المحمدية فيمن أدرك شيئه بعد القسم أنه

يكون أحق به بالثمن لكان لمستحقه أن يأخذه بغير ثمن، فوجب أن يركب على كل شائبة مقتضاها.
فإن كان السيد معسرًا: فإنه يأخذها ويتبع في الذمة.
وإن مات قبل أن يحكم عليه بقيمتها: فإنها تخرج حرة ولا شىء عليها [ولا على الورثة.
أما هي فلا شيء عليها] 1 لأن ذلك ليس من فعلها بخلاف الجناية التي هي فعلها، والورثة لا شيء عليهم لأنهم يؤدون عما لا ينتفعون به.
فرع: ولو صارت في سهم رجل بمائتي [درهم] 2، ثم سبيت ثانية [فَتُغْنَم] 3 فيصير في سهم آخر بمائة، ثم سبيت ثالثة فَتُغْنَم فتصير في سهم آخر بخمسين [فسيدها] 4 أولى [بها] 5 يأخذها بالأكثر، وهو مائتان؛ يأخذ [منها] 6 من هي في يده خمسين، والذي قبله مائة، وما بقى فللأول وهو ثالثهم الذي وقعت في سهمه أولًا.
ولو كانت في سهم الأول بخمسين والثاني بمائة والثالث بمائتين: أخذها السيد من الثالث بمائتين، وسقط الأول، والثاني، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
واختلف قوله: إذا كانت أمته غير أمّ ولد؛ [فمرة قال] 7 فالذي فداها آخرًا بخمسين أحق بها، والثاني [فداها] 8 منه بخمسين، ثم

[كان] 1 للأول أن يفديها بمائة [دون سيدها] 2، ثم لسيدها فداؤها من هذا -وهو الأول- بمائتين فقط.
ولو أسلمها الأولان إلى الثالث لكان لربها [فداؤها منه بخمسين] 3. ثم رجع عما قال في الأمَة؛ فقال: حكمها حكم [أم] 4 الولد، فلو أعتقها من صارت في سهمه: فلا يخلو من أحد وجهين: إما أن يعلم أنها أم ولد لمسلم، أم لا.
فإن علم أنها أم ولد [لمسلم فذلك وضعٌ] 5 للقيمة عن السيد، ولسيدها أخذها منه [بلا ثمن] 6 ويبطل العتق.
فإن لم يعلم: فعلى سيدها غرم ما فداها به ويبطل العتق.
ولو أولدها الذي فداها من المغنم: لأخذها سيدها بالثمن ورجع على المشتري بقيمة الولد.
وأما الوجه الثاني: إذا سبيت بعد الوطء ثم غنمت ومعها ولد: فلا يخلو من أن توطأ بدار الحرب بعد السبى، أم لا.
فإن لم توطأ بدار الحرب، وادْعت أن الولد من وطء سيدها: فلا يخلو السيد من أن يدْعي الاستبراء، أو لا يدعيه.
فإن ادَّعى الاستبراء: لم تلحق به أم الولد، ويأخذها السيد بما وقعت به في المقاسم.
وهل يأخذ الولد [معها] 7 أم لا؟

على قولين: أحدهما: أنه يأخذ الولد [معها] 1، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه [عنه] 2 سحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أن الولد فيء ويخير في فدائها متى أن بيعت وتباع مع ولدها [لمالك واحد] 3، وهو قول أشهب.
فإن لم يَدَّع الاستبراء، وثبت أنها ولدته منه: فإن الولد به لاحق ونسبه منه ثابت ويأخذهما بعد القسم بالثمن وقبله بغير ثمن، ويجبر على أن يفديهما.
وقال أشهب: لا شيء عليه في الولد؛ لأنه حر لا فائدة فيه في المقاسم بخلاف مفاداته من العدو، وهو قول أشهب [على] 4 قول سحنون، والله أعلم.
فإن وطئت بعد السبى ثم ولد: فلا تخلو من أن يغنمها المسلمون أو يقدم بها الواطئ و [أسلم] 5 عليها.
فإن غنمها المسلمون ثم أفداها سيدها ومعها ولد، فإن ثبت أنه وطئها بعد أمد يكون فيه استبراء أو جهل وثبت الوطء: فالولد غير لاحق بالسيد ويكون فيئًا من جملة الغنيمة.
وإن قدم بها الواطئ [فأسلم عليها، فإن ثبت أن الكافر وطئها بعد زمان يكون في مثله الاستبراء: لحق الولد به، والأمة أمّ ولده.

فإن وطئها في طهر [واحد] 1 فوضعت بما يشبه أن يكون من وطئهما جميعًا: دُعى له القافة 2، فإن ألحقوه بالمسلم لحق به، وجرى فيها حكم أمّ الولد، وإن ألحقوه بالحربى: لحق به، ولا شيء عليه فيها؛ كمن أسلم على عبد بيده لمسلم: فإنه يكون له، ولا شيء عليه فيه.
فإن قالت القافة: اشتركا فيه: فقولان: أحدهما: أنهما شريكان فيه، ويوالي [إذا كبر] 3 أيهما شاء.
قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه يدعي إلى قافة [[غيرها] 4] 5 [أبدًا] 6 حتى تلحقه بواحد، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن سحنون.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا لم يعقد فيهم عقدًا من عقود الحرية حتى أسرهم العدو ورقوا إليهم ثم غنمهم المسلمون [فوقفوا] 7 في المقاسم: فلا يخلو من أن يدركهم سيدهم قبل الفوت أو بعد الفوت.
فإن أدركهم قبل أن يفوتهم من صاروا في سهمه: فلا يخلو من أن يكونوا سبوا مرة واحدة، أو مرارًا [مثل أن يسبى عبد لمسلم ثم غنم ثم سبى] 8.

فإن أسبوا مرة واحدة: فسيدهم بالخيار بين أن يفديهم بالثمن الذي أخذوا به، أو يسلمهم.
فإن سبوا مرارًا؛ مثل أن يسبى عبد [الرجل] 1، ثم غنمه المسلمون فصار في سهم رجل، ثم سباه المشركون ثانية فتداولته الأملاك بالسبى والفكاك، فليس لأحد [فيه] 2 مقال [إلا] 3 الذي يسبى منه أولًا و [لا شيء] 4 للذي [يسبى] 5 منه آخرًا، إلا أن الذي يسبى، منه آخرًا أحق به من الأول إذا دفع إلى الذي من هو في يديه ما أخذه به من المقاسم.
فإن أخذه: فربه الأول مخير؛ إن شاء أخذه بما وقع به في المقسم الثاني لا بما وقع في الأول؛ لأنه جاء ملك ثان أملك به من الأول، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم في "العتبية"؛ مثل أن يبتاع رجل عبدًا من المغانم بمائة دينار، [فلم] 6 يعرف ربه حتى يسبى ثانية، فاشتراه رجل بخمسين، ثم قدم ربه: فالكلام له [ولا يدري من سبى منه آخرًا غير أن] 7 الذي يسبى منه آخرًا مقدم على الأول، ويأخذه إذا دفع إلى من هو في يديه ما وقع به في المقاسم، وهي خمسون، ثم إن شاء الأول الذي سبى منه أولًا أن يأخذه من المشتري الأول الذي فداه بخمسين من الثاني، فلا يأخذه حتى يعطيه مائة وخمسين؛ المائة: للذي اشتراه هو به من المغنم الأول، والخمسين: للذي فداه من الذي اشتراه من المغنم الثاني، إلا أن يشاء المالك الأول أن يدفع المائة للمشتري الأول، وخمسين للثاني فيأخذه بمائة وخمسين

كان ذلك له وإن أسلمه الأول إلى الثاني، [كان] 1 للمالك الأول أن يأخذه من الثاني بخمسين، وهكذا قال ابن المواز في كتابه.
ولو ابتاعه الأول من الغنم بمائة ثم ابتاعه الثاني بخمسين من المغنم الثاني، ثم سبى ثالثة فغنم فابتاعه آخر بعشرة، ثم قام ربه الآخر: أن سيده الأول مقدم إن شاء فداه بأكثر الأثمان -وهو مائة- فيدفع عشرة للثالث، وخمسين للثاني وأربعين للأول.
ولو كان البيع بعشرة، والثاني بخمسين، والثالث بمائة: فيأخذ الثالث المائة، ولا شيء لمن قبله، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.
وهذا خلاف ما قاله ابن القاسم في المسألة الأولى، وخلاف لقول سحنون فيما إذا كان [الثالث] 2 أقلهم ثمنًا؛ وهو خمسون: أن الثاني مبدى على ربه، فيفديه منه بخمسين، ثم كان للأول أن يفديه منه بمائة دون سيده، ثم كان لسيده ما فداه من هذا، وهو الأولى بما فداه به، وهو مائتان فقط.
ولو أسلمه الأولان للثالث لكان لربه أن يفديه منه بخمسين، وهذا قول سحنون في أَمَة غير أُمِّ الولد إذا سبيت.
فيتحصل على ما في الأمهات من الخلاف وجملة المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن الذي اشترى منه آخرًا أحق بالفداء، سواء كان أقلهم ثمنًا، أو أكثر، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن سيده الأول مقدم على كل حال من غير اعتبار بالمشتري الأول أن يكون أكثرهم ثمنًا، أو يكون أقلهم، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.

و [القول] 1 الثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري منه آخرًا هو أقلهم ثمنًا؛ فيبدي الفداء على الأول.
وإن كان أكثرهم ثمنًا: فالأول هو المبدي.
وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
فعلى القول بتبدئة المالك الأول اختلف بما يفديه به على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يفديه بالأكثر على الترتيب الذي ذكر أشهب.
والثاني: أنه يفديه من الذي وقع عنده آخرًا بالثمن الذي أخذه به من المقاسم، وهو قول يحيى بن يحيى في كتاب ابن سحنون.
والثالث: أنه لا يأخذه إلا بالثمنين جميعًا؛ مثل أن يُشترى من المغنم أولًا بمائة ثم سبى منه ثانية فاشترى بخمسين، فإن أراد الذي سبى منه أولًا أن يأخذه: فلا يأخذه حتى يدفع المائة للأول، والخمسين للثاني؛ وهو قول [ابن المواز] 2 في كتابه.
ولو [سبق] 3 في رقبة العبد جناية قبل [الأسر] 4 ثم غنم وبيع في المقاسم، ثم جاء صاحبه فاختار الفداء، هل يفديه بالاكثر من الثمن، أو [أرش] 5 الجناية؟ قولان: أحدهما: أنه يفديه بالأكثر من الثمن الذي اشترى به من المغنم أو من أرش الجناية؛ فإن كان الأرش عشرين وثمنه في المقاسم عشرة: أخذ من صار له في القسمة عشرة وصاحب الجناية عشرة.

وإن كان الثمن عشرين والجناية عشرة: أخذ من هو بيده عشرين، ولا شيء لصاحب الجناية؛ كما لو سبى ثانية وغنم ففداه ربه بالأكثر، كما تقدم لأشهب، وهذا قول سحنون في كتاب ابنه، وجعل أرش الجناية كبعض الأثمان.
و [القول] 1 الثاني: أنه إن شاء الفداء فإنه يفديه بما بيع به في المغانم، وبما في رقبته من الجناية، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز.
فإن أسلمه المالك الأول هل يبدى المبتاع من المغنم على وليِّ الجناية، أو وليِّ الجناية هو المبدى: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن المشتري من المغنم يقال له افده بما بيع به في المقاسم أو أسلمه؛ فإن فداه: كان رقًا له، وإن أسلمه: كان رقًا للذي اشتراه في المغنم، وهو قول ابن المواز.
وأما المُدَبَّر يجنى [ثم يؤسر] 2: فحكمه حكم العبد على ما وصف؛ وذلك أن سيده مخير في أن يفدى خدمته إما بأكثر من أرش الجناية، أو ما وقع به في المقاسم.
وإما بالأمرين جميعًا على الخلاف الذي قدمناه في فصل العبد [فإن أبي: فهل يبدى صاحب الجناية على من صار عنده من المغنم على الخلاف الذي قدمناه أيضًا] 3. فعلى القول بتبدئة الجناية يقال لأهله: افدوه بما وقع به في المقاسم، فإن فدوه اختدموه بذلك أولًا، ثم بالجناية آخرًا.

فإن [أدى] 1 عاد مدبرًا إلى سيده.
فإن مات [السيد] 2: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يموت بعد أن أوفى العبد ما عليه.
وإما أن يموت قبل الوفاء.
[فإن مات بعد الوفاء فلا إشكال أن العبد يبرأ من الجناية.
فإن حمله الثلث عتق وإلا عتق منه ما حمله الثلث وباقيه رقيق لورثته.
وإن مات السيد قبل الوفاء والثلث يحمل العبد] 3 فإنه يكون حرًا، وينظر فإن وفي جميع ما [فداه] 4 به وبقيت الجناية أو بعضها: فإنه يتبع بما بقى من الجناية.
وإن بقى شيء مما فدى به هل يتبع العبد بما بقى من الثمن مع الجناية أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يتبع بذلك، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أنه لا يتبع بما بقى من الثمن، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في ثمانية أبي زيد؛ قياسًا على المعتق إلى أجل، فإن ابن القاسم قد نص عليه أنه لا يتبع.
والقولان متأولان على المدونة.
وإن مات [السيد] 5 قبل الوفاء ولم يحمله الثلث: فإنه يعتق منه ما حمل الثلث، [ورق] 6 ما بقى لأولياء الجناية، ولا خيار للورثة في فداء

ما رق منه؛ لأن موروثهم قد سلمه أولًا، ثم يقسم عليه ما بقى من الفكاك من الجناية، فيتبع الجزء المعتق بما يقع من ذلك، وهو قول سحنون.
فإن أسلمه أولياء الجناية: [أخدمه] 1 الذي صار له في السهمين في حقه، فإن وَفَّاهم والسيد حي: [أخدمه] 2 أولياء الجناية، فإن استوفوا والسيد حى: رجع إليه وخدمه، فإن مات السيد ولم يستوف من صار له في السهمين حقه وكان الثلث يحمله: عتق وأتبع بما بقى من الفداء وأتبعه أهل الجناية بجنايتهم لأن أهل الجناية إنما أسقطوا حقهم أولًا من الجناية.
وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث ثم يقسم ما بقى بما بيع [به] 3 في المقاسم على ما رق منه وما عتق [ويتبع ما عتق منه ويبطل ما صار على الرقيق فيرق بما فيه لمن أخذه في القسم وتقسم الجناية أيضًا على ما رق منه وما عتق] 4 فيبطل ما قابل الرق منه لأنه صار للذي فداه من المغنم وولى الجناية قد سلم حقه [منه] 5 أولًا، ويتبع بما [بقى] 6 على العتق منه ويبدأ بالذي وقع له في السهم ولو أدى جميع ما وقع به في المغنم والسيد [حى] 7 فأخذه أهل الجناية ثم مات السيد قبل أن يستوفى أهل الجناية أرش جنايتهم ولم يحمله الثلث: عتق [منه ما حمل الثلث] 8، وفض ما بقى من باقي الجناية على ما عتق منه ومارق منه

على ما قدمناه، ولا خيار [للورثة] 1 في ذلك فافهم هذا التفريع، فإنها فروع بديعة انتقيتها من الأمهات وحصلتها في هذه العجالة لتكون مطالعتها تغني عن مطالعة الكتب الكبار على حسب ما [التزمناه] 2 في خطبة الكتاب، والله أعلم.
وأما إن أدركهم سيدهم بعد أن فوتهم مشتريهم من المغنم، أو من صاروا إليه من أهل الحرب بشراء أو هبة: فلا يخلو من أن يكون فوتهم ببيع أو بعقد من عقود الحرية.
فإن فوتهم بالبيع هل [يكون] 3 ذلك فوتا يسقط حق السيد من عين العبد أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيع فوت، وكذلك الهبة، ويرجع المستحق على البائع بفضل الثمن إن كان فيه فضل عن الثمن الذي اشتراه به، وهو [نص] 4 قول ابن القاسم في المدونة فيما إذا اشتراه من دار الحرب أو وُهِبَ له ثم باعه بعد قدومه أن البيع فوت، وقال فيما إذا اشتراه من المغنم فباعه من غيره أن بيعه لا يكون فوتا.
وحمل بعض المتأخرين كلام ابن القاسم على التناقض والحق كما قال.
والثاني: أن بيعه لا يكون فوتًا، لا في الهبة ولا في البيع، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قوله في المدونة من المسألة التي [أوردناها] 5.

والثالث: التفصيل بين البيع والهبة، وهو قول [الغير] 1 في كتاب الجهاد.
وإن فوتهم بعقد من عقود الحرية كالعتق والإيلاد والتدبير والعتق إلى أجل، فهل يكون ذلك فوتًا أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك فوت [كالبيع] 2 والهبة، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أن ذلك ليس بفوت ويبطل العتق والتدبير والعتق إلى أجل، [فإن] 3 كانت أمة فأولدها فهي كالمستحقة يأخذها، وقيمة الولد على الخلاف المشهور في المسألة في كتاب الاستحقاق وكتاب الغصب من المدونة، وهو قول أشهب في البيع والهبة، وهو قول ابن نافع في الهبة إذا لم يثب الموهوب له عليها، ولو أثاب عليها [لكان] 4 كالبيع، وهذا قول أشهب وابن نافع في كتاب ابن سحنون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أدركه بعد القسم فهو أحق بالثمن" 5 هل ذلك خصوص بما وقع في المقاسم خاصة دون ما اشترى من أهل الحرب وما تداولته الأملاك مما اشترى من المغانم، أو ذلك عموم في الجميع وأموال [أهل] 6 الذمة [في جميع ما ذكرناه كأموال المسلمين.
وأما ما وجد في المغانم من أحرار المسلمين وأحرار أهل

الذمة] 1 فإنهم لا يقسمون إذا علم أنهم أحرار.
وفداؤهم على الجملة ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يفدوا من أيدي العدو.
والثاني: أن يفدوا من المغنم.
فإن فدوا من أيدي العدو: فلا يخلو من أن يكون بين المفتدي والذي افتداه قرابة أو لا قرابة بينهما.
فإن كانت بينهما قرابة نسب فذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: إن فداه وهو يعرفه وكان بغير أمره فإنه لا يرجع عليه بما فداه به كائنًا ما كان.
والثاني: إن فداه فإنه يرجع عليه بما فداه به كائنًا ما كان.
والثالث: إن فداه ولا يعرفه ولا كان بأمره.
فإنه لا يرجع على من يعتق عليه بالملك ويرجع على من سباه من القرابة الذين لا يعتقون عليه.
وهذا التحصيل أحسن ما قيل في هذا الباب فعليك بحفظه تربت يداك.
وإن لم يكن بينهما قرابة نسب فلا يخلو من أن يكون بينهما قرابة سبب، أو لا سبب بينهما فإن كان بينهما قرابة سبب؛ كالزوجية، مثل أن يفدى أحد الزوجين صاحبه من أيدي العدو، وهل يرجع عليه بما فداه به أم لا؟ فلا يخلو المفدى من أن يشهد قبل الفداء بالرجوع على صاحبه بما فداه به، أم لا.
فإن أشهد عليه: فإنه يرجع عليه قولًا واحدًا.

وإن لم يشهد: فلا يخلو من أن يفدى أحدهما الآخر بوكالة [منه] 1 [أو بغير وكالة] 2. فإن كان ذلك بوكالة منه فله [اتباعه] 3 بذلك سواء علم بالزوجية أم لا، وهي رواية يحيي بن يحيى عن ابن القاسم في "العتبية"، وبه قال ابن حبيب.
وإن فداه بغير وكالة: فلا يخلو من أن يعلم به حين الفداء، أو لا يعلم.
فإن علم: فلا يرجع عليه بشيء ولا يتبعه في [الذمة] 4. وان لم يعلم: فله اتباعه والرجوع عليه بثمن الفداء.
وعلى هذا التحصيل أصحاب مالك: ابن القاسم، وعبد الملك ومطرف، والمغيرة، وغيرهم.
فإن لم يكن بينهما قرابة نسب ولا سبب: فلا خلاف أنه يتبعه بما فداه به في اليسر والعسر إذا اتفقا على ذلك القدر [قل أو كثر] 5 فداه بإذنه أو بغير إذنه وعلمه.
وإن قال: كنت قادرًا على التحيل لنفس والخروج بغير شيء، ويعلم دليل قوله وصدقه: فلا يتبعه بشيء مما فداه بغير أمره وعلمه ويتبعه فيما عدا ذلك، ويكون أحق بما معه من المال في دار الحرب من غرمائه لأنه معه فدى.

واختلف في المال الذي في دار الإسلام، هل يكون أحق به، أو يكون أسوة الغرماء؟ على قولين: أحدهما: أنه يكون أحق به من الغرماء، وهو قول عبد الملك.
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الأسير إذا حاط الدين بماله، هل يقدم حقه على حق غرمائه فيفدى من ماله، أو يقدم حق غرمائه على حقه ويكون الغرماء أحق بذلك المال ويفديه الإمام من بيت المال، أو يكلف المسلمين فداءه من أموالهم وإن لم يكن هناك بيت للمال [وكان السلطان جائرًا] 1، وقد قال مالك [رحمه الله] 2: يجب على الناس مفاداة الأسارى من أيدي العدو ولو بجميع أموالهم.
فإذا اختلف في مقدار ما [فدى] 3 به: فالقول في ذلك قول الأسير مع يمينه من غير اعتبار بالأشياء، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" و"الموازية".
وقيل: القول قول الذي فداه لأنه هو الذي أخرجه من دار الحرب فهو كالحيازة.
وقيل: القول قول من ادّعى ما يشبه منهما.
والقولان لسحنون في كتاب ابنه، ولابن القاسم مثل قول سحنون أن القول قول المفدى مع يمينه لأنه كالرهن في يده.

وأحرار أهل الذمة في جميع ما ذكرناه كأحرار المسلمين [ولا فرق] 1 سواء.
واختلف فيما إذا نودى على الحر المسلم من الغنم وبيع هل يتبع بما اشترى به كما لو فدى من أيدي العدو على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يتبع بذلك الثمن جملة، وهو قوله ابن القاسم في كتاب محمد.
والثاني: أنه يتبع به جملة، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.
والثالث: التفصيل بين الصغير والكبير [فالصغير] 2 القليل الفطنة [الكثير الغفلة لا يتبع بشيء] 3 والكبير [الفطن] 4 العارف بما هو فيه يتبع، وهو قول ابن القاسم أيضًا.
وعلى القول بأنه لا يتبع [بشيء] 5، هل يرجع من أخذ من يده على أهل الغنيمة بشيء أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يرجع عليهم بشيء أصلًا ويكون ذلك مصيبة نزلت به، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه يرجع على أهل الجيش ما لم يفترقوا، أو بعد الافتراق إن عرفوا، وهو قوله آخرًا في المذهب.
وسبب الخلاف: السكوت، هل يعد كالرضا أم لا؟ والحمد لله وحده.

المسألة السادسة

في [الحربى] (1) الذي يقدم بأمان ومعه أحرار المسلمين [وأموالهم]

2، أو أسلم على ذلك 3. فإذا قدم بأمان فلا يخلو ما بيده من أن يكون أحرار المسلمين، أو أموالهم.
فإن كان أحرار المسلمين وعبيدهم: فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم لا يؤخذون منه ولا يشترون إلا باختياره، فإن رام الرجوع إلى بلاده بهم: مكن من ذلك ولا يتعرض له، وهو نص قول ابن القاسم في المدونة وغيرها، وهو المشهور في النقل، ولا فرق في ذلك بين الأحرار والعبيد والمسلمين وبين الذكران والإناث [من المسلمين] 4. والثاني: أنه لا يمكن من الرجوع بهم، بل يؤخذون منه بأوفى ثمن، وهو قول عبد الملك.
و [القول] 5 الثالث: التفصيل بين الذكران والإناث؛ فيجبر على بيع [المسلمات] 6، ولا يجبر على بيع الذكران، وهو قول ابن القاسم أيضًا على ما حكاه عنه سحنون، وظاهر هذا القول: أن لا فرق بين الأحرار والعبيد، وبه قال ابن القصار.1

فوجه القول الأول: ما خرجه البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضى أهل مكة عام الحديبية على أن يرد عليهم من أتاه [منهم] 1 مسلمًا، فكان ذلك مما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وفاء بالعهد.
ووجه القول الثاني: أنه لا يجوز ترك المسلم بين يدي الكافر يمتهنه ويستخدمه بين أظهر المسلمين، وإنما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك في أول الإسلام وقبل أن يكثر المسلمون، أما الآن فلا يجوز ذلك لانتشار الإسلام وظهوره في سائر الأمصار.
ووجه القول الثالث: في الفرق بين الرجال والنساء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ.
. .﴾ 2 إلى قوله: ﴿إِلَى الْكُفَّارِ.
. .﴾ الآية.
فمفهوم الآية هذه أن الرجال بخلاف ذلك.
وأما [من] 3 كان بأيديهم ممن عقد فيه عقد عتق [ممن هو على دينهم] 4 [فلم] 5 أر فيهم نصا، خلاف أنهم لا يمنعون من الرجوع بهم إذا أرادوا ذلك.
وإن كان الذي بأيديهم أموال المسلمين [أو لأهل الذمة] 6: فلا خلاف أنهم لا [يعارضون] 7 فيها.

واختلف هل يجوز [لمسلم] 1 شراؤها منهم أم لا على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول ابن المواز وإسماعيل القاضي، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى أمة من العدو حيث قال: لا أحب له أن يطأها اشتراها في بلاد الحرب أو في بلاد الإِسلام -فمساواته بين الشراء في دار الحرب أو في بلاد الإِسلام دليل على جواز الشراء.
فوجه القول الأول: بالمنع من الشراء منهم: أن ذلك أغرى لهم ولأمثالهم على سبى أموال المسلمين والجرأة عليهم، فإذا علموا أن المسلمين ممنوعون من الشراء منهم كان ذلك مما يؤدي إلى كفهم عن السبى والغارات.
ووجه القول الثاني: بجواز الشراء: أن ذلك مال مسلم قادر على افتكاكه ممن أخذه فيجوز له أن يفديه منهم كما جاز له أن يشتريه ممن اشتراه من أرض الحرب؛ لأنه لو منع لأجل الإغراء لكان المنع [من الشراء] 2 بدار الحرب أولى وأحرى.
فرع: وقد اختلف [أرباب] 3 المذهب في حربى ينزل على أمان فإذا هو مسلم ارتد على قولين 4: أحدهما: أنه لا يتعرض له؛ للوفاء بالعهد، ولو استحق بعبودية [وهو مرتد] 5 لم يتعرض له أيضًا، وهو قول ابن القاسم في

كتاب ابن سحنون أيضًا.
والثاني: أنه يستتاب، فإن لم يتب قُتل وإن تاب: لم يرد إليهم ورد إلى سيده إن كان عبدًا؛ لأنا إنما أعطينا لهم الأمان والعهد على أنهم كفار لا على أنهم مرتدون، وهو قول سحنون وأشهب، وابن نافع، وأصبغ، وابن الماجشون، وابن حبيب، قالوا كلهم: ولا يجوز للإمام أن يؤمنهم على ألا يحكم عليهم في هذه الأشياء إن وجدهم كذلك فإن جهل فأمنهم على ذلك: فليس جهله مزيلًا ما أوجب الله تعالى عليه من أحكام دينه في ذلك من استرقاق حر مسلم.
وأما إن أسلموا على ذلك: فلا يخلو الذي [أسلموا] 1 عليه من أربعة أوجه: أحدها: أن يسلموا وبأيديهم أحرار المسلمين.
والثاني: أن يسلموا على أحرار أهل الذمة.
والثالث: أن يسلموا على من عقد فيه عقد من عقود الحرية من الأرقاء.
والرابع: أن يسلموا على مال المسلمين أو لأهل الذمة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أسلموا وبأيديهم أحرار مسلمون: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا حق لهم فيهم، ويؤخذون منهم بغير ثمن.
واختلف في أحرار أهل الذمة -وهو الوجه الثاني- على قولين: أحدهما: أنهم أرقاء لهم، وهو قول ابن القاسم في المدونة.

والثاني: أنهم كأحرار المسلمين يؤخذون منهم بغير ثمن، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون وغيره.
وينبني الخلاف على الخلاف في أحرار أهل الذمة هل هم كعبيدنا أم لا؟ فمن رأى أن حكمهم حكم عبيدنا قال: لا يتعرض لهم، وهم لهم عبيد، وهو نص قول ابن القاسم في كتاب الجهاد: (أن أحرار أهل ذمتنا كعبيدنا) 1. ومن رأى أن حكمهم حكم أحرارنا قال: [يؤخذون] 2 منهم بغير عوض.
وظاهر قول مالك في كتاب الزكاة الأول وكتاب الجهاد وكتاب التجارة إلى أرض الحرب في الذمى إذا أسلم: أن أرضه وماله فيء المسلمين؛ فلو كان عبدًا لكان رقيقًا لهم، كما أن المال الذي عقدت عليه الذمة وهو بيده فيء لهم.
والقولان [قائمان من المدونة] 3. والجواب عن الوجه الثالث: إذا أسلموا على من عقد فيه عقد من عقود الحرية؛ كالتدبير، والكتابة، والإيلاد، والعتق إلى أجل.
أما المدبر: فله خدمته، فإن مات السيد والثلث يحمله: كان عتيقًا، وإن كان عليه دين يغترقه: كان رقيقًا لمن أسلم عليه [وإن لم يكن له قال سواه ولا دين عليه عتق ثلثه وكان ثلثاه رقًا له] 4 وأما [المكاتب] 5: [فله

كتابته] 1، فإن أدَّى: كان حرًا، وإن عجز: كان رقيقًا له.
وأما أُمُّ الولد: فإنها تنتزع من يده ويأخذ قيمتها.
والمعتق إلى أجل: يكون له خدمته، فإذا حلَّ الأجل خرج حرًا.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا أسلموا على مال للمسلمين أو لأهل الذمة: فقد حكى ابن حبيب إجماع [أهل] 2 المذهب أنه أحق بما في يده مما أسلم عليه [من أربابه] 3؛ لقوله عليه السلام: "من أسلم على شيء فهو له" 4، وهذا عموم يخصصه الإجماع؛ لأنه يتناول الأحرار وغيرهم ممن ينطلق عليه اسم شيء، ثم إن الحر خرج بالإجماع.
[والحمد لله وحده] 5.

المسألة السابعة

في الحرة المسلمة والذمية،

أو الأمة المسلمة تُسبى فتوطأ، فتلد، ثم غنمها المسلمون هي وولدها.
أما الحرة المسلمة إذا غنمها المسلمون ومعها أولاد صغار وكبار: أما هي في نفسها: فلا خلاف أنها لا تستباح، واختلف في أولادها على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة.
أحدها: أن الأولاد تبع لها في الحرية والإِسلام؛ لا يباعون ولا يسترقون، فإن أبوا الإِسلام جبروا عليه، وإن تمادوا يريد كبارهم: قتلوا على الكفر كالمرتد، وهي رواية مطرف عن مالك في كتاب ابن سحنون، وقاله ابن وهب، وابن حبيب وقاله أشهب [مرة] 1، وهو قول مالك في "ثمانية أبي زيد" وهو ظاهر قول مالك في كتاب الجهاد من "المدونة" في الصغار، على ما سنبينه آنفًا إن شاء الله تعالى.
والثاني: أن أولادها الصغار والكبار فيء، وهو قول أشهب، وعبد الملك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في كتاب النكاح الثالث.
و [القول] 2 الثالث: التفصيل بين الصغار والكبار؛ فمن كان منهم صغيرًا: يكون حكمه حكم الأم؛ فيكون مسلمًا بإسلامها، ومن كان منهم كبيرًا قد بلغ وقاتل فإنه يكون فيئًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة وكتاب ابن سحنون.
واختلف المتأخرون في هذين الشرطين؛ هل لابد من اعتبارهما مع البلوغ ووجود القتال وهو تأويل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، أو

[الاعتبار] 1 بالبلوغ خاصة -قاتل أو لم يقاتل- وهو تأويل ابن شبلون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصغار هل هم مسلمون بإسلام الأب [خاصة] 2، أو بإسلام من أسلم من الآباء [أولًا] 3 -أبًا كان أو أُمِّا- ولا يكونوا مسلمين بإسلام واحد منهما أصلًا؟ والذي يتخرج في المسألة خمسة أقوال كلها قائمة من المدونة: أحدها: أنهم مسلمون بإسلام الأب خاصة، وهو [نص] 4 قول مالك في كتاب النكاح الثالث من المدونة؛ حيث قال: (الولد تبع للأب في الدين وأداء الجزية، وهو تبع للأم في الرق والحرية والحضانة) 5، ثم قال: (إسلام الأب إسلام لصغار بنيه).
والثاني: أنهم مسلمون بإسلام من أسلم منهم أولًا، وهي رواية ابن وهب عن مالك في غير المدونة، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الجهاد من المدونة في الحرة المسلمة تسبى فتوطأ بدار الحرب ثم غنمها المسلمون ومعها أولاد صغار، حيث قال: لا يكونون فيئًا لأنهم مسلمون بإسلامها.
والثالث: أنهم لا يكونون مسلمين بإسلام واحد منهما أصلًا، وهو ظاهر قول مالك في كتاب النكاح الثالث أيضًا في الذي أسلم في دار الحرب ثم قدم إلينا، أو قدم إلينا بأمان ثم أسلم، ثم غزا المسلمون تلك الدار فغنموا أهله وولده وماله فقال: إنْ أبت الإِسلام فإنها هي وولده وماله فيكونون فيئًا.

قال غيره: ولده [الصغير] 1 تبعًا له.
وقوله: "فإن ولده يكونون فيئًا" دليل على أن الولد لا يكون مسلمًا بإسلام أبيه؛ لأنه لو كان مسلمًا بإسلام أبيه لكان مسلمًا حيث كان؛ لأن المسلم لو نكح بدار الحرب: كان ولده مسلمًا، وهو قول أبي الفرج أن الولد حيث كان فإنه [لا] 2 يكون مسلمًا بإسلام أبيه، وهو ظاهر قول الغير في الكتاب المذكور أيضًا أنهم لا يكونون مسلمون بإسلام الأب أصلًا.
قال سحنون: وأكثر [الرواة] 3 على أنهم مسلمون بإسلام أبيهم.
قال فضل بن سلمة: [هذا يدل] 4 على أن من الرواة من يقول: ليس إسلام الأب إسلام [لهم] 5 وإن كانوا صغارًا.
و [القول] 6 الرابع: التفصيل بين الصغار والكبار، وهو ظاهر قوله في [الكتاب المذكور أيضًا] 7 فيمن أسلم وله أولاد مراهقون من أبناء اثنتي عشرة سنة وشبه ذلك، قال: لا يجبرون على الإسلام، ولا يكونون مسلمين بإسلام أبيهم ويترك الأمر إلى بلوغهم.
و [القول] 8 الخامس: التفصيل بين أن يزييهم بزي الإِسلام عند إسلامه وهم صغار، أو يتركهم.
فإن زياهم بزي الإِسلام عند إسلامه وهم صغار: فلهم حكم المسلمين

بإسلامه.
وإن تركهم مهملين حتى راهقوا الاحتلام: فلا يكونوا مسلمين بإسلام الأب، وهو قوله في الكتاب المذكور أيضًا فيمن أسلم وله أولاد صغار فأقرهم حتى بلغوا اثنتي عشرة سنة أو ثلاثة عشر فأبوا الإِسلام، وقال: لا يجبرون على الإسلام، وقال بعض الرواة: يجبرون وهم مسلمون، وهو أكثر مذاهب المدنيين.
وقوله: (فأقرهم): دليل على أنه لابد من شيء يصنعه فيهم بعد إسلامه، وليس هناك أمر يصنعه فيهم إلا أن يزييهم بزي الإسلام وأن يؤدبهم بآداب الإيمان ويختنهم ويظهر عليهم دلائل تدل على أنهم مسلمون.
فهذه خمسة أقوال كلها ظاهرة.
وللذمية حكم المسلمة [في نفسها وولدها] 1 في جميع ما ذكرناه [وفي المسألة قول سادس بالتفريق بين الذمية والمسلمة.
فأولاد المسلمة لا يكونوا فيئًا والكبار من أولاد الذمية كذلك وهو قول مطرف] 2، وأما الأمة: فإنها ترد إلى سيدها، واختلف في أولادها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأولاد لسيدها -صغارًا كانوا أو كبارًا- وهو قول ابن القاسم في كتاب الجهاد من المدونة.
والثاني: أنهم فيء -صغارًا كانوا أو كبارًا- وهو قول عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب.
والثالث: التفصيل بين أن يكونوا من نكاح أو سفاح فإن كانت أمهم قد تزوجت ووطئت بنكاح: فإنهم [يكونون] 3 للسيد.

وإن وطئت بسفاح: فإن الأولاد فيء للمسلمين، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: هل الحكم للدار أو للمالك؟ فمن رأى أن الحكم للدار قال: إنهم يكونون فيئًا.
ومن رأى أن الحكم للمالك لا للدار قال: إنهم يردون إلى السيد ولا يكونون فيئًا.
وعلى هذا ينبني الخلاف في الحربى يسلم ثم يخرج إلينا، أو قدم عندنا بأمان ثم أسلم، ثم غزا المسلمون تلك الدار فغنموا أهله وولده وماله هل يكونون فيئًا أم لا؟ وقد اختلف المذهب في ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أن جميع ذلك فيء، ولا فرق بين الأولاد وأمهم والمال، وهو قول مالك في كتاب الجهاد وكتاب النكاح من المدونة.
والثاني: أن ماله وولده الصغار لا يكونون فيئًا، وهو قول الغير [في المدونة] 1 في كتاب الجهاد.
والثالث: أن الزوجة والمال فيء دون الولد، وهو قول الغير أيضًا فى بعض روايات المدونة في كتاب الجهاد، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي".
والرابع: التفصيل بين أن يضم أهل الشرك ماله إلى أملاكهم من أجل إسلامه وخروجه من عندهم، أو يتركوه على حالته.
فإن أخرجوه وضموه إلى أموالهم: فإنه يكون فيئًا.
وإن تركوه على حالته ولم يتعرضوا له: فإنه لا يكون فيئًا، ويرد إلى ربه.
فإن [أُخذ] 2 في المقاسم: كان أحق به بالثمن، وهو قول محمد بن حارث في كتاب "الاتفاق والاختلاف" وهذا قول بَيْنَ القولين.
ولا خلاف فيما حملت [به] 3 من ولد بعد إسلامها أنه لا يكون فيئًا لأنه حر مسلم سُبِىَ فلا يدخل في المقاسم بوجه، والحمد لله وحده.

المسألة الثامنة

في تحريق العدو بالنار في حصونهم ومراكبهم وفيهم أسارى المسلمين أو ذراري المشركين

1. وإذا حضر المسلمون العدو في موضع من المواضع: فلا يخلو ذلك من أحد وجهين: إما أن يحصروهم في حصن، أو مركب، فإن حصروهم في حصن من الحصون وأرادوا أن يرموهم بالمجانيق: فإن كان فيهم أساري من المسلمين فقولان: فقيل: يرمون.
وقيل: لا يرمون، وهو قول [ابن القاسم] 2 في "الواضحة".
فإن لم يكن فيهم من المسلمين أحد، وفيهم النساء والذرية من المشركين: فإنهم يرمون بالمجانيق [اتفاقًا] 3. وهل يغرقون أو يحرقون؟ فإن كان معهم من المسلمين أحد: فلا خلاف أنهم لا يغرقون ولا يحرقون.
وإن لم يكن معهم أحد من المسلمين وفيهم النساء والذرية: فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يغرقون ويحرقون جملة إذا لم يقدروا على أخذهم، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنهم لا يغرقون ولا يحرقون وإن لم يكن [فيها] 4 إلا

الرجال المقاتلة خاصة، وهو قول سحنون في "العتبية" 1، وروى عن ابن القاسم مثله.
والثالث: التفصيل بين الذرية والعيال والرجال المقاتلة؛ فإن انفرد الرجال المقاتلة عن النساء والذرية: جاز أن يحرقوا.
وإن كان معهم النساء والذرية: لم يحرقوا.
وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وإن حصروهم في مركب على ظهر البحر فهل يجوز أن يحرقوا أو يغرقوا [أم لا] 2؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم لا يحرقون ولا يغرقون جملة إذا كان فيهم مسلمون والنساء والذرية.
والثاني: أنهم يغرقون ويحرقون جملة وإن كان معهم من المسلمين النفر اليسير أو النساء والصبيان بحيث إن لم يفعل بهم [ذلك] 3 ظفروا بالمسلمين وظهروا عليهم، وهو قول اللخمي والتونسي [والثالث: التفصيل بين أن يكون فيهم مسلمون أو ذراريهم.
فإن كان فيهم مسلمون فلا يحرقوا.
وإن كان فيهم النساء والذرية فإنهم يحرقون ويغرقون] 4. وسبب الخلاف: تغليب أحد الضررين على الآخر.
ولا إشكال أنه لا يجوز أن يقاتل العدو بالنبل المسموم و [لا] 5 بالسلاح المسموم، وقال

مالك: [وإنما كان] 1 ذلك فيما مضى، وقال محمد: لأن ذلك مما يعاد إلينا.
وكذلك كره مالك أن يجعل [لهم السم] 2 في قلال الخمر أيضًا [والحمد لله وحده] 3.

المسألة التاسعة في النفل

1 والنفل زيادة على السهم، أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفعله الإمام لرأي يراه، أو يخص به [أيضًا من] 2 يرضاه [لحراسة] 3 أو [محاربة] 4 [أو جرأة] 5 أو حسن تحسيس أو زيادة غنى أو حسن بلاء أو ما يؤدي إليه اجتهاد الإِمام.
واختلف العلماء هل يخرج من رأس الغنيمة، أو لا يكون إلا من الخمس؟ فجمهور العلماء على أن النفل لا يكون إلا من الخمسه لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 6، وجعل الأربعة الأخماس للغانمين، ولا يجوز أن يؤخذ لهم منها شيء بالاحتمال.
ومن طريق المعنى أنه لو كان النفل مستخرجًا من جملة الغنيمة ما أضر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه البيان عند الحاجة إلى بيانه؛ لأن هذه الآية نزلت في شأن خيبر والنضير، فلم يكن يؤخر بيانه إلى يوم حنين، قال: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" 7 بعد أن يرد القتال، فلو كان أمرًا متقدمًا لعلمه أبو قتادة الذي قتل قتيلًا يوم حنين، وهو من فرسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وأكابر أصحابه - صلى الله عليه وسلم - فلم يطلب ذلك حتى أمر - صلى الله عليه وسلم - من ينادي: من قتل

"قتيلًا فله سلبه".
ودليل أخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه لأبي قتادة بشهادة رجل واحد بلا يمين، فلو كان يخرج من رأس الغنيمة ما كان يخرج من حق من غنم إلا بما تنتقل به الأملاك [والحقوق] 1 قبل البينات أو بشاهد ويمين.
وحديث ابن عمر -رضي الله عنه- أيضًا دليل على أن النفل لا يكون إلا من الخمس؛ لأنه قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية إلى نجد فغنموا إبلًا كثيرةً وكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا، أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا [بعيرًا] 2 بعيرًا 3، وهذا لا يكون في الذهب والورق -أعني النفل، وإنما يكون في العروض، وهذا مذهب أكثر العلماء، والحكمة في ذلك: أن النفل نعمة أنعم بها الإمام على الذي نفله؛ إما لحسن تدبير، أو لشدة بلائه على حسب ما قدمناه، فيحتاج إلى إظهار تلك النعمة على نفسه ليكون [ذلك] 4 تحريضًا للاجتراء على العدو وحرصًا على النكاية عليهم بكل حيلة أمكنته ولذلك حصر النفل بما يظهر من الحيوان والعروض دون ما يخفى من العين وغيره.
واتفقوا على جوازه بعد القتال، وعلى منعه قبل القتال.
فإن نزل فإنه يمضي إلا أن تمس الحاجة إليه فيجوز، وللضرورة تأثير في إباحة المحظور؛ لأن ذلك يؤدي إلى فساد النيات، [واختلال] 5 الطويات، وسفك الدماء على الأمر الفاسد وهتك الأرواح على الغرض الجائر لأن المقصود في مشروعية الجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى،

فيحتاج إلى تخليص النية وتمحيص الطوية، وعلى ذلك يكون الأجر والثواب [من] 1 عند رب الأرباب، [والحمد لله وحده] 2.

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل