كتاب التدليس بالعيوب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثمان عشرة مسألة
المسألة الأولى فيمن اشترى سلعة ثم اطلع بها على عيب
ولا يخلو من أن يحْدِث عيب آخر أو لم يحْدِث.
فإن لم يحدث عند المشتري عيب ولا تغيرت السلعة فهو بالخيار بين أن يردها على البائع ويأخذ جميع الثمن، أو يحبسها ثم لا شيء له من قيمة العيب، ولا خلاف في هذا الوجه.
والدليل عليه حديث المصراة، وهو أصل في كل غش وتدليس فإن حدث عند المشتري في المبيع حدث يغيره عما كان عليه وقت البيع فلا يخلو ما حدث فيه من أربعة أوجه:
أحدها: أن يدخله زيادة.
والثاني: أن يدخله نقصان ولا تفوت عينه.
والثالث: أن تفوت عينه لخروجه عن ملكه.
والرابع: أن يعقد فيه عقدًا يمنعه من رده.
فالجواب عن الوجه الأول: وهو أن يدخل البيع زيادة، فإن الزيادة لا تخلو من خمسة أوجه:
أحدها: زيادة بحوالة الأسواق.
والثاني: زيادة في حال المبيع.
والثالث: زيادة في عين المبيع فيما حدث فيه أو بشيء من جنسه يضاف إليه.
والرابع: زيادة من غير جنس المبيع مضافة إليه.
والخامس: ما أحدثه المشتري في المبيع من صفة مضافة إليه كالصبغ وما أشبه ذلك بما ينفصل عنه.
فأما الزيادة بحوالة الأسواق والزيادة في حال المبيع مثل أن يكون عبدا فيتعلم الصنعة فتزيد قيمته لذلك فإنه لا يعتبر فيها ولا يوهب للمبتاع خيار.
وأما الزيادة في عين المبيع فيما هو حادث فيه كالدابة تسمن والصغير يكبر أو شيء من جنسه مضاف إليه كالولد يحدث فيه فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك ليس بفوت والمشتري مخير بين أن يردها بحالها أو يردها وولدها إن حدث أو تمسك ولا شيء له من قيمة العيب وهو قول مالك وابن القاسم في "العتبية" في الدواب والولادة والعبيد والصغير يكبر.
والثاني: أن ذلك فوت في الجميع ويكون المشتري بالخيار بين أن يمسكها ويرجع على البائع بما نقصه العيب أو يردها ولا شيء عليه في تلك الزيادة وهو قول ابن القاسم في "العتبية" أيضًا إذا سمنت سمانة بينة وهو أحد قولي مالك أيضًا.
والثالث: أن ذلك فوت في الجميع وله قيمة العيب ولا خيار له في الرد وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في الصغير يكبر والسمانة، وحدوث الولد كزيادة الصغير يكبر ولا فرق.
والرابع: التفصيل بين سمانة الرقيق وسمانة الدواب فالصغير يكبر
وحدوث الولد والدابة سمن وذلك فوت وليس السمن في العبيد فوت وهو قول مالك أيضًا في "المدونة".
وأما الزيادة المضافة إلى المبيع من غير جنسه مثل أن يشتري العبد ولا مال له فيفيده عنده مالًا بهبة أو صدقة أو تجارة أو إفادة بوجه غير خراجه أو يشتري الرجل النخل ولا ثمر فيها فيثمر عنده ويجد عيبًا ولا خلاف أن ذلك ليس بفوت ولكن له الخيار بين أن يمسك ولا يرجع بقيمة العيب أو يرد العبد وماله والنخل وثمرها ما لم يطلب على الخلاف [فإن] 1 تمادى يصير غلة على ما سنوضحه في مسألة مفردة في هذا الكتاب إن شاء الله.
فإذا رد النخل وثمرها هل يرجع بقيمة السقي والعلاج أم لا؟ فالمذهب على قولين مشهورين.
وأما الزيادة بما أخذه المشتري المبيع من صنعة مضافة إليه كالصبغ وما أشبه ذلك مما لا ينفصل إليه بحال أو لا ينفصل عنه إلا بفساد، فلا خلاف في المذهب أن ذلك يوجب له الخيار بين أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أو يرد ويكون شريكا بما زاد الصبغ.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا ثبت نقصان في البيع، فلا يخلو ذلك النقصان أيضًا من خمسة أوجه:
أحدها: نقصان بحوالة الأسواق.
والثاني: نقصان بتغير حال المبيع.
....
والرابع: نقصان من غير عين المبيع.
والخامس: نقصان بما أحدث المشتري في المبيع.
فأما النقصان بحوالة الأسواق فلا عبرة به وهو مخير بين أن يرد أو يمسك ولا شيء له.
وأما النقصان بتغير حال المبيع مثل أن يشتري الأمة فيزوجها أو العبد فيزوجه أو يزني أو يسرق أو ما أشبه ذلك مما تنقص به قيمته فلا خلاف في المذهب أن التزويج عيب في الرقيق مع بقاء الزوجية ودوامها وفي انقضاء الزوجية فيها بالموت أو الفراق فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك ليس بعيب وهو قوله في "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن ذلك عيب استدامت الزوجية بينهما أو انقضت وهو قول ابن القاسم وأشهب عن مالك في "المدونة".
والثالث: أن التزويج عيب في الواقعة بعد الموت والفراق دون الوحش وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمد".
والرابع: التفصيل بين الموت والفراق فيكون عيبًا مع الفراق وليس بعيب مع الموت وهو ظاهر قوله في "الموازية" وهو قول أبي سعيد البراذعي في "كتاب الشرح والبيان".
وسبب الخلاف: اختلافهم في العلة التي لأجلها صار النكاح عيبًا في المبيع بعد اتفاقهم على أن مجرد النكاح ليس بعيب لأن الله تعالى ورسوله قد أباحه، وما نص الله تعالى ورسوله على إباحته فليس بعيب فثبت أن العلة أمر زائد على النكاح، واختلف في ذلك الزائد ما هو؟
فمنهم من يقول: إن العلة في ذلك كون المزوج منهما
يسرق مال سيده وينقل من بيته إلى زوجته أو إلى زوجها إن كانت أمة، ويتعطل عن شغل السيد ويذهب إلى موضع الزوجة أو الزوج إن تباعدت المواضع وذلك غرر على المشتري وقد تصيبه أمة تذهب به في ذهابه.
فإذا انقطعت العصمة بينهما بفراق أو موت زالت العلة المجردة، ومنهم من يقول: إن العلة في ذلك كون العبد والأمة طرءا بالنكاح فيكون من العبد التشوف إلى النساء ومن الأمة إلى الرجال وذلك مما يفسر أحوالهما مع المشتري لأن من اعتاد النكاح واستأنس به يميل به الطبع إليه ويغلبه الشوق ويؤدي به ذلك إلى أن يهوي ويعشق وذلك غاية الضرر على السيد.
