كتاب الزكاة الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها: سبع عشرة مسألة.
المسألة الأولى في زكاة الإبل
وقد جرى في المدونة في ترتيب زكاة الإبل ما فيه كفاية على ما في كتاب ابن حزم، ومثلها في صحيفة كتب بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه -يذكر أنها الزكاة التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والحديث على ترتيبه ونظامه [يشتمل] 1 على اثنى عشر نصابًا، وهي خمسة، وعشرة، وخمسة عشر، وعشرون، وخمسة وعشرون، وستة وثلاثون، وستة وأربعون، وإحدى وستون، وستة وسبعون، وإحدى وتسعون، وما بعد العشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
واختلف في ثالث عشر، وهو أحد وعشرون ومائة، هل هو نصاب قائم بنفسه، أو لا حكم للواحدة؟
وهذه النصب اشتملت على صنفين من الصدقة؛ غنم وإبل.
فالغنم صدقته أربعة نصب؛ [نصاب] 2 خمسة [وعشرة] 3 وخمسة عشر وعشرون، في كل خمسة شاة.
والإبل صدقة ما بعد هذه الأربعة وهي خمسة [أسنان] 4: بنت
مخاض، وابن لبون، وبنت لبون، وحقة، وجذعة فبنت مخاض، وابن لبون: ذكر صدقة نصاب واحد؛ وهو خمسة وعشرون.
وبنت لبون صدقة ثلاثة نصب ستة وثلاثون، وستة وسبعون: ففيهما ابنتا لبون.
وما زاد على عشرين ومائة، ففي كل أربعين: [ثلاث بنات] 1 لبون.
والحقة [صدقة] 2 ثلاثة نصب؛ ستة وأربعون، واحد وتسعون: ففيها حقتان، وما زاد على العشرين ومائة في قوله [: وفي كل] 3 خمسين حقة، والجذعة صدقة نصاب واحد، وهو واحد [وستون] 4 والوقص ما بين الفريضتين، وأقله في الإبل أربعة، وهو ما بين خمسة وعشرة، وأكثره على قول ابن القاسم بالانتقال من الحقتين إلى ثلاث بنات لبون إذا زادت واحدة على مائة وعشرين [إلى تسع وعشرين] 5 وهو ما بين أحد وتسعين إلى أحد وعشرين ومائة، وكذلك يأتي على قول [مالك] 6 بالتخيير.
وأما قول الآخر بالتمادي على الحقتين إلى تسع وعشرين [ومائة] 7 فيأتي أكثر الوقص ثمانية وثلاثون.
واختلف في هذه الجملة في ثلاثة مواضع:
[أولها] 1 في خمس وعشرين إذا لم تكن فيها بنت مخاض، ولا ابن لبون ذكر، [والثاني] 2 في إحدى وعشرين ومائة، [والثالث] 3 في المائتين.
وأما الخمسة والعشرون: فإنها لا تخلو من أربعة أوجه:
إما أن تكون فيها السنان جميعًا، أو يعدما جميعًا، أو يكون فيها أحدهما على البدل.
فإن كان فيها أحد السنين: كان الواجب فيها [الموجود] 4 لا غيره.
فإن كان فيها السنان جميعًا: كان الواجب بنت مخاض من غير خيار.
واختلف إذا تراضيا جميعًا -رب المال والساعي- على أخذ ابن لبون ذكر على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد.
والثاني: أنه لا يجوز، وهو قول أشهب.
وفي "المدونة" ما يدل على القولين جميعًا؛ لأن أبن القاسم خيره في المائتين بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون.
ولا فرق في التحقيق بين الموضعين إلا التعلق بقوله: فإن فلم تكون بنت مخاض، فابن لبون ذكر.
وسبب الخلاف: هل ذلك من باب البدل، أو ذلك من باب إخراج القيم في الزكاة؟
فمن رأى أنه من باب البدل جوزه، ومن رأى أنه من باب إخراج القيمة منع.
وإن عدم منها السنان جميعًا، هل يخير الساعي على صاحب الإبل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا خيار له، ويجبر رب الإبل على أن يأتي بابنة مخاض على ما أحب أو كره، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الساعي مخير إن شاء كلفه بنت مخاض، وإن شاء بابن لبون ذكر، وهو تأويل ابن المواز على قول ابن القاسم في المدونة؛ لاستشهاده بقول مالك في المائتين.
وعلى القول بأنه لا خيار للمصدق فإذا لم يلزمه بنت مخاض حتى أحضر صاحب الإبل ابن لبون ذكرًا، هل يجبر المصدق على قبوله أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه يجبر على قبوله، ويكون بمنزلة ما لو كان فيها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يجبر، وهو قول أصبغ؛ لأنه لما عدم في الإبل كان الساعي على أمره كما لو كان السنان في الإبل.
والحكمة في كون الشارع جعل ابن لبون عوضًا من بنت مخاض إذا عدمت؛ وذلك أن بنت مخاض لها مزية الأنوثية، والإناث في الإبل عند العرب أفضل من الذكران للنسل والدر، وابن اللبون له مزية السن؛ لأنه أكبر من بنت مخاض، فكان ما فات للمساكين من جودة بنت مخاض في الأنوثية استدركوه في كبر [سن] 1 ابن لبون وكثرة لحمه.
غير أن الشارحين اختلفوا في معنى قوله في الحديث: "فإن لم يجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر" 1، وما فائدة قوله: ذكر؟
لأن قوله: ابن لبون مغني عن زيادة التذكير؛ فقيل: هو تأكيد كما قال تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ 2، والسود هو الغرابيب.
وقيل: بل فسره بقوله: ذكر إذ من الحيوان ما ينطلق عليه ابن، على ذكره وأنثاه كابن عرس، وابن آوى، وابن [ميرة] 3 ليرفع الإشكال لكي لا يتوهم متوهم أن الذكر والأنثى فيه سواء.
والموضع الثاني: إذا زاد واحد على مائة وعشرين من الإبل، هل يتغير الفرض به أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الساعي مخير إن شاء أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن فيها ثلاث بنات لبون، ولا خيار للمصدق في ذلك، وهو قول ابن القاسم في المدونة على رأي ابن شهاب.
والثالث: أن فيها [حقتين] 4 ولا خيار للمصدق، وهو قول مالك في "المبسوط" وغيره، وبه أخذ المغيرة، ومحمد بن مسلمة وأشهب، وابن الماجشون.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في الحكم المتعلق بما له أول وآخر
من الأسماء، هل يتعلق بأوائلها أو بأواخرها؟ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بعد مائة فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة" 1 والزيادة في هذا الموضع أقلها واحد، وأعلاها عشرة.
وهل يعتبر الحكم بأقل الزيادة، أو لا يغيرها إلا [عشرة] 2؟
فإن نظرت إلى مجرد قوله عليه السلام: "فما زاد" وجب أن يناط الحكم بأقل ما يقع عليه اسم الزيادة، وإن نظرت إلى المعنى، وأن الفرض بعد المائة والثلاثين لا يتغير [الحكم] 3 إلا بزيادة العشرة وجب ألا [ينفي] 4 الحكم عن حقتين إلا بزيادة العشرة، وهذا مثار الخلاف في المسألة.
وأما القول بتخيير الساعي، فقد اختلف أرباب المذهب في تأويله:
أما أشهب فقال: إن أخذ ثلاث بنات لبون، فإنما أخذها عن عشرين ومائة؛ لقوله: "في كل أربعين بنت لبون"، وليس في الواحدة شىء؛ لأنها وقص.
وإن أخذ حقتين [فإنما أخذهما عن] 5 مائة؛ لقوله عليه السلام: "في كل خمسين حقة"، وليس في أحد وعشرين شىء؛ لأنه وقص.
والذي قاله خلاف الظاهر.
ومنهم من قال: معنى ذلك أن الساعي لما تعارضت لديه الأدلة وتساوت عنده الاحتمالات؛ لأن المخير كالمجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة
، ولم يجد السبيل إلى الترجيح كان مخيرًا إن شاء أخذ بدليل الحظر أو بدليل الإباحة [وأيضًا فتخيير المالك أولى إذا أشكل الأمر من غير استباحة منه للمحارم، وهذا الذي قاله ظاهر] 1.
قال أبو الحسن اللخمي: هذا التأويل غير صحيح وليس للمصدق أن يحكم في مسألة اختلاف بما يراه؛ لأنه ليس بحاكم، ولا أقيم لذلك، وإنما هو وكيل على القبض، فإذا خالفه المأخوذ منه الذي هو رب المال كان الأمر إلى من يحكمانه [بينهما من فقيه وغيره، فتخيير المالك إذا أشكل الأمر أولى من تخيير الساعي؛ لأنه الغارم، وهذا الذي قاله ظاهر لمن تأمله] 2.
وأما الموضع [الثالث] 3: إذا كانت [مئتان] 4 من الإبل فلزكاتها طريقان، فإن زكيت بقوله عليه السلام: "ففي كل خمسين حقة": كان فيها أربع حقاق، وإن زكيت بالأربعين كان فيها خمس بنات لبون.
واختلف إذا كانت فيها الحقاق وبنات اللبون على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن الحكم في ذلك إلى المصدق، ويأخذ بأي الطريقين شاء، وهو المقدم على صاحب الإبل، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الحكم لصاحب الإبل، وهو مقدم على الساعي -كانت السنان في الإبل أو عدما وهو قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون السنان في الإبل، فيكون الحكم إلى
الساعي، وبين أن يعدما فيكون الحكم لصاحب الإبل، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز.
وسبب الخلاف: هل الساعي مقدم على رب المال؟ أو رب المال مقدم على الساعي؟ وهو الأظهر لحديث ابن مسلمة أنه كان لا يساق إليه شيء فيه وفاء بحقه إلا أخذه.
وهذا كله فيما لم تكن الحقاق [قوام] 1 ماله وخياره.
فإن كانت هي [القوام] 2 والخيار: لم يكن للساعي إلا بنات لبون [ولا يجوز للساعي إلا بنات لبون] 3، ولا يجوز للساعي أن يتعدى فيأخذ غير السن الذي [وجب] 4 له في الجودة إلا برضاء رب المال كأخذ بنت لبون عن بنت مخاض.
واختلف إذا أخذ الساعي الأعلى، وإذا ثمنها وأخذ الأدنى، وزيادة الثمن على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثالث: [أنه] 5 مكروه.
فإن نزل، فإنه يمضي، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة".
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في شراء الرجل صدقة ماله، وسنعقد عليه مسألة [مفردة] 1 إن شاء الله، وهو حسبي ونعم الوكيل [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الثانية في زكاة الغنم
والأصل فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "في سائمة الغنم الزكاة إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإن زادت على عشرين ومائة إلى مائتين كان فيها شاتان، فإن زادت على مائتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فما زاد على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة [شاة] 1 واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها [إخراجها] 2 ".
أخرجه البخاري في صحيحه 3.
فَوَقَّتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أربعة نصب؛ أربعين، وإحدى وعشرين ومائة، ومائتين وواحدة، ثم العدد بالمئين في كل مائة شاة، وأقل وقصها ثمانون، وهي ما بين أربعين إلى أحد وعشرين ومائة وأكثره مائتان إلا اثنتين، وهو ما بين مائتين وواحدة إلى أربعمائة.
وأوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - في النصاب شاة، وفي النصابين شاتين، ولم يأت بيان سنها، ولا صفتها من طريق صحيح.
واختلف المذهب عندنا في السن المأخوذ في الزكاة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤخذ الجذع، والجذعة، والثني والثنية، والضأن، والمعز سواء في ذلك، وبه قال أشهب، وابن القاسم، وهو ظاهر المدونة.
والثاني: أنه لا يؤخذ [إلا] 4 الإناث من الجذعة، [أو الثنية] 5
وهو قول أبي الحسن بن القصار.
والثالث: التفصيل بين الضأن والمعز؛ فيؤخذ الجذع [من الضأن] 1 [والثنية] 2 من المعز، ولا يكون إلا أنثى، ولا يأخذ الذكر؛ لأنه تيس، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "خذ الجذع والثنية" وذلك عدل بين شرار الغنم وخيارها، وهل ذلك اجتهاد من عمر رضي الله عنه أو ذلك مما مضى عليه العمل في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
وأيّ [ذلك] 3 كان فإن التساوي بين المعز والضأن أولى؛ لقول عمر رضي الله عنه.
والثنية هي التي أسقطت ثنيتها، وهي ابنة سنتين.
واختلف في سن الجذعة من الغنم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها بنت سنة، وهو قول علي بن زياد في المجموعة.
والثاني: أنها بنت عشرة أشهر، وهو قول ابن وهب.
والثالث: أنها بنت ستة أشهر، وهي رواية سحنون عن علي بن زياد أيضًا.
والجذعة من الإبل ما أوفى أربع سنين، ودخل في الخامس، ومن البقر سنتين.
وقال ابن نافع: الجذع من البقر ما أوفى سنتين، ودخل في الثالثة مثل
الدواب؛ لأن الجذع في الدواب ما دخل في السنة الثالثة.
وهذا الذي ذكرناه في الجذعة والثنية إذا كانت الغنم مختلطة؛ صغارًا وكبارًا، جيدةً ورديئةً.
واختلف إذا كانت جنسًا واحدًا خيارًا كلها أو رداءً أو [ماخض] 1 أو علوفة، أو فحول، أو دنية كلها، [عجاف] 2 أو ذات عور، أو سخال على أربعة أقوال:
أحدها: أنها كالمختلطة، ويأتى ربها بزكاتها من غيرها، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن الساعى يأخذ منها، وإن كانت [خيارًا] 3 أو شرارًا، إلا أن تكون سخالًا كلها أو مواكل، أو فحولًا كلها فلا يأخذ منها ويأتى بالسن الواجب عليه، أو يكون فيها جذع أو ثنية فيأخذ منها، ويأتي بالسن الواجب عليه، أو يكون فيها جذعة أو ثنية، فلا يأخذ مما فوقها من الخيار مع وجودهما، وهو قول ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الغنم [رديئة] 4 كلها أو ماخضًا كلها أو فحولًا كلها، أو سخالًا، فإنه لا يأخذ منها، وبين أن تكون عجافًا أو ذوات عَوَر أو تيوسًا، فإنه يأخذ منها، وهو قول [مطرف] 5 في "ثمانية أبي زيد".
والرابع: أنه يأخذ من أوساطها واحدة على ما كانت عليه من الشرار والخيار من غير اعتبار بالجذعة والثنية قياسًا على الثمار على أحد الأقوال
بناء منه على أن قول عمر إنما خرج مخرج الغالب.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في السعاة هل يبعثون في سنة الجدب أم لا؟
فمن رأى أن السعاة يبعثون في السنة الجدبة قال: إنه يأخذ من الشرار، وهي رواية ابن وهب، ومن رأى أن السعاة لا يبعثون في سنة الجدب، قال: لا يأخذون من الشرار شيئًا، وهو قول أشهب.
فرع
اختلف أصحابنا في [الرعال] 1 وما تولد بين فحول الظباء وإناث الغنم [هل] 2 يتم بها النصاب؟ على قولين:
أحدهما: أنه يتم بها النصاب [وتزكى] 3 وهو قول أبي الحسن بن القصار.
والثاني: أنه لا يتم بها النصاب ولا تحسب مع الأمهات، وهو قول ابن عبد الحكم.
والأول أبين لكون الولد تبع للأم من غير اعتبار بأن يكون الولد شبيهًا بالأم أو بالفحل.
ولا خلاف بينهم فيما تولد بين فحول الضأن، وإناث الظباء أنه لا يزكى، ولا يتم به النصاب من غير اعتبار بالشبه أيضًا؛ لأن الأولاد إنما تضاف في الزكاة إلى الأمهات [والحمد لله وحده] 4.
المسألة الثالثة في الصنفين إذا اجتمعا في ملك واحد هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة أم لا؟
ولا خفاء أن الأجناس إذا تقاربت منافعها، وتشابهت خلقتها أنها يضم بعضها إلى بعض، ويكون حكمها في الربا والزكاة والقسمة حكم واحد؛ ولذلك يضم القمح، والشعير، والسلت في الربا والزكاة، وتضم الجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب، وكذلك يضم المعز إلى الضأن، والأصول موضوعة على أن الشبيه يلحق بشبيهه، وينحى [به] 1 عن ضده.
فأما إذا كانت عنده عشرون ضأنية وعشرون معزة، فإن كان أحد النوعين أكثر من الآخر أخذ الشاة الواجبة منه.
وإن تساويا -كما ذكرنا- هل يخير الساعي أو يأخذ النصف من هذه و [النصف] 2 من هذه؟
فالرواية على أن الساعي مخير إن شاء أخذها من الضأن، وإن شاء أخذها من المعز، والقياس يوجب التشطير نصفين، وذلك عدل بين الساعي ورب الغنم.
وإذا كانت الغنم عشرين ومائة ضأنًا ومعزًا، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون في كل [جنس] 3 منهما نصاب وتساويا.
أو يكون في كل [جنس] 1 منهما نصابًا وأحدهما أكثر من الآخر.
أو كان في أحدهما [نصاب] 2 والآخر دون النصاب.
فإن كان في كل جنس منهما نصاب وتساويا، فقد تقدم الجواب فيه.
وإن كان في كل جنس منهما نصاب، وأحدهما أكثر من الآخر؛ مثل أن يكون ثمانين ضأنية، وأربعون معزة، هل الساعي مخير، أو إنما يأخذها من الأكثر؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن الخيار للساعي إن شاء أخذ من الضأن، وإن شاء أخذ من المعز، وهو ظاهر قوله [في الكتاب] 3 حيث قال 4: "فإن كان للرجل ضأن ومعز، فإن كان كل واحد إذا [انفرد] 5 تجب [فيه] 6 الزكاة: أخذ من كل واحد".
فعلى هذا يكون الساعي بالخيار في مسألتنا.
والثاني: أنه يأخذ من الأكثر دون الأقل، وهو نص قول مالك في المدونة.
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة على النصاب، أو غير مزكاة؟
فمن رأى أن الأوقاص مزكاة: يقول: [إنها تؤخذ من الأكثر.
ومن
قال: إن الأوقاص غير مزكاة قال] 1 بالتخيير على ما تقدم.
ومعنى قوله أن الأوقاص مزكاة أو غير مزكاة.
وهل الشاة المأخوذة من العشرين ومائة أخذت عن الأربعين خاصة، وبقيت ثمانون وقصًا لا شيء فيها، أو إنما أخذت عن عشرين ومائة جميعًا؟
فإن قلنا: إنها أخذت عن الأربعين خاصة، ويبقى الباقي عفوًا: فنقول بتخيير الساعي؛ لأن الأربعين من المعز لو انفردت لوجبت فيها الزكاة، والأربعون من الضأن لو انفردت [لكانت] 2 كذلك أيضًا، [وكانت] 3 الأربعون الزائدة عفوًا.
فإن قلنا: إنها أخذت عن مائة وعشرين [جميعًا] 4 فإنها تؤخذ من الأكثر دون الأقل، وهذا معنى قوله في الأوقاص، هل هي مزكاة أم لا؟
والخلاف فيها [قائم] 5 من المدونة من غير ما موضع، وقد نص مالك رحمه الله في باب زكاة الخلطاء فيما إذا كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر أربعة، فأخذ الساعي من أحدهما شاة، فقال مرة: هي على صاحب الخمسة، ولا شيء على صاحب الأربعة.
وقال مرة [أخرى] 6: بل يترادان بالسوية قيمة الشاتين على تسعة أجزاء [فعلى صاحب الخمسة خمسة أجزاء، وعلى صاحب الأربعة أربعة
أجزاء] 1.
وهذا الاختلاف [منه] 2 ينبني على هذا الأصل.
ومنها: قوله في الكتاب أيضًا فيمن له ثلاثمائة ضانية، وتسعون معزة أن فيها ثلاث شياه من الضأن؛ لأن اثنتين وجبتا في مائة وإحدى وعشرين، فكان الباقي من وقص الضأن أكثر من التسعين من المعز، فلم يلتفت إلى المعز، وهذا فيه بناء على أن الأوقاص غير مزكاة، ومثل هذا في الكتاب كثير.
وأما إن كان في أحدهما نصاب، والآخر دون النصاب فلا يخلو من أن يكون لما دون النصاب تأثير في الزكاة أو لا تأثير [له] 3.
فإن كان لا تأثير له كمائة ضانية وعشرين معزة، وهذا لا خلاف في المذهب أنه لا يؤخذ من المعز شيء؛ لأن الشاة وجبت في الضأن -كانت المعز أو لم تكن.
فإن كان لها تأثير في الزكاة: فلا يخلو من أن يكون تأثيرها في وجوبها [أو في الزكاة بعد وجوبها، فإن كان تأثيرها في وجوبها] كالتمام من النصاب من الضأن، والمعز: فقد تقدم الجواب عنه.
فإن كان تأثيرها في [الزيادة] 4 فلا يخلو من أن تجب فيها الزكاة لو انفردت أم لا.
فإن كان لا تجب فيها الزكاة لو انفردت كمائة وعشرين ضانية ومعزة واحدة، فهذا أيضًا لا خلاف فيه أن الشاتين تؤخذان من الضأن.
فإن كانت وجبت فيه الزكاة أو انفردت مثل مائة وعشرين ضانية وأربعين معزة، فهل تؤخذ الشاتان من الضأن، أو واحدة من الضأن والأخرى من المعز؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنها تؤخذ الواحدة من الضأن، والأخرى من المعز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الشاتين من الضأن، ولا يؤخذ من المعز شيء؛ لأنه إذا أخذ من الأربعين ضانية شاة، وبقيت ستون، وهي أكثر من أربعين معزة، فيؤخذ من الأكثر، وهو قول سحنون، وهو ظاهر قول [مالك] 1 في المدونة.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من الأوقاص هل تزكى أم لا؟ وهكذا [الكلام في] 2 اجتماع الجواميس مع البقر، والبخت مع الإبل العراب [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الرابعة في تحويل الأموال المزكاة بعضها في بعض
1
فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يحول عينًا في عين.
والثاني: أن يحول ماشية في ماشية.
والثالث: أن يحول عينًا في ماشية.
والرابع: أن يحول ماشية في عين.
فأما الوجه الأول: إذا حول عينًا في عين مثل أن يبدل ذهبًا بورق، أو ورقًا بذهب بعد ستة أشهر، أو ثمانية أشهر: فلا يخلو من أن يكون بادل نصابًا بنصاب، أو بادل دون النصاب بالنصاب، أو بادل النصاب بدون النصاب.
ففي الوجهين الأولين يبنى على ما خرج من يديه باتفاق المذهب؛ لأنهما مالان يضمان في الزكاة، فيبنى أحدهما على حول الآخر.
وأما الوجه الآخر: إذا بادل النصاب بدون النصاب مثل أن يبادل مائتي درهم من عنده بعشرة دنانير أو بالعكس: فلا زكاة عليه فيما أخذ؛ لأنه بادل [ضمانًا بضمان] 2 ولا تهمة تلحقه، ولا أعلم في المذهب نص خلاف.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم [وهو] 3 تحويل الماشية [في
الماشية] 1 فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحولها في جنسها.
والثاني: أن يحولها في غير جنسها.
فإن حولها في جنسها كمبادلة غنم بغنم، أو بقر ببقر، أو إبل بإبل على التقسيم الذي قدمناه في العين، فإن بادل النصاب [بالنصاب] 2 أو بادل دون النصاب بالنصاب هل يبنى على حول الأول أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يبنى على حول الأولى فيزكى عليه، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أنه يستقبل حولًا من يوم أخذ الثانية، وهو قوله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في الغنم المستهلكة إذا أخذ في قيمتها نصاب غنم، فقد قال فيها [ابن القاسم] 3 في أحد الأقوال: أنه لا يبنى على حول المستهلكة.
وهذا الترجيح إنما يصح على قول من يقول إن الاستهلاك المراد في هذه المسألة: التغيير الذي يوجب الخيار لصاحبها، وهو تأويل حمديس على المسألة على ما سنبينه بيانًا شافيًا إن شاء الله تعالى.
وقد ادعى [ابن المواز] 4 في المسألة إجماع المذهب في أنه [يبنى] 5 على حول الأولى، وهذا كما تراه، والخلاف منصوص في كتاب ابن
سحنون، وقد نقله الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر"، ونقله اللخمي [وغيرهما] 1، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه يبتدئ الحول من يوم [أفاد] 2 الثانية.
وسبب الخلاف: مثل الشيء هل هو كعينه أم لا؟ فإن بادل النصاب، وأخذ فيه دون النصاب: فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة عليه.
ولا فرق في جميع ذلك بين أن تكون للقنية أو للتجارة.
فإن حولها في غير جنسها كمبادلة نصاب غنم بنصاب من الإبل أو البقر، أو كان الجنس الذي دفع دون النصاب، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستأنف حول الثانية، ولا يبنى على حول الأولى إن كانت نصابًا، وهو قول مالك في المدونة.
والثانى: أنه يبني على حول الأولى، وإن كانت الأولى أقل من نصاب، وهو قول محمد بن مسلمة على ما نقله عنه أبو الحسن اللخمي وغيره.
والثالث: بالتفصيل بين أن تكون الأولى نصابًا، فيبنى على حوله، أو تكون دون النصاب، فيستقبل بالثانية حولًا، [وهو قوله في كتاب ابن المواز] 3.
فوجه القول الأول: أن هذين مالان لا يجتمعان في الزكاة، فإذا بادل أحدهما بالآخر بطل حول الأولى قياسًا على بدل الماشية بالدنانير على أحد الأقوال.
ووجه القول الثاني: أن هذين ماشيتان تجب الزكاة في كل واحد منهما، فإذا بادل إحداهما بالأخرى لم يبطل حول الأولى، [وترد] 4
الثانية لحول الأولى كالضأن والمعز.
وأما قول ابن مسلمة فلا وجه له؛ لشذوذه.
وأما الوجه الثالث: وهو تحويل العين في الماشية مثل أن يكون عنده النصاب من العين، فاشترى به نصاب ماشية بعد ستة أشهر، فهل يبنى على حول العين أو لا يبنى؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يستأنف حول الماشية، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يبنى على حول العين، ويزكي الماشية إذا تم الحول من يوم ملك العين الذي به اشترى، وهو قول محمد بن مسلمة.
وكذلك لو باع الغنم التي اشترى بالعين قبل مجيء الساعي، هل يرجع إلى زكاة العين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرجع في الزكاة إلى زكاة العين، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه يزكي على حول الماشية، ويحسب الحول من يوم اشتراها، وهو قول مالك في المدونة أيضًا.
والخلاف في هذا ينبني على الخلاف في المسألة الأولى التي تفرعت منها إلى سبب الخلاف في التهمة، هل تلحقه في تأخير الزكاة أم لا؟ كما يتهم في إسقاطها إذا باع الماشية بالعين، على مشهور المذهب؟
فمن اتهمه قال بالبناء على حول العين.
