مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 293-333
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الرهون

صفحات 293-333
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

المسألة الثامنة في النفقة [على] (1) الرهن والضالة

ولا خلاف أعلمه في المذهب أن النفقة على الضالة في [عينها] 2 وأن المنفق أحق بها [من الغرماء] 3 حتى يستوفي [نفقته] 4. وأما النفقة على الرهن، فلا تخلو من أن تكون بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كانت بأمره، هل تكون في عين الرهن أو [تكون] 5 في ذمة الراهن؟ قولان: أحدهما: أن النفقة في الذمة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أن النفقة مُبَّداة على الدين، وهي في عين الرهن، وأنه أحق [بها] 6 من الغرماء، ولا يسقط ذلك من الذمة كالأجير على سقى زرع أنه أحق به من الغرماء، وهو قول محمد بن مسلمة، فعلى قول ابن القاسم الذي يقول: إن النفقة في "الذمة" فلا يخلو الراهن من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يأذن له بالنفقة [مطلقًا] 7.1

والثاني: أن يأذن له بها على أن نفقته في الرهن.
والثالث: أن يأذن له بالنفقة على الرهن رهنًا بنفقته، فإن أذن له في النفقة إذنًا مطلقًا، فلا خلاف أنها دين في الذمة ولا تعلق لها بالرهن عند قيام الغرماء إلا ما حكيناه عن محمد بن مسلمة.
فإن أذن له في النفقة على أن الرهن رهنًا بالنفقة فلا خلاف أيضًا أن الرهن رهنًا بالنفقة [و] 1 بالدين معًا.
فإن قال له: أنفق على أن نفقتك في الرهن، هل يكون أحق به من الغرماء أم لا؟ فالمذهب على قولين [متأولين على] 2 المدونة: أحدهما: [أنه] 3 ليس له حبس الرهن بنفقته، ولا يكون أحق [به] 4 من الغرماء إذا قاموا بتفليس الراهن، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" إلا أن يقول له: أنفق على أن نفقتك في الرهن: فيكون أحق بذلك ما لم يقم الغرماء، فلا أراه أحق بفضلها، وإليه ذهب ابن شبلون.
والثاني: أنه يكون أحق بها من الغرماء بالنفقة والدين؛ كما لو قال [له] 5 أنفق: والرهن بما أنفقت رهن، ولا فرق بين اللفظين، وهو تأويل [الشيخ] 6 أبي إسحاق التونسي وغيره على المدونة.
وسبب الخلاف: الرهن هل ينعقد بغير لفظه أم لا؟

فمن رأى أنه ينعقد بغير لفظه قال: إنه يكون رهنًا بالنفقة، كما لو صرح به [لفظًا] 1 ومن رأى أنه لا ينعقد إلا بلفظه قال: لا يكون رهنًا ويكون معنى قوله أنفق على أن نفقتك في الرهن أي: تتبعني بها وتستوفيها من الرهن -يريد وغيره من ماله.
وعلى القول بأن قوله: أنفق على أن نفقتك في الرهن تكون رهنًا بالنفقة: كالتصريح [به] 2 هل يتعدى الرهن إلى الذمة أو يقتصر عليه كالضالة.
فأما إن قال له: أنفق على أن نفقتك في الدين لا في ذمتي: فإنه يبدأ بالنفقة قبل الدين، وحقه في النفقة متعين في الرهن، ولا [يتعدى] 3 إلى الذمة.
فإن [هلك] 4 قبل البيع لم يتبع الراهن بشيء، ولا إشكال في ذلك.
فإن لم يتبين هذا البيان، وإنما قال له: أنفق على أن نفقتك في الرهن: فالمذهب يتخرج على قولين: أحدهما: أن حقه مقصور على الرهن، ولا يتعدى إلى الذمة، كما لو صرح بذلك، وهو تأويل الشيخ أبي إسحاق التونسي.
والثاني: أنه يتعلق بالرهن، والذمة كسائر الديون، وهو تأويل [الشيخ أبي الحسن] 5 اللخمي وغيره.

فإن كانت النفقة على الرهن بغير إذن المرتهن: فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن النفقة في ذمة الراهن -كانت بأمره أو بغير أمره، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن النفقة على الرهن بغير إذن الراهن كالنفقة على الضالة وليست في ذمة الراهن، وهو قول أشهب في "العتبية".
والثالث: أن النفقة مُبَدَّاة على الدين كأجير السقى، فإذا عدم الرهن رجع إلى الذمة، وهو قول [محمد] 1 بن مسلمة.
والفرق بين النفقة على الرهن والضالة على مشهور المذهب: أن النفقة على الرهن سلف للراهن لوجوب النفقة عليه، وكون المرتهن قادرًا على أن يكلفه ذلك.
والضالة لا يقدر على مولاها ولا عرف له موضعًا يطلبه [فيه] 2 ولابد لها من النفقة؛ إذ لو ترك النفقة عليها لضاعت، فصارت نفقة المنفق عليها في عينها لا في ذمة [ربها] 3 ولذلك تعين حقه في عين الضالة [والله أعلم، والحمد لله وحده] 4.

المسألة التاسعة في الرهان بالعقود الفاسدة وضمانها في ذلك

ولا شك، ولا خفاء أن الرهن تارة يكون صحيحًا، والمعاملة فاسدة وتارة تكون المعاملة صحيحة والرهن فاسد، وتارة تكون المعاملة والرهن فاسدين، فتيك أيه المسترشد أن تصرف جميع عنائك إلى فهم هذه الفصول، وكيف تداخلت، وكيف يحكم بهذا الرهان بحكم الرهان الصحيحة تارة، وبحكم البيوع الفاسدة تارة.
فلا تبتهل حتى نضع لك الفوائد، ومثل هذه الفوائد لا يفهمها إلا من ألقى السمع، وهو شهيد، ومثال ما تكون المعاملة فيه الصحيحة والرهن فاسد، أن يقع البيع أو السلف على نعت الصحة واللزوم إلى أجل، ثم [رهن له] 1 رهنًا على أنه إن مضت السنة خرجت من الرهن، وأنه إن مضت السنة، ولم يأته بدينه [فالرهن له بدينه] 2 أو كان لك عليه دين إلى أجل بغير رهن، ثم سأله الغريم أن يؤخره إلى أبعد من أجله على أن يرهن [به] 3 رهنًا [متقدمًا] 4. ومثال ما تكون المعاملة فيه فاسدة، والرهن صحيح: كأن يقع البيع على نعت الفساد بثمن إلى أجل، فيرهن له [بالثمن فيه رهنًا صحيحًا] 5 إلى ذلك الأجل.