فإذا ثبت أن التزويج عيب في الرقيق إما مع بقاء الزوجية ودوامها على الاتفاق وإما بعد الفرقة والانصرام على الخلاف فإن ذلك فوت ويخير المشترى بين أن يرد البيع مع قيمة ما نقص عيب الربح عنده أو يمسك ويرجع بما نقص العيب القديم عند البائع.
وأما ما كان من عيوب الأخلاق كالزنا والسرقة وشرب الخمر إذا حدث عند المشتري وقد اطلع على عيب فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها عيوب يرد معها النقص إن اختار الرد، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها ليست بعيوب يرد معها الأرش وله أن يرد ولا شيء عليه، وهو قول ابن حبيب.
وأما النقصان بتغيير عين المبيع مما يحدث في يديه فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون عيبًا خفيفًا لا ينقص من الثمن ولا يخشى له غائلة.
والثاني: أن يكون عيبًا يسيرًا ينقص من الثمن كثيرًا أو يبقى معه جل منافع المبيع إلا أنه تؤمن غائلته.
...
والرابع: أن يكون عيبًا مفسدًا ذهب بأكثر منافع المبيع.
فإن كان عيبًا لا ينقص من الثمن كالكي الخفيف الذي لا يخالف اللون ولا تفاحش في العظم ولا هو في موضع مستقبح مثل الفرج وما والاه وغائلته مأمونة وما أشبهه من العيوب الخفيفة التي لا تأثير لها في ضمان الثمن.
فإن كان عند النخاسين عيبًا فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا رد للمبتاع إذا اطلع عليه ولا يرد له شيئًا إذا حدث عنده واطلع على عيب قديم يوجب الرد، وهو نص قول مالك في "الموازية".
فإن كان عيبًا خفيفًا ينقص من الثمن يسيرًا أو كان مما تؤمن غائلته كذهاب السن الواحدة أو ما لا تؤمن غائلته كالحمى والرمد.
فأما ذهاب السن الواحدة في الرابعة في عيب عندهم كانت من مقدم الفم أو مؤخره وهو قول ابن القاسم في الضرير في "العتبية" في سماع أصبغ عنه، وابن حبيب في "واضحته".
وفي غير الرابعة من ذكر أو أنثى قولان:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب فيهما وهو قول في "العتبية".
والثاني: أنه عيب فيهما إذا كانت السن [المنزوعة] 1 من مقدم الفم، وليس بعيب إن كانت من مؤخره وهو قول ابن حبيب في "واضحته" ويتخرج فيها قول ثالث: أن الواحدة عيب في الرابعة وغيرها كانت من
مقدم الفم أو مؤخره وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب المرابحة"، وأما الحمى والرمد فالمذهب فيهما على قولين:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب وأن المشتري بالخيار بين أن يرد أو يمسك، فإن رد فلا يرد مع المبيع شيئًا، فإن اختارا إمساكها فلا يخرج بقيمة العيب وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك فوت فلا يرده إن اختار الرد إلا فيما نقصه العيب عنده وهو مذهب سحنون.
ووجه الحمى والرمد أنهما لا تؤمن غائلتهما، والحمى مرض من أمراض الموت، والرمد لا يؤمن أن يذهب البصر من أجله.
وقد تأول بعض المتأخرين على سحنون أن المشتري لا يمكن من ذلك حتى تستبرأ عاقبتهما ويعلم مآل أمرهما، وعلى ذلك حمل كلامه، وما قلنا أولى.
فإن كان عيبا فاحشا ينقص من الثمن كثيرًا كقطع اليد والشلل والعور وقطع الرجل الواحدة أو الرجلين فهل له الرد أو يجب أو يمنع من الرد؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن المشتري بالخيار بين الرد والإمساك، فإن اختار الإمساك رجع بما نقص العيب الحادث عنده، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن ذلك فوت يمنعه الرد كما لو ذهب عيناها جملة وهو ظاهر قوله في "المدونة" في الكبير يهرم، فقد قال: إنه يمنع من الرد ويرجع بقيمة العيب، وهو قول محمَّد بن مسلمة فيما ذهب أكثر منافعه.
والثالث: أن الرد واجب على المشتري ولا يجوز الرضا بالسلعة المبيعة وهو أحد قولي مالك في الصفقة إذا استحق جلها وكان الاستحقاق على
اليقين حيث قال: لا يجوز له التماسك بما بقى لأنه بثمن مجهول إذ لا يعرف قيمته إلا بعد التقويم فصار بيعا مؤتنفا بثمن مجهول، وذلك موجود في هذه المسألة لأن ما بقي من السلعة غير معيب قيمته مجهولة فلا يعرف إلا بعد التقويم، وهذا تأويل بعض المتأخرين على الكتاب أن قوله في هذه المسألة بالتخيير بين الرد والإمساك يتخرج على أحد قولي مالك أن له الإمساك بما بقى في مسألة الاستحقاق.
والرابع: التفصيل بين ما كان من سبب المشتري وما كان بسبب سماوي.
فإن كان من سبب المشتري فإنه يرد معه ما نقص عنده، وما كان من سبب سماوي فإنه يرده ولا يرد معه شيئًا، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي"، وهو أضعف الأقوال.
والدابة إن تعطلت أعضاؤها أو انقطع ذنبها أو أذنابها كالعبد والأمة في جميع ما أوردناه من الأقوال.
وعلى القول بالتخيير للمشتري بين الرد مع ما نقص العيب فإن قال البائع: أنا أقبله معيبًا وأرد جميع الثمن هل يمكن من ذلك ويخير كما يخير المشتري؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الخيار للبائع كما يكون للمشتري وأن المشتري إن اختار الإمساك والرجوع بقيمة العيب، وقال البائع: أنا أقبله بجميع الثمن معيبا كان القول قوله، وهو قول ابن القاسم في أول "كتاب العيوب" من "المدونة".
والثاني: أنه لا خيار للبائع وإنما الخيار للمشتري وهي رواية ابن القاسم وابن نافع عن مالك وبه قال عيسى بن دينار.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الزيادة فيمن قيمته مع العيب الذي فيه فيكون الخيار للمبتاع دون البائع ولم يكن فيه إلا التفصيل فيكون الخيار لهما جميعا كما قال ابن القاسم وأشهب وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة".
والرابع: التفصيل بين أن يكون البائع مدلسا أو غير مدلس.
فإن كان مدلسا فلا خيار له، وإن كان غير مدلس كان له الخيار وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة" وهو تأويل حسن جيد في الفقه.
فإن كان عيبا مفسدا فذهب بجل منافع المبيع مثل العمى وقطع اليدين والرجلين أو ما أشبه ذلك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري يرجع على البائع بقيمة العيب ولا خيار له في الرد كما لو فات عينه وهو مشهور المذهب وهو نص "المدونة" في الكبير يهرم.
فإذا هرم الكبير فقد ذهبت منافعه؛ وإن كان بعض المتأخرين فقد فرق بين الصغير يكبر والكبير يهرم، وبين ما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان قائلا: إن الصغير يكبر والكبير يهرم قد صار جنسا آخر غير جنسه الأول حتى يجوز سلم أحدهما في الآخر، وما بطلت منافعه على خلاف ذلك.
وما فرق به هذا المتأخر باطل لوجود ذلك فيما تعطلت منافعه من العبيد والدواب والحيوان وزوال المراد منه حتى صار من حواشي جنسه فإنه يجوز أن يسلم فيه خيار جنسه مما بقيت منافعه وسلمت الأغراض المقصودة فيه، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
والثاني: أن المشتري بالخيار بين الرد مع قيمة العيب والإمساك ويرجع
بما نقص العيب على البائع هو ظاهر "المدونة" حيث أطلق الجواب في الكتاب في العيوب المفسدة مثل القطع والشلل والعمى.
فإذا كان كذلك فقد ذهبت أكثر منافع المبيع، وكذلك إذا قطعت له يد واحدة وكانت صنعته في يده كطراز قزاز أو صائغ وما أشبه ذلك فإن ذلك مما يذهب بأكثر منافعه، وعلى هذا حمل أكثر شيوخ المذهب ظاهر الكتاب.
فأما النقصان من غير عين المبيع مثل أن يشتري بنخل بثمرها قبل الطياب قبل الإبار أو بعده، أو عبدا وماله فيذهب مال العبد بتلف والثمر بجائحة فإن ذلك ليس بفوت قولًا واحدا, وله الخيار بين أن يرده ولا شيء عليه ويمسكه ولا شيء له.
وأما النقصان بما أحدث المبتاع في البيع بما جرت العادة أن يحدث فيه مثل أن يشتري الثوب فيصبغه أو يقطعه فينقص الثمن لذلك، فإن هذا فوت باتفاق المذهب والمشتري فخير بين أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أو يرد ويرد ما نقصه ما أحدث فيه إلا أن يكون البائع مدلسا فلا يكون عليه للنقصان شيئًا يرده من أجله.
واختلف إن أراد أن يمسك هل له أن يرجع بقيمة العيب أم لا على قولين:
أحدهما: أن ذلك له، وهو مذهب ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك له فيما نقصه بصناعة الصبغ دون ما نقصه القطع، وهو محمول على أنه غير مدلس حتى يثبت ذلك عليه إما ببينة أو بإقراره به على نفسه، وهو قول أصبغ، وابن المواز.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا فات عين المبيع فلا يخلو فواته مما
يخرجه عن ملك بعوض كالبيع وغيره من سائر وجوه المعاوضات؛ فالكلام عليه يأتي في مسألة مفردة إن شاء الله.
فإن خرج من يده بغير عوض فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون باختياره وإيثاره، أو يكون ذلك بغير اختياره وإيثاره؛ مثل أن يكون عبدا فيقبله المشتري أو يتصدق به أو يعتقه، هل له الرجوع بقيمة العيب على البائع ويكون ذلك فواتا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك فوات يوجبه الرجوع بقيمته، وهو القول المشهور الذي عليه الجمهور من أصحاب مالك.
والثاني: أنه لا يرجع بقيمة العيب، وهو مهجور المذهب الذي لا وجه له، وهذا القول حكاه بعض المتأخرين عن مالك في المذهب.
فإن كان ذلك بغير اختيار المشتري؛ مثل أن يكون عبدا فيموت حتف أنفه أو يقتله خطأ فله الرجوع بقيمة العيب قولًا واحدا.
والجواب عن الوجه الرابع: وهو أن يعقد فيه عقدا يمنعه من رده؛ فلا يخلو هذا العقد من أن يتعقبه رجوع إلى ملكه كالكتابة على اعتبار الحال والاستيلاء والتدبير والعتق إلى أجل؛ فذلك فوت وليس فيه إلا الرجوع بقيمة العيب.
وأما إن كان العقد يتعقبه الرجوع إلى ملكه كالرهن والإجارة والإخدام ففيه في المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك العقد ليس بفوت، ولا رجوع له بقيمة العيب حتى يرجع إلى ملكه -طالت المدة أو قصرت- وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: بالتفصيل بين أن تكون المدة طويلة فيرجع بقيمة العيب في الحال، وبين أن تكون قصيرة فينتظر حتي تنقضي المدة أو يكون أمدا بعيدا فيكون فوتا، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين الإجارة والرهن والإخدام؛ ففي الرهن والإخدام يكون فوتا وله الرجوع بقيمة العيب، وفي الإجارة لا يكون فوتا وله الرد، ولا تنقض الإجارة؛ لأنه عقدها بموضع يجوز له كما لو زوج عبدا ثم وجد به عيبا لكان له أن يرده بعينه ولم يفسخ النكاح، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل؛ فمن اعتبر الحال قال: ذلك فوت يوجب الرجوع بقيمة العيب إن شاء، ومن اعتبر المآل قال: ذلك فوت إذ لابد أن يرجع إلى ما كان عليه.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثانية في تعيب بعض الجملة المشتراة أو استحقاقه
ولا يخلو المشتري من أن يكون طعاما، أو عروضا، أو دورا أو أرضين.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المشتري طعاما فلا يخلو من أن يستحق بعضه، أو بعيب.
فإن استحق بعضه فلا يخلو المستحق من أن يكون يسيرا، أو كثيرا.
فإن كان يسيرا مما لا ضرر فيه على المشتري فلا مقال له في الرد.
وإن كان كثيرا فللمشتري المقال في الرد والإمساك.
واختلف في حد الكثير؛ ففي الثلث قولان في "الكتاب".
وعلى القول بأن الثلث في حيز اليسير ففي النصف قولان في "الكتاب".
أحدهما: أن النصف في حيز الكثير، وهو نص "المدونة" في كتاب "القسمة".
والثاني: أنه في حيز اليسير كالعروض، وهو قول أشهب في غير "المدونة" في "كتاب العيوب".
ويوجد لابن القاسم من مسألة الحمل في آخر "كتاب الوكالات" من "المدونة" علي ما بيناه هناك، وهذا الحكم إذا اشترى صيرة على أن ما فيها مائة أردب ثم وجدها تنقص على ما ذكرنا، فإن تعيب البعض فلا يخلو المعيب من أن يكون يسيرا أو كثيرا.
فإن كان يسيرا كالعشر فالسلم لازم للمشتري، ولا رد له، وهل ذلك برضا البائع أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب بيع الخيار" وغيره.
فإن كان المعيب مثل الخمس والسدس وما لا رد فيه للمشتري لو استحق فليس للمشتري إلا أن يرد الجميع لحجة البائع في استتباع المعيب السالم وحمله عليه، ثم تبين للبائع أن يلزمه السالم بحصته لحجة المشتري في الرغبة في شراء إما لرخصها وإما لإكفاء المؤنة، حتى إذا تراضيا على شيء فيجوز ما تراضيا عليه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المشتري عروضا ثم استحق بعضها؛ فإن استحق منها ما لا ضرر فيه على المشتري فالسالم يلزمه بحصته من الثمن ولا، رد له، فإن استحق منها ما عليه فيه ضرر كالثلثين ففي هذا الوجه يكون له الكلام.
ثم لا يخلو الاستحقاق من أن يكون علي التعيين أو على الإجزاء.