ومن لم يتهمه قال: يبتدئ الحول لبعد التهمة؛ لكونه حول مالًا كان موكلًا إلى إماتته فيما هو موكل إلى نظر غيره، وهو الماشية.
وأما الوجه الرابع: وهو تحويل الماشية في العين مثل أن يكون عنده نصاب ماشية، فباعه بنصاب من العين، فلا يخلو من أن يبيعها قبل أن يزكيها، أو بعد أن زكاها.
فإن باعها بعد أن زكاها، هل يبنى على حول الماشية أو يبتدئ الحول من يوم باعه؟ قولان:
أحدهما: أنه يبتدئ الحول من يوم باع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
ووجهه: عدم التهمة في التحويل لبيعه بعد الزكاة، وبه قال أشهب، ومطرف، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يزكي العين للحول من يوم زكى الرقاب، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وابن كنانة، وأصبغ.
وحكى القولين عن مالك بن حبيب.
وهذا كله إذا كانت الماشية للقنية.
وإن كانت للتجارة: فإنه يبنى على حول الغنم اتفاقًا، فإن باعها قبل أن يزكيها: فلا يخلو من أن يكون للقنية، أو للتجارة.
فإن كانت للقنية، هل يبنى على حول الماشية، أو يبتدئ؟
فعن مالك في المدونة قولان منصوصان، والتوجيه ظاهر.
وإن كانت للتجارة: فلا خلاف أيضًا أنه يبنى على حول الماشية.
وهكذا الخلاف إذا اشترى بثمنها ماشية أخرى مما تجب الزكاة [في] 1 جنسها، هل يبنى أم يستأنف؟ على قولين:
أحدهما: أنه يستأنف بالغنم الثانية حولًا من يوم اشتراها، ولا يبنى على حول الغنم الأولى، ولا على حول الثمن الذي بيعت به، وبه قال ابن المواز.
والثاني: أنه يزكي الغنم الآخرة على حول غنمه الأولى الذي باع والثمن لغو، ويعد ذلك كالمبادلة، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
واختلف في الإقالة إذا باعه ثم استقاله منها فرجعت إليه، هل يبنى على ما مضى من حولها أو يبتدئ الحول من يوم رجعت إليه؟
[على قولين: أحدهما: أنه يستأنف بها حولًا من يوم رجعت إليه] 1 وهو قول ابن المواز في كتابه.
ويتخرج من المذهب قول ثان أنه يبنى على حولها عنده قبل البيع، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الشفعة من المدونة؛ لأنه لم ير فيه الإقالة بيعًا حادثًا لتهمتها أن يكون قد قصدا إلى نقض البيع الأول فرارًا من الشفعة، وهذه المسألة أولى بالتهمة في إسقاط الزكاة عن نفسه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإقالة، هل هي نقض بيع، أو بيع حادث؟
وكذلك اختلف إذا باع نصابًا من الغنم [ثم] 2 ردت عليه بعيب، فهل يبنى أو يستأنف؟ على قولين:
أحدهما: أنه يبنى على ما مضى لها عند المشتري، وإن ردها بعد تمام الحول، وقبل قدوم الساعي، فالزكاة فيها على البائع.
ولو ردها بعد أن أخذ الساعي منه بشاة، فإن ذلك على البائع، ولا
شيء على المشتري في الشاة التي أخذ المصدق، وهو قوله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قول أشهب في المدونة.
والثاني: أنه يبتدئ الحول من يوم ردت عليه، وأن الشاة التي أخذها المصدق قبل الرد هي على المشتري لا على البائع.
وهذا القول مخرج غير منصوص عليه في المدونة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الاستبراء.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الرد بالعيب، هل هو نقض بيع أو ابتداء؟
وأما الغنم المستهلكة التي التزمنا بيانها فيما سلف فإنها وقعت في المدونة مشكلة.
وسبب إشكالها: خلاف المتأخرين في تأويلها؛ وذلك أنه قال في المدونة فيمن استهلك لرجل غنمًا، فأخذ في قيمتها نصابًا من الغنم، قال: لا شيء عليه حتى يحول عليه الحول [عنده] 1.
ووقع في بعض روايات المدونة، وقد قال عبد الرحمن بن القاسم: يزكي الغنم التي أخذ مكانه؛ لأنه باع غنمًا بغنم والثمن لغو، واختصرها المختصرون كأبي سعيد وغيره: والقيمة لغو؛ فاختلف المتأخرون لاختلاف هذه الروايات.
أما أبو محمد بن أبي زيد، فحمل قوله على الخلاف، وقال: قول ابن القاسم قول ثان، وأن القيمة عنده تطلق، ويراد بها الثمن، والثمن يطلق ويراد به القيمة، وهذا موجود في المدونة في غير ما موضع ولا يكاد يخفى على من تتبع ألفاظها، ولولا التطويل لأسردنا منه كثيرًا هاهنا،
ولكن ننبه على ذلك إذا انتهى بنا التحصيل إلى موضعها إن شاء الله وعلى أن قول ابن القاسم خلاف في الغنم المستهلكة يدل قول سحنون في كتاب أبي محمد، والقول الأول أحسن.
وذهب أبو الحسن القابسي أن الخلاف في البيع في الاستهلاك، ويدل عليه في إحدى الروايات والثمن لغو، والثمن إنما هو في البيع لا في الاستهلاك، وإلى هذا التأويل نحا أبو الحسن اللخمي وغيره.
وذهب آخرون إلى أن الخلاف إنما يتصور إذا لم تفت أعيانها، وإنما فاتت فوتًا يوجب الخيار لربها إن شاء أخذها معينة، وإن شاء ضمنه قيمتها، فيشبه المبادلة.
وأما لو فاتت أعيانها حتى تكون القيمة هي الواجبة عليه على كل حال، فلا ينبغي أن يدخلها الخلاف، وهو تأويل حمديس، وهذا التأويل أظهر في النظر [والله أعلم، والحمد لله وحده] 1.
المسألة الخامسة في فوائد المواشي
1
ولا تخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الأولى نصابًا، والثانية نصابًا أو دونه.
والثاني: أن تكون الأولى دون النصاب، والثانية نصابًا أو دون النصاب، إلا أنهما في الضم والجمع فيهما النصاب.
فالجواب عن الوجه الأول:
إذا كانت الأولى نصابًا [والثانية نصابًا] 2 أو دون النصاب فحال الحول على الفائدة الأول: فلا خلاف -أعلمه- في [المذهب] 3 أن الفائدة الثانية تضم إلى الأولى، فيزكي الجميع على حول الأولى بخلاف [فوائد] 4 الدنانير والدراهم على مشهور المذهب.
واختلف في تعليل ذلك؛ فقيل: للضرورة في خروج السعاة؛ لأن خروجهم في الحول مرة، فصار ذلك بين إحدى حالتين ممنوعتين؛ إما أن يكلف الساعي الخروج في السنة مرارًا لتمام أحوال الفوائد المستفادة في أثناء السنة، وذلك مما يضر [بالسعاة] 5 ومخالف للعمل.
وإما أن يخرج مرة واحدة فيزكي ما حال عليه الحول، ويدع الباقي إلى
قابل، وذلك مما لا سبيل إليه أيضًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الزكاة مع وجود النصاب وحلول الحول، فاقتضى النظر والمصلحة أن تزكي الفائدة الثانية على حول الأولى إذا كانت الأولى نصابًا، وهذه العلة مناسبة مخيلة لولا التأثير؛ وهو وجود الحكم، ولا علة على مواضعة الحوليين، وذلك أنه نص في العتبية [فيمن لا سعاة لهم على مثل جوابه فيمن لهم سعاة، وقيل: إن العلة في ذلك أن زكاة الماشية على النصاب فيما] 1 زاد عليه [كان وقصًا] 2 لا يزكيه حتى يدخل في النصاب الثاني، فيزكي على [هذا] 3 الجميع لا على الانفراد؛ فلو كانت بيد رجل أربعون شاة، ثم أفاد بعد أربعة أشهر أربعين شاة، ثم أفاد بعد أربعة أشهر أربعين شاة أيضًا: لم يزك على الأربعين علي الانفراد، ولو كان كذلك لزكى [عن] 4 المائة والعشرين ثلاث شياه.
وكذلك لو كان بيده مائة شاة وواحدة، ثم أفاد مائة: فإنه يزكي عن الجميع ثلاث شياه.
ولو كان [زكى] 5 كل مال بانفراده على حوله لزكى شاتين، وذلك خلاف للسُّنة؛ ولهذه العلة وجب أن يضم فوائد الأواخر إلى الأوائل إذا كانت نصابًا، والله أعلم.
والجواب عن الوجه الثاني:
إذا كانت الأولى دون النصاب، والثانية نصابًا، أو دون النصاب إلا أنها بالضم والجمع تكون نصابًا: فهذا لا خلاف في المذهب أن الأولى
تزكى على حول الثانية [لعدم العلة] 1 التي قدمناها.
وقد تزكى الماشية في العام الواحد مرتين، وقد تزكى في العامين مرة واحدة؛ وذلك يختلف باختلاف الأحوال، ومثال الأولى: أن يكون عنده نصاب ماشية فزكاها، ثم يبيعها من ساعته فيشتريها من له نصاب ماشية قبل أن [يأتيه] 2 الساعي، ثم أتاه الساعي، فإن له أن يزكيها أيضًا مع ما عنده، وإن كانت من يومه أو [بموت الأول] 3 بعد أن زكاها، وللوارث نصاب من جنسها، فإنه يزكيها أيضًا.
ومثال الثاني: أن يقيم نصاب ماشية بيد الرجل حولًا، ثم يبيعها [أو يموت] 4 قبل مجيء الساعي بيوم، والمشتري أو الوارث لا ماشية له، فإنه يستأنف لها حولًا؛ وذلك أن زكاة الماشية لوجوبها ثلاثة شروط؛ النصاب، والحول، ومجيء الساعي، وكل واحد منها يتوقف على وجود غيره من تلك الشروط ما لم يكن رب الماشية ساعي نفسه، فإذا جاءه الساعي فعد عليه ماشيته أو أخبره بعدتها ثم هلكت الماشية أو بعضها قبل الأخذ من غير تفريط، فإنه يسقط عنه زكاة ما هلك، وهو قول مالك في كتاب محمد، وهذا إذا كانت زكاتها [منها] 5، وإن كانت من غيرها كالإبل التي تزكى بالغنم، فإن الزكاة وجبت عليه في ذمته بالسعاية هلكت الإبل، أو بقيت بخلاف التي تؤخذ الزكاة من أعيانها [والحمد لله وحده] 6.
المسألة السادسة في زكاة الخلطاء
1
والخليط عند أكثر أصحابنا المالكية هو الذي لا يشارك صاحبه في الرقاب، ويخالطه بالاجتماع والتعاون.
والشريك هو المشارك في الرقاب، فكل شريك خليط، وليس كل خليط شريكًا؛ فالشركة أعم من الخلطة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية 2.
ولا خلاف في مذهب مالك رضي الله عنه أن الخلطة لها تأثير في الزكاة، وذلك [أن] 3 التأثير تارة يكون تخفيفًا، وتارة يكون تثقيلًا، والدليل على ذلك ما خرَّجه البخاري من طريق أنس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما [يتراجعان] 4 بينهما بالسوية" 5.
واختلف في الشريك في الرقاب، هل يعطى له حكم الخليط في التراجع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يتصور التراجع بين الشريكين، كذا ذكر أبو الوليد
الباجي عن المذهب، وهو المشهور في النظر.
والثاني: أن الشريك يكون له حكم الخليط، وهو نص قول ابن القاسم في "المجموعة" و"الموازية" عن مالك، وهو استقراء أبي الحسن اللخمي من المدونة.
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة [على النصاب] 1 أم لا؟
فعلى القول بأن الأوقاص مزكاة: فلا ينبغي أن يعطي للشريك حكم الخليط؛ إذ لا مرتفق في ذلك لواحد منهما؛ لأن كل واحد منهما يزكي عن مقدار ما يملك.
وعلى القول بأن الأوقاص غير مزكاة: يجب أن يكون التراجع بين الشريكين كالخليطين.
مثاله: لو كانت الشركة بينهما في مائة وعشرين من الغنم؛ لأحدهما ثمانون، وللآخر أربعون، فأخذت منهما شاة، وكان يجب على صفة التراجع بينهما أن يرجع صاحب الثمانين على صاحب الأربعين بقيمة سدس الشاة؛ لأن الشاة أخذت عن الأربعين؛ وهو أول نصاب الغنم، [والزيادة] 2 عفو لم يؤخذ منها شيء، والأربعون المأخوذ عنها نصفها لصاحب الثمانين، ونصفها لصاحب الأربعين، وقد أخذت من جملة المال.
وهذا كلام أبي الحسن اللخمي فقف عليه وتأمله.
ولو كانت الأوقاص مزكاة لكانت الشاة المأخوذة بينهما أثلاثا؛ على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
ولا تخلو مسألة [الخلطاء] 1 من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون في حظ كل واحد منهما نصاب.
والثاني: أن يكون في ماشية أحدهما نصاب، والثاني دون النصاب.
والثالث: أن تكون في ماشية كل واحد منهما دون النصاب [إلا أنهما بالجمع نصاب] 2.
والرابع: أن تعجز ماشيتهما بعد الضم والجمع عن النصاب.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان في ملك كل واحد من الخليطين نصاب، فلا تخلو ماشيتهما من أن تكون مما لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، أو مما يضم.
فإن كان مما لا يضم بعضها إلى بعض كالغنم، والبقر، فلا خلاف أنها لا خلطة بينهما لعدم الارتفاق بالماشية [والجنس] 3.
فإن كانت الماشية من جنس ما يضم بعضه إلى بعض في الزكاة كالضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر والنحت إلى العراب من الإبل، فلا يخلو [المالكان] 4 من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا جميعًا مخاطبين بالزكاة، أو غير مخاطبين بالزكاة، أو أحدهما مخاطب، والآخر غير مخاطب.
فإن كانا مخاطبين فلا يخلو من وجهين:
إما أن يختلطا في جميع ما عندهما من الماشية، أو اختلطا في بعضها.
فإن اختلطا في جميع ما عندهما من الماشية: فلا يخلو ذلك أيضًا من أن تتساوى ماشيتهما، أو تتفاضل.
فإن تساوت؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون، وللآخر أربعون، فإن الشاة [المأخوذة] 1 بينهما أنصافًا، ومن أخذت من غنمه رجع على صاحبه [بنصف] 2 قيمتها ضأنًا كانت الشاة المأخوذة أو معزًا؛ لأنه إن كانت غنم أحدهما المعز وغنم الآخر ضأنًا.
فإن تساويا خير الساعي في الأخذ من أي النوعين شاء، وإن تفاضلت أخذ من الأكثر؛ لأن الخليطين إنما يزكيان زكاة المالك الواحد.
واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين:
أحدهما: أن القيمة [المعتبرة] 3 في ذلك يوم أخذها المصدق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن القيمة العتبرة قيمتها يوم الحكم بالتراجع، وهو [ظاهر] 4 قول أشهب، ولاسيما على قول أبي محمد؛ لأنه قال بإثر قول أشهب، ولا تكون القيمة على هذا إلا بقيمة نصف الشاة يوم أداء القيمة.
وإن تفاضلت ماشيتهما؛ مثل أن يكون لأحدهما أربعون شاة، وللآخر ثمانون شاة، فأخذ المصدق الشاة من غنم أحدهما، هل يتراجعان في الشاة [بينهما] 5 أثلاثًا أو أنصافًا على قولين في المذهب قائمين من المدونة.
وسبب الخلاف: الأوقاص هل هي مزكاة أم لا؟ فإن وجبت عليهما شاتان، وأخذ الساعي من غنم أحدهما؛ لأنها أكثر مثل أن يكون لأحدهما ستون معزة، وللآخر إحدى وستون -ضأنًا ومعزًا- فأخذ الساعي رأسين من المعز؛ لأنها أكثر: فوجب للذي أخذ [الساعي] 1 رأسين من غنمه أن يرجع على خليطه، هل يرجع عليه بقيمة الشاة أو بشاة مثلها؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يرجع عليه بالقيمة لا بالمثل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة الثاني" من المدونة في غير ما وضع.
والثاني: أنه يرجع عليه بالمثل، وهو الذي يتأتى على مذهب أشهب على ما نقله أبو الوليد الباجي، وهو ظاهر المدونة، ومذهبه: أن من أدى عن غيره ما وجب عليه من سائر الحقوق المتعلقة بالأعيان أنه يرجع [عليه] 2 بمثله، ولا يرجع عليه بالقيمة إلا بتراض منهما.
وسبب الخلاف: الشاة المأخوذة في الزكاة، هل سبيلها سبيل الاستهلاك، أو سبيلها سبيل السلف؟
فمن رأى أن سبيلها سبيل الاستهلاك قال: إن الرجوع إنما يجب بالقيمة؛ لأن الأخذ غير موقوف على اختيار المالك، وهو مجبور عليه كما لو ترتبت في ذمته للغير بغير اختيار مالكه، فإن الرجوع عليه بالقيمة.
[ومن] 3 رأى أن سبيلها سبيل السلف، قال: يرجع عليه بالمثل؛ لأن هذه إنما أخذت ممن كانت عنده عن ماشية الآخر، فصار ذلك سلف عليه، ولا يرجع إلى القيمة إلا بتراض منهما؛ لأن ذلك يؤدي إلى
إخراج القيمة في الزكاة، فكما لا يجوز لصاحب الغنم أن يدفع القيمة للساعي عن الشاة التي وجبت عليه فكذلك، يمنع التي أخذت من غنمه أن يرجع بالقيمة، وأيضًا فإن الخلطة توجب التساوي فيما يؤخذ منهما في الصفة والجنس، فإذا أخذ من أحدهما شاة، ومن الآخر قيمة لم يتساويا، وأما إن خالط أحدهما صاحبه ببعض ماشيته دون بعض؛ مثل أن يكون رجل له ثمانون شاة، فخالط منها بأربعين مَنْ له أربعون شاة، فلا يخلو صاحب الثمانين من أن يخالط بالأربعين الباقية رجلًا [آخر] 1 أم لا.
فإن خالط بالأربعين الباقية رجلًا آخر، فصار جملة الغنم مائة وستين؛ ثمانون له، ولخليطين ثمانون، لكل واحد منهما أربعون، هل يزكون كلهم زكاة الخلطاء أم لا؟
فالمذهب على قولين 2:
أحدهما: أن عليهم شاتين؛ على صاحب الثمانين شاة، وعلى شريكه على كل واحد منهما نصف شاة، وهو قول ابن عبد الحكم وأصبغ.
[والثاني: أن عليهم شاتان إلا ثلث على صاحب الثمانين شاة، وعلى شريكيه ثلثا شاة على كل واحد منهما ثلث شاة] 3 وهو اختيار ابن المواز، واتفق عبد الملك، وسحنون مع أصبغ، وابن عبد الحكم في جواب القول الأول، واختلفوا في توجيهه؛ فابن عبد الحكم وأصبغ يقولان: إنهم كلهم خلطاء، وإن صاحب الثمانين خليط كل واحد منهما بجميع غنمه، وإن خليطيه كل واحد منهما خليط لصاحبه؛ لأنه خليط خليطه، فلأجل
ذلك يكون عليهم شاتان على التجزئة التي قدمناها، وأما عبد الملك وسحنون، فإنهما يريان صاحبي الأربعين ليس بعضهما خليط لبعض، ولا يخالط كل واحد منهما صاحب الثمانين إلا بما معه خاصة دون ما مع خليطه الآخر، وصاحب الثمانين يجمع في زكاة ماله معهما جميعًا، فله ثمانون مع اثنين، فعليه شاة ثم كل واحد من خليطيه يقول له: لك معي أربعون ولي أربعون، فأنت قد أديت شاة، وعليَّ أنا نصفها إلا أني لم أخالطك إلا بالأربعين التي معي خاصة ولا أعد عليك مالك مع خليطك الآخر، ومثل هذا يقول له الخليط الآخر، فصار عليهما شاة جميعًا، وعليه هو شاة.
فالجواب متفق [والطريق] 1 الموصل إلى الشاتين مختلف، [واختلافهم] 2 في التأويل يتخرج على الخلاف في خليط الخليط هل هو كالخليط أم لا؟ وينبني أيضًا على اختلاف المنطقيين في المساوى للمساوي هل هو كالمساوي [أم لا] 3.
ووجه القول الثاني: الذي هو اختيار ابن المواز 4 أن صاحب الثمانين خليطٌ لهما جميعًا، فيكون عليه شاة، ويجعل كل واحد منهما خليطًا له بجميع ما يملكه وهو ثمانون ولا يجعل أحد خليطيه خليطًا لخليطه الآخر، ويصير كل واحد قد خالطه بأربعين، وله هو ثمانون، فكان على كل واحد منهما ثلث شاة.
وأما الوجه الثاني: إذا خالط بأربعين وبقيت له أربعون لم يكن له فيها خليط كيف يزكيان؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عليهما شاة واحدة؛ على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
وهو قول مالك في [المدونة وفي] 1 كتاب ابن المواز.
والثاني: أن عليهما شاة وسدسًا؛ على صاحب الثمانين ثلثا شاة، وعلى صاحب الأربعين نصفها، وهو قول سحنون.
والثالث: أن عليهما شاة ونصف؛ على صاحب الثمانين شاة، وعلى صاحب الأربعين نصف شاة.
وهو [ظاهر] 2 قول عبد الملك في المبسوط، ووجهه: أن صاحب الثمانين لا يزكي مع الخليط إلا على ما خالط به خاصة ولا يضم معه جميع [غنمه] 3.
ووجه القول الأول: أن صاحب الثمانين يزكي جميع غنمه على سنة الخلطة يضيف غنمه التي لا خليط له فيها إلى غنم الخلطة، فتكون الشاة الواجبة عليهما أثلاثًا.
ووجه القول الثاني: أن الأربعين التي لا خليط له فيها لا يضمها إلى غنم الخليط، ولا ينتفع بها خليطه، ولا يتضرر بها، غير أن صاحب الثمانين ينتفع بالخلطة بإسقاط ثلث الشاة، وفي ذلك نظر؛ كيف ينتفع أحد الخليطين بالخلطة، ولا ينتفع الآخر؟ وهذا يقدح في سنة الخلطة.
وهكذا اختلف المذهب [أيضًا] 4 فيمن له خمسة وعشرون من الإبل
فخالط بخمسة عشر رجلًا له عشرة، وبعشرة رجلًا له عشرة، فعلى صاحب خمسة وعشرين خمسة أتساع بنت لبون، وهو معهما كخليط واحد.
واختلف في خليطيه كيف يزكيان على أربعة أقوال:
أحدها: أنهما يزكيان على مثل ذلك؛ على كل واحد منهما تُسعا بنت لبون، ويصير ثلاثتهم في حكم رجل واحد، وهو قول أصبغ، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يزكي كل واحد منهما على ملك [خليطه ولا يزكي على ملك] 1 خليط خليطه، فيكون على كل واحد منهما [سبعا] 2 بنت مخاض، وهذا يأتي على اختيار ابن المواز في الفصل الذي قدمناه في الغنم.
والثالث: أنه يزكي كل واحد منهما على ما خالطه به خليطه دون جميع ملكه [فيزكي من خولط خمسة عشر بخمسي بنت مخاض، وإن خالط بعشرة كان فيه الغنم] 3 وهو قول سحنون.
والرابع: أن صاحب الخمسة والعشرين يزكي مع كل واحد على ما خالطه به خاصة، ولا يجمع بعضه إلى بعض، وهو قول عبد الملك في "المبسوط".
وتوجيه كل قول ظاهر، فلا فائدة في التطويل.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الخليطان غير مخاطبين مثل أن يكونا ذميين أو عبدين فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة على العبيد، ولا على أهل
الذمة في شيء من أموالهم عمومًا لا خصوصًا 1.
وأما الوجه الثالث: إذا كان أحد الخليطين مخاطبًا، والآخر غير مخاطب بالزكاة كالحر المسلم خالط بماشيته عبدًا أو ذميًا، هل يزكي الحر المسلم زكاة الانفراد، أو [يزكي] 2 زكاة الخلطاء؟
فالمذهب على قولين:
[أحدهما: أن يزكي زكاة الانفراد] 3 من غير اعتبار بتأثير الخلطة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" 4 "والموازية"، ولا فرق بين أن يكون عبده أو عبد غيره.
والثاني: أنه يزكي زكاة الخلطاء؛ فما نابه أداه، ويسقط ما ناب النصراني أو العبد، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن حبيب 5.
ويلزم على هذا: إذا حال الحول على نصاب أحدهما، ولم يحل على نصاب الآخر أن يجري فيه القولان، ولا فرق.
وسبب الخلاف: هل من شروط الخلطة اعتبار الارتفاق من الطرفين، أو الاعتبار بوجود الارتفاق أو فقده على الجملة؛ لأن الارتفاق المعتبر في الخلطة تارة يعتبر في تخفيف مؤونة الزكاة، وتارة يعتبر في تخفيف مؤنة الماشية فيما يرجع إلى: نموها وحسن حالها في نفسها، وتارة يعتبر الأمران جميعًا؛ لأن أصل الخلطة بنيت على الارتفاق؛ ولأجل ذلك اختلف أرباب المذهب في الشروط المعتبرة في الخلطة التي إذا حصلت ثبتت الخلطة بعد
اتفاقهم على [اعتبار] 1 خمسة أوصاف على الجملة؛ الراعي والفحل، والدلو، والمراح، والمبيت، وقال بعضهم: والحلاب؛ وذلك لاختلافهم في المراح هل هو المبيت أم لا؟ فمن رأى أن المراح هو المبيت عدَّ الحلاب.
ومن رأى أن المراح غير المبيت لم يعدّ الحلاب.
وقد اضطرب قوله في الكتاب في المراح؛ فمرة جعله غير المبيت، وهو قوله: "إذا كان الدلو واحدًا، والراعي والمراح واحدًا، وإن تفرقوا في المبيت" 2.
ومرة جعله المبيت نفسه؛ فيتخرج من الكتاب في المراح قولان، وفيه قول ثالث: إن المُرَاح هو المسرح وتأوله بعضهم على المدونة.
وفيها قول رابع: أن المراح هو المقيل، وهو تأويل أبي الحسن القابسي على المدونة.
وفيها قول خامس: أن المراح المراد في المسألة رواح الغنم؛ وهو سوقها بالعشي إلى موضع مبيتها؛ يعني ثم تفتقر إلى بيوت أربابها، وهذا تأويل الشيخ أبي عمران الفاسي.
وفيها قول سادس: أن المراح هو الموضع الذي تروح إليه الماشية [فيه] 3 فيها إلَّا للانصراف إلى المبيت، وهذا تأويل القاضي أبي الوليد الباجي.
فهذه ستة أقوال في معنى المراح، أو الموضع الذي تجتمع فيه الماشية للانصراف إلى المبيت، فلا يخلو المراح من أن يكون مشتركًا بين أرباب الماشية على الإشاعة، أو لكل واحد منهم جزء معين.