كتاب النكاح الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ست عشرة مسألة:
المسألة الأولى في اشتقاقه
وأصل النكاح في وضع اللغة: الجمع والضم، قالوا: أنكحت البذر في الأرض: إذا حرثته فيه، ونكحت الحصا أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها، ثُمَّ استُعمل في الوطء.
وهو [عرف الشرع] 1 ينطلق على العقد؛ لأنه بمعنى الجمع وما له [في] 2 الوطء، وقد جاء في كتاب الله تعالى، قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 3، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ 4، وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ 5، وقال جل وعلا: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ 6.
ويبعد أن يكون "النكاح" المذكور، المراد به: الوطء، إذ الوطء بغير عقد نكاح محرمٌ شرعًا.
وقد يرد والمراد به: الوطء بعينه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 1، وكذلك أيضا قوله سبحانه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَة﴾ 2، على الخلاف بين العلماء في التأويل.
ويُطلق والمراد به: الصداق، قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 3، أي: لا يقدرون على الصداق لعُسرهم، وذلك أيضا على أحد التأويلات، وهو من الأسماء المشتركة.
والحمد لله وحده.
المسألة الثانية في الشغار وحكمه
- والشِّغَار في اللغة يُطلق ويراد به: الرفع، يقال: شغر الكلب، إذا رفع رجله ليبول، وذلك أنه لا يفعل ذلك إلا إذا كبر وبلغ حد الوثوب على الإناث.
- ثم استعلموه: فيما يُشبه، وقال: شَغَر الرجل المرأة إذا فعل بها ذلك للجماع، وشَغَرَت هي أيضا: إذا فعلته.
- ثم استعملوه في النكاح لارتفاع الصداق من العقد.
- ويطلق أيضا والمراد به: الخلو، يقال: [بلد] 1 شاغر: إذا كان [خاليًا] 2 من السلطان، ثم استعمل ذلك في النكاح لخلوه [من] 3 الصداق.
وقد أجمع العلماء [رحمهم الله] 4 على تحريم الشِّغار، ثم اختلفوا فيه بعد وقوعه، واختلف مشايخنا في علَّة تحريمه، هل هي لفساد عقده لكون كل يضع صداقا للآخر، فهو للزوج غير تام الملك، [لمشاركته] 5 من أصدقته لحقها فيه، فكان كمن زوج وليته من رجلين [أو] 6 تزوَّج
نصف امرأة أو عقد بيعًا في سلعة من رجلين، على أنَّ لكلّ واحدٍ منهما جميع السلعة، وذلك كله مما لا يصح فيه العقد.
وعلى هذا حملوا قوله المشهور بفسخه "قبل وبعد"، إذ هو أصله فيما فسد لعقده، فيما حكاه البغداديون عنه في الأشهر من القول.
وعلى ما في "كتاب ابن عبد الحكم" من الخلاف فيما فسد لصداقه.
ومنهم من جعل علَّة فسخه لجمعه الفسادين، فساد في الصداق وفساد في العقد.
ومنهم من قال: إنما اختلف قولهُ فيه، للاختلاف في النهي هل يدلُّ على فساد المنهي عنه أم لا؟، وهو تأويل أبي عمران الفاسي.
ومنهم من قال: إنما اختلف لاختلافهم في معنى الشِّغار، وهو تأويل القاضي [إسماعيل] 1، وهو أضعف التأويلات.
ومنهم من قال: أن [علة فساده] 2 عروه من الصداق واشتراطهما ذلك، وهو تأويل القاضي إسماعيل.
فعلى هذا يأتي القولان المنصوصان له في "كتاب النكاح الثاني" فيمن شرط ألا صداق عليه، وإلى هذا التأويل نحا أبو الوليد الباجي.
وقال القاضي أبو الفضل: وتفريق مالك بين صريح الشِّغار ووجه [لا يدلَّ] 3 عندي على هذا، إذ لو كان فساده لأجل فساد الصداق مجردًا، لكان جوابه فيهما سواء، إذ العِلَّة موجودة فيهما.
وإن كان لفساد العقد، فكذلك أيضا يجب أن يكون الجواب فيهما واحد، لمشاركة كل [واحدةٍ] 1، زوج [الأخرى] 2 في بضعها.
وقد يحمل الخلاف فيهما: إما على الخلاف في فساد الصداق إذ عدمه كفساده، أو على الفساد في العقد إذ خلو العقد عن الصداق أو التفويض فيه، وشرط إسقاطه خلل ببعض أركانه، فأدى ذلك إلى فساده، وبه [علل] 3 ابن حبيب.
و [قد] 4 قال بعض المتأخرين من البغداديين: أن المعقود به إذا كان فاسدًا وجب فساد العقد، ويتخرج [قوله] 5 على الوجهين:
فمرة غلب فساده للصداق، فقال بإمضائه بعد الدخول [ومرة غلب فساده] 6 للعقد [فرده] 7 أبدًا، وإن دخل.
وقد أشار [أبو محمد] 8 عبد الحميد السوسي إلى أنه يتخرج من الكتاب على التعليل، فسخ نكاح الشغار بأنَّ العلة فيه [فساده] 9 لعقده، قول فيما فسد لصداقه يفسخه أبدا، كما قال البغداديون، وقال أبو القاسم السيوري: أنَّه يتخرج من قوله: أن فيه الميراث، وأن الفسخ فيه بطلاق قول
ثالث أنَّه يمضي بالعقد، كمذهب المخالف، وخرَّج هذا القول غيره، على أحد قولي مالك فيما اختلف الناس فيه أنه يمضي ولا يرد وإن نزلوه ووقوعه [كحكم] 1 حاكم، وهو تخريج بعض البغداديين.
وهذا الذي قاله البغداديون [بعيد] 2، وتخريج السيوري أقرب، وذلك أن فوات ما اختلف فيه [بالعقد] 3، إنما هو فيما اختلف فيه ابتداء في إجازته أو منعه.
وإذا وقع فهل وقوعه فوت أم لا؟
وأما الشِّغَار فمتفق على منعه ابتداء للنهي الوارد فيه، وقد قيل: إن العقد في [مثل] 4 هذا فوات للنكاح، لوقوع [الموارثة] 5 والحرمة، وأحكام كثيرة بنفس العقد فيه، فأشبه اختلاف الأسواق المفيتة للعقود الفاسدة في البيوع.
فهذا ما قيل في هذه المسألة على الجملة.
وأما من حيث التفصيل، فنقول وبالله التوفيق: لا خلاف في نكاح الشِّغَار أنه لا يجوز [ابتداءً] 6.
فإن وقع ونزل، هل يفسخ أو لا يفسخ؟ على أربعة أقوال كلها قائمة من المدوّنة:
أحدها: أنَّه يفسخ قبل البناء وبعده، ولا فرق بين صريح الشغار ووجهه، وهذا على القول بأنَّ فساد الصريح في صداقه، ولاسيما [على] 1 تخريج السيوري وغيره من البغداديين.
والثاني: أنه يمضي بالعقد دون الدخول، وهو تأويل أبي القاسم السيوري، ولا فرق بين الصريح ووجهه.
والثالث: التفصيل بين الصريح والوجه، وهو نص [قوله في] 2 الكتاب.
والرابع: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وهو نص "المدونة" في وجه الشِّغَار، ولا فرق بين صريحه ووجهه، على القول بأنَّ العلة في [وجه] 3 الفساد في الصداق، وهذا الكلام في فساد النكاح وصحته.
وأما الصداق: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يدخل بهما جميعا.
أو لم يدخل بواحدة منهما.
أو دُخل بواحدة دون الأخرى.
فإن دخل بهما جميعا، فلا يخلو من ثلاثة [أوجه]:
إما أن لا يُسميا لواحدة منهما.
أو سُميا لكل واحدة منهما.
أو سميا لواحدةٍ دون الأخرى.
فإن لم يُسم لواحدة منهما، فلكل واحدة منهما صداق مثلها، ولا خلاف في ذلك.
وإن سميا لكل واحدة منهما، هل يكون لهما صداق المِثل أو الأكثر؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنّ لكلِّ واحدة صداق مثلها بالغا ما بلغ، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، ولا يلتفت إلى ما سميا، إن كان أقل من صداق المثل، وهو نص ما وقع لابن القاسم في "كتاب ابن أبي العمر" ومن قوله: "فإن بني بها كان لها صداق المثل، كان أقل من التسمية أو أكثر"، وهو أحد الأقوال في البيع والسَّلَف.
والثاني: أن لها الأكثر من المسمى أو صداق المثل، وهو قول سحنون في بعض روايات "المدونة" [وهي رواية صحيحة] 1، وهو قوله: "إلا أن يكون ما سميا أقل فلا ينتقصان من التسمية"، ثبت هذا اللفظ من قول سحنون في الأصل.
واختلف: في تأويله:
فمنهم: من جعله تفسيرًا لقول ابن القاسم، فيكون له في المسألة قولان، ويدل على ذلك تمثيل ابن القاسم [المسألة] 2 بالتي تزوجت بمائة، [وبثمرة] 3 لم يبدو صلاحها.
ومنهم من [جعله] 1 خلافًا، وأنَّ ابن القاسم لا يقول به، إذ هو عقد فاسد عنده، [ففات] 2 بالدخول، فيكون فيه صداق المثل ما بلغ، كسائر العقود الفاسدة.
فعلى القول الثاني: أنَّ لهما الأكثر، إذ لم يبق للزوجين حجَّة، وإنَّما الحجَّة للنساء، تقول كل واحدة: جُعل مهري ما سمي لي ونكاح الثانية، فكان البضع بعض الصداق، فتبلغ مهر مثلها، والزوج وإن سمَّى أكثر من صداق المثل، ويحتج بأنه سيقول: إنما فعلت ذلك لرغبتي في تزويج وليَّتي، فيقال له: قد وصلت إلى غرضك، إذ قد ثبت لك ما أردت بالدخول، فلا حجة لك في ذلك.
وإن سمَّى لواحدةٍ منهما دون الأخرى، [فللتي] 3 لم يُسم لها صداق المثل [بالغًا] 4 ما بلغ، ولا خلاف في ذلك.
واختلف في التي سمى لها، هل يكون لها الأكثر أو صداق المثل؟
على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أنّ لها صداق المثل بالغا ما بلغ، وعلى هذا اختصر الشيخ أبو محمد المسألة، قال: "ولكلِّ واحدة صداق المثل"، فسوَّى بينهما، وكذلك نقل ابن لبابة في المسألة على "المدونة"، وهو [قول] 5 عيسى بن دينار في
"المبسوط"، [كذا] 1 [فسرها] 2 في سماع يحيى بن يحيى بن القاسم، وهذا على الأصل المتقدم، لأنا لو فسخنا نكاح التي لم يُسَّم لها بكل وجه بقيت حجة للزوج، فيما زاد، إذ لم يتم له غرضه في إمضاء نكاح وليته.
والثاني: أنها يكون لها الأكثر، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وقالوا: هو مراد الكتاب.
وإن لم يدخل بواحدة: فلا صداق لها لا نصف ولا غيره، سمّى أو لم يُسم.
وإن دخل بواحدة منهما دون الأُخرى، كان للمدخول بها صداق المثل.
وعلى القول بأن النكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، هل يكون الفسخ فيه بطلاق أو بغير طلاق؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الفسخ في ذلك بغير طلاق، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رواية البلّاغ.
والثاني: أن الفسخ فيه بطلاق، وهو قول ابن القاسم أيضًا في، "المدونة" في قوله: "وأكثر الرواة [وعلى] 3، أن كل نكاح كانا مغلوبين علي فسخه، مثل: نكاح الشِّغَار ونكاح المحرم، وما كان صداقه فاسدًا، فأدرك قبل البناء: فالفسخ في ذلك [كله] 4 بغير طلاق".
والقول بأن الفسخ في ذلك بطلاق أصح، لأن الفسخ فيه على معنى
الاستحباب لا على معنى الوجوب، لأن العقد لا يخلو من أن يقع صحيحا [أو فاسدًا، فإن وقع صحيحًا] 1 كيف يفسخ قبل البناء؟ وإن وقع فاسدًا كيف يصحِّحه البناء؟ لأن العقود الفاسدة لا يصحِّحها البناء، يدل ذلك، والحالة هذه: أن الفسخ استحباب.
وقال بعض المتأخرين: "وفائدة الفسخ قبل البناء بطلاق عقوبة على الزوج، لئلا يعود إلى مثل هذا، وبيان العقوبة تفويت الغرض المقصود بالطلاق [والواقع] 2 [فقيل له] 3، وقد يراجعها بنكاح جديد، فأجاب بأن قال: وقد لا ترضى بذلك إلا بزيادة المهر، وإن اتفق أن ترضي بذلك القدر أو بدون صداق المثل، فالطلاق في نفسه عقوبة، لاحتمال أن تكون بقيت عنده تطليقة [واحدة] 4.
فإذا فسخ [نكاحه] 5 بطلاق حرمت عليه إلا بعد زوج، وقد [لا] 6 يتقدم [منه] 7 فيها طلاق إلا هذه التطليقة، فيتم [بها] 8 العدد، ويدخل عليه بذلك ضرر على كلِّ حال، وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن محرز.
فإذا قلنا: أنَّ الفسخ فيه بطلاق، فهل يُشطر الصداق إذا كان مما يصح فيه الملك أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يُشطر ولا يكون لها من الصداق شيء، وهذا نص المذهب.
ويتخرج فيه قولٌ ثان: أنه يُشطر، ويكون لها النصف؛ لأنه طلاق وقع قبل البناء، ولا يُعترض على هذا القول بأن يقال: طلاق وقع [بغير] 1 اختياره، وإيثاره ولا يلزمه فيه الصداق، كما لو كان مجمعا على تحريمه، لأن الفسخ فيه على الاستحباب، والزوج قادر على تصحيحه بالدخول الذي هو من جنس مقدوره، فأشبه طلاق المعسر بالنفقة على أحد الأقوال، وهو ما لابن القاسم في "العُتبيَّة"، وهو إذا كان الصداق مما يمتلك، ويمكن تشطيره كما قَدَّمناه، مثل: أن يتزوجها بمائة دينار إلى أجل مجهول.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة، بماذا تملك الصداق؟، هل تملكه بالعقد أو لا تملك بالعقد شيئًا، وإنما تملكه بالدخول أو نصفه بالعقد ونصفه بالدخول؟، على ما يأتي عليه البيان في كتاب "النكاح الثاني" إن شاء الله تعالى [وهو حسبنا ونعم الوكيل] 2 [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الثالثة في الولاية في النكاح
ولا خلاف في مذهب مالك - رحمه الله: أن الولاية مشروطة في النكاح، وأنها من شروط الصحة لا من شروط التمام إلا شيئا تأول على ابن القاسم: أن الولاية من شروط التمام، من قوله: أن الميراث بين الزوجين بغير ولي، ومن قوله في الدنية: يجوز أن تستخلف على نفسها أجنبيا يزوجها، وبمذهب مالك قال الشافعي خلافا لأبي حنيفة، والدليل على ما نقوله [ظاهر] 1 الآي والأخبار، على ما [لا] 2 يسع هذا المجموع إيراده، وهي عندنا أعني، الولاية تنقسم إلى ولاية جبر وإلى ولاية إذن:
فأما ولاية الجبر، فهي مختصة بالسادات في العبيد، صغارًا [كانوا] 3 أو كبارًا، [أو] 4 بالآباء في صغار بنيهم الذُّكور: من غير خلاف، والإناث: على الخلاف.
وفي بنيهم الكبار الذكور [والإناث] 5 على تفصيل وتحصيل، وبمن أقاموه مقام أنفسهم بعد وفاتهم.
أما ولاية السادات في العبيد، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون السيد قد سبق فيهم [منه] 1 عقد من عقود الحرية أم لا، فإن سبق من السيد فيهم عقد من عقود الحرية، مثل: التدبير والكتابة والإيلاد والعتق إلى أجل، فهل [له إجبارهم] 2 على النكاح أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن له إجبارهم جملة، لأنهم إلى الآن على الرق، ولم يصيروا بعد الحرية.
والثاني: أنه ليس له إجبارهم، [لأجل الشبهة] 3 التي حصلت لهم من الحرية [بالعقد] 4 الذي عقد لهم.
والثالث: أن له جبر من له أن ينتزع ماله دون من ليس له أن ينتزع ماله، فيمنع من إجبار الكاتب والكتابة ومن إجبار أم الولد، والمُدَبَّر إذا مرض، ومن المعتق إلى أجل إذا قرُب الأجل، لأنه إذا لم يملك أن ينتزع ماله، فأحرى ألا يعقد عليه فيما يتعلق بالجبر.
والرابع: أن له إجبار الذُّكران دون الإناث، لأن الذكران بأيديهم الطلاق، فيحلون عن أنفسهم، إذا صاروا إلى العتق بما عقد عليهم، وتوجيه كل [قول] 5 مشار إليه عند الإيراد.
فإن لم يسبق من السيد فيهم عقد من عقود الحرية، فلا يخلو من أن
يقصد بذلك الضرر [بهم] 1 أم لا:
فإن قصد السيد بعقد النكاح عليهم ضررًا، مثل الجارية المرتفعة [لها] 2 الحال، يزوجها من عبد له أسود على غير وجه الإصلاح، فهذا لا يجوز، وهو قول مالك في "كتاب محمد".
فإن لم يقصد بذلك ضررًا، فلا خلاف في مذهبنا أنّ للسيد أن يُجبرهم على النكاح، ذكرانًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا؛ لأنها ولاية صحيحة لأجل الرق.
وأما ولاية الآباء في الجبر، فإنها صحيحة في صغار ذكور أولاده جملة من غير تفصيل، حتى يبلغوا.
فإذا بلغوا وظهر منهم الرشد سقطت عنهم ولاية الجبر بلا خلاف.
فإن بلغوا وظهر منهم السفه، هل يسقط عنهم الإجبار أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنهم يجبرون ما دام السَّفه قائما بهم، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم لا يجبرون ولا ينكحون إلا برضاهم، وهو قول ابن الماجشون.
فإذا قلنا: أن الأب يجبر ولده على النكاح، هل يحمل ذلك على المصلحة والسداد من [غير] اعتبار بظهور دلائل الصحة [أو لابد من ظهور دلائل الصحة] 3؟
فظاهر المذهب: أن فعل الأب يُحمل على المصلحة [والسداد] 1 سواء ظهرت لنا أو خفيت، وإن [كان قد وقع في كتاب "إرخاء الستور" في "باب الخلع": إذا كان فيه الغبطة والسرور، كنكاحه من المرأة الموسرة، فظاهر] 2 هذا [التقييد] 3 يشعر بالخلاف.
وأما صغار الإناث، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون بكرًا.
والثاني: أن تكون ثَيبًا.
فإن كانت بكرًا، فلا خلاف في المذهب [في] 4 جواز الجبر، كصغار الذكور على سواء.
وإن كانت ثيِّبًا، مثل: أن تكون قد تَأَيَّمت من زوج، وانقضت عدَّتها قبل [بلوغها، فهل يملك الجبر عليها أم لا؟
المذهب] 5 على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له إجبارها قبل البلوغ وبعده، ولا اعتبار لثبوتها، وهو قول سحنون.
والثاني: أنها لا تجبر أصلًا، بلغت أم لا، وهو قول أبي تمام البغدادي.
والثالث: أنها تجبر قبل البلوغ، فإذا بلغت سقط الجبر عنها، وهو قول
أشهب في كتاب محمَّد.
وسبب الخلاف: استنباط القياس من موضع الإجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب [يجبر] 1 البكر [غير] 2 البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ، إلا خلافا [شاذًا] 3 روي عن الحسن، ثم اختلفوا في موجب الإجبار، هل هو البكارة أو الصغر؟
فمن قال: الصغر قال: لا تُجبر البالغ كما صار إليه الحنفي.
ومن قال: البكارة قال: تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيب الصغيرة.
ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد، قال: تجبر البكر البالغ والثَّيِّب غير البالغ.
وأما كبار الأولاد، الذكور والإناث:
أما الذكور، فلا يخلوا من أن يكونوا رشداء أو سفهاء.
فإن كانوا رشداء، فلا خلاف أنهم لا يجبرون؛ لأنهم مالكون أمر أنفسهم وأموالهم.
وإن كانوا سفهاء، فهل يزيل الجبر عنهم البلوغ [أو لا يزيله] 4؟
قولان:
وأما الإناث البوالغ، فلا يخلوا حالهن من أن يكن أبكارًا أو ثيبات:
فإن كن أبكارًا، فلا يخلوا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون بكرًا في خدرها.
[والثاني] أن: تكون بكرًا تأيمت من زوج.
[والثالث] أن: تكون بكرًا معنَّسة.
فإن كانت بكرًا في خدرها، غير معنَّسة في حالها، فلا خلاف في المذهب أن للأب أن يجبرها على النكاح، وهل يندب الأب إلى مؤامرتها أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يندب، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنَّه لا يندب وأن ذلك أمر مباح [له] 1، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهو ظاهر "المدونة".
وسبب الخلاف: تعارض القول والفعل:
أما القول، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "البكر يستأذنها أبوها" 2 خرجه مسلم.
وأما الفعل، فما روي عنه [- صلى الله عليه وسلم -] 3 أنه زوج ابنته [من عثمان] 4 ولم يستشرها على الرواية الصحيحة في الحديث، وفي بعض طرقه [ابنتيه] 5، والاستئمار أحسن، ليخرج من الخلاف، ويعقد نكاح ابنته، على وجه متفق عليه، وقد يكون بها من العيوب ما يخفى على الأب، بحيث لو أخبرها أو استأمرها، لأعلمته بذلك [العيب] 6، إما بواسطة أو
بمباشرة.
وإن كانت بكرًا قد تأيمت من زوج بطلاق أو موت، فهل للأب أن يجبرها على النكاح [أو ليس له أن يجبرها] 1؟ فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون قد تأيمت بقرب البناء.
والثاني: أن تتأيم بعد طول.
فإن تأيمت بقرب البناء وأنكرت المسيس، وادّعت بقاء البكارة وكذبها الزوج: فالقول قولها في بقاء البكارة، ولأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر، لأنها أقرت بأن صنع الأب جائز لها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" [ومعناه أن الأب صدقها فلو كذبها الأب لكان القول قوله، وهذا الذي قاله ابن القاسم] 2 فيه نظر، وكيف يقبل قولها وقد تتهم [في بقاء نفقتها] 3 على أبيها بما تدعيه من بقاء البكارة.
فإن طالت المدة، فالمذهب [على قولين: أحدهما] 4 أنها تجبر و [الثاني] 5 أنها [لا تجبر وأنها] 6 كالثيب على سواء.
واختلف في حد الطول، على قولين:
أحدهما: أن السُّنة طول الإقامة، وهو قول مالك في "المدونة".
إذا طالت إقامتها معه، وشهدت مشاهد النساء، فلا يزوجها الأب إلا برضاها، وهل السُّنة طول بمجردها أو بإضافة مشاهد النساء إليها؟ [وظاهر "المدونة":
أن السُّنة طول، بإضافة مشاهد النساء إليها] 1.
والثاني: أن حد الطول زوال الحياء والانقباض.
والقولان حكاهما القاضي عبد الوهاب في المذهب، وسواء في جميع ذلك وافقها الزوج على [عدم] 2 المسيس أو ناكرها، وهذا من المسائل التي جعل فيها طول [المكث] 3 يقوم مقام الدخول.
ومنها امرأة العنين [فإن] 4 طول المكث تستحق به جميع الصداق كالدخول، وهذا مما لا دليل عليه أصلًا، وإنما الإتباع لمالك - رحمه الله.
وقد جعل في هذه المسألة أن علة الجبر الحياء والانقباض من غير اعتبار بالبكارة.
[فإن] 5 كانت بكرا معنسة، ففي إجبارها على النكاح قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنها تُجبر.
والثاني: أنها لا تُجبر.
والقولان: عن مالك قائما من "كتاب الكفالة".
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالبكارة أو بالحياء والحشمة:
فمن اعتبر البكارة، قال: تجبر.
ومن اعتبر الحياء، قال: لا تجبر.
وقد اضطرب المذهب في ذلك:
[فمرة] اعتبر البكارة على الانفراد [ومرة اعتبر الحياء على الانفراد] 1، ومرة اعتبر الوصفين على الضم والجمع، ومشهور مذهبه أن الاعتبار بالحياء على الانفراد.
فإن وجدت معه البكارة كان وإلا فيجتزئ بالحياء على الانفراد، وهو ظاهر قوله في الثيب الصغيرة، وفي التي طالت إقامتها مع زوجها، وفي التي زنت مرة واحدة، وفي المعنسة على أحد الأقوال، وذلك [أن] 2 ولاية الجبر فائدتها اختصاص الولي بالنظر، واستبداده بالاختيار، فيما يراه سدادًا وصلاحا لوليته من غير أن يشاركها في رأي أو يطالعها في أمر، لا في تعين الزوج ولا في تقدير [المهر] 3 [لقصور] 4 عقلها عن إدراك مصاحلها وقلة خبرتها بأحوال الرجال، ولا جرم [فقد] 5 وكل الشرع أمرها إلى من هو أشفق الناس عليها وأكثرهم بها حنانا ورأفة ورحمة، وهو الأب في بنيه الصغار، والسيد في عبيده عن فإذا ذهب جلباب الحياء عن وجهها، وباشرت الأمور بنفسها، وعرفت مصالحها وما يُراد منها وبها، فقد زال الجبر عنها لزوال علته، وهذا [معنى] 6 مناسب للحكم مخيل له.
وأما النساء [الثيبات] 1 فلا يخلوا حالهن من وجهين:
أحدهما: أن تكون ثيبا بنكاح.
والثاني: أن تكون [ثيبا بزنا] 2 أو غصب.
فإن كانت، ثيبا بنكاح، فلا يخلوا [حالها] 3 من وجهين:
أحدهما: أن تكون مصلحة في نفسها، [مرضية] 4 في أحوالها.
والثاني: أن تكون سفيهة في نفسها مضيعة لأمرها.
فإن كانت صالحة في نفسها مدبرة لضيعتها، عارفة بمصالح حياتها، فلا خلاف في زوال الجبر عنها.
وإن كانت سفيهة في نفسها، غير رشيدة في حالها مضيعة لأمرها، فخشى عليها الفساد والضيعة، هل تجبر على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها لا تجبر على النكاح، ولا يجبرها أحد من أوليائها لا أب ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة، إلا أن للأب أو الولي أن يضمها إلى نفسه إذا خاف عليها الهوى والضيعة.
والثاني: أن وليها يجبرها على النكاح [بغير رضاها] 5 إذا رأى
[في] 1 ذلك نظرا ومصلحة لها، وسواء كان وليها أبًا أو غيره من الأولياء، وهو قول ابن القصَّار، ووافقه على ذلك حُذَّاق المشايخ، والذي قاله أبو الحسن يشير إلى ما تقدم من اعتبار المصالح في علة الجبر.
وإن كانت ثيوبتها بالغصب والزنا، فلا يخلوا من أن يتكرر ذلك [منها] 2 أو لا:
فإن تكرر الزنا منها حتى استأنست به، وعاد لها حرفة، فهذا محل الاتفاق أنها لا تجبر على النكاح لوجود الوصفين، زوال البكارة وقلة الحياء [وبروز وجهها] 3 في الخلا والملا.
فإن لم يتكرر ذلك منها، وإنما كان [ذلك] 4 منها زلة [وفلتة] 5، فهل يزيل ذلك الجبر عنها أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن للأب أن يجبرها على النكاح؛ لأن ذلك لا يزيد إلا حياءً لها وحشمة [لرذيلة] 6 الفاحشة التي أتت بها، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا تجبر على النكاح؛ لأن الثيب بالزنا كالثيب بالنكاح، وهو قول حكاه ابن الجلاب بناء منه على أن البكارة علة للجبر.
والثالث: أن لها حكم الثيب بالنكاح، في عدم الإجبار، لوصول العلم
إليها بما يراد لها من ذلك، ولمباشرتها [أمور الوقاع] 1 ومقدماته، ولا فرق [بين] 2 أن يكون ذلك عن حلال أو حرام، وأن لها حكم البكر في صفة الإذن، ويكون إذنها صماتها؛ لأنها تستحي أن تنطق بالرضا، لما [تراكم] 3 على وجهها من الحياء، لإتيانها فاحشة الزنا، وهذا القول حكاه ابن رشد، وهو قول بُيْنَ القولين.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
وأما الوجه الثاني: الذي أقامه الآباء مقام أنفسهم، كالوصي، فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه:
أحدهما: أن يقول [فلان] 4 وصى على تزويج ابنتي فلانة لفلان.
والثاني: أن يقول [فلان] 5 وصى على تزويج ابنتي فلانة ممن أحب.
والثالث: أن يقول: [فلان] 6 وصي على أبضاع بناتي.
والرابع: أن يقول: فلان وصي [ولم يزد] 7.
والخامس: أن يقول: فلان وصى على بيع تركتي، واقتضاء ديوني.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عين الزوج، وقال: فلان وصَّى على
تزويج ابنتي فلانة من فلان، فهذا له الجبر بلا خلاف في المذهب؛ لأن العقد كأنه صدر من الأب لما عين الزوج واختاره، وقد حكى ابن بشير الخلاف في الوصي على النكاح: أنه لا مدخل له [مع] 1 الأولياء في البكر أصلا.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا قال: فلان وصى على تزويج ابنتي فلانية ممن أحب من غير أن يعين الزوج، ولا سمَّاهُ، هل له الجبر وإنكاحهن قبل البلوغ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن للوصي إجبارهنَّ وإنكاحهنَّ ممن يراه نظرًا لهن، قبل البلوغ وبعده، وهو المشهور من قول مالك.
والثاني: أنه ليس له إجبارهن ولا يعقد على البوالغ منهنَّ إلا بإذنهنَّ؛ لأنَّ الأب إنما ملك ذلك لأمر هو عليه، لا يوجد في غيره، وذلك ما ركب الله في الآباء من الشفقة والحنان والرفق والرأفة [بأولادهم] 2 وهو [قول] القاضي أبي محمَّد [عبد] الوهاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الوصي، هل يقوم مقام الأب في جميع تصرفاته أم لا؟
وقد قال يحيى بن سعيد في بعض آثار "المدونة": الوصي العدل كالأب.
الجواب عن الوجه الثالث: إذا قال: فلان وصى على [أبضاع] 3
بناتي، فهذا لا أعلم له في المهذب نص خلاف: أنه لا [حق] 1 له في التصرف في المال، وإنما يتصرف في الأبضاع؛ لأنها وصية مخصوصة على شيء معين، ثم لا يخلوا أمر بناته من [أحد] 2 وجهين:
إما أن يكُنَّ أبكارًا أو [ثيبات] 3.
فإن كُنَّ أبكارًا، فالعقد للوصي دون سائر الأولياء، ويستحب أن يشاورهم تطييبا لأنفسهم، لأنه أجنبي عنهم.
واختلف هل له أن يجبرهن على النكاح أم لا؟ على قولين: وهو الخلاف حكاه بعض المتأخرين، فإن اجترئ الولي وعقد نكاح البكر بغير إذن الوصي، فهل للوصي فسخه، أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن للوصي فسخه، وهو ظاهر المدونة، ونص ما في كتاب محمَّد.
والثاني: أن السلطان ينظر في ذلك، فإن رآه نظرًا وسدادًا منع الوصي من فسخه، وهو قول بعض المتأخرين على ما نقله القاضي أبو الفضل [عياض -رحمه الله] 4.
وسبب الخلاف: هل ذلك حق للوصي، وأنه لا ولاية للولي معه فيها، كما ليس له ذلك مع الأب الذي أنزله منزلة نفسه، فينقضه على كل حال، أو ذلك حماية للأوصياء لئلا يقتات [عليهم] 5، ويتفاقم الأمر فيؤدي
ذلك إلى إسقاط ما بأيديهم، فيكون النظر في ذلك للسلطان، ولا خلاف في الأب أن له فسخ ما عقده غيره في ابنته البكر بغير وكالة منه، وكذلك السيد في أمته، وإنما الخلاف في الإجازة، إذا أجازه الأب أو السيد هل تلحقه الإجازة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن العقد وقع على نعت النساء، فلا يجاز بإجازته أصلا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن الإجازة تلحقه أن أجيز، وهو قول مالك في الأمة، على ما نقله أبو محمَّد عبد الوهاب إذا أجازه السيد، وعلى هذا تجوز في البكر أيضا، ولا فرق.
وعلى هذا أن الوصي إذا أجاز النكاح الذي عقده غيره من [غير] 1 الأولياء أنه يجوز، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق التونسي؛ لأنه أخفض رتبة من الأب على كل حال.
وإذا كان الخلاف في إجازة الأب، فبأن يجوز في الوصي أولى وأحرى.
وسبب الخلاف: ولاية الجبر في النكاح، هل هي حق لله تعالى، ثم لا يجوز وإن أجازه الأب أو السيد أو هو حق لهما؛ فيجوز بإجازتها؟
وهذا كله إذا كُنَّ أبكارًا.
وأما إن كن ثَيِّبات، فهل للولي الدخول مع الوصي في عقد نكاحهن، فمن سبق منهما إلى العقد، كان أولى به، أو لا مدخل له في ذلك؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له الدخول في الولاية، فمن سبق منهما إلى العقد كان أولى به، وهو ظاهر "المدونة" لأنه أطلق فيها ولم يفصِّل.
والثاني: [أنه] 1 لا مدخل له مع الوصي في الثيب، كما لا مدخل له معه في الأبكار، وهو قول أبي الوليد بن رشد، ففرق بين قوله: "فلان وصى، ولم يزد، وبين قوله: وصي على أبضاع بناتي"، [فإذا قال: على أبضاع بناتي] 2 كان أولى على كل حال، وهذا الذي قاله [ظاهر في اللفظ بعيد في المعنى] 3 وذلك أنه غاية ما فيه أنه أنزله منزلة نفسه [في الأبضاع] 4، وقد وجدنا بعض الأولياء يجوز أن يتقدم على الأب في إنكاح ابنته الثيِّب، وهو قوله في "الكتاب": في الأخ يزوج أخته الثيِّب برضاها، وثم أبوها.
قال مالك: النكاح جائز ما للأب، وما لها على ما تأول على "الكتاب": أن ذلك يجوز ابتداء، على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا جاز ذلك في الأب الذي يدلى به الوصي، وهو أصل فما ظنك بالوصي الذي هو فرع عنه، وذلك ظاهر.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا قال: فلان وصى، ولم يزد، فهذا مما اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أن الوصي أولى بالنظر في المال والأبضاع وسائر ما كان ينظر فيه الموصي في حياته، وله تزويج الأبكار بعد البلوغ بمؤامرتهن، ولا مدخل
للأولياء معه في أمرهن، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثاني: ألا تزويج للوصي مع الأولياء إلا أن يكون وليا، وهو قول عبد الملك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم أيضًا.
وأما الثيِّب منهنَّ، فلا تخلو من أن تكون سفيهة أو رشيدة:
فإن كانت سفيهة، فهل هي كالبكر في استقلال الوصي بإنكاحها أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الرشيدة والسفيهة في ذلك سواء، وأن من سبق إلى العقد مِنْ ولي أو وصي: كان جائزًا، وهو ظاهر "المدونة"، وكونها سفيهة لا يخرجها عن أحكام الثيب، وإنما يؤثر السفه في المال لا في الأبضاع.
والثاني: أنها كالبكر، ولا كلام للولي فيها مع الوصي، إلا أن رضاها [بالنطق] 1 دون الصمت، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، ووقع لأصبغ نصًا في "كتاب فضل بن سلمة"، و"كتاب ابن مزين".
وسبب الخلاف: هل التخصيص بالنظر في المال يقتضى التخصيص بالنظر [في] 2 البضع أم لا؟
وأما الثيب الرشيدة: فهل يقع الاشتراك في جواز العقد عليها بين الوصي وسائر الأولياء أو بعضهم أولى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن الوصي أولى ولا مدخل للأولياء معه، كما لا مدخل لهم مع الأب في عقد نكاحها وهو قول ابن حبيب، وذكر أنه قول
مالك وأصحابه المدنيين والمصريين.
والثاني: أن الوصي لا ولاية له مع الأولياء في الثيب الرشيدة وهو قول سحنون [رضي الله عنه] 1.
والثالث: أن الوصي في الثيب ولي من الأولياء، إن زوجها الوصي والأولياء ينكرون جاز [وإن زوجها الأولياء والوصي ينكر جاز] 2 وهو مذهب "المدوَّنة".
وسبب الخلاف: هل الوصي كالأب أم لا؟
فمن رأى أنَّ الوصي كالأب، قال: لا مدخل للأولياء معه إلا كمدخل الأبعد مع الأقرب، إذا سبقه بالعقد، فإنه يأتي إن شاء الله، وإليه أشار ابن حبيب أو أنه من جملتهم.
فمن سبق كان فعله جائزًا على غيره، وهو ظاهر "الكتاب"، وهو تأويل فضل بن سلمة: أنه أقامه مقام الأب، وكذلك قال أشهب.
وقول من قال: لا ولاية له مع الأولياء في الثيب الرشيدة، لا أعلم له وجهًا، وهذا في الإناث.
وأما الذكور: فلا يخلوا من أن يكونوا كبارًا أو صغارًا:
فإن كانوا كبارًا، فلا يخلوا من أن يكونوا كبارًا يلون أنفسهم أو كبارًا محجورًا عليهم.
فإن كانوا كبارًا يلون أنفسهم، فلا خلاف أنه لا حكم للوصي عليهم، لا في النفس ولا في المال.
وإن كانوا كبارًا محجورًا عليهم، هل يجوز للموصي أن يجبرهم على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن للوصي أن يجبرهم على النكاح، إذا كان ذلك نظرًا، وهو قول المخزومي، وهو ظاهر [المدونة] 1 من غير ما موضع، منها قوله: ولا يجبر أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب، إلى أن قال: والولي في يتيمه.
والولي هاهنا هو الوصي، إذا لا يجبر الصغير على النكاح إلا الوصي على مشهور المذهب، وإن كان [قد] 2 وقع في كتاب يحيى بن إسحاق لابن كنانة في أخ زوج أخا له صغيرًا يليه، وليس بوصي عليه أن النكاح يمضي ويلزم الصغير.
وروى عن مالك فسخه إلا أن يطول بعد الدخول وظاهر الكتاب: ألا فرق بين الصغير والكبير، لأن الاسم يجمعهما.
واسم اليتيم: له عُرفان، لُغوي وشرعي:
فهو في اللغة: عبارة عن الانفراد [عن] 3 أبيه، وقد ينطلق على المنفرد [عن] 4 أمِّه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار، لأن الذي فقد أباه عَدِم النُصرة، والذي فقد أمه عَدِم الحضانة، وقد تنصر الأم ولكن الأب أكثر نصرة، وقد يحضن الأب ولكن الأم [أرفق] 5 حضانة منه.
وهو في الشرع: عبارة عن عدم الرشد، وذلك يعتبر بعد البلوغ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اليتيمة تستأمر في نفسها، ولا إذن إلا للبالغة" 1، ولقول ابن عباس - رضي الله عنه - في جوابه لنجدة الحروري حين سأله عن خمس خصال، منها: يتم اليتيم متى ينقضي؟ فكتب إليه ابن عباس - رضي الله عنهما -: ولعمري لتنبت لحية الرجل، وإنه لضعيف العقل حتى يأخذ لنفسه من مصالح ما يأخذ المسلمون" 2.
وعلى هذا لا فرق بين الصغير والكبير، ويؤخذ من "المدونة" من قوله: في الذي زوج ابنه الذي قد بلغ، فقال: لا يلزمه النكاح، ثم قال في آخر المسألة: إذا كان الابن قد ملك [نفسه و] 3 أمره، ومفهومه: أنه إذا لم يملك أمره أن للأب أو الوصي أن يجبره على النكاح، [والقول الثاني أن الوصي لا يجبره على النكاح] 4 وهو ظاهر قول مالك في "كتاب إرخاء الستور": إذا زوّج الوصي يتيمه البالغ بأمره، وهو نص ما في [المدوَّنة] 5 وهو المشهور: ألا يجبره؛ لأن النكاح [ملاذ] وشهوات، فليس ذلك مما يجبره عليه الوصي.
وإن كانوا صغارًا، هل يجبرون على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يجبرون عليه، إذا كان في ذلك نظر وسداد وسرور
وغبطة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنهم لا يجبرون، ولا نظر له في تزويجهم أصلًا، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، وهذا اختلاف حال، والله أعلم.
وذلك أن من جوَّز الإجبار إنما جوزه بشرط الغبطة والسرور.
كتزويجه إياه ذات الشرف والمال.
ومن منعه إنما منعه لعدم النظر، فإذا ثبت هذا النظر المصلحي ووجد الغرض الكلي كان النكاح جائزًا والجبر صحيح باتفاق من الجميع، والله أعلم.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا قال: [فلان] 1 وهي على بيع مالي، أو قال: على بيع تركتي واقتضاء ديوني، فإنَّ تصرُّفه ماضٍ فيما تضمنه إطلاق الوصية من التصرف، في المال، واختلف هل تضمنت وصيته جواز التصرف في تزويج البنات والبنين الصغار والكبار الضعفاء العقول أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنها لا تتضمن شيئًا من ذلك، وهو قول مالك في كتاب الوصايا من "المدونة".
والثاني: أن الوصية تتضمن التصرف في المال والأبضاع، إلا أن ينص الميت على أنه ليس بوصي على الأولاد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن الموّاز"، وبه قال أشهب في "مدونته".
وعلى القول بأنها لا تتضمن النكاح إن زوّج الوصي على المال البنات، قال مالك: نكاحه جائز، ولو رُفع إلى الإِمام، كان أحب إلى، وهذا منه
جنوح إلى قول أشهب الذي يقول: أن النكاح داخل في الوصية.
وأما ولاية الإذن: فهي لمن عدا من [ذكرنا] 1 من سائر الأولياء، على اختلاف أنواعهم وترتيب منازلهم، على ما سنبينه [فصلا فصلا] 2 إن شاء الله تعالى [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الرابعة في تزويج [الأب] (1) [ابنته] (2) البكر بأقل من صداق مثلها
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الباب: أن الأب هو الناظر لابنته الصغيرة، وأن نظره مقدم بالطبع الجلي على [نظر] 3 غيره من شفقته وحنانه عليها، وإرشاده لها بحال الارتفاق، واختياره لها من الأزواج مكان الوفاق، فلذلك ملك الجبر عليها، على حسب ما فُهم من الجبر، وهو مع ذلك مأمور بأن لا يُزِّوجها إلا ممن يساويها في الحال والجمال، ويكون كفؤا لها في كل حال.
وقد كره عمر - رضي الله عنه - أن يزوج الرجل وليته للرجل القبيح، وقال: يعمد أحدكم، فيزوجهن الشيخ والذميم، إنهن يحببن لأنفسهن ما تحبون لأنفسكم، يريد: ألا يكون ذلك برضاها، ولا يزوجها ممن هو موسوم [بالشقاق] 4 كثير الأيمان بالطلاق، لأن ذلك من علامات الفساق.
واختلف المذهب، هل يجوز أن يزوجها بأقل من صداق مثلها إذا صادف من هو لها كفؤ في الحال والجمال [أم لا] 5؟ على قولين من12
"المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز إذا كان على وجه النظر، وهو نص قول مالك في "كتاب النكاح الأول".
والثاني: أن ذلك جائز، وإن لم يكن نظرًا، وهو قوله أيضًا في "كتاب النكاح الثاني" في [باب] 1 "نكاح التفويض".
وسبب الخلاف: فعل الأب هل يحمل على السداد ولا يتعقبه نظر إلا أن يتبين الفساد أو يتعقبه النظر وإن لم يتبين الفساد؟، فإن كان مصلحة مضي وإلا رد.
وهذا الخلاف مبني على اختلاف الروايات، في مسألة المطلقة التي أتت إلى مالك، وقالت له: إن لي ابنة موسرة مرغوبٌ فيها، وقد أصدقت صداقًا كثيرًا، فأراد أبوها أن يزوجها ابن أخ له معدما لا شيء له، أفترى لي [أن] 2 أتكلم في ذلك؟، وفي بعض روايات "الكتاب" 3، قال: نعم إني أرى لك في ذلك متكلما، وفي بعضها: إني لا أرى لك في ذلك متكلما، مع إثبات "نعم"، وفي بعضها إسقاط "نعم"، فأثبت لها الكلام في رواية وأسقطه في رواية فصار الخلاف فيها في موضعين في إثبات نعم وفي نفيه، والموضع الثاني في إثبات "الألف" وإسقاطه، فاختلف [المتأخرون] 4 في الرواية التي [قال] 5 فيها: نعم إني لأرى لك في ذلك متكلما.
فأكثرهم يقول: [إن] 1 هذا كلام متناقض؛ لأنه أثبت ونفى، فقوله: نعم إثبات، إذ لو اقتصر عليه لاستقل الكلام بعده، و [هو] 2 قوله: "إني لأى" بالنفي، و [بمد] 3 لا نفى، وذلك لا يستقيم.
وقال بعضهم: الرواية غير صحيحة في نفسها، [فاسدة] 4 في وضعها، فكيف يتكلم عليها، [وهذا كله] 5 عندي غير صحيح؟ أما الرواية: فهي ثابتة مروية عن المشايخ.
وأما الاضطراب: في إثبات "نعم" وإثبات "لا" على النفي، فلا شك أن ظاهر [هذا] 6 الكلام يشعر به إلا أنا إذا وجدنا للكلام تأويلا يصح حمله عليه، ودليل الاستعمال: يشهد له، فكيف يسوغ [لنا حمله] 7 على تناقض واضطراب؟، وذلك أن قوله: "نعم" الواقع بعد [السؤال] 8، يصلح أن يكون جوابا [له] 9، [وذلك] 10 لو اقتصر عليه واجتزأ به، فلما عقبه بالنفي دل، والحالة هذه: أنه لم يرد به جوابا، وإنما قصد به ابتداء الكلام، كما تقول: "نعم مالك كذا ما يصلح لك كذا"، وذلك جائز في عرف الاستعمال وأما الرواية بإثبات "نعم" وإسقاط
"الألف"، فلا إشكال فيها، لأنه أوجب لها الكلام، وإسقاط "نعم" وإثبات "الألف" لم يثبت لها الكلام.
وفي كثير من النسخ: "إني أرى لك في ذلك متكلما، وهذه رواية صحيحة، وبها يرتفع الإشكال، وعليها اختصر أكثر المختصرين.
وفائدة اختلاف الروايات، يرجع إلى ما قدمناه في فعل الأب، هل يتعقبه النظر أم لا؟
واختلف تأويل المتأخرين في قول ابن القاسم في المسألة، حيث قال: وأنا أراه ماضيا، إلا أن يأتي من ذلك ضرر، فيمنع، هل هو وفاق أم خلاف؟
فمنهم من يقول إنه خلاف قوله، وأن الضرر الذي أراد ابن القاسم ضرر البدن، كالجنون والجذام والبرص، وهو مذهب سحنون، وبه قال ابن حبيب، وهذا الخلاف إنما يكون على رواية الإيجاب.
وأما على رواية النفي فهو وفاق واتفاق، [ومنهم من يقول إنه وفاق والقائلون بالوفاق] 1 اختلفوا في التعليل.
فبعضهم يقول: أن ابن القاسم لم يتكلم على الفقر الفادح المضر بها، وإنما تكلم على فقر ابن الأخ بالإضافة إلى مالها، [فهو فقير بالإضافة لسعة مالها]، كما أن صاحب المائة فقير بالنسبة إلى صاحب الألف.
وبعضهم يقول: أن الضرر المعتبر عند ابن القاسم: الفقر الذي لا دين معه، فإذا كان [الفقير] الذي لا دين له، ولا عنده وازعٌ من تقوى الله يوزعه من أكل مالها، فهذا الذي يكون للأم فيه متكلم.
وأما الفقير الصابر الديِّن الذي عنده من تقوى الله ما يصده عن أكل مالها ومد يده فيه بالعدوان ففعل الأب في ذلك ماض، ولا يعترض عليه فيه، وقال ابن محرز وغيره: وهذا إحالة للمسألة، إذ لا معنى لذكر الفقر، و [إنما] 1 المانع الخوف منه وعدم الأمانة، وكلام سحنون يدل على خلاف هذا.
وسبب الخلاف: الكفاءة المعتبرة، هل هي الكفاءة في الدِّين أو الكفاءة في المال والنسب؟
فمن رأى أن الكفاءة المعتبرة، "المال والنسب"، قال: الفقر عيب، وهو قول مالك في هذه المسألة، على أحد الروايات، وهو مذهب الموثقين كأبي حفص العطار وغيره، وهو ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة ابن زيد" 2، فبين - صلى الله عليه وسلم -: عيب كل واحد، وجعل الفقر عيبًا، ومعلوم أن معاوية لا تخشى فاطمة من جهته، وإن كان فقيرًا، فثبت أن العلة: كونه فقيرًا لا غير.
ومن رأى أن الكفاءة المعتبرة: الدين لا المال، قال: لا كلام للأم إذا كان فقيرًا صالحًا صابرًا، تؤمن ناحيته، كما تأول على ابن القاسم في هذه المسألة، وهو نص مالك في هذا "الكتاب"، في "نكاح الموالي في العرب"، وهو قوله: وإذا رضيت ثيب بكفؤ في دينها، وهو دونها في الشرف والمال، أو رضيت بمولى ورده أب أو ولي زوجها إياه الإِمام؛ لأن نكاح الموالي في العرب لا بأس به.
قيل: فإن رضيت بعبد، قال [مالك] 1: المسلمون بعضهم لبعض أكفاء، فقيل له: إن بعض هؤلاء القوم [قد] 2 فرقوا بين عربية ومولى، فاستعظم ذلك إعظامًا شديدًا، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 3، قال غيره: ليس الولي بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثله؛ لأن الناس [مناكح] 4 قد عرفت لهم وعرفوا بها.
وقول الغير هذا مثل قول مالك في السؤال أن الكفاءة في المال والنسب، فيتحصَّل لمالك في الكفاءة قولان في "الكتاب".
وقد اعترض أبو الحسن اللخمي على ما استدل به مالك في الآية، وما كان من نكاح بلال وصهيب وأسامة وغيرهم من الموالي في العرب، فقال: إن الآية لا مدخل لها هاهنا، لأن تضمنها الحال عند الله تعالى، وعلى ما يكون عليه في الآخرة، ومنازل [الدنيا] 5، وما يلحق منه معرة غير ذلك، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه خير بريرة في زوجها حين عتقت، ولم يختلف المذهب أن ذلك لنقصه [عنها] 6، وأنه ليس بكفؤ لها [وأنها] 7 لا خيار لها إذا كان حرًا.
فبان بهذا أن العبد ليس بكفؤ للحرة، عربية [كانت] 8 أو بربرية، حديثة العهد بعتق، وهي في عدد [الدنيات] 9.