فإن كان على التعيين مثل أن استحق من صفقته عين -يعني: أي شيء يعبر- فهل له التماسك بما بقى منها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب العيوب" و"الاستحقاق"، ولا يخفى علي من طالعهما.
والخلاف فيهما مبني على الخلاف في جمع السلعتين في البيع.
فإن كان الاستحقاق على الإجزاء فهل يجوز التماسك بما بقي أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: المنع، وهو قائم من "المدونة" بالمعنى؛ وبيانه أنا لو جعلنا الخيار للمشتري في الرد أولًا فوجب أن يفسخ البيع ثم يختار التماسك آخرا؛ فيكون قد أخذ سلعة البائع بغير إذنه وذلك ممنوع شرعا، وهذا أصل متداع في أكثر مسائل "المدونة"؛ وهو المخير بين شيئين هل يعد مختارا لما ترك أم لا؟ وهذا معنى دقيق لا يفطن له إلا من عنده تحقيق وتدقيق.
واختلف في النصف في العروض هل هو في حيز القليل أو في حيز الكثير على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب القسمة" على ما لا يخفى، إلا أن المشهور في أن النصف في حيز اليسير في العروض.
والفرق بين الطعام والعروض على مشهور المذهب في أن النصف في الطعام في حيز الكثير وفي العروض في حيز اليسير أن العادة الجارية في المكيل والموزون من المأكول أن التنافس والرغبة في شراء الجملة أكثر، فإذا استحق منها النصف فقد ذهب المقصود، بخلاف العروض؛ فإن المقصود منها أعيانها حتى لا يكاد الثمن يختلف في شراء آحادها وأعدادها على المشهور.
فإذا استحق منها النصف فلا خيار له لبقاء النصف وهو كثير.
والمكيل والموزون والمعدود من العروض في استحقاق النصف سواء.
والمعتبر فيما ذكرناه من استحقاق الأقل والأكثر إنما هو في القيمة دون أعيان السلع وأعدادها، بخلاف المكيل، والموزون من الطعام والعروض فإن المعتبر فيه أعداد ما يستحق فيرجع بقدر ذلك من الثمن دون تقويم إلا في صورة واحدة فإن العروض المعدودة فيها توافق الطعام؛ وهو إذا اشترى عدلا على أن فيه خمسين ثوبا فوجد فيه أربعين فإنه يرجع بخمس الثمن، ولا تقويم في هذا لعدم ما يقوم.
والرد بالعيب والاستحقاق النظر فيهما إلى القيمة؛ لوجود ما يقوم، وهذا الجزء المستحق والمعيب.
فافهم هذه المعاني؛ فإنها معان فائقة، وأسرار رائقة، ولا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
فأما إن كان المشتري عروضا ثم وجده المشتري عيبا، فإن كان المعيب يسيرا جدا فالسالم يلزم المشتري بحصته من الثمن ولا رد له.
فإن كان المعيب جل الصفقة فهل له التماسك بالسالم ويرد المعيب أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه مخير بين الرد والإمساك، وليس له أن يحبس السالم ويرد المعيب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب العيوب" إذا كان العيب في كثير من عدد أو وزن حتى يضر ذلك بصفقته فليس له إلا أن يرد الجميع، وليس له التماسك بالسالم وإن كان معدودا لحجة البائع في محل المعيب على السالم.
والثاني: قوله فيها بالتفصيل بين أن يكون المعيب وجه الصفقة أم لا؛ فإن كان المعيب وجه الصفقة فليس له التماسك بالسالم الأدنى، وإن كان المعيب هو الأدنى فله أن يرد ويلزمه السالم بحصته من الثمن، وهذا نص قوله في "المدونة".
وإن كان من حجته استتباع العيب للسالم ومنعه من التماسك بالسالم الأدنى ليحمل عليه الأكثر الأردأ فبأن يمنع من التماسك بالمعيب الأكثر ليحمل عليه المعيب الأقل أولى، وهذا منه اختلاف قول على كل حال، وعلى أنه اختلاف حمله أبو سعيد في "التمهيد".
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان المشتري دورا أو أرضين فاستحق بعضها أو وجد بها عيب فالحكم في ذلك واحد.
فإذا استحق منها الشيء اليسير الذي لا ضرر فيه على المشتري فهل يلزمه الباقي بحصته من الثمن أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يلزمه الباقي بحصته من الثمن، وسواء كان الاستحقاق على الإجزاء أو على التعيين، وهذا نص قوله في "المدونة" في غير ما موضع.
والثاني: أنه لا يجزئه التماسك بما بقى؛ لأنه يمسكه بثمن مجهول إذا كان الاستحقاق على معين، ويجوز إذا كان على الإجزاء، وهذا القول مستقرأ من "كتاب التجارة" إلى أرض الحرب من استثناء الجز المعين من الشاة كالفخذ والكبد، وقد منعه هناك، ووجه المنع فيه لمجهلة في الثمن في المستثنى والمشتري لا يعرف قيمته إلا بعد التقويم؛ فقد منع ذلك في الشاة مع قلة المستثنى والاستثناء كالإستحقاق، وهذا ظاهر جدا لمن أنصف.
فإن كان المستحق كثيرا كالنصف والثلثين فله رد ما بقى، وهل له التمسك به بحصته من الثمن أم لا؟
فإن كان الاستحقاق على الإجزاء قولان، وإن كان على التعيين قولان، والتوجيه ما تقدم في تحصيل العروض.
واختلف في استحقاق هل هو في حيز الكثير الذي لا يعتبر فيه الضرر لكون ضررا في نفسه؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الثلث في حيز اليسير الذي يعتبر فيه وجود الضرر وعدمه.
ووجود العيب في جميع هذه الفصول كالاستحقاق سواء.
وهل الكراء في ذلك كله كالشراء؟
قولان منصوصان في "الكتاب".
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثالثة إذا اشترى عبدا بثوبين فهلك عنده أحدهما ثم وجد بالآخر عيبا
فلا يخلو من أن يوجد العيب بالثوب الباقي أو بالعبد، فإن وجد بالثوب فلا يخلو الثوب الهالك من أن يكون هو أوجه الثوبين أو هو الأدنى منهما، فإن كان الهالك هو أوجه الثوبين وتعيب الأدنى فلا يخلو العبد من أن يكون قائما أو فائتا.
فإن كان قائما فإن المشتري يرد المعيب ويرجع بما ينوبه من القيمة.
وهل يرجع؟ [...] 1 وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يرجع بذلك في عين العبد، ويكون بذلك القدر شريكا، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين المدلس وغيره؛ فإن كان مدلسًا فإن المشتري يرجع بقيمة العيب في عين العبد ويكون شريكا، وإن كان غير مدلس فإنه يرجع بقيمة العيب في ذمة البائع لا في عين العبد، وهذا القول مخرج غير منصوص.
والرابع: أن يخير في ذلك المشتري للعبد بين أن يرخي بالشركة أو يرده على بائعه كعيب ظهر له في المبيع، والشركة في الرقيق عيب، وهو قول ابن القاسم.
ووجه القول الأول: أنه لا يكون شريكا في العبد ترجيحا لجانب
مشتري العبد لما يلحقه من الضرر في الشركة التي لم يدخل عليها أولا.
وجه القول الثاني: أن الأصول موضوعة على أن من باع عرضا بعرض فاستحق أحدهما ووجد به عيبا فإنه يرجع في عين شيئه إن كان قائما أو بقيمتها إن كان فائتا.
فإذا كان الحكم أن يرجع في عين شيئه مع تعييب الجميع أو استحقاقه فكذلك يرجع فيه إذا تعيب البعض واستحق؛ لأن الموجب برجوع من شيئه.
ووجه القول الثالث: بالتفصيل بين التدليس وغيره إن كان مدلسا كان هو المتسبب في ذلك ويحسب على أنه دخل على الشركة باختياره وإيثاره، والظالم أحق أن يحمل عليه.
ووجه القول الرابع: بأن الخيار في ذلك للمشتري لأن بائع العبد قد تعين حقه في عين شيئه فيكون له الرجوع في عينه ويشتري العبد ويدخل على ضرر الشركة ولا رضي به، فإذا استحق بعض العبد من يده كان له الخيار بإيثار العيب والشركة أو الرد، فإن اختار الرد كان له الخيار بإيثار العيب والشركة أو الرد، فإن اختار الرد كان له الخيار أيضًا بين أخذ الثوب المعيب مع قيمة التالف أو أخذ قيمة الثوبين جميعا.
فإن كان العبد فائتا فلا يخلو فواته من أن يكون بحوالة الأسواق أو مما هو أعلى منها؟ فإن فات بحوالة الأسواق فهل يكون ذلك فيه فوتا أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك فيه فوت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وكتاب "محمَّد" أن حوالة الأسواق تفوت عرض البيع.
والثاني: أنه ليس بفوت، وهو ظاهر "الكتاب" إذا تلف الأدنى وتغيب الأعلى حيث قال: إنه يرد المعيب مع قيمة التالف وتلف أقلها أشد من حوالة الأسواق، ومع ذلك لم يجعله فوتا، وهو تأويل بعض الأندلسيين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الرد بالعيب فيما فات من الأعواض هل يعطى له حكم البيع الفاسد لمساواتها في القيمة وأن المرجوع في ذلك إليها في غير ذات المثل، أو لا يعطى له حكمه لاختلافهما في موجب الشرع لأن الرد في البيع الفاسد جبري والرد بالعيب أمر اختياري فافترقا.
فإن كان فواته مما هو أعلى فلا يخلو من أن يكون مما يمكن الرد معه مثل أن يعقد فيه عقدًا من عقود الحرية فإنه يرجع بقيمة المعيب في ذمة بائعه قولًا واحدًا.
فإن كان مما يمكن الرد معه كنقصان الذات وزيادتها فمنصوص المذهب على أنه يرجع بقيمة العيب في الذمة لا في عين العبد.
ويتخرج فيها قول آخر أنه يرجع في عين العبد ويكون شريكا ليكون عين شيئه.
فإن كان [الهالك] 1 هو الأدنى من الثوبين وتغيب الأعلى، فإن كان العبد قائما فإنه يرد القائم من المعيب وحده ويأخذ ما ينوبه من قيمة العبد، ويمضي الأدنى بما ينويه من قيمة العبد، وهو مذهب "المدونة"، وإن كان قد أعقد هذا الوجه في "الكتاب" ولم يذر فيه إلا أصولا تدل عليه.
والثاني: أنه يرد الثوب القائم المعيب مع قيمة الهالك ويأخذ قيمة عبده وهو رأي الأندلسيين.
واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين قائمين من
"المدونة" على اختلاف الروايات فيها:
أحدهما: أن القيمة فيها يوم القبض، وهي رواية التميمي، وهو الصحيح.
والثاني: أن المعتبر في ذلك يوم الصفقة، وهذا ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الرد بالعيب هل يعطى له حكم الفاسد فيما يرجع إلى القيمة أم لا؟
فإن كان العبد هو المعيب فإن مشتريه يرده ويأخذ ثوبيه إن كانا قائمين أو قيمتهما إن كانا فائتين.
فإن فات أحدهما وهو الأعلى كان فوتًا للأدنى، ويأخذ قيمتها إلا أن يريد البائع أن يأخذ الأدنى مع قيمة الأعلى كان ذلك له؛ لأن الحق له.
وإن فات الأدنى أخذ الأعلى مع قيمة الفائت، ويرد العبد إن شاء، والحمد لله وحده.
المسألة الرابعة فيمن اشترى سلعة فلم يقبضها حتى هلكت عند البائع أو هلكت ثم علم أن بها عيبا، وما الذي يكون قبضها وتصير به في ضمان المشتري إذا وجد
ولا تخلو السلعة المبيعة من وجهين:
أحدهما: أن تكون محبوسة بالثمن عند البائع أو تكون في حكم المحبوسة بالثمن.
والثاني: أن تكون غير محبوسة في ثمن.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت محبوسة في الثمن أو هي في معنى المحبوسة مثل أن لا يصرح البائع بالحبس ولا مكن المشتري من القبض حتى هلكت السلعة، فلا يخلو إهلاكها من وجهين: إما أن يكون بسبب سماوي، أو بسبب آدمي.
فإن كان هلاكها بسبب سماوي فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمان فيها من البائع.
والثاني: أن الضمان فيها من المشتري، والقولان لمالك في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري من أهل البلد وهو موسر فيكون الضمان من البائع، أو يكون غريبًا أو بلديًا معسرًا فيكون الضمان من المشتري، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
وسواء كان المبيع في جميع هذه الأقوال مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه، حاضرًا كان أو غائبًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المخاطب بالتسليم أولًا هل البائع مخاطب بتسليم المبيع فبعد ذلك يخاطب المشتري بتسليم الثمن، أو المشتري مخاطب أولا بتسليم الثمن وبعد ذلك يخاطب البائع بتسليم المبيع؛ فإذا قلنا بأن البائع مخاطب بالتسليم أولًا كان الضمان من المشتري؛ إذ بالعقد صارت في ضمانه والعقد بيع على الحقيقة والتقابض من كماله.
فإن قلنا: إن المشتري مخاطب بتسليم الثمن أولا كان الضمان من البائع ببقاء المبيع في ملكه وتحت يده، والبيع هو التقابض دون العقد بل هو السبب الموصل إلى التقابض، وهذا القول أضعف الأقوال.
وأما القول الذي فصل فيه بين البلدي الموسر والغريب والبلدي المعسر فهو حوم على هذا الأصل إذا اعتبرته.
فإن كان الهلاك بسبب آدمي فلا يخلو من أن يكون بسبب البائع، أو بسبب المشتري، أو بسبب أجنبي.
فإن كان ذلك بسبب البائع فعلى البائع لأن الضمان من البائع ينفسخ البيع.
ثم لا يخلو الثمن الذي اشترى به المشتري من أن يكون [من] 1 الجنس الذي تقوم به الأشياء، أو من غير جنسه.
فإن كان من جنسه فلا يخلو من أن يستهلكه خطأ أو عمدًا.
فإن استهلكه خطأ فلا شيء للمشتري على البائع إن كانت القيمة أكثر من الثمن.
فإن استهلكه عمدا أو كانت القيمة أكثر من الثمن غرم البائع فضل
القيمة على الثمن، ولا شيء له عليه إن كانت أقل.
فإن كان الثمن من غير الجنس الذي تقوم به الأشياء؛ مثل أن يكون الثمن عرضا كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع عن نفسه أو يدفع الثمن الذي اشتراه به ويرجع بالقيمة.
وعلى القول بأن الضمان من المشتري يكون العمد والخطأ سواء؛ فعلى المشتري الثمن وعلي البائع القيمة.
فإن تجانسا تقابضا، ومن له الدرك على صاحبه وجه به عليه.
فإن لم يتجانسا غرم البائع القيمة وغرم المشتري الثمن.
فإن استهلكه المشتري فعلى القول بأن الضمان من البائع ينظر فإن استهلكه خطأ انفسخ البيع ويغرم المشتري أكثر من الثمن أو القيمة؛ لأنه بالخطأ أبطل الدين الذي عليه، فعلى القول بأن الضمان من المشتري يكون عليه الثمن -قل أو كثر- لأنه صار في معنى المقبوض.
فإن استهلكه عمدا غرم الثمن على القولين جميعا؛ لأن ذلك يعد منه رضا بقبضه على تلك الحال.
فإن استهلكه أجنبي عمدا أو خطأ فعلى القول بأن الضمان من البائع يكون على الأجنبي الأكثر من القيمة أو الثمن؛ لأن خطأه على السلعة أبطل على البائع الدين الذي له عليه في ذمة المشتري.
وعلى القول الآخر تكون القيمة للمشتري على الذي استهلكه وعليه الثمن للبائع.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت السلعة المبيعة غير محبوسة في ثمن فلا تخلو من أن تكون مما يتعلق به حق التوفية أم لا.
فإن كان مما يتعلق به حق التوفية كالمكيل والموزون والمعدود إذا اشتراه على كيل أو وزن
فلا خلاف أنه في ضمان البائع حتى يقبضه المشتري وصار في وعائه.
واختلف إذا هلك وهو في المكيال أو في كفة الميزان على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمان من البائع حتى يصب في وعاء المشتري.
والثاني: أنه من المشتري وإن لم يصل إلى وعائه.
والقولان لمالك - رضي الله عنه -.
والثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري هو متولي الكيل والوزن فيكون الضمان منه، وإن كان المتولي لذلك هو البائع أو وكيله فالضمان من البائع، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: أجرة الكيل على من تكون؟ قيل: على البائع، وقيل: على المشتري، فمن رآها على البائع قال: الضمان منه -وهو الأظهر- ومن رآها على المشتري قال الضمان منه، وإن كان المبيع مما لا يتعلق به حق التوفية فلا يخلو البائع من أن يمكن المشتري من القبض أو لا يمكنه.
فإن لم يمكنه من القبض فهو فصل المحبوسة في الثمن، وقد قدمناه.
فإن مكنه من القبض هل يكون ذلك كالقبض أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن التمكين كالقبض، وهو مشهور المذهب والمنصوص فيه.
والثاني: أن التمكين [ليس كالقبض] 1، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه في المذهب.
وقد حكى الحفيد إجماعًا في المذهب أن التمكين في البيع الصحيح
قبض، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن لنا في "المدونة" مسائل تدل على أن التمكين ليس بقبض.
وأما إذا اشترى سلعة ثم علم أن بها عيبا بعد أن هلكت فلا يخلو هلاكها من وجهين: إما أن يكون قبل القيام بالعيب، أو بعد القيام.
فإن هلكت بعد القيام بالعيب وكان هلاكها من غير سبب العيب فلا خلاف أن ضمانها من المشتري، وله الرجوع على البائع بقيمة العيب.
فإن هلكت بعد القيام بالعيب فممن ضمانها؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: [أنها] 1 في ضمان المشتري حتى يحكم السلطان بردها على البائع، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنها في ضمان المشتري وإن قضى له السلطان بالرد حتى يقبضها البائع، وهو أحد قولي مالك في "كتاب محمَّد".
والثالث: أنها في ضمان البائع بيقين بنفس إثبات المشتري العيب عند السلطان.
والرابع: أنه إذا أشهر المبتاع أنه غير راض فقد برئ من الضمان إلا أن يطول الأمد حتى يرى أنه راض به، وهو قول أصبغ.
[والحمد لله وحده] 2.
المسألة الخامسة إذا اشترى جارية على جنس فوجدها على خلافه
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشترط الأعلى فيجد الأدنى.
والثاني: أن يشترط الأدنى فيجد الأعلى.
والثالث: أن يشترط جنسًا فوجد غيره مما يتفق معه في العلاوة.
فإن اشترط الأعلى فوجد الأدنى، مثل أن يشتري جارية على أنها بربرية فوجدها أسبانية أو إبرية فله الرد قولًا واحدًا.
فإن اشترط الأدنى فوجد الأعلى؛ مثل أن يشتريها على أنها إبرية فوجدها بربرية أو خراسانية فلا رد له؛ لأنه وجد أحسن مما اشترط، إلا أن يدعي وجها؛ مثل أن يكون شراء البربريات لما يخاف من أصولهن وسرقتهن كما قال في "الكتاب" فيكون له الرد فيقبل قوله.
ومعنى قوله في "الكتاب": "وسرقتهن" أنهن يسرقن لا يسرقن من مال ساداتك، فإن اشترط جنسا فوجد جنسا غيره مما يوافقه في العلاوة؛ مثل أن يشتريها على أنها بربرية فوجدها خراسانية فقد قال في "المدونة": له أن يردها.
وكذلك إن اشتراها على أنها خراسانية فوجدها بربرية فله أن يردها أيضًا؛ لأن ذلك مما تختلف فيه الأغراض، وهو قوله في "المدونة".
فإن اشتراها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية، أو اشتراها على غير شرط كان له الرد.
وإن اشتراها على أنها نصرانية فوجدها مسلمة فهل يمكن من الرد أم لا؟
على قولي:
أحدهما: أنه لا يمكن من الرد، والإسلام ليس بعيب.
والثاني: أن له الرد بحجة أن يقول: إنما أردت تزويجها لعبدي النصراني أو ما أشبه ذلك مما يشبه إن ادعاه.
وقد وقع في "الكتاب" سؤال طاشت فيه الأحلام وحارت فيه الأوهام؛ وهو قوله في الذي اشترى جارية فأراد أن يتخذها أم ولد فإذا نسبها من العرب، فأراد أن يردها بذلك خوفا أن تلد منه فتعتق فيجر العرب ولاءها دون ولده، فقال مالك: إن ذلك ليس بعيب يرد به، وليس المراد أن المشتري شرط هذا الشرط ولو اشترطه لفسد العقد، ولكن معناه أنه نواه وأضمره في قلبه من غير أن يصرح به فاختلف في تأويل قوله في ذلك.
وجواب مالك - رضي الله عنه - هل ورد على تصحيح قول المشتري وتقريره أو ورد على تكذيبه وردا لما يدعيه السائل؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك منه تصحيح للدعوى أو تقريره وأنها إن عتقت كان ولاؤها للعرب لا لولد السيد، وهو تأويل سحنون، ويحيى بن عمر، وغيرهما؛ لأن مالكا لم ينكر قول السائل، وإنما قال له بعد تسليم علته: لا أرى هذا عيبا ولو أنه لم ير علته صحيحة وأن ولاءها لمعتقها لا للعرب قال: لا أرى لك ردها ولا أرى ذلك عيبا.
وإنما كان يقول: لا أرى لك ردها, ولا حجة فيما اعتللت به؛ إذ ولاؤها لأولادك وعصبتك.
وذكر سحنون أن أصحاب مالك مجمعون أن الولاء إنما يكون للمعتق
فيمن أعتق من العجم، فأما رقيق العرب فلا ولاء فيهم لمعتقهم.
والثاني: أن جواب مالك -رحمه الله- ورد على تكذيب السائل وتقريعه وردا لما يدعيه، وأن الولاء لمن أعتق على كل حال كان المعتق من العجم أو من العرب.
والثالث: أن معنى قوله: "جر العرب ولاءها" أي: نسبها، ومعناه أن نسبها يستفيض ويستطير؛ يقال: فلانة بنت فلانة حتى يساء مولاها إذ المولى الأسفل إنما يعرف ويشتهر بسيده، وبه تكتب شهادته في الوثائق ويقول: فلان من فلان مولى فلان، ورأى مالك أن ذلك ليس بعيب وأنه ليس بمنفعة مقصودة في العتق على كل حال؛ لأن ذلك أمر قد يكون وقد لا يكون؛ إذ قد تموت الجارية الآن فلا يبقى لها الولاء يرغب فيه، وقد يموت ولدها وينقطع نسبه، وقد لا يولد له ولد أصلا، وهو تأويل ابن حبيب، وأشهب، والقاضي.
فيتحصل في ولاء العرب إذا عتقوا قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ولاءها للعرب لا للمعتق، وهو مشهور المذهب على ما حكاه سحنون، وهو ظاهر قوله في "كتاب العيوب"، وقد قال يحيى بن عمر في "السليمانية" في قريش تزوج أمة رجل من العجم فأولدها وأعتق الرجل ولدها إنهم يرجعون إلى أنساب قريش حتى كأنهم لم يمسهم رق قط، وكذلك جميع العرب؛ لأن أنسابها معروفة يتوارث بها.
والثاني: أن ولاءها للمعتق دون قومها كالعجم، وهو قول أشهب، وادعى بعضهم في ذلك إجماع المذهب على عكس ما ذكره سحنون، وهذا القول قائم من "كتاب الجهاد" من "المدونة" حيث قال في العرب: إذا سبوا فإنهم بمنزلة الأعاجم مجملا, ولم يفصل، وهذا الخلاف ينبني على
اختلافهم في تأويل قول مالك - رضي الله عنه -. ولا خلاف أن النسب الداني مقدم على الولاء بكل حال في العرب والعجم [والحمد لله وحده] 1.
المسألة السادسة إذا اشترى سلعة ثم باعها فادعى بعد البيع أنها بها [عيب]
1
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يبيعها من [بائعها] 2.
والثاني: أن يبيعها من غير [بائعها] 3.
فإن باعها من [بائعها] 4 فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يبيعها بمثل الثمن، أو بأقل، أو بأكثر.
فإن باعها بمثل الثمن ثم وجد بها عيبًا كان عند البائع الأول فلا مراجعة بينهما قولًا واحدًا، سواء علم بالعيب أو لم يعلم.
فإن باعها بأكثر من الثمن الأول فلا يخلو المشتري الآخر من أن يعلم بالعيب أو لا يعلم.
فإن علم بالعيب لم يكن له الرجوع على المشتري الأول بشيء.
فإن لم يعلم كان له أن يرده على الذي اشتراه منه آخرًا إلا أن يرضى المشتري الأول أن يرد عليه الفضل الذي بين الثمنين فيلزمه البيع؛ لأن مآل أمرهما في المراجعة إلى ذلك.
فإن باعها بأقل من الثمن فلا يخلو المشتري الأول من أن يعلم بالعيب أو لا يعلم.
فإن علم بالعيب وحده فلا قيام له على البائع الأول لتمام الثمن؛ لأن ذلك منه رضًا بإسقاط حق العيب، ومن تصرف في البيع بعد العلم بالعيب فلا قيام له بعد ذلك، فإن لم يعلم بالعيب فهل له الرجوع على البائع الأول بتمام الثمن أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن له الرجوع عليه بتمام الثمن؛ لأنه يقول: كان لي أن أرده عليك وهذا هو في يدك، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة الخلع في التي اختلعت من زوجها، ثم علمت أن به عيبا يوجب لها الخيار حيث قال: ليس لها أن ترجع على الزوج بشيء من الخلع، فعلى هذا لا يكون للمشتري أن يرجع علي البائع منه بشيء؛ لأن السلعة في يد البائع الأول بعقد ثان، وهذا الاستقراء لبعض المتأخرين.
وأما الوجه الثاني: إذا باعها من غير [بائعها] 1 فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يعلم بالعيب قبل أن يبيعها.
والثاني: أن يعلم به بعد أن باعها.
والثالث: أن يبيعها وهو عالم بالعيب وبين إلا أنه يظن أنه قد حدث عنده.
والرابع: ألا يعلم بالعيب إلا بعد أن اشتراها مرة ثانية.
فإن علم بالعيب قبل أن يبيعها فلا خلاف أنه لا حجة على البائع الأول ولا رجوع.
فإن علم به بعد البيع فلا يخلو المبيع من أن يكون قائمًا بيد المشتري الثاني، أو فائتا.
فإن كان قائمًا فهل للمشتري الأول الرجوع على البائع الأول بقيمة العيب أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" لأنه في بيعه على أحد وجهين: إما أن يبيع بمثل الثمن فقد عاد إليه ثمنه، وإما أن يبيع بأقل، فإن النقض لم يكن لأجل العيب.
والثاني: التفصيل بين أن يبيع بمثل الثمن فأكثر فلا يرجع بشيء وبين أن يبيع بأقل من الثمن فيكون له الرجوع على البائع الأول بالأقل من قيمة العيب أو ما نقص من الثمن، وهو قول أشهب.
والثالث: أن له الرجوع بقيمة العيب على حال كما لو هلك المبيع.
فإن باع بمثل الثمن أو أكثر؛ لأن ذلك يكون لزيادة المبيع في نفسه أو لغلاء سوق أو لمعاملة كانت في وقت الشراء، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم".
وسبب الخلاف: الطوارئ هل تراعى أم لا تراعى؛ فمن اعتبرها قال: لا يرجع على البائع بشيء؛ لاحتمال أن يعود إليه يوما فيمكن من الرد على البائع الأول.
ومن لم يعتبرها قال: يرجع عليه بقيمة العيب في الحال من غير اعتبار بما باع به إن كانت أقل من الثمن الذي به اشترى أو أكثر.
والقول باعتبار الأقل توسط بين القولين.
فإن فات المبيع بيد المشتري الثاني فواتا لا يمكن الرجوع معه إلى يد المشتري الأول فإنه يرجع على البائع الأول بقيمة العيب.
فإن علم بالعيب حين باع وبين وظن أنه حدث عنده، أو باعها وكيله وهو عالم بالعيب وبين وظن أن عند الأمر حدث فإنه يرجع على البائع بالأقل من قيمة العيب أو إتمام الثمن قولا واحدًا.
فقول ابن القاسم الذي يقول: إذا علم بالعيب بعد البيع أنه لا يرجع على البائع بشيء.
فإذا اشتراه يوما هل له أن يرده على البائع الأول أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الرد عليه، وأن شراءه بعد العلم بالعيب لا يمنعه من الرد؛ لأنه يقول: [أنا] 1 اشتريته لأرده، وهذا ظاهر قول ابن القاسم وأشهب في "الكتاب"، وعليه أكثر المحققين حمل قوله في "الكتاب": إذا اشترى عبدًا فباعه ثم ادعى عيبًا لم يكن له أن يخاصم بائعه، لكن إن رجع إليه يومًا ما بشراء أو غيره كان له أن يرده على بائعه، وهذا يكاد أن يكون نصًا.
والثاني: أنه لا يمكن من الرد من البائع الأول إذا اشتراه بعد العلم، وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة"، وهو تأويل ضعيف نقله القاضي
أبو الفضل.
وأما إذا لم يعلم بالعيب حتى اشتراه مرة ثانية أو ورثه أو تصدق به عليه؛ فإن عاد إليه بالشراء كان له الخيار إن شاء رده على الأول أو على الآخر، فإن رده على البائع الأول كان ذلك له ثم لا رجوع له على البائع الآخر بقيمة العيب لأخذه الأول بالعهدة، ثم ينظر إلى الثمن الذي باعه به منك الآخر فإن كان مثل الثمن الذي ابتاعه منك أولًا فلا يرجع عليك بشيء، وإن كان أقل رجع إليك بتمام الثمن لا بأقل؛ لأنه له رده عليك ويأخذ جميع الثمن، وها هو ذا في يده، ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن رده على الآخر كان هو بالخيار أيضًا بين الرضا به أو رده على الأوسط؛ لأن عهدته عليه، فإن رده عليه كان له هو أن يرده على الأول إن شاء.
فإن لم يرده الآخر على الأوسط ورضى بعيبه فهل للأوسط الرجوع على الأول بقيمة العيب أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أنه لا رجوع على الأول بشيء كان [ما] 1 باعه به أقل مما اشتراه به أو أكثر.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ما باعه به المتوسط من الراضي بالعيب أقل مما ابتاعه من الأول فيكون له الرجوع على البائع الأول بالأقل من تمام الثمن أو من قيمة العيب، وبين أن يكون ما باعه به مثل الثمن أو أكثر فلا يكون له عليه الرجوع بشيء.
والقولان حكاهما سحنون في "المدونة".
ولو وهبه لك المبتاع أو تصدق به عليك لرجع عليه بقيمة العيب من الثمن الذي بعته به منه، ثم لك رده على بائعك الأول وأخذ جميع الثمن منه ولا كلام له في ذلك.
ولو ورثته من مبتاعه منك كان له رده على البائع الأول وأخذه بجميع الثمن؛ لأن ما وجب للميت عليك قد ورثته منه.
فهذا تحصيل هذه المسألة وتنزيل فصولها وتلخيص وجوهها، فإذا فهمتها وأحطت العلم يتبين لك أن أشهب موافق لابن القاسم في المسألة، وأن كلامه تفسير لقول ابن القاسم، وأن كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر.
والحمد لله وحده.
المسألة السابعة في الرجلين إذا اشتريا سلعة ثم ظهرا على عيب وقد تبايعاها
فلا يخلو اطلاعهما على العيب من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل أن يتبايعاها، وإما أن يكون ذلك بعد أن تبايعاها.
فإن كان ذلك قبل أن يتبايعاها، فإن اتفقا في الرضا بالعيب أو الرد فلا كلام، فإن اختلفا [فدعى] 1 أحدهما إلى الرد وأراد الآخر الإمساك فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة".
أحدهما: أن من شاء منهما أن يرد أو يحبس كان ذلك له، ولا حجة في ذلك للبائع، وهذا قول ابن القاسم في "كتاب الخيار" و"كتاب التدليس بالعيوب"، وقال مالك: وما أرى أن يكون للبائع مقال.
والثاني: أن من أراد الرد لا يمكن وحده حتى يردا جميعًا أو يحبسا جميعًا، وهو قول أشهب في كتاب "بيع الخيار".
وقول ابن القاسم أصح، ووجهه أن البائع على ذلك وبذمتين رضى؛ إذ لا يتبع كل واحد منهما عند الفلس إلا بما في ذمته.
ووجه قول أشهب اعتبار حق البائع في تبعيض صفقته وعليه في ذلك ضرر بين.
فإن كان ذلك بعد أن تبايعاها فيما بينهما ثم علما بالعيب: أما الذي باع
حصته من شريكه فإنه يتخرج على الثلاثة أقوال التي قدمناها:
أحدهما: أنه لا يرجع على الأول بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يرجع بتمام الثمن إن باع بأقل مما اشترى به، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه يرجع بقيمة العيب -باع بأقل أو بأكثر- وهو قول ابن عبد الحكم، وروايته عن مالك.
وأما الذي اشترى حصة شريكه فعلى القول بأن شريكه الذي باع نصفه يرجع على البائع الأول إما بتمام الثمن على قول، وإما بقيمة العيب على قول، ففيه قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن له أن يرد نصفه على بائعه الأول دون النصف الذي اشترى من شريكه، ويكون نصف المبيع في يديه ونصفه في يد البائع الأول، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثانى: أنه لا يمكن من الرد إلا برضا البائع الأول لحجته في تبعيض صفقته، وهو قول أشهب في "كتاب بيع الخيار" من "المدونة".
وعلى القول بأن الذي باع حصته لا يرجع على البائع الأول بشيء فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة".
أحدها: أنه لا يرد على البائع الأول إلا بتهمته خاصة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يرد عليه ولا يرجع إلا بنصف العيب خاصة، وهو قول
أشهب.
والثالث: أن له أن يرد جميع المعيب على البائع الأول؛ لأن له عليه العهدة في النصف الذي اشترى وهو في النصف الثاني غريم غريمه، وعهدتهما جميعًا عليه، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب المديان"، و"كتاب الشفعة" وغيرهما من كتب "المدونة"، وهو قول ابن كنانة وأصبغ في "كتاب محمد".
فعلى القول بأنه لا يرد على البائع الأول إلا قدر حصته فإنه يرد على شريكه النصف الذي اشترى منه ثم يرد هو على بائعه الأول إن شاء.
[والحمد لله وحده] 1.