ومثال ما تكون فيه المعاملة والرهن فاسدين: مثل أن يبيع [منه] 1 سلعة بثمن إلى أجل [أو أقرض على أنه يرهن له رهنًا إلى أجل] 2 فإن جاء بحقه، وإلا فالرهن له [بدينه] 3، وأمثلة ذلك كثيرة وأحكامها متداخلة متشاكلة لا يقع التباين إلا في بعضها.
فأما المثال الأول: إذا كانت المعاملة صحيحة، والرهن فاسد أصلًا هل يكون فيه أحق بالرهن من الغرماء أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يكون أحق به، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قال في الكتاب من بيع أو من قرض؛ ولأنه إنما تكلم في الكتاب على أحكام الرهن، ولم يذكر صيغ البيع، فرأى أن البيع كان صحيحًا في أصله.
والثاني: أنه لا يكون أحق به من الغرماء؛ لأنه لم يخرج من يده بالرهن شيئًا، وهو قول ابن حبيب.
والأول أصح؛ لأنه لولا الرهن ما أخره بالثمن عن وقته، ولا بالسلف، فصار ذلك سلفًا جر [نفعًا] 4 مع ما فيه من بيع تارة وسلف تارة، وذلك يرجع إلى بيع الغرر؛ لأنه إن وفاه أخذ رهنه، وإن لم يوفه كان ملكًا للمرتهن، فذلك غرر وخطر.
وأما المثال الثاني: إذا كانت المعاملة فاسدة، والرهن [صحيحًا] 5: فإن البيع فيه مفسوخ، وترد السلعة مع القيام، ويرد الرهن إلى الراهن.
فإن فاتت السلعة بما يفوت به البيع الفاسد، فإن المرتهن أحق بالرهن

من الغرماء حتى يقبض القيمة قولًا واحدًا.
وإنما الخلاف إذا لم يكن في البيع الفاسد رهن، هل يكون المشتري أحق بالسلعة في قيامها من الغرماء حتى يقبض الثمن الذي دفع أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه [يكون] 1 أحق بها من الغرماء، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وسحنون في "الواضحة" وغيرهما.
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء، وهو قول ابن المواز.
واتفقوا في الرد بالعيب أن المشتري يكون فيه أسوة الغرماء إذا أفلس البائع؛ لأنه مختار في الرد.
و [هو] 2 في البيع الفاسد مجبور على الرد فافترقا.
وأما المثال الثالث: إذا كانت المعاملة والرهن فاسدين: فالحكم فيه أن القرض والبيع يفسخان، ويردان مع القيام، والقيمة مع الفوات، ولا يؤخران إلى أجلهما وحكم الدين إن كان برضا حكم البيع في القيام والفوات [وأما الحكم في الرهن الفاسد، فله حالتان: حالة يحكم له فيها بحكم الرهن الصحيح، وحالة يحكم له فيها بحكم الرهن الفاسد على تردد في ذلك لصاحب المذهب] 3. فأما الحالة التي [يحكم] 4 فيها [للرهن] 5 بحكم الرهن الصحيح فما كان قبل حلول الأجل: فله فيها حكم الرهان الصحيحة فيما يضمن

وفيما [لا] 1 يضمن، وله أن يحبس الرهن حتى يقبض الثمن عند حلول الأجل في المعاملة الصحيحة، أو حتى يقبض القيمة [على الحلول] 2 في المعاملة الفاسدة في فوات السلعة.
وأما الحالة التي يحكم له فيها بحكم البيع الفاسد على تفصيل وترد وهي إذا حل الأجل الذي جعل فيه الرهن ملكًا للمرتهن إن لم يأت بالثمن.
فإذا كان الرهن قائمًا: فلا يخلو من أن يكون على يدي عدل، أو على يدي المرتهن.
فإن كان على يدي عدل، فهل يضمنه المرتهن بحلول الأجل أو لا يضمنه يقبضه؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه في ضمان المرتهن من يوم حل الأجل قبضه من يد أمين أم لا.
والثاني: أنه في ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن، فإذا قبض صار في ضمانه، فات أو لم يفت على حكم البيع الفاسد، فيرد مع القيام، ويغرم القيمة مع الفوات.
والثالث: أنه لا يدخل في ضمان المرتهن، وإن قبضه من يد أمين إلا بعد أن يفوت في يده، وهذا أبعد الأقوال عن الصواب أن تكون المبيعات بيعًا فاسدًا أَلَّا تضمن إلا بعد الفوات، وإن قبضها المشتري؛ لأن ردها قد وجب يوم فاتت تضمن، ومن يومئذ تجب قيمتها، وليس هذا بمعتاد المذهب، ولا بمشهوره.

والأقوال الثلاثة نقلها [الشيخ] 1 أبو إسحاق التونسي، ولم يُسَم قائلها.
فوجه القول الأول: أن يد الراهن قد ارتفعت عنه بحلول الأجل، فصارت يد الأمين عليه كيد المرتهن سواء؛ لأنه وكيله بعد حلول الأجل على قبضه، وهذا [كقول أشهب] 2 في البيع الفاسد: أن التمكين فيه قبض، والمرتهن هاهنا قد مكن من قبضه بحلول الأجل؛ لأن الرهن مبيع بالدين الذي في ذمة الراهن، والمرتهن لا يدري ما يصح له عند الأجل إن كان الثمن أو الرهن، ومن هذا الوجه يشبه البيع الفاسد.
ووجه القول الثاني: أن الأمين [صار] 3 حائزًا لهما جميعًا بحلول الأجل ليس بالذي يدفع يد الراهن عنه، ولا بالذي يصيره ملكًا للمرتهن حتى يقبضه، فإذا قبضه حصلت له فيه شبهة ملك [فيما يضمن] 4. ووجه القول الثالث: أنه لما كان تصرف البائع في السلعة المبيعة بيعًا فاسدًا نافذًا ما دامت قائمة في يد المشتري على أحد قولي المذهب على ما قدمناه في "كتاب البيوع الفاسدة" واستقرأناه من كتاب ["التدليس] 5 بالعيوب" وجب ألا تدخل في ضمان المرتهن إلا بعد الفوات، وإن قبضها لكونها باقية في [ملك] 6 البائع [الأول] 7 الذي هو المرتهن؛ إذ لا

[ينفد] 1 تصرف المتصرف إلا فيما هو في ملكه وتحت نظره.
فإن كان الرهن على يد المرتهن: فلا يخلو من أن يكون قائمًا أو فائتًا.
فإن كان قائمًا، هل يضمنه بالقبض أم لا؟ على قولين: أحدهما: [أنه يضمنه بالقبض و] 2 حلول الأجل كالبيع الفاسد وهو نص قول مالك في "كتاب الرهون" في "المدونة" أنه ضامن لقيمته يوم يحل الأجل إن فاتت.
والثاني: أنه لا يضمنه إلا بعد الفوات، وإن حَلَّ الأجل، وهو القول الثالث الذي ضعفناه إذا قبضه من يد الأمين.
فإن فات: فلا يخلو فواته من أن يكون بسبب المرتهن، أو بسبب غيره.
فإن كان بسبب غيره: ففي وجوب الضمان على المرتهن قولان: أحدهما: أنه ضامن كما لو فات بسبب نفسه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون الفوت من سببه كالعتق، والإيلاد، والبيع، والبناء، والغرس.
ولا يضمن ما كان بسبب غيره؛ لأن يده كانت عليه بالارتهان، والرضا الذي تراضيا أن يأخذه من حقه فاسد، ويفسخ ويقر تحت يد المرتهن [حسبما] 3 كان حتى يقبض حقه، ففارق بهذا البيع الفاسد إذا قبض ولم يكن رهنًا، وهو قول ابن عبد الحكم في "المبسوط".

