كتاب النكاح الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
و [لأنه] 1 لا خلاف في العبد يتزوج الحرة، وهي لا تعلم أن ذلك عيب يوجب لها الرد، وإن كانت دنية.
وأما ما ذكر من نكاح أسامة وغيره، فقد كان ذلك في أول الإِسلام، وقد رفضوا ما كان من الافتخار في الجاهلية، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أذهب عنكم [بالإِسلام] 2 عبية الجاهلية وفخرها [بالآباء] 3 وعبيتها تحولها" 4، إلى آخر ما قال.
وما اعترض به غير لازم، وذلك أن [الله تعالى قال] 5: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فإذا كان المتقي [هو] 6 المكرم عند الله في الآخرة، فبأن يكرم في الدنيا أولى؛ لأن إكرامه في الدنيا تعظيم لأمر الله تعالى، وإكراما لمن أكرمه، ومن إكرام التقي في الدنيا إسعافه بمطلوبه، وقضاء مآربه على أحسن مرغوبه، ويدل على ما ذكرناه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه"، قالوا: وإن كان عبدًا يا رسول الله؟ قال: "نعم، وإن كان عبدًا، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" 7.
فقوله: "إذا جاءكم" يستغرق عموم الأزمان من غير تخصيص، ومن أين للمعترض أن ذلك كان في أول الإِسلام، وما ذكر أيضًا من خيار بريرة
حين عتقت تحت عبد، فلا حجة فيه لاتفاق المذهب أنَّ الأمة إذا عتقت تحت عبد، فاختارت المقام معه أن النكاح جائز، ولا كلام [فيه] 1.
فإذا جاز النكاح إذا رضيت [به] 2 بعد عتقها وبعد عقد النكاح، فبأن يجوز النكاح إذا رضيت به، وهي حرة عربية في حين [العقد] 3 أولى، إذ ليس هناك إلا إسقاط حقها لمن بقي في قيد الرق خاصة، وقد اتفقنا على أنه لو خطبها رجل مصل من صميم العرب، وهي أمة حبشية مشقوقة القدمين قسطا كبيرة الشفتين، أو هي مولاة أنها لا تجبر على نكاحه، فدل ذلك على أن الاعتبار بالرضا [خاصة] 4، فثبت أن الاعتراض ساقط في نفسه، باطل في أصله.
والحمد لله وحده.
المسألة الخامسة في العقد إذا تقدم على الرضا، وكيف إذا تراخى عنه أمدًا بعيدًا؟
وقد تنازع علماؤنا في هذه المسألة تنازعًا كثيرًا، وتجاذبوا فيها [طرف] 1 التأويل.
وسبب اختلافهم: اختلاف الأسئلة واضطراب [الأجوبة] 2 الواقعة في الكتاب، فهو الذي أثار بينهم عجاج اللجاج، وأوجب خوضهم في كل مسلك ومنهاج، وذلك [أنه] 3 قال: في الذي زوج وليته أو ابنه الكبير البكر، وهما غائبان [عنه] 4 فبلغهما ذلك، فرضيا: لا يقام على هذا النكاح.
وقال في الذي زوج أخته ولم يستشرها فبلغها [ذلك] 5 فرضيت: بلغني أن مالكا مرة كان يقول: إن كانت في غير البلد أو فيه فتأخر إعلامها لم يجز، وإن قرب جاز.
و [قال] 6 في المسألة التي نزلت [في المدينة] 7 في رجل زوج أخته، فقالت حين بلغها ذلك: ما وكلت ولا أرضا، ثم كلمت فرضيت،
فقال: لا يجوز هذا النكاح، ولا يقام عليه حتى يأتنفا نكاحًا جديدا إن أحبا.
فإذا نظرت إلى هذه [الأجوبة] 1 تجد منها ما يتشابه ويتشاكل وتجد منها ما يتباين ولا يتماثل، كسؤال الأخت التي قالت فيه: "ما وكلت ولا أرضا"، لأن هذه ردَّت الأمر وأبطلته ولاسيما ما وقع في سماع ابن القاسم: "ما وكلت ولا رضيت"، معناه: إذا بلغني.
والسؤالان فيهما الرضا بما فعل الولي إلا أن سؤال الأخت يعارضه سؤال العبد إذا تزوج بغير إذن سيده، فأبا السيد أن يجيزه ثم كُلِّم في ذلك فأجازه، قال في "الكتاب": فإن أراد بقوله: الأول فسخًا تم الفسخ، وإن لم يرد الفسخ تم النكاح، وقد يحتمل أن يكون ذلك اختلاف سؤال، وقد يحتمل أن يكون اختلاف أحوال، ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال.
فبيان [الاحتمال في] 2 اختلاف السؤال: وذلك أن نكاح الأخت على الرد حتى تجيزه، ونكاح العبد على الجواز حتى [يرده] 3 السيد، والدليل على ذلك أن السيد لو لم يعلم بنكاحه حتى [أعتق] 4 العبد أن النكاح جائز، وهذا على مذهب "الكتاب".
وبيان اختلاف الأحوال: أن السيد ينوي لما يعلم من عادة السادات أنهم يقولون مثل ذلك تأديبًا للعبيد لئلا يسارعوا إلى [جناية] 5 النكاح [التي
يستضر بها السادات] 1 ردعًا وزجرًا، ولا يقصدون بذلك فسخ النكاح، فإذا ادعى السيد في ذلك نية فالقول قوله؛ لأن العرف يشهد به.
بيان اختلاف الأقوال: وذلك أنه عقد تقدم على الرضا في كلا المسألتين، فأنكر ثم أجيز، فقال بالجواز في أحد الموضعين ولم يقله في الآخر.
والأصح والله أعلم: أنه اختلاف [أسئلة] 2.
وأما [بقية] 3 الأسئلة: فإنها كلها أسئلة متشابهة متشاكلة.
اختلف المتأخرون، في تأويل هذه المسألة بين ملفق ومفرق:
أما الشيخ أبو عمران الفاسي: قد سلك فيها التلفيق.
وأما المسألة التي فرق فيها بين القرب والبعد فتفسير التي قال فيها لا يقام على هذا النكاح، وأنها تمضي عليها، ومسألة الابن الغائب: يريد بعيد الغيبة ومسألة التي قالت: "لا أرضى": [بأنها] 4 ردت الأمر وأبطلته.
وأن معنى قوله: كان مالك مرة يقول.
أي لم يتكلم بهذا التفسير [والبيان] 5 إلا مرة واحدة، وفي غير ذلك أجمل الجواب، فترجع الأسئلة كلها عنده إلى معنى واحد.
وذهب غيره إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن ما في "الكتاب"
[يتخرج] 1 على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح لا يجوز، وإن أجيز، ولا فرق بين القُرب والبُعد، وهو ظاهر قوله في الذي زوج ابنته الثيب وابنه الكبير المنقطع عنه، وهما غائبان، فبلغهما فرضيا، فقال: لا يجوز هذا النكاح ولا يقام عليه لأنهما لو ماتا لم يتوارثا.
وظاهر الكلام: أنهما [كانا] 2 غائبين عن المجلس.
والثاني: أن النكاح جائز إن [أجيز] 3 قربت [الغيبة] 4 أو بعدت، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" أيضًا، حيث قال: كان مالك مرة يقول.
وذكر [تفريقه] 5 بين القُرب والبُعد.
ومرة أخرى أبين؛ لأن قوله مرة يشعر بأنه قال مرة أخرى غير ذلك، ويشعر به قوله آخر المسألة: وإن بعدت الغيبة أو تأخر إعلامها لم يجز، وإن رضيت، وهذا قول مالك الذي عليه [أكثر] 6 أصحابه، وهذه الرواية أصح من التي قال فيها: "عليه أصحابه"، وقوله الذي عليه أصحابه أكثر، ويدل على أن هناك قولة أخرى عليها أقل أصحابه، وهو قول منصوص عليه لأصبغ وغيره في "كتاب محمد" وغيره.
والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد، وهو نص قوله مرة في "الكتاب".
وهذه الأقوال الثلاثة: كلها قائمة من "المدونة" منصوصة في المذهب في "كتاب محمَّد".
وحد القُرب: [عند] 1 سحنون، مثل ما بين مصر والقلزم، وهو مسيرة ثلاثة أيام.
وقيل: حد القُرب: ما بين المسجد والدار.
وحد البُعد عنده: ما بين مصر والأسكندرية، وذلك أربعة أيام أو خمسة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الخيار الحكمي، هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
فمن جعل الخيار الحكمي كالخيار الشرطي [قال]: لا يجوز النكاح قُرب أو بُعد، وهو مذهب البغداديين من أصحابنا، لأن العقد المتقدم على الرضا والإذن، ويرجع فيه الأمر إلى اختيار المرأة [بين] 2 الإجازة والرد.
ومن جعل الخيار الحكمى ليس كالشرطي، قال: يجوز النكاح قرب أو بعد، وذلك أتى ما يوجبه الحكم خلاف ما يوجبه الشرط.
والتفرقة بين القرب والبعد استحسان لاستحقاق الشيء اليسير في [الوصول] 3؛ لأن القرب لا يبيح ما كان محظورًا كما أن البُعد لا يحرم ما كان مباحًا.
وإلى هذا المعنى أشار القاضي أبو الفرج المالكي في "الحاوي" أن
التفصيل بين القرب والبعد لا يصح، لأنه لم يلزم [منه] 1 تجديد كل عقد ممنوع، قال: وإنما معنى ذلك [عندي] 2 في تجويزه في القرب أنها علمت [فعل وليها] 3 ولم تنكره ثم رضيت، وأما لو لم تعلم حتى أُعلمت، كانت كمسألة الأخت، وهذا الذي قاله القاضي يشبه [أن يعد] 4 قولا رابعًا في المسألة.
ووجهه أنها إذا علمت بفعل وليها، فلم تنكره حتى كلمت فرضيت، فكأنَّها لم تزل راضية في حين العقد، وصار النكاح معقودًا على رضاها، وإن كان يمكن ألا ترضى حين علمت، ثم رضيت إذ سألت، فيكون هذا النكاح لم يخرج عن الخيار من كل وجه.
فعلى القول: بأن النكاح لا يجوز ويفسخ، هل قبل أو بعد أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وهو قول ابن القاسم؛ لأن جُلّ الناس على إجازته.
والثاني: أنه يفسخ قبل [البناء] 5 [وبعده] 6، وهو قول أصبغ.
وفي المسألة قول ثالث: يؤمران بالفسخ والترك من غير حكم حاكم، لاختلاف العلماء [فيه] 7 وعلى القول بالفسخ، هل هو بطلاق أو بغير
طلاق؟ قولان قائمان من "المدونة"، وقد قدمنا [بيان] 1 موضعهما.
وعلى القول بأن النكاح لا يجوز ويفسخ، هل يقع [فيه] 2 التحريم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقع [فيه] 3 التحريم بين الآباء والأبناء، وهو نص قول ابن القاسم لقوله: كل نكاح اختلف الناس فيه فالحرمة تقع فيه كحرمة النكاح الصحيح الحلال.
والثاني: أنه لا تقع به الحرمة جملة.
والثالث: التفصيل بين أن يفسخ قبل الإجازة أو بعدها:
فإن فسخ قبل الإجازة فلا يقع به التحريم بين الآباء والأبناء.
وإن فسخ بعد الإجازة، فيقع به التحريم، وهكذا نقله اللخمي.
والأقوال كلها متأولة على "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في العقد الفاسد، هل يفيد شبهة العقد الصحيح أم لا؟
فمن رأى أنه يفيد شبهة العقد الصحيح، قال: يقع به التحريم.
ومن رأى أنه لا يفيدها، قال: لا يقع به التحريم، وسنزيد لهذا الفصل بيانا في "كتاب النكاح الثالث" إن شاء الله [والحمد لله وحده] 4.
المسألة السادسة في وضع الأب من صداق ابنته البكر قبل البناء
ولا يخلو ذلك الوضع من وجهين:
إما أن يكون بطلاق أو بغير طلاق:
فإن كان بطلاق، مثل أن [يطلق] 1 الزوج قبل البناء، فعفى الأب عن النصف الذي وجب لابنته بالطلاق، وذلك جائز باتفاق المذهب عندنا، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ 2 يريد: الثيب، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته، على تأويل مالك الآية، إذ له الجبر.
وعلى مذهب المخالف أن الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج؛ لأنه [هو] 3 الذي [يملك] 4 حلها، والحكمة في ذلك الحث [على] 5 الإحسان ومكارم الأخلاق؛ لأن الزوج حين طلقها، [قبل أن] 6 يصل منها إلى مرغوبه، فمكارم الأخلاق تقتضي ألا تأخذ منه شيئًا مما كان بدل لها مما فاته منها، بل تتركه كما تركها؛ لأنه إنما عوض ليستمتع، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ 7، وهن: الزوجات، إذ ذلك صيغة العموم
في جميعهن، والمراد [به] 1 والله أعلم: المالكات لأمورهن، على تأويل مالك -رحمه الله- ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو الأب والسيد كما قدمناه.
وعلى مذهب المخالف الذي يقول أن الذي بيده [عقدة النكاح هو الزوج، فالحكمة فيه [أيضًا] 2 مطردة، وأن الأزواج ندبوا بذلك إذا طلقها وفوّتها ما رجت منه من حسن الصحبة وجميل العشرة واستدامة الاستمتاع، فكان من مكارم الأخلاق أيضًا إذا طلقها: ألا يسترد منها ما أسقطه الشرع، مما كان يدل على معاشرتها التي [يدعها] 3 من قبله، ويشهد لهذه الحكمة التي ذكرناها، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وذلك يشعر بالندب إلى الوضع، والأمر بفعل الإحسان ممن ملك، وذلك يشمل تعليلنا وتأويل المخالف.
فإن كان الوضع بغير طلاق، مثل أن يضع الأب من صداق ابنته البكر قبل البناء من غير أن يطلقها زوجها، هل تجوز وضيعة الأب وتلزم الابنة أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يجوز للأب أن يضع منه شيئًا، كان ذلك لنظر أو لغير نظر، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الأول"، لقوله: ولا يجوز لأحد أن يعفو عن [شيء من] 4 صداق ابنته [البكر] 5.
والثاني: أنه جائز كان لنظر أم لا، وهو قوله في "باب نكاح التفويض" حيث قال: يجوز للأب الرضا بأقل من صداق المثل بعد الدخول، ولم يذكر النظر قياسًا منه على أحد الأقوال في جواز إنكاحه إياها بأقل من صداق مثلها [من غير نظر وهو نص قوله في باب نكاح التفويض أنه لا يجوز للأب أن يزوجها بأقل من صداق مثلها] 1، فظاهره: "وإن كان [لغير نظر] 2 ".
والثالث: التفصيل بين أن يكون لنظر أو لا يكون لنظر:
فإن كان لنظر: جاز، مثل: أن تعسر بالمهر ويسأل التخفيف ويخشى أن يطلق.
وإن كان لغير ذلك: فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الأول".
ولا فرق في هذه الأقوال الثلاثة بين رضاها وعدمه.
والرابع: التفصيل بين أن ترضى فيجوز أو لا ترضى فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح"، على اختلاف المتأخرين في تأويل قوله: في "كتاب النكاح الثاني": إذا رضيت، هل هو عائد على ذات الأب؟ وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، أو [هو] 3 عائد على ذات الوصي في البكر والثيب السفيهة، وهو تأويل [بعض المتأخرين] 4 أيضًا، وهو نص قول ابن الجلاب في كتابه [التفريع] 5.
فإن ثبت أن ذلك عائد على ذات الأب، صح في المسألة أربعة أقوال، ثم لا خلاف في وضيعة الوصيك: أنها لا تجوز بإذنها أو بغير إذنها.
[فإن] 1 ثبت أن الكلام عائد على ذات الوصي، فيتحصل في ذات الأب ثلاثة أقوال، وفي الوصي: لا خلاف أن وضيعته قبل الإذن والرضا أنها لا تجوز، وبعد الإذن والرضا قولان: الجواز والمنع لمالك، و [هو] 2 نص الجواز لابن القاسم.
وسبب الخلاف: الأب، هل يجوز له أن يزوج ابنته البكر بأقل من صداق مثلها لغير مصلحة ولا نظر، أو لا يجوز إلا لنظر؟
فمن قال يمنع النكاح: منع الوضيعة.
ومن قال بجواز النكاح، قال: بجواز الوضيعة أيضًا، إذ لا فرق بين أن يترك من بعض ما استحقت أو يضع من بعض ما استحقت.
ووجه القول الثالث: اعتبار المصلحة في أفعال الأب وأن النظر يتعقب صنيعه.
ووجه القول الرابع: في اعتبار الرضا، تطييب النفس، وذلك منه استحسان جار على غير قياس [والحمد لله وحده] 3.
المسألة السابعة في اختلاف درجات الأولياء في القرب والبعد، وكيف إن زوج الأبعد مع وجود الأقرب؟
وقد قدّمنا أن الولاية مشروطة في النكاح عندنا، ولها شروط:
وهي أن يكون الولي مسلما، حرًا بالغًا، ذكرًا عاقلًا.
واختلف في الشرط السادس، وهو العدالة، هل هي مشروطة أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن ولاية الفاسق في النكاح جائزة، وهو قول ابن القصار.
والثاني: أن ولايته وعقده لا يجوز، [ولا يعقد السفيه الفاسق النكاح] 1 وهو قول أشهب في "العتبية".
فعلى القول بأن عقده لا يجوز، فإن وقع ونزل، فهل يفسخ أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يفسخ ويرد قبل الدخول وبعده، وهو قول أبي مصعب، ولمالك في "كتاب ابن أشرس": أنه لا يعقد ولا يستخلف من يزوجها، لأنه لا نكاح لسفيهه، وهذا يفسخ كما قال أبو مصعب.
والقول الثاني: أن ذلك مكروه مع وجود عدل، فإن عقد جاز، وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب.
وقولنا: مسلمًا، احترازًا من الكافر، ولا خلاف عندنا أن ولاية الكافر
لا تجوز على مسلمة لمسلم [عند] 1 نكاحها أو لكافر، وله أن يعقد نكاح ابنته النصرانية لمسلم [إن شاء] 2.
وقولنا: حرًا، احترازًا من ولاية العبد، ولا خلاف عندنا في منع ولايته، وعقده على الإناث الحرائر [والإماء] 3.
وقولنا: ذكرًا، احترازًا من الإناث، ولا خلاف عندنا في المذهب: أنه لا يجوز للمرأة أن تعقد النكاح [على امرأة] 4، وإن كانت [هي] 5 وليتها، كأمتها أو مولاتها أو [وصية عليها] 6: فإنها لا تباشر العقد بنفسها، ولكنّها تُوكِّل من يتولاه دونها.
واختلف في عقدها على الذكران، هل يجوز أم لا؟
على قولين:
أحدهما: لا يجوز عقدها عليهم، وهو ظاهر "المدونة" في قوله: ولا تعقد المرأة النكاح على أحد، وهو قول حكاه القاضي أبو محمَّد وغيره في المذهب.
والثاني: أنه يجوز أن تعقد النكاح على الذكران ممن تلي عليه بملك أو إيصاء أو وكالة، وهو قول منصوص عن مالك في "العتبية" و"الواضحة"، والعبد النصراني كالمرأة في ذلك.
فوجه القول الأول: أنها لا تعقد على أحد، بناء منه على أن العقد لا
يكمل ولا يتم إلا إذا انعقد من الطرفين، إذ لا يتم ولا يطلق عليه اسم العقد إلا كذلك.
ووجه القول الثاني: أن الولاية إنما اشترطت في الإناث دون الذكران؛ لأن ابتداء العقد إنما يكون على المرأة، فإذا عقد عليها كان القبول من جهة الزوج خاصة ولا فرق بين أن يتولاه الرجل أو تتولاه المرأة أو العبد، وهذا هو المعروف في المذهب على ما ذكره بعض حُذَّاق المتأخرين.
وقولنا أيضًا: بالغًا احترازًا من غير البالغ، وغير البالغ لا يخلو من أن يكون مراهقًا أو غير مراهق.
فإن كان غير مراهق فلا خلاف [أن عقده] 1 لا يجوز وهو كلا عقد وسواء عقد على نفسه أو على غيره.
وإن كان مراهقًا فلا يخلو من أن يكون أنبت أم لا؟
فإن أنبت الشعر فقولان:
أحدهما: أن عقده جائز كالمحتلم وعليه نص بعض المتأخرين.
والثاني: أن عقده لا يجوز، والقولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: الإنبات هل هو علامة للبلوغ أم لا؟ وظاهر ما قال [مالك] 2 في "كتاب القطع في السرقة" أن الإنبات من علامات البلوغ.
وأما المراهق الذي لم ينبت الشعر فالذي تقتضيه "المدونة"، وظواهرها ونصوص المذهب أن المراهق لا يحكم عليه ولا له بحكم البالغ، ومن أعجب ما رأيت بعض متفقهة الزمان يلهثون في المجالس بحكاية الخلاف
في المراهق هل هو كالبالغ أم لا؟ وقد مارست المجالس وأفنيت [عمري في المدارس] 1 وطالعت الأمهات [الكبار] 2 في الفقه والآثار "كالنوادر" "والاستذكار" [و"البيان] 3 والتحصيل" وكتاب "الاستيعاب للأقاويل" و"كتهذيب الطالب" وكتاب "أسنى المطالب"، وطالعت كثيرًا من كتب الحديث وشرحها وتفاسير القرآن ككتاب "قانون التأويل في شرح علوم التنزيل" مع بسطه وكثرة بحثه واستقصائه حتى أربى على جميع المصنفين في تلك الطريقة؛ لأن صاحبه جمع فيه بين تفسير الظواهر والبواطن فما سمعت ولا رأيت فيما رأيت من يقول أن المراهق له حكم البالغ.
والذي لم أطالعه من الأمهات ولا وقعت عيني عليه أكثر من الذي رأيته وطالعته، والذي نسيته من الذي طالعته أكثر [مما] 4 عقلته عليه، لأن الكلام على ما هو متداول بين أيدي الناس إلا شيئًا ذكره مالك في "المختصر الكبير" لأبي بكر الوقار إذ قال: من ناهز الحلم فلانة طالق إن تزوجتها فتزوجها فرق بينهما ولم يذكر متى تزوجها هل بعد يمينه أو بعد أن بلغ ولم يذكر هل أنبت أم لا؟
أو لعله تزوجها بعد أن بلغ على القول بأن النظر في اليمين إلى يوم الحنث.
وهو [قول مالك] 5 في المبسوط في الصبي يحلف ثم يحنث [وهو
بالغ] 1 أنه يلزمه ما [حنث] 2 فيه وهو نص مالك في المدونة 3 أن من زنا وقد ناهز الحلم وأنبت ولم يحتلم [ألا حد عليه] 4، ولو كان [في المسألة] 5 نص منصوص عليه: "أن المراهق له حكم المحتلم"، لما قال اللخمي مع جلالة قدره، وغزارة علمه، وكثرة لجته، وذكاء عقله [وحدة] 6 فطنته: ولو قيل: "فيمن ناهز [الحلم] 7 أن عقده ماض"، لم يبعد، ويحتمل أن يريد بالمناهز: الذي قد أنبت، كما نص عليه مالك في "المدونة".
فنسأل الله تعالى أن [يلهمنا رشدنا] 8 وأن يرزقنا علم ما جهلنا والعمل بما علمنا.
فإذا حصلت هذه الشروط التي ذكرناها صحت الولاية لمن حصلت فيه.
وهي تنقسم -أعني الولاية- إلى: ولاية خاصة وإلى ولاية عامة.
فولاية الخاصة: ولاية القرابة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ 9، [وهي أيضًا] 10 على وجهين:
أحدهما: أن يتساووا في المرتبة.
[والثاني: أن تختلف مراتبهم، فإن تساووا في المرتبة] 1 بنون أو أخوة أو بنوهم أو أعمام أو بنوهم.
فإذا اتفقوا وسلَّموا النظر إلى واحد منهم: جاز ذلك بغير خلاف.
وإن اختلفوا فقال في "المدونة": ينظر السلطان في ذلك.
وقال عبد الملك بن حبيب: ذلك إلى أفضلهم، فإذا استووا في الفضل كان إلى أسنَّهم.
وإن استووا في الفضل والسن كان ذلك إلى جميعهم.
فأما لو فوضت إلى واحد لكان ذلك إليه دون أصحابه.
وإن اختلفت مراتبهم كالأب والابن، وكالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم: فإنه يقدم الأولى فالأولى، لأن الولي مأخوذ من الولاء، وهو القرب، ومنه [قول] 2 مجنون بن عامر 3:
أحن إلى ليلى، وإن شط وليها ... كما حن في الكف اليراع المثقب
فإذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب [من ولاية] 4 الخاصة، هل [للأقرب] 5 فيه كلام أم لا؟، وهل يجوز له الإقدام على العقد ابتداء مع حضور الأبعد أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز له الإقدام على العقد مع وجود الأقرب، وهو
نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يجوز له الإقدام عليه ابتداء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" من مسألة: تزويج الأخ أخته الثيب مع وجود الأب، حيث قال [قال مالك] 1: ما للأب ومالها [وهي] 2 مالكة أمر نفسها، وهو قول ابن القاسم أيضًا في ذي الرأي من أهلها: أنه يجوز تزويجه مع وجود الأخ وابن الأخ والجد، وهو نص قوله " [كتاب] النكاح الأول"، وهذا يكاد أن يكون نصًا في الباب، والدليل [عليه] 3 قول عمر - رضي الله عنه -: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان 4، و "أو" هاهنا على أصلها، وليست بمعنى "الواو".
واختلف في ذي الرأي من أهلها، على قولين:
أحدهما: أنه الرجل الذي له الصلاح والفضل.
والثاني: أنه الوجيه الذي له رأي، ومن يرجع إليه في الأمور.
قال اللخمي: وكلا القولين يحتمل أن يكون هو المراد.
واختلف: أيضًا في معنى قوله: "من أهلها"، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الرجل من العُصبة، وهو قول ابن نافع عن مالك.
والثاني: أنه الرجل من العشيرة، وهو قول ابن القاسم عن مالك.
والقولان: منصوصان في "المدونة".
والثالث: أنه الرجل من البطن، وهو قول ابن الماجشون في
" [واضحة] 1 ابن حبيب".
وفائدة اختلافهم: في ذي الرأي من أهلها، من هو؟
أي أنه ليس من العصبة؛ لأن عصبة الرجل أقاربه من قبل الرجال، فإن ذوي الرأي آخر درجات أولياء الخاصة [العشيرة] 2.
فعلى قول ابن القاسم: آخر [درجات] 3 الأولياء الخاصة: العشيرة، وأنهم على قول عبد الملك: البطن، وعلى قول ابن نافع: العصبة.
فعلى قول ابن القاسم أنه من العشيرة، فالمولى الأسفل داخل في العشيرة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مولى القوم منهم"، ولدخوله في جماعتهم وعقلهم وأوقافهم.
وعلى القول بأنه من العصبة أو البطن، فلا يدخل الأسفل.
و [القول] 4 الثالث: التفصيل بين الأخوة وغيرهم، فإنه يجوز للأخ للأب أن يزوِّج أخته ابتداء وثم أخوها لأبيها وأمها حاضر، إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق، فلا ينبغي لغيره من الأولياء أن ينكح، وثم أولى منه حاضر إذا لم يكونوا إخوة، وهذا نص رواية علي ابن زياد عن مالك في "المدونة".
وإلى أن قوله خلاف ذهب فضل بن سلمة وسحنون وغيرهما من شيوخ المذهب، وحملوه على [أنه] 5 قولة على حيالها، وهو الصحيح.
فعلى القول: بأنه لا يجوز له الإقدام ابتداء على العقد، فإذا وقع ونزل هل يتعقبه النظر أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح ماض لا يتعقبه النظر، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يتعقبه، وهو قول الرواة في "الكتاب".
وسبب الخلاف: [اختلافهم] 1 في تقديم الأقرب على الأبعد، هل هو من باب الأولى أو ذلك من باب [الولاية] 2؟
فمن رأى أن ذلك من باب [الأولى] 3، فلا يتعقبه النظر.
ومن رأى أن ذلك من باب [الولاية] 4، قال: يتعقبه النظر.
فعلى القول [بأن النظر] 5 يتعقب فعله وعقده، هل النظر إلى الولي [الأبعد] 6 أو النظر إلى السلطان؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن النظر في ذلك إلى السلطان، وهو قول أكثر الرواة في "المدونة".
والثاني: أن النظر في ذلك إلى الأقرب [بين] 7 الإجازة والرد، وهو قول [آخرين] 8 في الكتاب أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم [في تعقب النظر هل هو لمعنى أو لغير معنى فإن قلنا أنه لمعنى كان النظر للسلطان وهو الذي كلفه الشرع الكشف] 1 عن الأسرار وإزالة الأضرار.
وإن قلنا أنه لغير معنى، [ثم لا] 2 يتعقبه النظر على قول، ويتعقبه على قول، ولا تتعجب من فعل يتعقبه النظر [من غير] 3 معنى وتبادر بالإنكار، وتعتبر بالمألوف [المعهود] 4؛ لأن الحكمة في نظر الولي مخافة أن [تضع] 5 وليته نفسها تحت من لا يكافئها، لما علم من ميلهنَّ إلى الرجال، وغلبة شبق [شهوة] 6 النكاح عليهن، فيكون ذلك من العار الذي إذا نزل لم يزل، فكانت الحكمة تقتضي نظر الولي إلى صنعها.
فإنك إذا أمعنت النظر في "الكتاب"، وتفطنت لما قاله مالك فيه نصا، [يتبين] 7 لك أن تعقب النظر قد يكون بغير معنى، وذلك أنه قال في "كتاب النكاح الأول" في المرأة ذات الشَّرف والدِّين يزوجها رجل من قريش ذو شرف ودين بغير إذن وليها، استخلفت على نفسها رجلًا يزوجها، فقال: النظر في ذلك إلى الولي، إن شاء أجازه، وإن شاء فسخه.
فانظر كيف جعل له النظر في فعلها، وإن لم تضع نفسها في دناءة، ولا فيما تلحقه منه معرَّة، ولا فخر أعظم من تزويجها قرشي، ومع ذلك
جعل له النظر كما ترى.
وربك أعلم.
والجواب عن [الوجه] 1 الثاني: في الولاية العامة، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 2، ولا خلاف عندنا أنها ولاية تطالب بها المرأة عند عدم ولاية النسب، فيصح النكاح لوجودها ويفسد لعدمها إذا باشرت العقد بنفسها ولم تستخلف رجلًا.
واختلف إذا تزوجت المرأة بولاية الإِسلام، مع وجود الولاية الخاصة، على ستة أقوال:
أحدها: [جوازه] 3 بعد الوقوع، وهي رواية حكاها أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب، [واستخرجه] 4 بعض المتأخرين، [من] 5 توقف مالك في "المدونة" عن فسخه، وهو جنوح منه إلى القول بجوازه بعد الوقوع.
والثاني: أنه جائز إن أجازه الولي، دخل بها أم لا؟ وهو قول ابن وهب.
والثالث: أنه يفسخ، وإن أجازه [الولي] 6، وهو قول غيره في "المدونة".
والرابع: التفصيل بين الدخول وعدمه، فيفوت بالدخول، وهو تأويل إسماعيل القاضي على قول مالك في "المدونة".
والخامس: أن للولي أن يجيزه أو يرده، ما لم يطل ذلك بعد الدخول، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" أيضًا.
والسادس: التفصيل بين الدَّنية والشَّريفة وهو قول ابن القاسم أيضًا في "المدونة".
وفي المسألة قول سابع في الكتاب بالوقف، على القول بأن الوقف يعد قولا؛ لأن قول مالك - رضي الله عنه - اضطرب في [التوقيف] 1: فتارة توقف عن فسخه، وذلك جنوح منه [إلى] 2 ما حكاه القاضي عبد الوهاب في [المذهب] 3 كما قدمناه.
وتارة توقف عن الإجازة إذا أجيز، وذلك منه جنوح إلى القول أنه يفسخ على كل حال.
وتفصيل ابن القاسم بين الطول وعدمه، ووجود البناء وعدمه استحسان جار على غير قياس.
فعلى القول بأن النظر يتعقبه، هل نظر السلطان أو نظر الولي؟ قولان قائمان من "المدونة" كما تقدم في ولاية الخاصة.
وسبب الخلاف: الولاية في النكاح، هل هي حق لله تعالى أو حق للولي؟
فمن رأى أنها حق لله تعالى، قال: [بفسخ] 4 النكاح على كل حال.
ومن رأى أنها حق للولي [قال يتوقف على النظر] 1، فعلى القول بأن النظر لمعنى: كان إلى الإِمام.
وعلى القول بأنه لغير معنى: كان للولي.
والحمد لله وحده.
المسألة الثامنة فيمن غاب عن ابنته
فلا تخلو غيبته من أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون غيبته غيبة انقطاع.
والثاني: أن تكون غيبته غيبة ارتجاع.
فإن كانت [غيبته] 1 غيبة انقطاع، فلا تخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون على معنى الغلبة والاضطرار.
والثاني: أن تكون على معنى [الترفه] 2 والاختيار.
فإن كانت غيبته على معنى الغلبة والاضرار، كالأسير، فلا تخلو حالة ابنته من أن تكون في حرز وصيانة والنفقة جارية عليها أم لا:
فإن كانت في حرز وتحصين، والنفقة جارية عليها، ولم تدع إلى النكاح، فلا إشكال أنها لا [تزوج] 3 وتنظر قدوم أبيها، إذ لا يجبرها أحدٌ سواه.
وإن [كانت قد] 4 دعت إلى النكاح: فإنها [تزوج] 5 إن كانت بالغة.
[فإن] 1 كانت في غير حرز وتحصين، أو كانت في حرز ولا كفاية [ولا مؤنة] 2 معها: فإنها [تزوج] 3 أيضًا، إذا خُشي عليها الفساد والضيعة، دعت إلى النكاح أو لم تدع [إليه] 4.
وإن كانت غيبته على معنى [الترفه] 5 والاختيار، فلا تخلو من أحد وجهين:
إما أن تُعلَم حياته أو جُهِلَت:
فإن علمت حياته، فلا يخلو موضع غيبته من أن يكون قريبًا أو بعيدًا:
فإن كان قريبًا، فلا خلاف في المذهب أنه لا يفتات عليه في إنكاح بناته، دعون إلى النكاح أم لا، إلا أن يتبين ضرر الأب بهن، فيكون كالعاضل الحاضر، فإن الإِمام يتقدم إليه: إما أن يزوجها، وإلا زوَّجها عليه الإمام.
وإن [كان بعيد الغيبة] 6، مثل الأندلس وطنجة من المدينة، فهل يجوز أن تزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تزوج [جملة] 7 بلا تفصيل وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنها لا تزوج إلا أن يخشى عليها الفساد والضيعة، وهو قول
مالك في كتاب "محمَّد".
وإن جُهلت حياته، ولم تعلم جهته، كالمفقود، فإن الإِمام ينظر في أمر بناته كما ينظر في أمر ماله، ولا يكون المال أسوأ حالًا من البضع، وهذا ظاهر قول مالك في "المدونة"، لأن الإِمام ينظر لها ويعقد النكاح عليها.
ولمالك في "كتاب محمَّد" قول آخر: أن للأخ أن يزوجها برضاها، وهذا الخلاف يبنى على الخلاف في المفقود: هل حكمه حكم الحي أو حكمه حكم الميت؟
فمن رأى أن حكمه حكم الميت، قال: النظر في ذلك إلى الأخ لأنه ولي وارث.
ومن رأى أن [حكمه حكم الحي، قال] 1: النظر في ذلك إلى الإِمام؛ لأنه من باب النظر للغائب.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت غيبته غيبة ارتجاع، كمن خرج لتجارة أو لطلب حاجة: فلا إشكال في هذا الوجه أنه لا يتعرض للنظر في أمور بناته، على آية حالة هن عليها كما لو كان حاضرًا، [والحمد لله وحده] 2.
المسألة التاسعة في وكالة المرأة على النكاح من يزوجها
ولا يخلو توكليها من وجهين: إما أن تعين الزوج أم لا.
فإن عينت الزوج، مثل: أن تقول: زوجني من فلان، فلا خلاف في جواز النكاح إذا كان الزوج الذي عينته [كفؤًا لها على حسب ما قدمناه] 1.
وإن لم تكن عينته، ولكن فوضت أمرها إلى من أسندت إليه، فلا يخلو من وجهين:
إما أن تفوض ذلك إلى واحد، أو تفوض إلى أكثر من واحد:
فإن فوضت أمرها إلى رجل واحد، مثل أن تقول له: زوجني ممن أحببت، ثم زوجها من نفسه أو من غيره، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يطالعها بذلك ويعرفها أم لا:
فإن طالعها بذلك وعرفها اسم الرجل الذي زوجها إياه كان هو أو غيره، فرضيت به، فلا خلاف في جواز النكاح.
وإن كرهت ذلك، فهل يلزمها فعله، ولا خروج لها عما عقد عليها أم لا؟، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يزوجها من نفسه أو يزوجها من غيره:
فإن زوجها من نفسه، فقولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح لا يجوز، وهو نص قول ابن القاسم، وهل يجوز إن أجازته؟ قولان قائمان من "المدونة" أيضًا، وقد قدمناهما في تقديم العقد على الرضا.
والثاني: أن النكاح جائز لازم لها، ولا خيار لها فيه إذا كان الزوج كفؤًا لها، وهذا القول حكاه ابن القصَّار على المذهب، وهو قائم من "المدونة": من مسألة القاضي إذا زوجها من نفسه، إذ لا فرق بين الولي والقاضي، مع سلامة حاله وإصابته في فعله.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الوكيل، هل هو معزول عن العقد من نفسه لنفسه بما تضمنته الوكالة أو هو داخل فيها وهو من جملة ما اقتضته الوكالة؟
فمن رأى أنه معزول عن العقد من نفسه، قال: لا يلزمه العقد، ويتوقف على رضاها، فيجوز إن أجازته على قول، ولا يجوز على قول.
ومن رأى أنه غير معزول، قال بجواز النكاح ولزومه.
وهذا الخلاف ينبني على أصل آخر: وهو تخصيص العموم بالعادة، وذلك أن قولها: زوجني ممن أحببت.
وهذا العموم يعم نفسه وغيره والعادة الجارية، وذلك أن المرأة [إن] 1 كان لها غرض في [عين] 2 رجل، فإنها تجعل سفيرا [إليه] 3 وتقصده بذلك [و] 4 لا توكله لينظر [لها] 5 غيره.
فإذا وكلته علم أن المقصود غيره لا عينه.
ومن رأى أن العموم يخصص بالعادة، قال: لا يلزمها النكاح.
ومن رأى أنه لا يخصص بالعادة، قال: إنه يلزمها، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون.
والبيع في جميع ما ذكرناه مثل النكاح.
وإن زوجها [من غيره] 1 من غير مطالعتها [ولا عرفها] 2، فهل يلزمها النكاح أم لا؟.
قولان منصوصان في [المدونة] 3:
فمرة ألزمها النكاح، ومرة لم يلزمها النكاح، وكل عن مالك.
فوجه القول بالجواز واللزوم: عموم الوكالة، وتفويضها الأمر إلى اجتهاده.
ووجه القول الثاني: أن المرأة لها غرض في عين الزوج وتسميته، ثم لا يلزمها النكاح إلا برضاها.
وأما الوجه الثاني: إذا فوضت أمرها إلى أكثر من واحد، مثل أن تفوض أمرها إلى رجلين فزوجها هذا من رجل، وهذا من رجل، فلا يخلو [ذلك] 4 من وجهين:
إما أن يعقدا معا أو تقدم أحدهما بالعقد على الآخر:
فإن عقدا عليها معا، فلا خلاف في المذهب في فسخ النكاح من غير اعتبار بالدخول.
وإن تقدم أحدهما بالعقد على الآخر، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يعلم الأول منهما.
والثاني: أن يجهل ولا يعلم.
فإن علم الأول منهما، فلا يخلو من أن يدخل بها الثاني أم لا:
فإن لم يدخل بها الثاني، فلا خلاف أنها للأول، ويفسخ نكاح الثاني.
فإن دخل بها الثاني، هل يكون دخوله بها فوتا أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الدخول فوت، ويكون الثاني أحق بها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الأول أحق بها، ويفسخ نكاح الثاني، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة" في كتاب "الوكالات" وكتاب "الشركة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الفسخ، متى يستعمل؟ هل بنفس الورود أو بالبلوغ؟
فمن رأى أن الفسخ والعزل يستعملان بنفس الورود، قال: بفسخ نكاح الثاني، دخل أم لا؛ لأنه يعقد الأول عزل الآخر عن الوكالة؛ لأن الأمر المقصود بالوكالة قد حصل، فصار الثاني قد عقد من غير توكيل.
ومن رأى أنهما لا يستعملان إلا بعد البلوغ والعلم، قال: الثاني أحق بها من الأول إذا دخل بها، لأنه دخل بوجه جائز في ظاهر الأمر.
وإن جهل الأول منهما، فلا يخلو من أن يدخل بها أحدهما أو لم يدخل بها واحد منهما:
فإن دخل بها أحدهما، هل يكون أحق بها أم لا؟، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه أحق بها، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه لا يكون أحق بها، وأن الدخول لا تأثير له في ثبوت النكاح؛ لأنه على شك، إذ قد يكون هو الآخر، فلا يصلح له المقام على هذا النكاح، وهو قول ابن عبد الحكم.
وجمهور العلماء: على أن النكاح مفسوخ من غير اعتبار بالدخول، كما قال ابن عبد الحكم، وما قاله مالك رحمه الله - استحسان لا يحمله قياس، والله أعلم.
فإن لم يدخل بها واحد منهما، فلا خلاف في المذهب أن نكاحها مفسوخ.
واختلف إذا أقرت الزوجة أن هذا هو الأول، هل يقبل قولها أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن قولها مقبول، وهو قول أشهب في "الواضحة".
فإذا قلنا بفسخ النكاح إذا لم يدخل بها واحد منهما: فظاهر المذهب أن الفسخ في ذلك بغير طلاق؛ لأنه نكاح فسخ بالغلبة.
وقيل: بطلاق، وهو المنصوص في المذهب.
فإن تزوجها أحدهما بعد الفسخ، هل ترجع عنده على جميع الطلاق أو على ما بقي من طلاق الملك؟
فقد ذكر بعض المتأخرين عن ابن الموَّاز كلامًا متناقضًا في نفسه، وقال: لا يخلو الذي تزوج منها من أن يكون تزوجها قبل زوج أو بعد زوج:
فإن تزوجها قبل زوج، فإنها ترجع عنده على جميع الطلاق؛ لأنه إن كان هو الأول [فنكاحه] 1 الثاني، كلا شيء؛ لأنه رجعت إليه امرأته، وهو لم يطلق.
وإن كان هو الثاني فكذلك أيضًا، لأن نكاحه بعد الأول، كلا نكاح، لأنه تزوج امرأة غيره، [فإن تزوجها بعد الفسخ فإنها ترجع عنده على جميع الطلاق] 2.
فإذا تزوجها [أحدهما] 3 بعد زوج، فإنها ترجع عنده على تطليقتين، وهذا كلام [متناقض] 4 لأن الفسخ الذي فسخ به نكاحهما إن كان بطلاق، فكيف ترجع [عند] 5 الذي تزوجها منهما بعد ذلك على جميع الطلاق، لأنه فسخ [وقع] 6 بحكم حاكم، والأول منهما مجهول.
وإن كان بغير طلاق، فكيف [يلزمه] 7 الطلاق بتزويج غيره إياها بعد الفسخ من غير [طلاق] 8 يوجبه عليه حكم حاكم.
وهذا الكلام كما تراه، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلا.
فإن عثر على هذا النكاح بعد دخول أحدهما، وعلم أنه الثاني، وقد كان الأول قد مات أو أطلق، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
[أحدهما]: أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه.
والثاني: أن يكون عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه.
والثالث: أن يكون عقد قبل موته أو طلاقه، [ودخل بعد موته وطلاقه] 1.
فأما إن عقد ودخل قبل [موت الأول] 2 أو طلاقه: فإن نكاحه صحيح ثابت بمنزلة ما لو كان حيًا ولم يطلق، على قول ابن القاسم.
وأما على قول ابن عبد الحكم، فينفسخ نكاحه كما قدمناه في صدر المسألة.
وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه، فلا يخلو الأول من أن يكون مات أو طلق:
فإن مات: فإن نكاح الثاني مفسوخ، لأنه نكاح في عدة [وترث الأول، وإن طلق فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن نكاحه صحيح؛ لأنه نكاح في غير عدة] 3 وهو قول ابن القاسم.
والثاني: التفصيل بين أن يكون العاقد لنكاحها آخرًا بعد طلاق الأول
هو الأب: فلا يفسخ نكاحه، وإن لم يدخل.
وإن كان العاقد آخرًا بعد طلاق الأول هو الوكيل: فإنه يفسخ، إلا أن يدخل، وهو قول ابن الماجشون.
والفرق بينهما على قول [عبد الملك] 1: أن الأب مطلق على النكاح على الاسترسال، والوكيل تنفسخ وكالته بتزويج الأب قبله.
وأما إن عقد قبل الموت أو الطلاق، ودخل بعد ذلك، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالذي عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق، [في أن نكاحها] 2 ثابت ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه، وهو قول [مالك] 3 حكاه ابن الموَّاز.
والثاني: الفرق بين الوفاة والطلاق:
ففي الوفاة: يكون متزوجًا في عدة، بمنزلة امرأة المفقود، تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة ودخل بها [زوجها] 4، ثم تبين أنها تزوجت قبل وفاة المفقود ودخلت بعد وفاة المفقود وقبل انقضاء العدة: أنه يكون متزوجًا في عدة، وفي الطلاق، ولا يكون متزوجا في عدة، وهذا قول بعض المتأخرين، والحمد لله وحده.
المسألة العاشرة في تعدي الوكيل في النكاح، واختلافه مع الأمر
ولا يخلو اختلافهما من وجهين:
أحدهما: أن يختلفا في الوكالة [والتسمية] 1.
والثاني: أن يتفقا في الوكالة، ويختلفا في التسمية.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اختلفا في الوكالة والتسمية مثل أن يدعي رجل على رجل أنه وكله على تزويج امرأة بكذا وكذا مهرًا، [فادعى] 2 أنه قد فعل [وحمل] 3 عنه الصداق، وأنكر الزوج أن يكون [قد] 4 وكله ولا أمر [له] 5 بذلك: فالقول في ذلك قول الآمر، وهل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يمين عليه، وهو ظاهر المدونة، وهو قول سحنون في غيرها.
والثانى: أن قوله مقبول مع يمينه، وهو قول ابن القاسم في "الأسدية"، وهو ثابت في بعض نسخ "المدونة".
فإذا قلنا بفسخ النكاح، هل فسخه بطلاق أو بغير طلاق؟ قولان قائمان
من "المدونة":
أحدهما: أن الفسخ فيه بطلاق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه فسخ بغير طلاق.
والقولان في بعض نسخ "المدونة"، وبالفسخ بطلاق أخذ سحنون - رضي الله عنه -.
فعلى القول بأن الفسخ فيه بطلاق، هل يكون على الرسول نصف الصداق مما ضمن أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن الرسول لا يضمن شيئًا من الصداق، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يضمن نصف الصداق، يغرمه للزوجة، وهو قول علي بن زياد في بعض روايات "المدونة".
وسبب الخلاف: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
فمن رأى أنه يعد مختارًا لما ترك قال: يكون الفسخ طلاقا، ويغرم الوكيل نصف الصداق.
ومن رأى أنه لا يعد [الوكيل] 1 مختارًا لما ترك، قال: يكون الفسخ بغير طلاق ولا صداق ولا نصف صداق.
وظاهر قول ابن القاسم في [الكتاب] 2: ألا شيء على [الوكيل] 3، فسخ بطلاق أم لا.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اتفقا في الوكالة، واختلفا في التسمية، مثل أن يدعي الوكيل أن النكاح بمائتين، وبذلك أمره الآمر، وقال الآمر: ما أمرته إلا بمائة، فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون لكل واحد منهما بينة.
والثاني: ألا بينة لواحد منهما.
والثالث: أن يكون له بينة دونها.
والرابع: أن يكون لها بينة دونه.
فإن كان لكل واحد منهما بينة، للزوج [بينة] 1 أن الوكالة كانت بمائة، وللزوجة [بينة] 2 أن العقد كان بمائتين، فلا يخلو [ذلك] 3 من وجهين:
أحدهما: أن يعثر على ذلك قبل الدخول.
والثاني: أن يعثر عليه بعد الدخول.
فإن عثر على تعدي الوكيل قبل الدخول:
فإن تراضيا الزوجان على إثبات الزيادة أو إسقاطها ثبت النكاح بينهما، مثل أن يرضى الزوج على إمضاء النكاح بمائتين أو رضيت هي [على] 4 أن تسقط عنه المائة.
فإن لم يتراضيا بذلك، فسخ النكاح بينهما، وهل فسخه بطلاق أو بغير