مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 301-333
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجعل والإجارة

صفحات 301-333
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

حمل هذه الأحمال إلى بلد كذا وكذا حيث قال: لا يتعين.
وأما الأحمال إن أصيبت لم ينفسخ الكراء بينهما على تفصيل لباقي سبب تلف الأحمال يأتي بيانها في مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
والثاني: أنها تتعين ولابد من اشتراط الخلف إن هلكت، وهو قوله في "كتاب العمل والإجارة"، فإن لم يشترط الخلف هل تجوز الإجارة أو لا تجوز؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن الإجارة فاسدة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: لا خير في ذلك؛ لأن فيه تحجيرًا على صاحب الغنم، فلا يقدر على بيعها.
والثاني: أن الإجارة جائزة، وإنما تتعين لأن رب الغنم يشترط ذلك لئلَّا يتكلف الخلف.
والثالث: التفصيل بين أن تكون قريبة فتجوز أو تكون بعيدة، فلا تجوز، والقولان في "التبصرة".
والقول الرابع: التفصيل بين أن تكون الشرط من رب الغنم فيجوز؛ لأنه يكره أن يتكلف الخلف، وأن يكون من الراعي فلا تجوز وتكون إجارة فاسدة، وهو خلاف للخمي.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا اشترط عدة لا يعينها مثل أن يشترط على [] 1 فذلك هجر، والحكم يوجب الخلف، وإن لم يشترطه باتفاق المذهب أو اشتراط عليه أن لا يرعى معها غيرها، فإنه يجب عليه أن يوفى له بشرطه، فإذا توالدت حملًا على رعاية الأولاد على سنة أهل البلد الذي هم فيه والمتعارف عليه [] 2 حملًا عليها لم يلزم الراعي رعاية الأولاد إلا

بزيادة الأجر إن شاء؛ لأن ذلك عليه تعب ومشقة، وذلك لازم في المعينة والمضمونة، وهو نصه في "المدونة".
والجواب عن الوجه الرابع: إذا سمى عدة معينة أو غير معينة، ويشترط ألا يرعى معها غيرها مثل أن يستأجره على أن يرعى مائة معينة أو غير معينة كان للراعي أن يؤاجر نفسه في رعاية غيرها إذا كان لا يضر بالأولى، وكان يقوى على أكثر منها.
فإن كان لا يقوى إلا أن يدخل فيه من يرعى معه، هل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز إذا لم يدخل بالثانية على الأولى ضررًا، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك لا يجوز له؛ لأنه فسخ عمل معين في غيره؛ لأن منافعه قد عينت في رعاية جميع ذلك العدد، فإذا أدخل معه راعيًا آخر يعينه على رعايتها فقد تولى الثاني بعض العمل الذي استؤجر عليه فسخ الأولى، وذلك فسخ المعين في غيره، وذلك ظاهر لمن أنصف.
فإن دخل في الثانية على الأولى مضرة، فلربها أن يمنعه من ذلك، وإن شرط عليه في أصل عقد الإجارة ألا يرعى معها كان ذلك له، وعلى الراعي أن يفي بعهدة الشرط، فإن لم يف به ورعى معها غيرها كان في الإجارة الثانية قولان: أحدهما: أنها للأول ويخير بين أخذها أو يفسخ عن نفسه ما زاد في الأجرة لمكان ذلك الشرط وإن أحب أخذ قيمة تلك الزيادة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" إلا أني زدت في كلامه بيانًا وتفسيرًا بما يقتضيه.
والثاني: أن الأجرة للراعي إذا لم يدخل على الغنم الأولى ضررًا،

وأنه لا يحط له من الأجر الأول شيء، وهو قول غيره في "المدونة".
ووجه قول ابن القاسم: أن الأول قد زاد في الأجرة احتياطًا لغنمه فلا تبطل [مقالته] 1 في تلك الزيادة.
ووجه قول غيره أن الأجير قد يحط من أجرته لمكان راحته ورغبة في دفع المؤونة العظيمة عن نفسه.
وهذا السؤال مشترك الإلزام.
فإن انتقصت الأولى لمكان رعاية الثانية معها فلا يخلو من أن يكون قد اختار فيما يجب له فيما [أجربه] 2 نفسه في الثانية أو يكون قد اختار أن يفسخ عن نفسه ما ينوب ذلك الشرط أو أخذ قيمة تلك الزيادة كان له أخذا مع قيمة ذلك النقص [والحمد لله وحده] 3.

المسألة الحادية عشرة في تضمين الأجراء والصناع مع تقدم الكلام في تضمينهم

أما الأجراء فهم على ضربين: أجراء الصناع، وأجراء الحفظ والرعاية.
فأما أجراء الصنع فقد أطلق ابن القاسم في "المدونة" و"الموازية" سقوط الضمان عنهم فيما إذا ادعو الضياع، وفرق بينهم وبين الصناع بأن الأصل سقوط الضمان عن الجميع؛ بدليل الأمانة؛ لأن المالك ما أسلم ملكه إلا لغرض له في ذلك، فضارع المودع؛ لأن السر في سقوط الضمان عنه حصول الغرض الناجز للمودع بحفظ المودع له سلعة لا الحفظ العاري عن الأجرة؛ بدليل أنه لو أخذها لم يخرجه أخذها عن قانون الأمناء في سقوط الضمان، وهذا هو الأصل المستمر في قواعد الشرع، لكن استولى التعبد على تفصيله، فضمن باعتبار عموم البلوى على ما تقدم تفصيلًا وتحصيلًا، وبقى الأجير على الأصل، هكذا جاءت الرواية عن ابن القاسم بسقوط الضمان عن الأجير الصانع، وأن الضمان على الصانع الأجير، فاختلف الأصحاب في تأويل قول ابن القاسم فمنهم من قال: إنما يصح ما قال ابن القاسم إذا كان الأجير يعمل بين يديه، ونصب عينيه، وأما إذا كان يغيب على أخذه [ويجوزه] 1 فإنه يضمن كالصانع، وهو قول أشهب في "الموازية"، ولابن القاسم في "العتبية" مثله.
ومنهم من قال: إذا كان الأجير يعمل مقاطعة على العمل فلا فرق بينه

وبين الصانع في الضمان، فإذا كان يعمل مياومة التحق بالأجراء الساقط عنهم الضمان وانقطع عن الصناع الثابت عليهم الضمان.
والتأويل الأول أظهر ولاسيما مع نص أشهب، ونص قوله في "الموازية"، وإذا ذهب أجير الغسال بالثياب إلى البحر فزعم أنها ضاعت ضمن، وقال في الخياط: يدفع الثيات إلى أجرائه، فينقلبون بها فيزعمون أنها ضاعت، فإنهم ضامنون.
وأما أجراء الحفظ والرعاية فعلى ضربين: فضرب لهم تعلق بالعمل، وضرب آخر لهم حفظ ورعاية مجرد عن العمل.
وأما من له تعلق بالعمل كصاحب الحمام تضيع عنده ثياب الناس، هل يضمنها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ضامن لها، وهي رواية ابن القاسم في "العتبية" أنه قال: أمرت صاحب السوق يضمنون أصحاب الحمامات ثياب الناس، أو يأتون بمن يحرسها.
والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو اختيار اللخمي.
وسبب الخلاف: اختلافهم في صاحب الحمام، هل يلحق بالصناع أو بالأجراء؛ فمن ألحقه بالصناع قال: يضمن؛ لأن المقصود منه العمل والتنظف في الاغتسال فيضمن ما لا يستغني عنه الداخل في الحمام وهي ثيابه [وفرقه] 1؛ لأن ثياب الداخل جرت العادة من أهل الحمامات بالجناية عليها [والشروع] 2 إلى إتلافها، فاقتضت المصلحة تضمينهم لها

تضمين الحمالين الطعام وحده لكونه محل الجناية غالبًا، فمن ألحقه بالأجراء وقال: وإن كان صاحب الحمام من الصناع المنتصبين والعمال المتصديين فإن الداخل في الحمام إنما اشترى منافع هو يتولى قبضها بنفسه وهو الانتفاع بالحمام وثيابه خارجًا في حكم الوديعة لا صنعة فيها، ولا إجارة عليها، وإن دفع صاحب الثياب أجرة الحارس كانت الأجرة للأمانة، فصار بمنزلة من أودع وديعة، فليس له أخذ الأجرة عليها بالذي يخرجه عن أن يكون أمينًا إلا أن تظهر الجناية فيضمن الأجراء من هذا الوجه.
فإن أتي بحارس هل يضمن الحارس ما تلف منها أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ضامن؛ لأنه أجير مشترك، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يضمن، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في أجير الصانع، وهو قوله في "كتاب محمَّد" أيضًا.
فقد اختلف المتأخرون في تأويل قول مالك في "المدونة": "لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام" هل أراد بذلك صاحب الحمام نفسه؟ وهو ظاهر قول أبي محمَّد في "النوادر" حيث قال بتضمينه على قول مالك في "العتبية" قد قال في كتاب آخر: لا يضمنون.
وقال بعض المتأخرين: ما لوح به أبو محمَّد إنما هو عندي ما وقع في المدونة في الجعل، والإجارة منها من قوله: لا ضمان على حارس ثياب من دخل الحمام، وقال هذا المتأخر: هذا خارج عما نحن فيه، وأشار إلى أن ما في المدونة إنما هو في الأجير على الحفظ قد استؤجر على الحراسة للعرية عن العمل، فصار أجيرًا لصانع، ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، وأشار إلى أن ما في "المدونة" إنما هو صاحب الحمام نفسه، والكلام محتمل كما ترى.

وأما الأجير الحافظ غير العمل، مثل أن يستأجر على حرس الثياب في منشر القصار أو على حرس الطعام في الأندار أو على ساحل البحر أو استأجره البحار على حرس الأحمال في الرحبة، إنه يسقط عنه الضمان إذا ادعى الضياع، ولا يضمن إلا بالتعدي والغفلة، وليس النوم من ذلك إلا أن يفرط فيه فيضمن.
وقال بعض المتأخرين في الراعي إذا نام في الشتاء أول النهار أو في آخره في الصيف ضمن؛ فكذلك الأجير على الحفظ؛ إذ لا فرق في ذلك بين ما يغاب عنه، وما لا يغاب عنه، وإنما التعدي أن يذهب، ويترك ما استحفظ أو يشتبه عليه السارق، فيتركه حتى [يأخذ] 1 المتاع ظنًا أنه مالكه، فهذا يضمن وهو قول ابن القاسم في "العتبية" [والحمد لله وحده] 2.

المسألة الثانية عشرة في الذي أجر عبده ثم يبيعه قبل انقضاء أمد الإجارة فالإجارة أولى بذلك اتفاقًا

ثم لا يخلو المشتري من أن يعلم بذلك أو لا يعلم، فإن علم بذلك قبل انقضاء المدة فلا يخلو ما بقى من أمد الإجارة من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا كاليوم واليومين وما أشبه ذلك، فالبيع جائز إذا رضي المشتري بذلك قولًا واحدًا؛ إذ يجوز للبائع أن يستثنى هذا القدر في أصل العقد.
فإن كره المبتاع انتظار مضى باقي المدة، هل يلزمه ذلك البيع ويجبر على التربص؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنه شيء أوجبته الأحكام، وهو تأويل بعضهم أيضًا.
فإن كان كثيرًا، فهل يجوز للمشتري الرضا بالتربص إلى انقضاء أمد الإجارة، ويجوز البيع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز له الرضا بذلك لوقوع العقد على الفساد؛ لأنه من المعين يقبض إلى أجل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز للمشتري الرضا بذلك، ويجوز البيع؛ لأن العلة في المعين يقبض إلى أجل ضمان بجعل؛ وذلك أن المشتري اتهم في أن يشتريه بأكثر من ثمنه ليبقى في ضمان البائع إلى ذلك الأجل فتلحقهم التهمة في التواطؤ على ذلك، ولا تهمة في مسألتنا هذه؛ لأن ذلك شيء أوجبه الحكم، ومشهور المذهب أن ما يوجبه الشرط على خلاف ما يوجبه الحكم، وهذا القول يستقرأ من المدونة من غير ما موضع.

فإن لم يعلم المشتري بذلك إلا بعد انقضاء أمد الإجارة، فلا يخلو تأتيها من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا، فالبيع لازم للمشتري قولًا واحدًا، وهل له المقال في أجرة هذين اليومين أم لا؟ على قولين: فعلى القول بأنه يجبر على التربص إذا علم قبل مضي بقية المدة، وإن كان ما بقى منها يومًا أو يومين تكون الإجارة للبائع.
وعلى القول بأنه لا يجبر تكون الإجارة له.
فإن كان باقي المدة كثيرًا، فهل يجوز للمشتري الرضا بهذا البيع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجوز له الرضا بذلك؛ بل يلزمه؛ لأنه كعيب ذهب قبل علمه، وهو تأويل بعضهم.
والثاني: أنه لا يجوز له الرضا به؛ لأنه بيع وقع على الفساد، وهو تأويل بعضهم أيضًا.
وعلى القول بأنه يجوز له الرضا بذلك البيع لمن تكون إجارة بقية المدة؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها للبائع، ويغرم المشتري جميع الثمن.
والثاني: أنها للمشتري.
والثالث: أنها للبائع ويرجع عليه المشتري بما بين قيمة البيع على القبض ناجزًا وقيمته حتى يخرج من الإجارة أن لو جاز البيع على ذلك، فيرد عليه قدر ذلك من الثمن يقال: ما يساوي على أن يقبضه في الحال مثلًا؟ فيقال: عشرة، ويقال: ما يساوي على أن يقبض بعد شهر؟ فيقال:

ثمانية، فيرد عليه البائع خمس الثمن.
والأقوال الثلاثة كلها للمتأخرين [والحمد لله وحده] 1.

المسألة الثالثة عشرة في مرض أحد الأجيرين أو الشريكين أو المستأجرين على حفر بئر

إذا مرض أحدهما فلا يخلو حالهما من ثلاثة أوجه: إما أن يكون العمل بينهما مضمونًا، وإما أن يكون معينًا، وإما أن يبهم الأمر.
فإن كان العمل مضمونًا، فمرض أحدهما وقال الآخر: جميع العمل فعلى رب البئر جميع الأجرة لهما نصفان: نصفها للمستوفي، ونصفها الآخر للمؤوف، ولا سلطان لرب البئر عليهما؛ لأن العمل بينهما مضمون وها هو موفور.
وهل للمستوفي مطالبة المؤوف في أجرة ما عمله له أم لا؟ فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا مطالبة له عليه؛ لأنه في حكم المتطوع له، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: التفصيل بين أن يكون حفره في أول مرضه، ثم لا شيء له عليه لتركه التثبت لعله يصح فيحفر معه، وإن كان بعد أن طال به المرض فله عليه الأقل من إجارة مثله أو إجارة غيره ممن كان يعمل معه أو استبانة المؤوف.
فإن كانت إجارته أقل لم يكن له غير ذلك، فإن كانت إجارة غيره أقل لم يكن له إلا ذلك، وهو [قول] 1 اللخمي.

والثالث: التفصيل بين أن يكون المؤوف ممن عادته مباشرة الخدمة، أو كان ممن يفتقر إلى الاستئجار؛ فإن كان ممن يتولى العمل بنفسه، ويباشره بيده، فلا شيء للمستوفي عليه، فإن كان مفتقرًا إلى الاستئجار في الصحة والمرض، فللمستوفي عليه ما كان يستأجر به في مثل ذلك قياسًا على من حصد زرعًا لغيره بغير إذنه أو حفر كرمه أو حرث أرضه، فإن ابن حبيب قال فيه بالتفصيل الذي قدمناه.
فإن كان العمل معينًا حيث تنفسخ الإجارة بالموت والمرض فللمستوفي له نصف الأجرة على صاحب البئر، وهل له عليه نصفها الآخر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا شيء له عليه، وهو له متطوع، وهو قول ابن القاسم وسحنون.
والثاني: أن له عليه الأجرة كاملة، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب".
واختلف هل ينفسخ العقد على المؤوف، ولا شيء له على صاحبه أو له أن يستعمله في مثل ذلك؛ فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أنه يستعمله في مثل ذلك إن أمكن؛ لأن محل الأجير لا يتعين، وهو قول ابن القاسم في البقعة إذا غرقت بعد أن استؤجر على حرثها.
والثاني: أن الإجارة تنفسخ بينهما بناء على تعيين محل العمل، وهو قول أشهب في البقعة المذكورة.
فإذا قلنا بالفسخ لتعذر الخلف عاد مقام المؤوف مع المستوفي فيقول له: أبطلت عليّ حقي، ولم آمرك بحفر نصيبي، فإن كان حفر المستوفي بعد

طول المرض، فلا شيء له لضرورة التربص، وإن كان في أوله، فللمؤوف عليه أجرة المسمى؛ لأنه أبطله عليه، ثم للمستوفي أن يستعمل المؤوف في مثل ذلك، هكذا قيل.
وأما الوجه الثالث: إذا أبهم الأمر، وأطلق العقد، فابن القاسم يرى في العمل مضمونًا في كون المستوفي متطوعًا للمؤوف، وسحنون يراه معينًا في كون المستوفي لصاحب البئر متطوعًا ولا مشاحة بينهما مهما فهم الغرض.
وأما الجواب عن الوجه الثاني: إذا مرض أحد الشريكين، ولا تخلو الشركة من أن تكون بدنية أو مالية، فإن كانت مالية فالربح بين المستوفي والمؤوف، وله عليه أجر عمله؛ لأن المال سبب للربح، وهو مما يختلف.
وأما البدنية فلا يخلو المرض من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا، فإن كان يسيرًا فما الغالب فيه التسامح، فالربح بينهما، ولا شيء [للمعافي] 1 على المؤوف.
فإن كان كثيرًا، فهل يكون [المعافى] 2 متطوعًا للمؤوف؟ قولان: أحدهما: أنه متطوع له، وهو قول أشهب.
والثاني: أنه لا يكون متطوعًا، وهو قول ابن القاسم، فعلى قوله يكون الربح بينهما، ويطالبه بأجرة عمله، وأما سحنون فقد اعتبرهما بالأجيرين؛ لاعتقاده أن شريكي البدن لا يلزم أحدهما ما أخذه الآخر إلا ما اجتمعا على أخذه والتزماه من الضمان، وابن القاسم يرى هذا الإلزام مستفاد من تفسير العقد لا من الشرط ويفرق بينهما وبين الأجيرين؛ فإن

الشريكين كل واحد منهما حميل على صاحبه ضامن عنه ما تقبلاه؛ إذ المبتاع مما يضمن، فلهذا لم يصر الصحيح متطوعًا، وأما الأجيران فليس أحدهما ضمينًا ولا حميلًا؛ إذ البئر لا يضمن فلذا صار الحافر متطوعًا، والحمد لله وحده.

المسألة الرابعة عشرة فيمن استأجر رجلًا يبنى له حائطًا فبنى نصفه فانهدم قبل تمامه

فقد قال ابن القاسم في "الكتاب": له بحساب ما بني، وليس عليه بناؤه ثانية -كان الآجر والطين من عند الأجير أو من عند صاحب الحائط- ثم قال: وقال غيره: لا يكون هذا إلا في عمل رجل بعينه، ولا يكون مضمونًا.
وقال سحنون: وإذا كان مضمونًا كان عليه تمام العمل، وهذا في رواية ابن أبان، وفي رواية الدباغ إلا أن اسم سحنون سقط [عند] 1 الدباغ، وعلى هذه الرواية نقلها ابن أبان، وعلى هذا المعنى اختصرها ابن أبي زيد، فقال: هذا في عمل رجل بعينه، وعليه في المضمون تمام العمل، ووقع في بعض الأمهات، قال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون إلا مضمونًا، وعليه في المضمون تمام العمل، وقال سحنون في بعض الأمهات: مسألة الغير أصح مسائلنا، وهو أصل جيد، فعلى ما اختصر عليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد يكون قول الغير وفاقًا لقول ابن القاسم، وهي الرواية المشهورة، وعلى الثانية التي قال فيها لا يكون هذا في عمل رجل بعينه يكون خلاف قول ابن القاسم، ويكون قول الغير هاهنا مثل قوله في المسألة الواقعة في أول الكتاب في الذي يستأجر رجلًا على أن يبني له دارًا على أن الجص والآجر من عند البناء، فقال مالك وابن القاسم: إن ذلك جائز قالا: لأنها إجارة وشراء جص

وآجر صفقة واحدة.
وقال غيره: إذا كان على وجه القبالة، ولم يشترط عليه عمل يده، فلا بأس به إذا قدم نقده فحمل الغير المسألة أنها كالسلم، فيلزم فيها شروطية، وإن لم يذكر ضرب الأجل؛ لأنه يرى المقبوض والمعجل في جنب ما بقى تبعًا وقليلًا، وأمد الفراغ منها معلوم، وما يدخل فيها من جص، وآجر معلوم لا يخفى على الناس، فاستغنى عن ذكره، وابن القاسم لم يراع هذا؛ بل رآها إجارة وبيعًا -كانت من عمل رجل بعينه أو بغير عينه-؛ فصار شبيهًا ببيع السلعة للحاجة إلى ذلك؛ ولأن أمد فراغها معلوم وما يدخلها معلوم، وأنه يشرع في العمل، وأنه أمر قد [تعارفه] 1 الناس، ومسألة بناء الحائط من هذا القبيل، فكل ما بني فقد برئ منه، وصار في حكم المقبوض، فإذا انهدم قبل تمامه كان ضمانه من الأجر وللأجير من الأجر قدر ذلك، ولا تلزمه الإعادة ثانية إلا أن يكون سقوطه من سوء صنعته، فيلزمه البناء ثانية، وتمام المسألة في الأسدية قال فيها: فإن تشاحا فعليه أن يبني ما بقى من العمل فيما يشبه، وله أجره كله إلا أن يكون ذلك من سوء صنعة البناء فعليه أن يعيده حتى يبني الحائط كله.
قلت: فإن لم يكن من سوء صنعة البناء فهل له أجرة كله، وعليه أن يبني ما بقى من العمل فيما يشبهه وله أجره إذا تشاحا وطلبا ذلك؟ قال: نعم.
وبهذه الزيادة يتبين معنى المسألة ويزول ما فيها من [الإشكال] 2 [والحمد لله وحده] 3.

المسألة الخامسة عشرة في التداعي بين الآجر والأجير

اعلم أن التداعي يحتوى على عدة مسائل [لاكنا] 1 نقتصر منها على الغامض ونغضي عن الواضح، فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو من ثلاثة فصول: أحدها: أن يتقاررا على التسليم، والتسليط على العمل، ويختلفا فيه.
والثاني: أن يتقاررا على التسليم، ويختلفا في التسليط على العمل.
والثالث: أن يشاركا التسليم رأسًا.
والجواب عن الصورة الأولى: نورده في خمسة معارض متدانية الجواب متقاربة المآخذ: منها أن يتفقا على العمل لكن صاحب السلعة يقول بغير أجر [والصانع] 2 يقول بأجر.
ومنها: أن يختلفا في عين العمل المراد.
ومنها: أن يختلفا في مقداره.
ومنها: أن يختلفا في السكوت عن ترك ذكر الصفة، فيقول الآجر: أمرتك بكذا، ويقول الأجير: ما أمرتني بشيء، ومنها أن يتفقا على ترك الذكر ثم يختلفا بعد ذلك فيقول الآجر: ما أردت هذا، ويقول الأجير:

رأيته مما يصلح لك.
فالأول: إذا اتفقا على العمل لكن صاحب السلعة يقول بغير أجر، والصانع يقول بأجر، ففيه قولان منصوصان في الكتاب: أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وإن لم يأت بما يشبه، فإنه يرد إلى إجارة المثل، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن الصانع يحلف، ويأخذ الأقل مما ادعى أو من أجرة المثل، وهو قول الغير في الكتاب.
ووجه قول ابن القاسم: قيام الدلالة على قبول قول مدعي الاشتباه دون من لم يدعه، ولا خفاء أن الصانع إنما انتصب وتصدى غالبًا للاكتساب لا للتعب والانتهاب، والآجر يدعي خلاف هذا الظاهر فعليه البيان.
ووجه قول الغير: أنه لا يصدق واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه صاحب السلعة يدعي الهبة، فعليه الدليل، والآجر يدعي الأجرة، فعليه البيان، فيحلف على كل حال ليحقق المال الذي ادعاه، وأما يمين صاحب السلطة، فتسقط تارة، وتثبت أخرى تسقط فيما إذا كان المدعي أقل من إجارة المثل أو مثلها، وتثبت إذا كان زائدًا عليها ليحط عن نفسه النائف.
وأما الثاني: إذا اختلفا في عين المراد هذا يقول أحمر، وهذا يقول أخضر أو بالعكس.
والثالث: أن يختلفا في مقدار الأجر هذا يقول عشرة، وهذا يقول خمسة فجواب القسمين واحد؛ وهو أن ينظر فإن كان ذلك قبل العمل فلابد من التحالف على ما ذكرناه في البيوع، فإن كان بعد العمل، فالقول قول الصانع إلا في البناء، فالقول فيه قول رب العرصة إذا اختلفا في

الأجرة على ما نقله أبو محمَّد في "النوادر" عن ابن نافع عن مالك إذا اختلفا في المراد، فقال صاحب العرصة: أردت عشرة في عشرة، وقال البناء: خمسًا في خمس تحالفا، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر، فالقول قول الحالف فإن حلف فسخ ذلك، ويقلع البناء نقصه إلا أن يريد صاحب العرصة أن يأخذ نقضه مقلوعة، والذي أوجب داره أن التصديق لدلالة وضع اليد على الشيء المدعي فيه له أصل في الشرع، ونظير في السمع كما نقله في تكافؤ الدعاوى وعدم الترجيح، فإذا ثبت ذلك، فتصديق الصناع؛ لأنهم حائزون لما قبضوا فلا يؤخذ منهم إلا بما قالوا.
وأما البناء فليس بحائز للعرصة، ولا لما فيها؛ بل الحائز ربها على القول بأن الأملاك تحرز على ملاكها؛ فلهذا لم يصدق البناء.
ومما ينخرط في سلك التداعي في عين المراد مسألة الحجام الواقعة في الباب جرى فيها ابن القاسم وسحنون على المقول الذي فرغنا منه آنفًا؛ فابن القاسم يصدقه في الأجرة، وفي طرح العداء عن نفسه؛ لأنه من البعيد أن يمكنه العليل من قلع ما لا يريد، وسحنون يصدقه في طرح العداء إلا في الأجرة ويتحالفا فيدفع الحجام شبهة العداء، ويدفع العليل بيمينه ما ناف على أجرة المثل حتى لو كانت تسميه مثل إجارة المثل أو أقل لم يكن ليمينه وجه.
وقال في بعض الأشياخ: إنما يتصور الخلاف في هذه المسألة بحصول الأشباه بكون الذاهبة معتلة، والباقية مختلة، فأمَّا إن كان الذاهبة معتلة، والباقية غير مختلة لكان القول قول الحجام لانفراده بالأشباه، والآخر يريد سقوط الأجرة.
ولو كانت الباقية مختلة والذاهبة غير معتلة علم ذلك بالنظر إليها في موضعها إلا أن القول قول العليل، ويحلف حذار الغلط منه في الذاهبة

لمعاراتها الباقية في الألم، ويستحق دية الذاهبة إلا أن يكون في الباقية دليل على فسادها من اسودادها وصفًا للذاهبة، فيصدق العليل من غير يمين.
وأما الوجه الرابع: وهو الاختلاف في ترك الذكر مثل أن يقول الصانع بعد أن قطع الثوب قميصًا مثلًا: لم تأمرني بشيء، وقال صاحبه: بل أمرتك بقطعه فيتقاررا أو لا، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إلا أن يقطعه قطعًا لا يلبسه الآجر، وهو قوله في "الموازية".
والثاني: إذا أقر الصانع أنه لم يأمره بشيء فهو متعد، وهو قول أحمد ابن ميسر قال: وإنما يصح الجواب على ما في الموازية إذا قال له صاحب الثوب: اقطعه على ما ترى، وقد عرف ما يقطع الرجل.
فوجه القول الأول: أنه لما صدق في الاختلاف، ففي المقدار، وفي المراد لما قدمناه من قوة دلالة اليد؛ فكذلك يصدق في إنكار الصفة.
ووجه القول الثاني: أن الصانع إذا أقر أنه لم يؤمر بشيء، فهو مبعد لإقدامه على العمل دون صفة، ودون ما يقوم مقامه من العرف.
وأما الخامس: إذا اتفقا على ترك الذكر، فيختلفا بعد ذلك فقال الآجر: ما أردت هذا، وقال الأجير: رأيته مما يصلح لك، فنص المذهب على أنه إن عمل ما يشبه لباس الرجل لم يضمن، وإن كانت الصنعة عامة بفحواها شاملة لمبناها، فالواجب تنزيلها على محل أحكام العرف؛ لأنه أصل في الأحكام والقيد العرفي كالقيد الشرطي.
والجواب عن التفصيل الثاني: إذا اتفقا في التسليم واختلفا في التسليط؛ مثل أن يدعي الصانع أنه استعمله فيه، والآجر يقول: بل استودعتكه، فالمذهب على قولين أيضًا:

أحدهما: أن القول قول الصانع مع يمينه إذا أتى بما يشبه، ووجهه: ما قدمنا الإشارة إليه من شهادة العرف للصانع؛ لأن استصناعهم هو الغالب المعتاد واستيداعهم هو النادر الشاذ، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه مصدق في طرح العداء مع يمينه، ولا يصدق في التسمية إذا زادت على إجارة المثل، فأقل لم يكن عليه يمين، وهو قول الغير.
والتوجيه ما تقدم من مسألة الحجام.
والجواب عن الفصل الثالث: إذا تناكر التسليم رأسًا، وقال: سرق مني، وقال له صاحبه وهو يحاوره وهو الأجير: بل استعملتني، وجاء معمولًا، فلا يخلو من أن يضيف إليه السرقة، أو قال: سرق مني ولم يضفها إليه.
فإن قال: سرق مني، ولم يضفها إليه، ولا عين عمرًا من زيد، فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أن كل واحد منهما مدع على صاحبه، وهو قول ابن القاسم، ووجهه أن كل واحد منهما جاء بما يشبه؛ لأن الصانع يدعي الاستصناع، ولها حلس والأجير لما أنكر التسليم والتسليط صار مدعى عليه، قال ابن القاسم: يتحالفان، فإذا تحالفا فصاحب الثوب بالخيار؛ لأن الأصل له، وقيل له: ادفع إليه أجر عمله، فإن أبى قيل للآخر: ادفع إليه قيمة ثوبه غير معمول، وهذا بقيمة عمله.
والثاني: أن العامل مدع، ولا يكونا شريكين -يريد؛ لأنه ادعى الاستعمال على المالك- ويجبر على غرم القيمة، وإن أراد صاحب الثوب، ولا يكونان شريكين، وهو قول غيره في المدونة، وإنما جعلهما ابن القاسم شريكين؛ لأن اختلافهما شبهة على ما قدرناه، فإذنهما الإباه إلى الشركة

كالأنثى تشبهه.
وأما إذا أضاف السرقة إليه، فقال: سرقت متاعي، فإن كان الصانع ممن يشاء إليه بذلك، وهو صانع منتصب كان الجواب على ما تقدم من الخلاف لقيام الشبهة، ولا عقوبة على المدعي.
وإن كان ممن لا يشار إليه بذلك كان القول قول الصانع، ويعاقب الآجر.
واختلف أشياخنا في تأويل هذه المسألة؛ فمنهم من حملها على ظاهرها، وقال: التحالف قبل التخيير يحلف صاحب الثوب أولًا ليدفع عن نفسه ما ادعى عليه من التسليط، ويحلف الآخر ليدفع ما ادعى عليه من التعدي؛ لأن التخيير إنما يستحق بالتحالف؛ يقال لصاحب الثوب: ما تريد؟ فإذا قال: تضمين قيمة ثوبي، كان التحالف على ما في "المدونة"، فإن قال: أريد ثوبي نظر إلى قيمة ما فيه من العمل.
فإن كان أكثر من دعوى الصانع، أو مثله فلا أيمان بينهما، ويقال له: هبك أن الأمر كما قلت أما كنت تقدر على أخذه إلا بعد غرم إجارة المثل أو ما ادعى الصانع إن كان أقل لأجل الشبهة.
فإن كان مما ادعى الصانع أكثر حلف صاحب الثوب وحده يسقط الزائد، وإن نكل حلف الصانع وأخذ المسمى، قال: وهذا إذا لم يضف السرقة إليه، فأما إن أضافها إليه، فلابد من التحالف ليوجب أحدهما الضمان، ويبرأ منه الآخر.
ومن هذا القبيل فمسألة اللات الذي قال: أمرتني أن ألته بكذا، وقال الآخر: ما أمرتك بشيء، قال في الكتاب: يقال لصاحب السويق: إن شئت فأعطه ما ألته به وخذ السويق، وإن أبى قيل للآخر: اعطه مثل

سويقه غير ملتوت وإلا فأسلمه ملتوتًا، ولا يكونان شريكين لوجود المثل القائم مقام العين، وهذا قول ابن القاسم وغيره يقول: إذا أبى صاحب السويق من دفع الأجرة كان على اللات أن يغرم مثل سويقه غير ملتوت، وهذا السؤال كالذي قبله؛ لأن رب السويق ما أقر بالتسليم فضلًا عن التسليط، وإنما قال: سرق مني؛ فرأى ابن القاسم أن التعدي لا يثبت بالتداعي فلم يضمنه المثل؛ ولهذا جوز أخذه ملتوتًا، ولم يره طعامًا بطعام متفاضلًا، والغير يراه متعديًا بوضع اليد على مال الغير العاري عن الإذن، فألزمه المثل عند الامتناع عن الأخذ، ولم ير ذلك طعامًا بطعام متفاضلًا؛ لأنه عن ذمته يعتاض، ومن الأصحاب من لا يرى قول الغير خلافًا لقول ابن القاسم قائلًا بأن قوله وإلا قضى على اللَّات، يريد: إذا أبى صاحب السويق من أخذ الملتوت، فللنظر فيما قال مجال [والحمد لله وحده] 1.

المسألة السادسة عشرة في الذي يقول للرجل: احصد زرعي هذا ولك نصفه، أو جذ نخلي هذا، أو التقط زيتوني هذا ولك نصفه

ولا يخلو ذلك من أربعة أقسام: أحدها: أن يقول: احصد زرعي هذا، ولك نصفه.
والثاني: أن يقول: فما حصدت أو لقطت، فلك نصفه.
والثالث: أن يقول: فما حصدت اليوم، أو لقطت فلك نصفه.
والرابع: أن يقول: احصده وادرسه وذره على أن لك نصف ما يخرج منه.
فالجواب عن القسم الأول: إذا قال له: احصد زرعي هذا ولك نصفه، فلا خلاف في المذهب في جواز ذلك لجواز بيعه على تلك الصفة، وكل ما يجوز بيعه تجوز الإجارة به، فإذا حصد جميع الزرع، فقد استحق نصفه، ثم يكون ما بقى من العمل بينهما أنصافًا، وكذلك الحكم إذا لم يقل كله، فإن ضاع الزرع بعد الحصاد كان الضمان منهما جميعًا.
فإن هلك الزرع قبل الحصاد؛ مثل أن يحترق أو يصيبه جليد وهو قائم هل يكون الضمان منهما جميعًا أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الضمان من ربه خاصة؛ لأنه لا يدخل في ملك الأجير إلا بعد الحصاد، وهذا القول يستقرأ من "المدونة" من غير ما موضع منها قوله في آخر "كتاب الجعل والإجارة" حيث قال: فأمَّا الحصاد فهو من حين يحصده وجب له نصفه، فقال بعض المتأخرين: بهذا يستدل على أنه

إنما يجب له بعد حصاده، ونصوص المذهب أن الأجير لا يستحق الإجارة إلا بعد استيفاء العمل، فكيف يقال في هذه المسألة أن الضمان منهما جميعًا، ويجعل الأجير يملك الأجر بنفس العقد؟ ولا حجة لمن احتج بكون الأجير معينًا، والمعين يدخل في الملك بنفس العقد، وإلا كان من باب المعين يتأخر قبضه بدليل تعيين السلعة في البيع؛ إذ للبائع أن يحجبها حتى يقبض الثمن، ولاسيما على القول بأن المشتري هو المخاطب بتسليم الثمن أولًا، فما دام المشتري لم يدفع الثمن، فالسلعة في ضمان البائع والإجارة بيع؛ إذ لا فرق بين بيع المنافع وبيع الأعيان.
فإذا جعلنا الأجير هاهنا كالمشتري ورب الزرع كالبائع والأجير مخاطب بتسليم المنافع أولًا، فإذا مسكها صح له الزرع، ودخل في ملكه، وقبل أن يشرع في الحصاد يعني الزرع في ضمان ربه، وذلك لا يخفى على من اعتاد اختراع أبكار المعاني، وراض فكره في اقتباسها بالمعاني، وأما من طبع بطبائع البليد، وقيد بسلاسل التقليد، فإنه عنده أخفى من الخفاء وأبعد من السماء.
وعلى القول بأنه في ضمانه بنفس العقد، فما الذي يجب لرب الزرع على الأجير؟ فإن المذهب فيه على قولين: أحدهما: أن يستحصد الأجير في مثل ذلك الزرع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن عليه نصف قيمة الزرع، وليس عليه [باقي] 1 نصفه، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور.
قال يحيى بن عمر: لأن الزرع يختلف، وقاله ابن القاسم أيضًا.

والجواب عن القسم الثاني: إذا قال: فما حصدت أو لقطت فلك نصفه، هل يجوز ذلك أم لا؟ ففي الكتاب قولان: أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول غيره.
ووجه قول ابن القاسم: أن الأجير عالم بما ينفع من الزرع؛ لأنه كلما أراد أن يقطع عرجونًا أو يحصد موضعًا، فإذا وضع يده عليه فيحده علمه حينئذ قبل أن يجذه وجذه على علم أن له نصفه.
ووجه قول الغير: أن ذلك غرر وخطر لا يدري قدر ما يجذ، ولا ما حصد، ولا ما يلقط، ولا يدري متى شاء، وهل يترك بعد ما عمل قليلًا أو كثيرًا؟ والجواب عن القسم الثالث: إذا قال له: فما حصدت اليوم أو لقطت فلك نصفه: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه جعل والجعل لا يجوز فيه الأجل؛ لأن الأجير غير عالم بما يصح له في ذلك إلا أن يشترط له أن يترك متى شاء، فيتخرج على الخلاف الذي قدمناه في الجعل إذا ضرب فيه أجل؛ فظاهر "المدونة" الجواز، ولابن القاسم في "المدونة" أنه لا يجوز، وقد قال في الذي قال: جذ نخلي هذا، واترك متى شئت ولك نصف ما عملت أنه لا أجر فيه.
والجواب عن القسم الرابع: إذا قال: احصد زرعي هذا وادرسه، ولك نصفه، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.

والثاني: أن ذلك جائز، وهي رواية أشهب عن مالك في "العتبية"، وهذا القول قائم من المدونة.
وعند ذكر منشأ الخلاف يتبين لك الاستقراء.
وسبب الخلاف: اختلافهم في بيع الزرع بعد حصاده وقبل دراسه، هل يجوز أم لا؟ فمن رأى أن ذلك لا يجوز قال: لا تجوز به الإجارة؛ لأنه استأجره بما يخرج من حبه، وذلك مجهول قدره؛ لأن بيعه على تلك الحالة غرر وخطر لكون الزرع أغمار لا يقدر على حرزه لتغيب بعضه بعض، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور، ومن رأى أن ذلك جائز، وأن بيعه أغمار أو حالًا لا غرر فيه، وأن ذلك يدرك حرزه بالتحري كما يدرك وهو قائم، وهو محل الاتفاق قال: بجواز الإجارة بذلك.
والقول بجواز بيعه بعد حصاده قائم من المدونة من أول "كتاب الجعل والإجارة" حيث قال مالك: لو أن رجلًا باع حنطة في سنبلها على أن يدرسها، ويدريها كل قفيز بدرهم أن ذلك جائز، فلم يذكر الحصاد، وظاهره أنه مخصور: فقال بعض المحققين: فيه دليل على جواز بيع الزرع المحصود حزمًا.
ويؤخذ له من آخر الكتاب المذكور: حين يحصده وجب له نصفه، وهي رواية ابن نافع، وأشهب عن مالك.
وأما قوله: "انقض زيتوني هذا، فما نقضت من شيء فلك نصفه"، فإن ذلك لا يجوز، ولا أعرف في المذهب فيها نص خلاف إلا شيئًا وقع في "النوادر" نقله الشيخ أبو محمَّد عن مطرف، وابن الماجشون في الذي قال لرجل: انقض زيتوني هذا -أو قال القطه- ولك نصفه فجائز، وكذلك إن قال: فما لقطت أو نقضت فلك نصفه، وقال: وأجازه ابن

القاسم في اللقط، ولم يجزه في النقض، وهذا نص قوله.
فقال الشيخ أبو محمَّد: ومحمل قوله: فما نقضت يقول: ما جمعت؛ كقوله: اقطف كرمي، أو جذ تمري بنصفه.
فإن كان مرادهما كما تأوله الشيخ كان كما قال ابن القاسم، وإن كان مذهبهما المساواة بين النقض واللقط كان خلافًا، وربك أعلم.
والفرق بين اللقط والنقض أن اللقط من جنس مقدور العبد، وأنه متمكن منه، ولا حاجز -يحجزه إلا العجز والكسل، وذلك يرجع إلى أمر معلوم إن جد جلب وجمع الحب، وإن تكاسل قل ما يتحوصل له من الحاصل؛ فذلك يرجع إلى بذل الجد والاجتهاد.
وأما النقض، فإنه غير منوط بمقدوره؛ إذ قد يجد ويقصد، ولا يسقط شيئًا، وقدره يتساقط، والذي يسقط مجهول تارة يكثر، وذلك غاية الغرر، ونهاية في الخطر.
[والحمد لله وحده] 1.

المسألة السابعة عشرة في الجعل على طلب الآبق

ولا يخلو من وجهين: إما أن يجعل فيه لمعين، أو لغير معين.
فإن جعل فيه لمعين فلا يخلو من أن يجعل لواحد في اثنين أو لاثنين في واحد.
فإن جعل لواحد في اثنين، فلا يخلو الجعل الذي جعل عليهما من أن يكون متساويًا أو مختلفًا.
فإن كان متساويًا وقد عرفهما المجعول له أو جهلهما، فالجعل فاسد، فإن نزل ووقع وأتى بهما جميعًا، ففيه قولان: أحدهما: أن له العشرة التي سمى.
والثاني: أن له جعل مثله.
والقولان لابن القاسم في "الواضحة".
وإن أبى أحدهما، فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أن له نصف العشر، وهو قول ابن نافع في "الكتاب" -اتفقت قيمتها أو اختلفت.
والثاني: أن العشرة تقسم على قدر قيمته من قيمة الآخر من يوم أبقا، فيعطى له العشرة بقدر ذلك، وهو قول أشهب، وأصبغ في "كتاب ابن المواز".
والثالث: أنه له فيه جعل مثله على قدر عنائه وتعبه، وهو قول ابن

القاسم في "المدونة" و"الواضحة".
والرابع: التفصيل بين أن تتفق قيمتها أو تختلف؛ فإن اتفقت قيمتها كان له نصف العشرة، فإن اختلفت كان له جعل المثل، وهو قول ابن القاسم في "الموازية" أيضًا، والذي ينبغي إذا اتفقت قيمتهما أن يكون له نصف العشرة بلا خلاف وإلا فما وجه الخلاف في هذا الوجه.
فإن كان الجعل مختلفًا؛ مثل أن يجعل في ناصح ستة دنانير، وفي مرزوق أربعة فلا يخلو المجعول له من أن يكون يعرفهما أو لا يعرفهما.
فإن كان يعرفهما جاز قولًا واحدًا.
فإن كان لا يعرفهما، فهل يجوز الجمع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو الأحسن؛ لأن من شرط الجعل أن يكون معلومًا، ولا يجوز الجهل بمقداره، وقد يسمع بواحد منهما في بلد ويقصده، ولا يدري هل هو ناصح أو مرزوق، والإجارة عليهما مختلفة.
والثاني: أن ذلك جائز، وذلك الجهل مستخف لوجود مثل ذلك بعد معرفته بهما، فقد يدل على عبد منهما، ويسمع به، ولا يعرف أيهم هو فيجوز له أن يمضي لطلبه قبل معرفته، هل هو ناصح أو مرزوق؛ لأن هذه ضرورة.
والقولان لابن القاسم في "كتاب محمَّد"؛ فلهذا جوز الجعل في الكتاب المذكور، وإن كان مختلفًا من غير مراعاة لقيمتهما هل هي متساوية أو مختلفة.
وأما إن جعل الاثنين في واحد؛ مثل أن يجعل للواحد عشرة وللآخر خمسة فأتى بهما فالمذهب على قولين منصوصين في الكتاب: أحدهما: أن العشرة بينهما أثلاثًا: لصاحب العشرة ثلثاها، ولصاحب

الحسبة ثلثها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن يكون لكل واحد منهما نصف ما جعل له؛ لأن كل واحد منهما أتى بنصفه، وهو قول ابن نافع، وقول ابن القاسم أوفى لصاحب الخمسة، وقول ابن نافع أصح، وأجرى على أصول الحساب.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جعل فيه لغير معين مثل أن يقول من جاءني بعبدي الآبق فله عشرة دنانير، فجاء به رجل فلا يخلو هذا الذي من أن يسمع ذلك من الجاعل أو لم يسمع، فإن سمع ذلك من الجاعل فله عشرة دنانير وسواء كان شأنه طلب الآباق أم لا.
فإنه جاء به من لم يسمع السيد ولا علم بالجعل، فلا يخلو من أن يكون ذلك شأنه أم لا؟ فإن كان ذلك شأنه فله الأقل من جعل المثل، والمسمى وهو قول ابن القاسم في المدونة، والعتبية، وقد قال في كتاب اللقطة من المدونة: فله أجر مثله على قدر عنائه وتعبه.
فإن لم يعلم بالجعل ولا كان شأنه فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الجعل ثابت إذا قال عملت على الجعل، ولم أتطوع بعملي، ويكون له الأقل من المسمى أو المثل وهو قول ابن حبيب في واضحته.
والثاني: أن له النفقة، ولا جعل له، وهو قول ابن القاسم في كتاب اللقطة من المدونة.
واختلف إذا طلبه من علم موضعه ثم أتى سيده، فقال له: اجعل لي هل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا شىء له؛ لأنه أخذ الجعل على ما وجب عليه فعله، وهو قول ابن حبيب.

والثاني: أن يعطى له على قدر عنائه فيه إلى ذلك الموضع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
واتفقوا على أنه لا يجوز له الجعل على موضعه ومكانه؛ لأنه قد وجب عليه إعلامه بذلك.
تم الكتاب بحمد الله وبحسن عونه.

كتاب المساقاة

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل