كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المسألة العاشرة في الأمان
1
ولا يخلو أمان المسلمين لأهل الحرب من وجهين:
أحدهما: أن يكون من الإمام.
والثاني: أن يكون من غيره.
فإن كان الأمان من الإمام: فلا خلاف في لزومه له ولسائر رعيته وأهل جيشه، ولا خروج لهم عن ذلك، وسواء أمنهم على مال أو على غير مال.
فإن كان الأمان من غيره: فلا يخلو من أن يكون من أهل الذمة، أو من أهل الإسلام.
فإن كان من أهل الذمة: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يعلم أنه نصراني [ويعلم أنه لا أمان له أو يعلم أنه نصراني] 2، وقال: ظننت أنه ممن يقبل أمانه، أو يقول: ظننت أنه مسلم.
فأما الوجه الأول: إذا علم أنه نصراني، و [يعلم] 3 أنه ممن لا أمان له: فقد روى ابن القاسم [عن مالك] 4 أن أمانه ليس بشيء، ولا أعلم في المذهب فيه نص خلاف.
وأما الوجه الثاني: إذا علم أنه نصراني، وقال: ظننت أنه ممن يقبل أمانه [لمكان ذمته] 5، هل يكون فيئًا أو يرد إلى مأمنه؛ قولان:
أحدهما: أنه يكون فيئًا، ولا أمان له، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه لا يكون فيئًا ويرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك أمر مشكوك فيه، والدماء لا تستباح بالشك، وهو اختيار أبي إسحاق التونسي، وهو مذهب الأوزاعي.
وأما الوجه الثالث: إذا قال: ظننت أنه مسلم، هل يقبل منه ويصح له الأمان أو لا أمان له؛ فالمذهب على قولين.
أحدهما: أنه فيء لا أمان له.
والثاني: أنه يرد إلى مأمنه ولا يكون فيئًا.
والقولان لابن القاسم في كتاب محمد.
والأصح في ذلك كله: أن يرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك [شك] 1 يوجب التوقف عنه.
فإن كان الأمان من أهل الإِسلام: فلا يخلو من أن يكون [من] أهلية القتال أم لا.
فإن كان من [أهلية] 2 القتال كالأحرار البالغين من الرجال؛ مثل أن يؤمن رجال من المسلمين رجلًا من أهل الحرب بغير إذن الإِمام: فلا خلاف في المذهب أن عقده على الإمام وعلى سائر المسلمين يفيد الأمان للحربى في تلك الحالة.
واختلف هل ذلك أمر لازم [للإمام و] 3 لا خروج له عنه، أو ذلك متوقف على نظر الإمام، على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أن أمانه ماض على الإمام، وليس له نقضه ولا خروج له عنه، وهو قول ابن القاسم، في المدونة [وهي رواية] 1 معنٍ عن مالك ونحوه لمحمد بن المواز.
والثاني: أن ذلك موقوف على نظر الإمام؛ إن رأى إجازته وإمضاءه: أمضاه، وإن رأى أن يرده: رده، وهو قول [المغيرة] 2 في المدونة، على المشهور في التأويل أن قوله خلاف لقول ابن القاسم، وهو قول ابن حبيب في "واضحته"، وهو قول سحنون في كتابه.
فإن كان ممن ليس بأهلية القتال؛ كالنساء والعبيد والأطفال: فقد اختلف [فيه] 3 المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن أمانهم جائز، ولا خروج للإمام عنه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه موقوف على نظر الإمام واجتهاده، وهو قول الغير في المدونة، فإن رأى إمضاءه أمضاه، وإن رأى أن يرده إلى مأمنه رده.
والثالث: أن أمانهم باطل ولا يكتسب به المستأمن حرمة، وهو قول سحنون في الصبي الذي لا يطيق القتال، والعبد والمرأة بمنزلة الصبي، ولا فرق سواء؛ لأن العبد والمرأة أموال وحشوة وقوة على الجهاد كما قدمناه أول الكتاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم" 4.
قال ابن حبيب: وأدناهم: الذمى من حر أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان.
وقوله: ويرد عليهم أقصاهم: أي ما غنموا في أطرافهم يجعل خمسه في بيت المال، بل ذلك أمر يكون بيد الأدنى ويلزم الإمام أمانه، ولا خروج له عنه، وهذا هو الظاهر [من قوله] 1 عليه السلام.
" [أو] 2 ذلك" أمر متوقف تمامه على إجازة الإِمام وإمضائه؛ إن رأى نفوذه أمضاه، وإن رأى رده إلى مأمنه ولا أمان له إن [وُجد] 3 بعد ذلك، وهو الظاهر من قوله عليه السلام [في قصة أم هانئ حيث قال] 4: "قد أجرنا [من] 5 أجرت يا أم هانئ"؛ إذ لو كان أمانها لازمًا نافذًا لا خروج لأحد عنه لما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد أجرنا [من] 6 أجرت يا أم هانئ" 7، فكان المفهوم من قوله [- صلى الله عليه وسلم -] 8: "قد أجرنا [من] 9 أجرت" أن جوارها لا يتم ولا [يمتد] 10 إلا بجوار النبي - صلى الله عليه وسلم - وبهذا قال عبد الملك وسحنون وابن حبيب [تم الكتاب والحمد لله وحده] 11.