فإن كانت بسببه فهو ضامن قولًا واحدًا، واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين: أحدهما: قيمته يوم يحل الأجل؛ لأنه من يومئذ صار له قابضًا قبل الملك، وهو قوله في المدونة.
والثاني: قيمته يوم الفوت، وهذا القول حكاه ابن عبد الحكم عن مالك، وحكاه محمد في كتابه، ولم يسم قائله.
فرع من المدونة: ومن لك عليه دين لم يحل، فسألك أن تزيده في الأجل على أن يعطيك رهنًا أو حميلًا: لم يجز، وتسقط الحمالة متى علم بذلك، وأما الرهن فإن أدرك قبل أن يدخل في الأجل الثاني، فإنه يفسخ الرهن [ويرد] 1 ولا يكون أحق به من الغرماء.
فإن أدرك بعد أن دخل في الأجل: فإنه لا يرد؛ لأنه سلف لا يحل، وفيه رهن مقبوص، والرهن ثابت حتى يقضي.
وأما لو كان الدين قد حل لكان ذلك جائزًا في الحميل، والرهن كابتداء السلف.
وإذا كان لك عليه دين مؤجل، فسألك قبل محله أن تسلفه، وتؤخره بالمالين إلى أبعد من [الأجل] 2، أو لم يسألك تأخيرًا في الأجل: لم يجز؛ لأنه سلف جر نفعًا، وهو زيادة التمسك بالرهن في السلف الأول.
فإن نزل، وقد فلس الراهن، أو مات هل يكون الرهن كله رهنًا [بالدين في السلف الأول غرم نصفه، فالمذهب على قولين:

أحدهما: أن كله رهنًا] 1 بالسلف الآخر؛ كالرهن بثمن سلعتين تستحق إحداهما، فالمذهب [على قولين] 2: أحدهما: أنه رهن كله بحصته الباقية من الثمن؛ كالمرأة تأخذ الرهن بالصداق، ثم تطلق قبل البناء، فجميعه رهن بنصف الصداق، وهو اختيار ابن المواز، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أن نصف الرهن رهن بالسلف الآخر لا كل الرهن، وهذا القول حكاه ابن المواز أيضًا عن بعض الأصحاب، وحكاه أبو إسحاق بن شعبان في [كتابه] 3 الزاهي، والأول أظهر و [أصح في النظر] 4 [والحمد لله وحده] 5.

المسألة العاشرة في اختلاف الراهن والمرتهن

ولا يخلو اختلافهما من ثلاثة [أوجه] 1: أحدها: أن يختلفا في الدَّين.
والثاني: أن يختلفا في الرهن.
والثالث: أن يختلفا فيهما جميعًا.
[فالجواب عن الوجه الأول إذا] 2 اختلفا في الدين: فلا يخلو من أن يختلفا في قدره أو يختلفا في جنسه.
فإن اختلفا في قدره، فقال المرتهن: هو في عشره، وقال الراهن: بل هو في خمسه: فلا يخلو الرهن من أن يكون قائمًا أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فلا يخلو من أن تكون قيمة الرهن مثل ما يدعيه المرتهن، أو مثل ما يدعيه الراهن، أو أقل مما يدعيه الراهن، أو أقل مما يدعيه المرتهن أو أكثر مما يدعيه الراهن؛ مثل أن يدعي المرتهن أن الدين عشرون، ويدعي الراهن أن الدين عشرة، وقيمة الرهن خمسة عشر.
فإن كانت قيمة الرهن مثل ما يَدَّعِيه المرتهن: فلا يخلو من أن يكون الرهن على يده، أو على يد غيره.
فإن كان على يده: فالقول قول المرتهن مع يمينه.
وفي يمين الراهن قولان:

أحدهما: أنه لا يحلف، وهو قول محمد؛ إذ لا فائدة ليمينه.
والثاني: أنه يحلف [لأن] 1 المرتهن يقول: لا أتكلف بيعه، وتكون العهدة عليَّ؛ لإمكان أن يستحق أو يوجد به عيب.
وسبب الخلاف: الرهن هل هو شاهد على الذِّمة، أو هو شاهد على نفسه خاصة.
فإن كان الرهن على يدي غيره، هل يكون القول قول الراهن، أو قول المرتهن؟ على قولين قائمين من المدونة [بالمعنى] 2. أحدهما: أن القول قول المرتهن مع يمينه، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أن القول قول الراهن [مع يمينه] 3، وهو قول أصبغ في "العتبية"، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الرهن، هل هو شاهد على الذمة، أو هو شاهد على نفسه [خاصة؟.
فعلى القول بأنه شاهد على نفسه] 4 لا على الذمة؟ فإن المرتهن يحلف مع شهادته الرهن يستحق منه العشرة التي شهد له بها, ولا يمين على الراهن؛ لأن الرهن لم يشهد عليه بشيء.
وعلى القول بأنه شاهد على الذمة: فإن الراهن يحلف ليدفع عن نفسه ما شهد به عليه الرهن مخافة أن يتلف الرهن أو يستحق.
فإن كانت قيمة الرهن مثل ما يَدَّعِيه الراهن: فالمذهب أيضًا على

قولين: أحدهما: أن القول قول الراهن مع يمينه، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أن القول قول المرتهن، وهو قوله في "العتبية"، وهذا ينبني على ما تقدم أن الرهن ليس بشاهد على الذمة؛ لأنه يرهن في أقل من قيمته، وفي أكثر منها.
فأما إذا كانت قيمته أكثر مما يَدَّعِيه [الراهن وأقل مما يَدَّعِيه] 1 المرتهن؛ مثل أن يَدَّعِي المرتهن أن الدَّين عشرون، ويَدَّعِي الراهن أن الدَّين عشرة، وقيمة الرهن خمسة عشر، فهاهنا يحلفان جميعًا.
واختلف من المبدى باليمين على قولين: أحدهما: أن المرتهن هو المبدى اليمين، وهو قول مالك في الموطأ، وهو المشهور لقبضه الرهن [وحوزه] 2 له سواء كان بيده أو وضعاه على يد عدل؛ لأن يد العدل حائزة للمرتهن، وهو نص قول ابن المواز؛ لأن الرهن شاهد له.
والثاني: أن التخيير لهما في ذلك؛ فمن بدأ باليمين منهما جاز ذلك، هو قول [الشيخ: أبو الحسن] 3 اللخمي [رحمه الله] 4 لأنه قال: فإن [بدأ] 5 المرتهن باليمين كان بالخيار.
وعلى القول بأن المرتهن يبدأ باليمين، فعلى ماذا يحلف؟ فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:

أحدهما: أنه يحلف على عشرين دينارًا، وهو جميع الدين، وهو قول مالك في ["الموطأ"] 1. والثاني: أنه يحلف على خمسة عشر، وهي قيمة الرهن، كما لو ادَّعى عشرين، وشهد له شاهد بخمسة عشر، فإنه يحلف على الخمسة [عشر] 2 التي شهد له بها شاهد، وهذا القول حكاه الشيخ أبو محمد عبد الحق عن بعض شيوخه.
والثالث: أنه مخير إن شاء حلف على جميع الدَّين، وإن شاء حلف على قيمة الرهن خاصة، وهو قول ابن المواز.
وعلى القول بأنه يحلف على جميع الدَّين: فإنه إذا حلف رجع اليمين على الراهن، فيحلف ويسقط عن نفسه الخمسة الزائدة على قيمة الرهن.
فإن نَكَلَ دفع للمرتهن ما حلف عليه، فإن حلف المرتهن [أولًا] 3 على خمسة عشر -على تخيير ابن المواز، أو على قول الصقيلي- فإن الراهن يحلف ليسقط عن نفسه بقية دعوى المرتهن وهو ما زاد على قيمة الرهن، فإن نَكَل الراهن لم يقض للمرتهن بالزيادة على قيمة الرهن إلا بعد يمين ثانية أنه في عشرين.
وإن بدأ الراهن باليمين على القول بالتخيير في التبدئة: فهو مخير في صفة اليمين، فإن شاء حلف أنه لم يرهنه إلا في عشرة، فإن نكل المرتهن بعد ذلك [دفع الراهن وأخذ رهنه، وإن شاء حلف أنه لم يرهنه في عشرين دينارًا منه، فإن نكل المرتهن بعد ذلك] 4 حلف [الراهن] 5

يمينًا ثانية أنه لم يرهنه إلا في عشرة، ثم لا يكون للمرتهن إلا قيمة الرهن.
فإن أراد الراهن أن يعطيه قيمة الرهن، ويأخذ رهنه، هل يمكن من ذلك أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يمكن من ذلك إلا أن يدفع له جميع ما يَدَّعِيه من العشرين الدينار فيأخذه، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم في "العتبية".
والثانى: أنه مخير إن شاء دفع له قيمة الرهن ويأخذه، وإن شاء أسلمه له، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول ابن نافع في "العتبية".
والثالث: أن الراهن بالخيار إن شاء أن يعطيه ما قال المرتهن، وإلا بيع الرهن ويدفع له من ثمنه ما ذكر، وهو قوله في "كتاب ابن عبدوس".
واختلف في القيمة في ذلك متى تعتبر.
أما مع قيام الرهن ففيه قولان منصوصان في المدونة: أحدهما: قيمته يوم الحكم، وهو قول ابن القاسم في الكتاب، وهو قول ابن نافع في "النوادر".
والثاني: أنه ينظر إلى قيمته يوم القبض، وهو قول الغير في بعض نسخ "المدونة" في كتاب "الرهون".
وأما في فواته إذا كان مما يضمن: فقد اختلف في وقت اعتبار قيمته على ثلاثة أقوال: أحدها: اعتبار قيمته يوم القبض، وهو قول ابن القاسم في [في الكتاب.
والثانى: اعتبار قيمته يوم الفوات، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم

في] 1 "العتبية".
والثالث: اعتبار قيمته يوم الرهن، وهو قول ابن القاسم في موضع آخر على ما نقله القاضي أبو الوليد الباجي [رحمه الله] 2. وأما الوجه الثاني [من الوجه الأول] 3 من القسم الأول: وهو أن يكون الرهن فائتًا، وقد تصادقا على مقدار قيمته، هل يكون القول قول الراهن أو قول المرتهن؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أن القول قول الراهن مع يمينه، وهو ظاهر قول ابن المواز.
والثاني: أن القول قول المرتهن مع يمينه.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الرهن مما يضمن، أو مما لا يضمن.
فإن كان مما يضمن بالغيبة [عليه] 4، ولم تقم على هلاكه بينة كان القول قول المرتهن.
فإن كان مما لا يضمن إما لكونه مما لا يغلب عليه كالعبيد، والحيوان، أو مما لا يُغاب عليه، إلا أن البينة قامت على هلاكه، [كان] 5 القول قول الراهن.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الرهن، هل هو شاهد على نفسه خاصة، أو هو شاهد على الذِّمة؟ فعلى القول بأنه شاهد على نفسه خاصة لا على الذمة: يكون القول قول الراهن -كان مما يضمن أو مما لا يضمن-؛ لأن حكم الرهن قد سقط

فيرجعان إلى ما يغرمه الراهن من ذمته، إذا كان الرهن مما لا يضمن، أو كان مما يضمن على القول بأنه قيمة الشيء لا تقوم مقام عينه، فصار بمنزلة ما لم يكن فيه رهن؛ لأنه يشبه أن يرهن الرهن في مثل قيمته أو في أكثر منها أو أقل، وهذا القول قائم من "المدونة" من قوله: إن شاء الراهن أدى قيمة رهنه، ويأخذه إن أحب، وإلا فلا سبيل له إليه، وهو ظاهر ما في كتاب محمد، وما في سماع يحيى أنه إنما يكون الرهن شاهدًا على نفسه لا على الذمة وأنه حقه إنما يكون في عين الرهن لا فيما سواه حتى لو تلف الرهن، أو هلك إن كان مما لا يغاب عليه، واستحق لم يطالب الراهن بغير ما أقر به بعد أن يحلف.
ولو كان الرهن شاهدًا على الذمة: ما كان يجبر الراهن على فداء الرهن بقيمته أو تركه على قول، ولا على قول آخر لا سبيل له إليه، ولكان يقول: إنه يباع عليه، ويدفع للمرتهن من قيمته ما ذكر، كما هو منصوص في "كتاب ابن عبدوس"، وتكون العهدة في ذلك على الراهن.
وعلى القول بأنه شاهد على الذمة: يكون القول قول المرتهن، وهو تأويل بعضهم على "المدونة" من قوله: إن القول قول المرتهن ما بينه وبين قيم الرهن؛ بناء منه على أن العادة المألوفة أن الناس لا يرهنون في ديونهم إلا ما يساويها، أو ما يقاربها, لا ما لا يفي بها، وهو ظاهر قول أصبغ، والقاضي أبي محمد عبد الوهاب.
فعلى هذا إذا استحق الرهن، أو جرى عليه أمر من الأمور أن القول قول المرتهن ما بينه وبين ما [له شهد] 1 الرهن، ويتبع [به] 2 ذمة

الغريم.
وأما على القول بالتفصيل: فيجري على اختلافهم في قيمة الشيء، هل هي كعينه أم لا؟.
وأما الوجه الثاني من القسم الأول: إذا اختلفا في جنس الدَّين؛ مثل أن يقول المرتهن: هو رهن عندي بمائة دينار، وقيمة الرهن مائة فأكثر، وقال للراهن: بل في مائة أردب قمح، فإن كان قيمة المائة أردب مائة دينار فأكثر: فالراهن مصدق وتؤخذ منه وتباع، ويدفع للمرتهن مائة، والزائد يوقف إن كان هناك، فمن رجع منهما إلى تصديق صاحبه أخذه.
فإن كانت قيمته أقل من مائة دينار: فالمرتهن مصدق كما يصدق في كثرة الدين إذا تصادقا على نوع واحد [و] 1 الرهن يشهد له.
والجواب عن القسم الثاني: إذا اتفقا في مقدار الدين، واختلفا في قيمة الرهن، وقد فات: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يدعي كل واحد منهما معرفة قيمته.
وإما أن يدعيها واحد، والآخر يقول: لا أدري.
وإما أن [يجهلاها] 2 جميعًا.
فإن ادعى كل واحد منهما معرفة قيمة الرهن: فإنهما [يتواصفاه] 3 ثم لا يخلو من أن يتصادقا على الصفة، أو يختلفا فيها.
فإن تصادقا على الصفة: فإنه يُدعى المقومون لتلك الصفة، فإن

قوموها بمثل، ما يدعيه المرتهن: [كان] 1 القول قوله.
فإن قدروها بأكثر مما يدعيه الراهن، أو أقل مما يدعيه المرتهن جرى على ما قدمناه من التفصيل، والتحصيل في قيام الرهن.
فإن اختلفا في قيمة الرهن، وقال الراهن: قيمته عشرة، وقال المرتهن: قيمته خمسة، والدين عشرة، فالمذهب على قولين: أحدهما: أن القول قول المرتهن، وهو قوله في "المدونة"، وقال ابن حبيب: وإن أتى بما لا يشبه، فإنه يقبل قوله؛ لأن الرهن [يرهن] 2 في أقل من قيمته وأكثر.
والثاني: أن القول قول الراهن، وهو قول أصبغ، وهذا يصح بأن الرهن شاهد على الذمة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الدَّين، هل هو دليل على قيمة الرهن، أم لا؟ فمن رأى أن مقدار الدَّين دليل على قيمة الرهن يقول: القول قول الراهن؛ لأن الغالب أن الرهن لا يكون إلا بما يساوي الدَّين.
ومن رأى أن الدَّين لا يكون دليلًا على قيمة الرهن يقول: القول قول المرتهن؛ لأن الناس يرهنون ما يفي بالدَّين وما لا يفي به.
والقولان قائمان من "المدونة"، إلا أن قول ابن القاسم في هذه المسألة مخالف لقوله في اختلافهما في مقدار الدَّين.
فإن ادعى أحدهما معرفة قيمة الرهن، وقال الآخر: لا أدري ما قيمته: فالقول قول من ادَّعَى معرفة القيمة ما لم يأت أمر يستنكر بما لا

يشبه، إما لكثرته إن كان ذلك من [الراهن، وإما لقلته جدًا إن كان ذلك من] 1 المرتهن.
فإن جهلاها جميعًا: فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يكون الرهن بما فيه، ولا تباعة بينهما، وهو قول مالك في "المدونة"، وعليه حمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الرهن بما فيه" 2، [فقال] 3 معنى ذلك إذا عُميت قيمته، وجهلت صفته؛ لأن ذلك غاية المقدور.
والثاني: أنه يجعل من أدنى الرهون، وهو قول أشهب -يريد من أدنى ما يرهن في مثل ذلك الدين.
ووجه القول الأول: أنه لما كان احتمل أن يرهنه في مثل عدد الدين أو في أكثر منه أو أقل: كان الأعدل أن يكون بالدين قطعًا لمادة النزاع كما قالوا -إذا قال له: "عندي من الخمسين إلى الستين": إنه يكون عليه خمسة وخمسون؛ يقيم المشكوك فيه بينهما كما يقسم بينهما إذا تساوت فيه الدعاوى.
ووجه القول الثاني: أن الذِّمة على أصل البراءة: فلا تعمر بالشك؛ فلأجل ذلك يجعل من أدنى الرهون كما قالوا: إذا أقر أن له عنده دراهم أنه يجعل عليه أقل أعداد الدراهم؛ وذلك ثلاثة دراهم.
والجواب عن القسم الثالث: إذا اخلتفا في مقدار الدين [وقد ضاع، فقال الراهن: الدين خمسة، وقيمة الرهن عشرة، وقال المرتهن: الدين

عشرة] 1 وقيمة الرهن خمسة: فإن المذهب يتخرج على قولين: أحدهما: أن القول قول الراهن [فيما يدعيه الراهن] 2 ويحلف أن الدين خمسة، والقول قول المرتهن، ويحلف أن قيمة الرهن خمسة، ثم لا تباعة بينهما وهو اختيار اللخمي.
والثاني: أن القول قول المرتهن فيما يدعيه الراهن، والقول قول الراهن، فيما يدعيه المرتهن.
وسبب الخلاف: الرهن هل هو شاهد على الذمة؟ والدين هل هو دليل على قيمة الرهن أم لا؟ وذلك أنا إذا قلنا: إن الرهن شاهد على الذمة، يكون القول قول المرتهن فيما يدعيه الراهن؛ لأنه يَدَّعي أن الدَّين خمسة، وقيمة الرهن عشرة، والعادة أن الناس يرهنون في الدَّين ما يفي به.
وإن قلنا: إن الدَّين لا يكون شاهدًا على الذِّمة: يكون القول قول الراهن في مقدار الدين.
وإذا قلنا: إن الدَّين دليل على قيمة الرهن: يكون القول قول الراهن فيما يَدَّعِيه المرتهن؛ لأنه يَدَّعِي أن الدَّين عشرة، فينبغي أن تكون قيمة الرهن [كذلك] 3. وإذا قلنا: إن الدَّين لا يكون شاهدًا على الذَّمة، وإن الدَّين لا يكون دليلًا على قيمة الرهن: كان القول قول كل واحد منهما يَدَّعيه مع يمينه؛ لأنه غارم مطلوب: وفروع هذا الباب كثيرة، فقس ما يَرِدُ عَليك [منها على هذا الأسلوب] 4 [والحمد لله وحده] 5.

المسألة الحادية عشر في ارتهان [فضلة الرهن]

1 ولا تخلو تلك الفضلة من أن تكون فضلة في عين الرهن، أو تكون فضلة في قيمة الرهن.
ومعنى الوجه الأول: أن يرهنه نصف الثوب [في عشرة دنانير والنصف الآخر غير مرتهن بقبض المرتهن جميع الثوب يقيم له الحوز، ومعنى الوجه الثاني: أن يرهن الثوب] 2 في خمسة وهو يساوي عشرة.
وفائدة اختلاف الصور معرفة ما يصح للمرتهن الثاني، ويكون أحق به من الغرماء إذا صح له القبض والحوز، ففي الوجه الأول يكون أحق بنصف الثوب من الغرماء سواء كان النصف الثاني يفي بحق الرهن الأول أو يعجز عنه.
وفي الوجه الثاني: يكون المرتهن الثاني أحق بما ناف عن دين المرتهن الأول من قيمة الرهن إن كان في قيمة الزيادة.
فإن كانت قيمته كفافًا لدين الأول، أو أقل منه: فهو أحق بجميع الرهن من الغرماء، ولا حق فيه للمرتهن الثاني.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو من وجهين: إما أن يرهن تلك الفضلة للمرتهن الأول أو لغيره.
فإن رهنها من الأول: فلا يخلو من أن يكون الرهن على يده، أو على يد عدل.

فإن كان على يده: فلا خلاف في الجواز كان المرتهن عين الرهن أو صفته، إلا على مذهب من يرى أن رهن الغرر لا يجوز، فيمنع رهن الصفة؛ وهو ما يزيد من قيمة الرهن على قدر الدَّين الأول؛ لأن ذلك غرر، وقد يكون، وقد لا يكون.
فإن كان على يدي عدل: فيجري فيه من الخلاف ما نذكره في الوجه الثاني إن شاء الله تعالى.
فأما إذا رهنه من غير الأول: فلا يخلو من أن يضعاه على يده عدل، أو على يد المرتهن الأول.
فإن وضعاه على يد عدل، فإن رضي بالحوز للثاني: فالمذهب على قولين: أحدها: أن ذلك جائز -رضي المرتهن الأول أو سخط- وهو قول أصبغ، وهو ظاهر [المدونة] 1. والثاني: أن ذلك لا يجوز [إلا برضا الأول] 2، وهو قول مالك في "كتاب محمد"، وهو أضعف الأقوال؛ إذ لا فائدة لرضاه.
وأما إذا كان الرهن على يد المرتهن الأول، ففيه في المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز -رضي المرتهن الأول [بذلك] 3 أم لم يرض- وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الوصايا الثاني" وغيره من "المدونة": فيمن أخدم عبده رجلًا سنة، ثم قال: هو لفلان: حيث قال: إن ذلك جائز، وقبض المخدم قبض للموهوب له الرقبة.

والثاني: أن ذلك لا يجوز، ولا يكون حوزه حوزًا للثاني؛ وإن رضي لأن قبضه وحوزه أولًا إنما كان لنفسه لا لغيره، وهي رواية محمد بن المواز عن ابن القاسم في كتابه، ورواه أبو القاسم بن الجلاب أيضًا.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يرضى المرتهن الأول: بالحوز للثاني، أو لا يرضى.
فإن رضي أن يجوز له: فذلك جائز.
وإن لم يرض: فلا يجوز.
وهو نص قول مالك في "كتاب الرهون"، وذهب بعض المتأخرين إلى أن ذلك كله اختلاف أحوال، وأن معنى الجواز عنده إذا كان أَجَلُ الدَّينين سواء أو كان الآخر [أبعده حلولًا] 1 فذلك يجوز، وإن لم يرض الأول.
وإن كان الثاني أقرب حلولًا، ودين الأول عرضًا، ودخل الثاني على أن يقتضي دينه إذا حل أجله: لم يجز إلا برضا الأول؛ لأن الأول يقدر على تقديم حقه قبل أجله.
وإن كان دين الأول عينًا أو عرضًا من قرض: جاز إذا دخل على أن يعجل حقه إذا حل الدين الأول.
واختلف في ضمان الفضلة إذا كان الرهن على يد المرتهن الأول على قولين: أحدهما: أنه لا ضمان عليه للفضلة؛ لأنها عنده على الأمانة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".

والثاني: أن ضمانه كله من الأول، وهو قول أشهب، وهذا كله في رهن فضلة القيمة.
وأما فضلة عين الرهن: فلا خلاف أن ضمانها من الراهن، كما لو كان على يد عادل.
ولو كان على يد المرتهن الثاني لتخرج فيه الضمان على قولين قائمين من "المدونة".
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
[فمن اعتبر الحال قال بوجوب الضمان على المرتهن الثاني؛ لوجود الفضلة في قيمة الرهن في الحال.
ومن اعتبر المآل] 1 قال: لا ضمان عليه في تلك الفضلة؛ لأن الفضل مترقب إلى الحلول، فقد تحول أسواق الرهن، أو يحدث به عيب، ولا يكون فيه فضل عند حلول أجل الدين، وإن كان لا يعلم كم هو في عين البيع [والحمد لله وحده] 2.

المسألة الثانية عشر في تصرف الراهن [في الرهن بالعتق] (1) والإيلاد

فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون تصرفه فيه قبل الحوز.
والثاني: أن يكون بعد الحوز.
فإن كان ذلك قبل الحوز: فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يعتق، أو يكاتب، أو يدبر، أو يطأ.
فأما العتق: فلا يخلو الراهن من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فالعتق نافذ، ولا يرد، ثم ينظر إلى قيمة العبد: فإن كانت كفافًا للدَّين أو أكثر منه: فإن الراهن يطالب بتعجيل الدَّين من أي نوع كان تعصيبًا للعتق، وكون الرهن فوته بالعتق قبل الحوز.
فإن كانت قيمته أقل من الدَّين، فهل يُعَدّ ذلك منه رضا بتعجيل الدَّين أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك يُعَدّ من الراهن رضا بتعجيل جميع الدَّين، وعليه أن يعجله كله، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرهون".
والثاني: أنه لا يُعَدّ ذلك منه رضا بتعجيل الدين جميعه، وإنما عليه تعجيل قدر قيمة العبد خاصة، وهو أحد القولين في البيع إذا باع الرهن، وهو قول ابن القاسم في العارية: إذا استعار عبدًا ليرهنه ثم أعتقه المعير,1

حيث قال ابن القاسم في أحد قولين: إن كان له [مال] 1 جاز عتقه، ويغرم الراهن الأقل من قيمته أو من الدَّين بتعجيله، ولا فرق بين العارية وغيرها؛ إذ لا يجب عليه أن يغرم أكثر مما فوته، وهو ظاهر قول ابن القاسم أيضًا في "كتاب الجنايات" من المدونة: إذا أعتق السيد العبد الجاني، حيث قال: إنه يحلف ما أراد بعتقه تحمل الجناية، وعلى أنه يغرم قيمة العبد: فإن الباقي من الدَّين يبقى في ذمة الراهن، ويكون به المرتهن مع الغرماء أسوة.
فإن كان الراهن معسرًا: فإن العتق لا ينفذ، والعبد موقوف إلى محل أجل الدَّين.
فإن أفاد الراهن مالًا: أخذ منه الدَّين وعُتق العبد بالعتق الأول، وإلا فيباع العبد في الدَّين، فإن استغرق قيمته بطل العتق.
وإن كان بيع بعضه يَفِي بالدَّين: فإن الباقي ينفذ فيه العتق.
وأما الكتابة والتَّدْبِير: فقد اختلف فيهما المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن للمرتهن أن يقبض رهنه، ويكون محازًا وهو مكاتب ومدبر، وهو قول أشهب في "كتاب محمد"، وظاهره: ألا فرق بين أن يكون الراهن موسرًا أو معسرًا، بخلاف العتق.
والثاني: أن الكتابة والتدبير كالعتق يعتبر فيهما اليُسر والعُسر في حين عقدهما لما يخاف من مآل [أمرهما] 2 في العسر عند حلول الأجل إن كان الراهن موسرًا عند عقد الكتابة والتَّدْبِير.
والثالث: التفصيل بين أن تكون [الكتابة و] 3 التَّدْبير في يُسْر الراهن

وعسره؛ فإن كان الراهن مُوسرًا: تَسَاوَى حكم الكتابة والتدبير.
وإن كان الحكم في المُدَبّر الانتظار إلى محل الأجل في الكتابة يستوفي الحق منها، فإنه إذا كان حرًا وخرج من الرهن، فإن عجز كان رهنًا، وهذا يتخرج على قول أشهب في "كتاب محمد" أن الكتابة تكون رهنًا مع رقبة المكاتب.
وأما الوجه الثاني: من أصل التقسيم: إذا تصرف [الراهن] 1 في هذه الأشياء بعد القبض والحوز: فلا يخلو الراهن من أن يكون مُوسِرًا أو مُعسِرًا.
فإن كان مُوسِرًا: فلا خلاف في نفوذ العتق المبتل، وهل يغرم جميع الدَّين، أو قيمة الرقبة خاصة، ويبقى الباقي في ذمته إلى أجله بلا رهن أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة، وقد قدمناهما.
وسبب الخلاف: تَصَرُّف الراهن في الرهن بما يفوته، هل يُعَدّ ذلك منه رضًا بتعجيل الدَّين على وفائه، وكماله أم لا؟ وهل للراهن أن يعطيه رهنًا آخر، ويبقى الدَّين إلى أجله أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه لا يمكن من ذلك، وعليه تعجيل الحق من ساعته، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يمكن من ذلك، فإذا أتى برهن آخر، فالحق يبقى إلى أجله، ولا حجة في ذلك للمرتهن، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن الشيخ أبي بكر الأبهري.
فإن كان الراهن مُعْسِرًا: فإن عتقه موقوف، ويبقى العبد رهنًا إلى

أجل الدَّين.
فإن جاء الأجل والراهن مُوسِر بقدر ما عليه من الدَّين: فالعتق نافذ.
فإن جاء وهو مُعْسِر: فالعبد يباع فيما رهن فيه من الدَّين؛ فإن كانت قيمته كَفَافًا للدَّين: بطل العتق فيه، فإن كانت قيمته أكثر من الدَّين: فإنه يباع [منه] 1 بقدر الدَّين ثم يعتق ما بقى بالعتق الأول.
وأما الكتابة والتَّدْبِير: فإن كان الراهن مُعْسِرًا، فإنه يبقى رهنًا إلى أجل الدَّين -مكاتبًا كان أو مدبرًا- وإن كان مُوسِرًا: فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة: أحدها: أنه يبقى رهنًا إلى أجل الدَّين -مدبرًا كان أو مكاتبًا- وهو قول مالك في المدونة في المدبر، والمكاتب [كالتدبير] 2 وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه يعجل الدَّين من حينه ووقته، وهو قول ابن القاسم في الكتاب في العتق، والكتابة، وهو قول ابن وهب في التَّدْبِير حيث قال في الكتاب: التدبير كالعتق، ويؤدي الدين، وهو قول أشهب في "الموازية": إن الكتابة والتَّدْبِير كالعتق.
والثالث: التفصيل بين الكتابة والتدبير؛ فالكتابة كالعتق يعجل فيها الرهن والدَّين، والتدبير: يبقى [فيه] 3 العبد رهنًا حتى يحل الأجل لجواز رهن المدبر، وهو قول ابن القاسم في [الكتابة] 4، وفي "كتاب محمد": فإن حلَّ الأجل، ولا ماله له: بيع في الدَّين، ويبطل التدبير.
ووجه القول الأول: أن المُدَبَّر يجوز رهنه؛ لأنه ليس بعتق ناجز،

فينبغي أن تكون الكتابة كذلك [وكأنهما] 1 عقد عتق طرأ بعد الرهن، وقد يتم فيهما العتق، وقد لا يتم.
ووجه القول الثاني: اعتبار الطوارئ؛ لأن الراهن إذا كان مُوسرًا يوم دَبَّرَه، فقد يعسر يوم يحل الأجل، فيبطل التدبير مع القدرة على نفوذه؛ لأنا إذا أغرمناه الدَّين لم يبطل التَّدْبير إلا ما يكون من دين بعد الموت.
وكذلك [الكتابة] 2 لأنه قد يعسر يوم حلول الأجل، فلا يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاءً بالدين، فتبطل الكتابة كلها؛ إذ لا يكاتب بعض عبد، ولا يُدَبَّر بعض عبد.
وأما القول الثالث: فقد أشرنا إلى توجيهه في أثناء الجواب.
واختلف إذا كان بيع بعد المُدَبَّر يَفي بالدَّين، هل يباع منه بالدَّين، ويبقى الباقي مُدَبّرًا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يباع منه على أنه مدبر، ولا يقاويه بخلاف أم الولد التي يجوز أن يبقى بعضها على حساب أم الولد، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه يجوز أن يباع منه، ويبقى الباقي على أنه مُدَبَّر، وهو ظاهر المدونة؛ إذ لا مانع من ذلك ولا غرر فيه، ولا خطر بخلاف الكتابة.
فلو لم يكن مع السيد مال فقضى العبد ما هو فيه مرهون من مال نفسه، فإنه يتم عتقه.
وهل يرجع على سيده بذلك أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه لا يتبعه بشيء، وهو مذهب أبي الزناد، وهو ظاهر

[المدونة] 1؛ لأن عتقه في العبد لم يكن عتقًا يتم إلا بقضاء الدَّين، فصار كأنه أَدَّى الدَّين و [هو] 2 في ملك سيده؛ لأنه لو مات على تلك الحال مات رقيقًا.
والثاني: أنه يرجع على السيد ويتبعه بما أدى عنه، كما لو أداه أجنبي من الناس إذا قال: إنما أَدَّيت: لأرجع عليه؛ لأن السيد رضي ببقاء الدَّين في ذمته؛ ولأن الغُرَمَاء لو شاؤوا أن يصبروا بدينهم ويجيزوا [عتقه] 3 ففعلوا لكان ذلك لهم، فصار تأخير العبد للسيد بما أَدَّى عنه كتأخير الغُرماء له، وهذا هو الصحيح.
وأما قوله في القول الأول كأنه أدَّى الدَّين، وهو في مِلك السيد: فلا يصح به الاستدلال على تمشيته ما يريد؛ لأنه لو دَايَنَ السيد ثم أعتقه، ولم يكن السيد استثنى ماله حين العتق لكان عتقه جائزًا، ويبقى دينه في ذمة السيد، وهو مذهب "المدونة"، وليس له أن يَرد عتق نفسه لما كان له على سيده من دين؛ لأنه إذا رَدَّ عتق نفسه كان أضر به؛ لأن السيد أخذ ماله، فلا فائدة له في هذا؛ فلا يكون حرًا ويتبع سيده بدينه أولى من أن يرد عتق نفسه، فيأخذ سيده ماله إذا شاء كما قيل [فيما] 4 إذا [زوج] 5 إذا تزوج أمته من عبد وقبض صداقها ثم أعتقها قبل البناء بها ولا مال للسيد، فاختارت نفسها، فقال الزوج: أنا أطالب السيد بالصداق الذي قبض، وأرد فيه عتق الأمة؛ فقال: لا يكون

لها خيار وتبقى تحته؛ لأن اختيارها [الطلاق] 1 يوجب سقوط عتقها.
[وسقوط عتقها] 2 يوجب ألا يكون لها اختيار؛ فلأن تبقى حرة تحت عبد خير من إرقاقها الذي يؤدي إلى سقوط خيارها.
وهذا منه بناء على أن المرأة لا تملك الصداق إلا بالدخول، ويؤخذ من "المدونة" أنها تعتق ويتبع السيد بالصداق، ولا يرد فيه عتقها من قوله في السيد إذا أخذ مهر أمته [وأعتقها] 3 ثم طلقها الزوج قبل البناء: أن العتق نافذ ولا يرد؛ لأنه دين حدث بعد الطلاق بناءً [منه على] 4 أنها تملك جميع الصداق بالعقد، وقد [أشبعنا] 5 الكلام في هذا المعنى في غير هذا الموضع.
وأما تصرفه في أمة الرهن [بالوطء] 6: فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون بمباشرة من الراهن، أو بسبب منه.
فإن كان ذلك بمباشرة من الراهن؛ مثل أن يَطَأها الراهن، فحملت من وطئه، فإن كان ذلك قبل الحوز: فحكمه حكم العتق في جميع ما ذكرناه.
وإن كان ذلك بعد الحوز: فلا يخلو من أن يكون وطؤه بإذن المرتهن، أو بغير إذنه.
فإن كان ذلك بإذنه: كان ذلك خروجًا من الرهن، وتكون أُمّ

ولد، ويبقى الدين في ذمته بلا رهن.
وإن كان بغير إذنه: فالمذهب على قولين: أحدهما: التفصيل بين أن تكون الجارية تذهب وتجيء في حوائج المرتهن، ثم وطئها الراهن فحملت: فإن الرهن يبطل، ولم يعجل الحق ورجعت إلى الراهن أُمّ ولد.
أو تكون لا تذهب وتجيء، وإنما تَسَوَّر عليها الراهن: فإن ذلك لا يبطل الرهن، وهو قول ابن القاسم في المدونة 1. والثاني: أن وطاه بغير إذن المرتهن لا يبطل الرهن، وإن كانت تذهب وتجيء، وهو كالتسور.
والقولان عن مالك، على ما رواه ابن القاسم في "المجموعة".
وعلى القتل [بأن ذلك] 2 لا يبطل الرهن: فلا يخلو الراهن من أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فلا يخلو الدين من أن يكون عينًا أو عرضًا.
فإن كان عينًا: فإن الدَّين يعجل قبل أجله، ويجبر المرتهن على قبضه، وكانت أُمُّ ولد للراهن.
وإن كان الدَّين عَرَضًا أو طعامًا من سَلَم: فالخيار للمرتهن إن شاء عَجَّل حقه، وسَلَّم الجارية، وإن شاء حبسها رهنًا، وأرجأ الطعام إلى أجله؛ لأن ذلك من حقه، وهو قول سحنون في "المجموعة".
وقوله تفسير للمذهب وليس بخلاف.
فإن كان الراهن مُعْسِرًا: فإنها تباع، وهل تباع في الحال، أو بعد

الأجل فقولان: أحدهما: أنها تباع في الحال، ولا ينتظر بها الأجل.
والثاني: أنها لا تباع حتى يحل الأجل، فتباع بعد الوضع، وهو قول أشهب.
ثم ينظر، فإن كان الدَّين يستغرق جميع قيمتها: فإنها تباع جميعها قولًا واحدًا في المذهب، ولا يباع الولد معها؛ لأنه حر.
فإن كان بيع بعضها يفي بما عليه من الدَّين، هل تباع كلها أو يباع منها [بقدر] 1 الدين؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنه يباع منها بقدر الدَّين، ويعتق الباقي في الحال، وهو قول ابن القاسم في "كتاب أمهات الأولاد" في وطء [أحد] 2 الشريكين أمة بينهما.
والثاني: أنها تباع جميعها، وما كان فيها من فضل، فإنه [يكون] 3 للسيد؛ إذ لا يكون بعض [الأمة] 4 أمّ ولد، وهو قول أشهب في "المجموعة".
فإن كان ذلك بسبب [من] 5 الراهن مثل أن يزوجها بعد الرهن والحوز، فهل يجوز هذا النكاح أم لا؟

فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن النكاح فاسد، ويفسخ قبل البناء، فإن بني [بها] 1 بعلم المرتهن فسخ رهنه، فإن لم يعلم: فله أن يَحُول بينه وبينها ما دامت في الرهن، ولا يفسخ النكاح، ولها الأكثر من صداق المثل أو المسمى لها، وهو قوله أشهب في "المجموعة".
والثاني: أن النكاح جائز، ويعجل الراهن حقه للمرتهن بمنزلة أن لو أعتقها أو بتلها عمدًا، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور.
والثالث: أن النكاح موقوف على إجازة المرتهن ورده؛ لأن النكاح يعيب الرهن؛ فإن رضي به جاز النكاح، وإن لم يرض به فسخ النكاح -دخل أو لم يدخل- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في آخر "كتاب [الرهون] " 2. فإن بني [بها] 3 بغير علم المرتهن فافتضها إن كانت بكرًا، فعلى الزوج صداق المثل يوقف معها في الرهن كالجناية عليها، وإن نقصها الافتضاض أكثر مما أخد السيد من الصداق غرم السيد الزائد، ويوقف مع الصداق رهنًا، وهو قول ابن عبد الحكم.
وتفصيل أشهب بين أن يعتق على ذلك قبل البناء أو بعده ضعيف من وجهين اثنين: أحدهما: أن جواز النكاح يكر على الرهن بالبطلان؛ لأن ذلك مما ينقصه ويخرجه عن الحوز.
والثاني: أن إجازته تؤدي إلى إجازة النكاح حيث لا يحوز الوطئ؛ لأن الزوج قد دخل على ألا يطأها حتى تخرج [من

الرهن] 1، فصار كمن تزوج امرأة على ألا يطأها سَنَة: فقد نص مالك في "المدونة" على أن النكاح لا يجوز إلا أن يكون هناك عذر بيِّن؛ مثل أن تكون الزوجة صغيرة، ويكون زوجها غريبًا، فاشترطوا عليه ألا يبني بها سنة، وقد قال مالك في غير ما موضع من المدونة: أن النكاح لا يجوز إلا حيث يجوز الوطء، إلا في دم النفاس، والحيض، وما أشبههما.
ثم إنا بحثنا فوجدنا في المذهب مسائل كثيرة [جوزوا] 2 النكاح [فيها] 3 حيث لا يجوز الوطء؛ منها: مسألة نكاح المعتكفة، ومنها: مسألة من تزوج امرأة وتحته أختها، وكان يطؤها بملك يمينه على أحد قولي ابن القاسم.
ومنها: مسألة التي [واجرت] 4 نفسها للرضاع مدة معلومة: فقد نص في "المدونة" على أن زوجها يمنع من وطئها إذا واجرت نفسها برضاه، فعلى هذا لا يجوز نكاحها بعد الإجارة؛ لأن زوجها يمنع من الوطء، فيلزم على قول أشهب أن يجوز النكاح.
وسبب الخلاف: في مسألتنا: الخيار الحكمي، هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟ فرع: وأما إذا وطئها المرتهن، فلا تخلو من أن تكون بكرًا أو ثيبًا.
فإن كانت بكرًا: فإن أكرهها، فعليه ما نقصها قولًا واحدًا.

وفي [الطوع] 1 قولان: أحدهما: أنه كالإكراه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا شيء عليه مما نقصها الوطء إذا طاوعته، وهو قول أشهب في غير المدونة.
فإن كانت ثيبًا وأكرهها: فعليه ما نقصها الوطء.
وإن طاوعته فقولان: أحدهما: أنه لا شيء عليه [مما نقصها الوطء] 2، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ويلزم [في] 3 المسألة قول آخر: أنه يغرم ما نقصها الوطء؛ لأن طوعها لا يسقط الحق الواجب للسيد على الواطئ.
والحد واجب على المرتهن في جميع ذلك، ولا يسقطه عنه طوع ولا إكراه، وتبقى الأمة رهنًا مع الولد إن ولدت من المرتهن في ذلك [كله] 4، ولا يلحق به الولد.
وقد قال في "المدونة": ولو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق عليه ولدها؛ لأنه لم يثبت نسبه منها [تم الكتاب والحمد لله وحده] 5.

كتاب الحمالة

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل