كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثماني عشرة مسألة:
[فأولها] 1: من أفطر بعد طلوع الفجر ناسيًا.
فلا يخلو صيامه من وجهين:
أحدهما: أن يكون تطوعًا.
والثاني: أن يكون واجبًا.
فإن كان تطوعًا: فإنه يتمادى على الإمساك، ولا شيء عليه، فإن أفطر بقية يومه فعليه القضاء.
وإن كان واجبًا: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون صيامه متتابعًا غير معين، أو متتابعًا معينًا.
فإن كان متتابعًا غير معين؛ مثل قوله: عليَّ صوم عشرة أيام [متتابعة] 2 بغير عينها، فلا يخلو من أن ينوبه ذلك في أثناء صومه في أول يوم منه.
فإن نابه ذلك بعد أن صام بعضها، فإنه يترك الأكل في بقية يومه، فإذا فرغ من صيامه قضى ذلك اليوم، وأوصله بصيامه، فإن لم يواصله استأنف الصيام.
وهذا إذا تعمد ترك القضاء.
واختلف إذا نسى صلة القضاء، هل يجب الاستئناف أم لا؟
على قولين:
فإن نابه ذلك في أول يوم منه فقد قال [في الكتاب] 1 إن شاء أفطره، وإن شاء استأنف، ولا أحب له أن يفطر، فإن أفطره فإنما عليه صوم عشرة أيام [يدخل ذلك اليوم في هذه الأيام "العشرة" 2] 3.
أحدها: قضاء ذلك اليوم، وهي رواية ابن وَضَّاح، ووقع في رواية غيره [أكره له] 4 قضاء ذلك اليوم.
واختلف المتأولون والشارحون في [تأويل] 5 هذه المسألة أولًا وآخرًا.
وأما أولها: فكونه خَيَّره بين التمادي على الفطر والإمساك عنه، ثم قال: [وأوجب إلى أن يمسك] 6 ويُعَد ذلك منه تناقضًا من القول؛ لأن مُقْتَضَى التَّخيير الإباحة، واستحباب الإمساك [ق / 60 أ] عن الأكل يقتضي كراهة الفطر.
وإلى هذا [صار] 7 بعضهم، وهو ظاهر أنه تناقض.
وبعضهم يقول: ليس بتناقض [من القول] 8، وإنما أراد أن يفرق بين هذه المسألة ومسألة التطوع؛ لأن التطوع يؤمر بتمامه والوفاء به، و [يُؤَّثَم] 9 بالفطر فيه؛ لأنه قد أبطل عملًا يصح له، ولا يلزمه قضاؤه.
ومسألة التتابع [لا تصح] 1 عما صامه له، ويلزمه قضاؤه، فلا يؤثم في فطره غيره [إن أفطر] 2 غير أنه يكره له الفطر من أجل أنه قطع عبادة يصح له أجرها تطوعًا إن أكملها، وإن لم يصح له عما صامه له، ولم يلزم تمامها إذا لم يدخل فيها بتلك النية فيها بخلاف ناوى التطوع.
وتخييره إياه بين الإمساك، والتمادي على الأكل لا يَدُل على الإباحة؛ إذ التَّخيير يصح في كلام العرب بين المتفاضلين كما يصح بين المتساويين، والتَّخيير في [الفعلين] 3 أيضًا كذلك ما لم يكن أحدهما واجبًا، والآخر غير واجب، وهذا ما قيل في أول كلامه.
وأما آخره فهو اختلافهم في [تنزيل] 4 هاتين الروايتين؛ فمنهم من يقول: [أن قوله] 5 قضاء ذلك اليوم حشو؛ لأن ذمته [معمورة] 6 بصيام العدد الذي التزمه بنذره [أداء ووفاء] 7، كيف يقول يقضي ذلك اليوم لا أولًا ولا آخرًا.
ومنهم من اعتذر وقال: وإنما [قال] 8 يصوم عشرة أيام [أحدها] 9 أو آخرها، قضاء ذلك اليوم احترازًا من أن [يقول] 10: يلزمه قضاء
ذلك اليوم زائدًا على العشرة، فيصوم أحد عشر يومًا.
وما قاله ظاهر لولا قوله في "الكتاب" 1: "عليه صيام عشرة أيام يدخل ذلك اليوم فيها".
ولو اقتصر على هذا لكان يغنيه عن قوله: آخرًا [أو أولًا] 2 غير أنه موافق للرواية بالحاء.
وأما رواية الخاء: فقال بعضهم هي مضادة للصواب، فلو قال أولها قضاء ذلك اليوم لكان صوابًا؛ لأن أول اليوم هو الذي فَسَد، وهو الذي يستأنف بالصيام مكان اليوم في الصوم الصحيح هو قضاء عن اليوم الذي ابتدأ فيه الصيام ثم أفطر فيه.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن رواية الخاء أظهر من وجه آخر؛ وذلك أن الصيام المنذور غير المعين يتعين بالشروع فيه، فإذا شرع فيه صار بمنزلة ما لو عينه [أول نذره] 3، ولا شك ولا إشكال أن المعين إذا أفطر فيه أول يومه، فإنه يقضيه آخرًا.
ويصله بصيامه، فكذلك هذا لما أن شرع فيه، فقد تعين عليه أن يتابعه بنذره، ويتعين عليه الزمان بالشروع؛ فإذا أفطر اليوم الأول فإنه يقضيه بعد [صيام] 4 التسعة الأيام الباقية ويصله بها، فإن لم يصله استأنف [ق/ 48 جـ] وهذا ظاهر لمن تأوله.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون متتابعًا معينًا، إما بِتَعْيين الزَّمَان كرمضان، وإما بتعيين المكَّلف كالمنذور: فإنه يتمادى على صيامه، ويكون
عليه القضاء، فإن أفطر في القضاء كان عليه أن يقضي يومًا واحدًا.
فإن أفطر في قضاء القضاء: فعلى قولين:
أحدهما: أنه يقضي يومين.
وهو قول ابن القاسم في غير "المدونة" 1.
والثاني: أنه يقضي يومًا [واحدًا] 2، وهو قوله في "المدونة" 3 [والقول لابن القاسم في العتبية على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في النوادر].
وكذلك قال ابن القاسم في "الحج" أيضًا فيمن أفسد حجه فقضاه، فأفسد القضاء: فإنه يقضي حجتين.
وقال فيمن أفطر في قضاء التطوع: إن عليه قضاء يومين.
فانظر ما الفرق بينهما عنده؛ حيث قال في قضاء رمضان: إنه يقضي يومًا، وإنما يقضي يومين من أفطر في قضاء القضاء.
وقال في التطوع: يقضي يومين 4.
ولا فرق بين المسألتين؛ لأن القضاء واجب في التطوع على من أفطر عامدًا، كما أن القضاء واجب في رمضان بالإجماع [والحمد لله وحده] 5.
المسألة الثانية [إذا] (1) أكل بعد طلوع الفجر [و] (2) شك فيه
وهذه المسألة التي صدرها سحنون "كتاب الصيام" 3، [وكان الكلام عليها أولًا بالترتيب على حسب ما يقتضيه التبويب، لكن الذهول المعتري للبشرية استولى علينا حتى قدمنا [عليها] 4 غيرها، والخطب يسير] 5.
[ونص المسألة] 6 قلت لابن القاسم: ما الفجر عند مالك؟
قال: سألنا مالكًا عن الشفق ما هو؟ فقال: الحمرة، وإنه يقع في قلبي، وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب أن الفجر يكون قبله بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصليًا أن يصلي صلاة العشاء.
فسحنون رضي الله عنه سأل ابن القاسم عن الحمرة، فقال: سألنا مالكًا عن الشَّفَق، وما هو [في ضرب] 7 المثال إلا كقول القائل: من أبوك؟ فقال: خالي شعيب؛ لأنه أضرب عن الجواب اللائق بالسؤال؛ إذ السؤال عن الفجر لا عن الشَّفَق؛ لأن الشفق مقتضاه غير مقتضى الفجر،12
وكيف يصح أن يكون الشَّفَق جوابًا للسؤال عن الفجر؟
فقال بعض متفقهة الزمان: هذه المؤاخذة لازمة لابن القاسم، وليس ما قاله بلازم [فإن] 1 ابن القاسم رضي الله عنه جاء بالجواب عن مُقْتَضَى السؤال؛ لأنه سئل عن الفجر ما هو عند مالك، فأخذ يبين له قول مالك فيه ومذهبه واهتمام مالك، وصرف عنايته إلى الوقوف على حقيقته، وحقيقة الشفق؛ لأن [الفجر اسم مشترك كما أن] 2 الشفق اسم مشترك، فأراد أن يبين مَنَاط الحكم من هذا الاسم فجعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا.
والأصل في اصطلاح الأصوليين: عبارة عن المسألة المتفق عليها.
والفرع: عبارة عن المسألة المختلف فيها.
فكان الفجر محل الاتفاق بينه وبين العراقي؛ أعني أن الفجر الأول المسمى [بالكاذب] 3 المُشَبَّهة بِذَنَب السَّرْحَان لا يتعلق به حكم؛ لا حظر ولا إباحة، أعني الحظر: الأكل للصائم، والإباحة: صلاة الفجر.
فإن الفجر الثاني هو المُؤَثِّر في الحَظْر والإباحة، فأراد أن يقيس الشفق على الفجر؛ لأن المخالف يقول: الشفق: البياض الذي يبقى بعد الحمرة.
ومالك يقول: الشفق: الحمرة، فقال: البياض الساطع قيل: الفجر لا يمنع الصائم من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض بالأفق، فكذلك البياض الذي يكون بعد الحُمْرَة لا يمنع مصليًا أن يصلي العشاء؛ فيكون
الحكم [للغاربة] الوسطى في الإباحة، كما أن الحكم [للطالعة] 1 الوسطى في المنع، وهذا القياس عند الأصوليين يسمى قياس العكس.
واختلف هل يقال به أم لا؟
وهذا مُرَاد ابن القاسم أن يفيد سحنون فوائد جمة تَرْبَى على ما يقتضيه سؤاله لعلمه بأنه يحتاج إلى ذلك، وأنه يقوى على حمله ومثله معه، فإذا فهم غرض ابن القاسم فلا يبقى على جوابه اعتراض.
فإذا شك الصائم في الفجر، هل طلع أم لا: فإنه لا يأكل، فإن أكل: فعليه القضاء ولا كفارة عليه بالاتفاق.
والقضاء في حقه استحباب، وبه قال ابن حبيب، وقوله تفسير للمذهب، والله أعلم.
فإن شك في الغروب؛ هل غربت الشمس أم لا: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 2:
أحدهما: أن عليه القضاء والكفارة.
والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه، وهو مذهب البغداديين من أصحاب المذهب كالقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب، وكالقاضي أبي الحسن بن القصار وغيرهما [واستقراؤهم] 3 من "المدونة" من "كتاب الطهارة" حيث قال: ومن ظن أن الشمس قد [غابت] 4 [فأفطر] 5 ثم طلعت الشمس: إنه لا كفارة عليه.
وحملوا الظن هنا على الشك، وغيرهم حمله على اليقين.
واختلف الأشياخ في ترجيح [اليقين] 1؛ فمنهم من رجح مذهب البغداديين؛ [لاستظهارهم] 2 بظاهر المدونة فساووا بين الطلوع والغروب.
ومنهم من رجح القول بالتفريق بينهما، وأن الشك في الغروب بمعنى اليقين.
ومنهم: من ذهب إلى الجمع بين القولين، وهو القاضي ابن رشد؛
فقال: لعل البغداديين أرادوا بالشك هاهنا غلبة الظن، [فيستوي] 3 الفطر في الوقتين.
وقال [القاضي أبو الفضل] 4 عياض [بن موسى] 5: هذا بعيد؛ لأن الشك شيء وغلبة الظن شيء آخر غيره، وقد اختلفا بالحد والحقيقة.
وأما من فرق بين الطلوع والغروب، فقال: الأصل في كل واحد منهما استصحاب الحال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 6، [فساغ] 7 له الأكل ولا يحرم إلا بيقين، ولا يصح حكم الانتهاك إلا بتيقن تحريمه عليه، وقد قال تعالى: ﴿[ثُمَّ] 8 أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 9، فأمر المكلّف بإتمام الصيام
إلى الليل حتى يدخل عليه [الليل] 1 وهو مُمْسِك [ما لم] 2 يتيقن انقضاء النهار.
فهذا هو الصحيح الذي عليه الاعتماد؛ لقول عمر رضي الله عنه لما أخبر أن الشمس قد طلعت بعد ما أفطر: الخطب يسير، وقد اجتهدنا 3.
قال مالك 4: يريد بالخطب: القضاء؛ فمفهومه: [أنه] 5 لو لم يجتهد لكان عليه [أن يُكَفِّر] 6 [والحمد لله وحده] 7 [ق / 30 ب].
المسألة الثالثة في الصيام [بالرؤية] (1) أو بالشَّهَادَة
والصيام يجب بأحد ثلاثة أشياء:
إما [برؤية] 2 نفسه، وإما [برؤية] 3 غيره، وإما بإكمال [العدد] 4 ثلاثين يومًا.
فأما الوجه الأول: وهو الصيام برؤية نفسه: فإذا رأى هلال رمضان، ولم ير معه غيره فلا خلاف أن الصيام يجب عليه في خاصة نفسه، فإن أفطر فعليه القضاء والكفارة.
وهل يُعْذَرُ بالتَّأوِيل أم لا؟
فالمذهب على قولين 5:
أحدهما: أنه غير معذور، وهو ظاهر قول ابن القاسم؛ لأن تأويله بعيد، وقد أبطل من التأويل ما هو أقرب من هذا.
والثاني: أنه تسقط عنه الكفارة بالتأويل، وأما صيامه برؤية غيره: فلا تخلو تلك الرؤية من أن تكون خاصة أو عامة.
فإن كانت خاصة، فلا تخلو من أن تكون واحدًا أو أكثر.
فإن صام بشهادة الواحد فقد اختلف المذهب على قولين:1
أحدهما: أنه لا يصام برؤيته لا على وجه الوجوب ولا على وجه الندب [ق/ 61 أ] ولا على [وجه] 1 الإباحة، وهو قول مالك ومشهور مذهبه.
قال سحنون: ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت [بقوله] 2 ولا أفطرت 3.
والثاني: أنه يجب الصيام برؤيته، وبه قال عبد الملك [بن الماجشون] 4.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله عليه السلام: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" 5.
فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أذان بلال لا يمنع من الأكل.
وسبب الخلاف: هل طريقه طريق الخبر، أو طريقه طريق الشهادة؟
فمن [حمله] 6 على طريق الخبر، فقال: لا يجوز الصيام بخبر الواحد.
ومن [حمله] 7 [على] 8 طريق الشهادة، قال: يجب الصيام بشهادة الواحد.
ويؤيد ذلك ما أخرجه النسائي من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه أعرابي فقال: أبصرتُ الهلال الليلة، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " قال: نعم، قال لبلال: "قم فأذن بالناس فليصوموا" 1.
وهذا الحديث نص في الباب -إن صح- وإن كان بعض العلماء قد تأول هذا الحديث [أنه يحتمل أن يكون تقدمت عنده شهادة غيره] 2 بمثل ذلك.
وأما فطره برؤية نفسه لهلال شوال، فهل [يفطر أو يمسك؟] 3.
فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يُقطر جُمْلَة، سَدًا للذَّرِيعَة، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ" [فإن أفطر فلا شيء عليه، وقيل: عليه القضاء، والكفارة، وهي رواية شاذة ذكرها الحميد] 4.
والثاني: أنه يُمْسِك [عن] 5 الإفطار وَينْوِيه بقلبه وهو قول أشهب 6.
والثالث: التفصيل بين أن يأمن [من] 7 العثور عليه [أم فإن أمن العثور عليه] 8 مثل أن يسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة بحيث يظن أنه
[إنما] 1 أفطر لعذر السفر، [أو كان وحده في سفر لا تقصر "فيه" 2 الصلاة] 3، أو كان قاعدًا في قعر بيته حيث يخفى ذلك على غيره: فإنه يباح له الفطر.
وهذا كله اختلاف [يرجع إلى] 4 حال ليس باختلاف يرجع إلى فقه.
فإن عُثِرَ على من أفطر فَادَّعَى رؤية الهلال: فإنه يُعَاقَبُ إن كان غير مَأْمُون، وإن كان مأمونًا عُوتِبَ ويُغَلَّظُ عليه في الموعظة.
فإن كانت عامة مثل أن يراه الجَم الغَفِير، والعدد الكثير الذي لا يصح منه التواطؤ على الكذب: فهذا لا خلاف في المذهب في وجوب الصيام بها، وأن العدالة أيضًا لا تشترط فيها، ولا الذكورية، و [لا] 5 الحرية.
فإن رآه أكثر من واحد؛ مثل أن يراه العدد اليسير؛ كالشاهدين: فلا [تخلو] 6 السماء من أن تكون مغيمة أو مصحية.
فإن كانت مغيمة: فلا خلاف في المذهب في وجوب الصيام بشهادتهما.
فإن كانت مصحية: فلا يخلو من أن يتبين كذبهما [أم لا] 7 [فإن تبين كذبهما] 8 مثل أن يشهدا على هلال [شعبان] 9 فأكمل عدة ذلك
الشهر ثلاثين يومًا، فلم ير الناس شيئًا سقطت شهادتهما، ولم يعمل [بها] 1 ولم يصم بها.
وكذلك أيضًا لا يقضي بشهادتهما إن شهدا على هلال رمضان، فأكمل العدد، ولم ير هلال شوال، والليلة ليلة إحدى وثلاثين يومًا.
قال مالك رضي الله عنه: هؤلاء شهود سواء تبين كذبهم في [الحال] 2، وإن لم [يتحقق] 3 كذبهم في الحال، إلا أن هناك شبهة تشير بسوء الظن بشهادتهما مثل أن تكون السماء مصحية، وانفرد برؤيته دون عامة الناظرين، هل تقبل شهادتهما أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها مقبولة، وهو قول مالك، وهو المشهور.
والثاني: أن شهادتهما مردودة عليهما، وغير مقبولة، وهو قول سحنون؛ قال: وأيُّ ريبة أكبر من هذا.
واختلف أيضًا فيما إذا ثبت الهلال عند الإِمام بشهادة رجلين، وأمر أهل محلته بالصيام، والكف عن الطعام، ثم نقل ذلك إلى بلد آخر بخبر الواحد العدل؛ أخبرهم أن الهلال ثبت عند الإِمام، وأن أهل البلد صاموا بالرؤية المستفيضة، هل يجب عليهم الصيام بقوله أم لا؟
على قولين 4:
أحدهما: أنه يجب عليهم [ق/ 49 جـ] الصيام بذلك، وبه قال أحمد بن ميسر -من أصحاب مالك- وبه قال جماعة من المتأخرين كابن
أبي زيد وغيره 1؛ فقالوا: كما يجب على أهل مكة الصيام إذا نقل إليهم أن الهلال رؤى، فكذلك يجب على من بلغه الخبر [أن الهلال] 2 رؤى في بعض البلدان.
والثاني: أنه لا يجب الصيام بذلك؛ لأن ذلك شهادة، وليس ذلك كنقل الرجل إلى [أهله] 3 وولده؛ لأنه القائم عليهم ويلزمهم الصوم بقوله.
وسبب الخلاف: هل طريقه طريق الشهادة، أو طريقه طريق الخبر.
ومن قال: إنه أخبر عن خبر غيره، ومع ذلك يجب العمل بمقتضاه يستدل على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " [فكلوا] 4 واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" 5، وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت، وهذا ابن أم مكتوم يخبر عما أخبره به غيره، ومع ذلك يجب علينا الإمساك بخبره؛ فلا فرق بين خبر وخبر إذا كان المخبر عدلًا.
وأما الصيام بإكمال العِدَّة، فلقوله عليه السلام: "صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا ثم أفطروا" 6.
وفي حديث آخر: "فاقدروا له" 7.
والمالكية تقول: "فاقدروا له" معناه: العدد منه ومن الذي قبله.
والشافعية وابن حبيب [من أصحابنا] 1 معهم يقولون بالحساب، واعتبار منازل القمر، وترحيل الشمس على ما هو معروف من أدلتهم في [مسائل الخلاف] 2 [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الرابعة [في] (1) قُبْلَة الصَّائم، ومُلَامَسَته إذا قَبَّل أو بَاشَرَ أو لَامَسَ
فلا يخلو [من] 2 أن يُنْزِل أو لا يُنْزِل.
فإن لم يُنْزِل هل يَفْسَد صيامه أم لا؟
فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في "كتاب الوضوء"، فلا نعيده مرة أخرى.
وإن أَنْزَل: فقد قال في "المدونة" 3: عليه الكفارة ولم يشترط متابعة القبلة كما اشترط متابعة النظر، فهل يعد ذلك منه اختلاف قول أم لا؟
فقد يحتمل أن يكون اختلاف سؤال [ويحتمل أن يكون اختلاف أحوال] 4 ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال.
وبيان اختلاف السؤال أن باب القُبْلة أشد وأقوى من باب النّظر؛ إذ النّظر في نفسه من دواعي القُبْلة، والقُبْلَة من دواعي الوطء؛ فلذلك كانت أقوى؛ ولأن النظرة الأولى كانت مباحة له؛ إذ الغالب منها أن تكون بغير قصد بخلاف القبلة؛ إذ الغالب منها القصد إلى اللذة، فلأجل ذلك لم يشترط فيها مثل ما اشترط في النظرة، فعلى هذا يحمل على أنه اختلاف سؤال، وبيان احتماله أن يكون اختلاف [أحوال] 5: أن يحمل قوله في1
القبلة على القصد، فلذلك لم يشترط المتابعة، ويحمل قوله في النظرة على أنه لم يقصد، ولذلك اشترط المتابعة.
وبيان الوجه الثالث؛ وهو احتماله أن يكون اختلاف أقوال؛ أن القبلة والنظرة كلاهما من دواعي الوطء واللذة تتعقبهما؛ فيتخرج على هذا الوجه في القُبْلة مع الإنْزَال [في] 1 الكتاب ثلاثة أقوال 2:
أحدها: أن عليه الكفارة سواء تابع القبلة أم لا، وهو قوله في أول الباب.
والثاني: التفصيل بين أن يتابعها، فتجب عليه الكفارة، أو لا يتابعها فيقتصر على قبلة واحدة ثم [لا] 3 كفارة عليه.
وسواء على هذا [القول] 4 قصد القبلة أو لم يقصدها، وهو ظاهر قوله في مسألة النظرة.
والثالث: التفصيل بين أن يقصد القبلة، فتجب الكفارة، أو لا يقصدها فلا تجب، وإن أنزل أيضًا، وهو متأول على مسألة النظرة، وهو ظاهر "المدونة" ومثله في "العتبية" 5 لابن القاسم عن مالك أنه لو نَظَرَ نَظْرَةً واحدة من غير تَعَمُّد فَأَنْزَل فإنه يقضي، ولم يذكر الكفارة.
ويتخرج [له] 6 أيضًا من الكتاب قولان في النظرة:
أحدهما: إن تابع النظرة، فأنزل: فعليه الكفارة، وإن لم يتابع
فالتفصيل بين أن يقصد، فتجب الكفارة، أو لا يقصد ثم لا كفارة.
فتخالف النظرة القبلة في هذا الوجه؛ إذ النادر وجود الإنزال عن النظرة الواحدة [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الخامسة فيما يفطر الصائم مما يدخل في بعض المنافذ
فلا يخلو من أن يكون دخوله في الفم، أو غيره من المنافذ.
فإن كان من الفم، فلا يخلو من أن يكون بالطعام أو الشراب المعتادين، أو بغيرهما.
فإن كان الفطر بالطعام أو بالشراب المعتادين، فلا يخلو من أن يكون عامدًا، أو ناسيًا.
فإن كان عامدًا: فالكفارة مع القضاء باتفاق المذهب.
وإن كان ناسيًا: فالقضاء دون الكفارة باتفاق المذهب.
فإن كان الفطر بالطعام دون المعتاد مما يغذي أو كالأدوية وسائر العقاقير، أو قليل من الطعام المعتاد كفلقة حبَّة إذا [ابتلعها] 1 مع ريقه وكان [غير] 2 مغذى، فلا يخلو من أن يكون ناسيًا أو عامدًا.
فإن كان ناسيًا [فهل عليه] 3 القضاء أم لا؟
[قولان] 4:
أحدهما: أنه لا قضاء عليه.
وهو ظاهر قوله في "المدونة" 5، وهو قول ابن حبيب أيضًا في غير "المدونة".
والثاني: أن عليه القضاء.
وهو قول أشهب فيما حكى عنه [أبو محمَّد بن أبي زيد، فإن كان عامدًا.
هل تجب عليه الكفارة أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا كفارة عليه، وعليه القضاء، وهو قول أشهب فيما حكى عنه] 1 ابن عبد الحكم.
[والثاني] 2: أن عليه القضاء والكفارة.
وهو قول مالك [وهو قول] 3 أبي مصعب.
وفي المسألة قول [ثالث] 4: بالتفصيل بين أن يبتلعها من بين أسنانه، أو يأخذ ذلك من الأرض فيبتلعه.
فإن كانت من بين أسنانه: فلا شيء عليه بأيّ وجه عمدًا [كان] 5 أو نسيًا.
وإن أخذها من الأرض: ففي السهو القضاء، وفي العمد الكفارة.
وهو قول ابن حبيب، وتفرقته ضعيفة؛ إذ لا فرق بين أن يأخذها من الأرض، أو يكون ذلك في فيه؛ لأنها لم تكن في فيه إلا برفعها إليه فلا يغير الحكم طول إقامتها في فيه.
و [هل] 6 يعذر في ذلك بالجهل أم لا؟.
على قولين:
أحدهما: أنه يعذر بالجهل.
ولابن حبيب أنه لا يعذر [بالجهل] 1 على التفصيل [الذي فصل] 2.
وسبب الخلاف: هل يحمل ذلك على أنه قصد إلى الانتهاك: فتجب عليه الكفارة، أو لا يحمل أمره على القصد إلى الانتهاك: فلا تجب الكفارة؟ فإن كان الإفطار بما ليس من المأكولات مما يغذي أو لا يغذي؛ وقولنا: يغذي معناه: أنه يكسر عنه كلب الجوع، ولم نرد بذلك مما يغذي الجسم وينميه الذي هو الطعام والشراب المألوف، فإنا قد فرغنا منه في صدر المسألة [ق/ 62 أ] فإذا كان ما ذكرناه مثل أن يبتلع حصاة، أو لؤلوة، أو نواة، أو مذرة، أو عودًا فيحصل [ذلك] 3 في جوفه، ففيها في المذهب قولان:
أحدهما: أن عليه القضاء في السهو، والكفارة في العمد، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: التفصيل بين ما يَنْمَاع وَيَنْحَل ويحصل به الغذاء؛ مثل النّواة والمَذِرَة: فعليه القضاء في السهو، والكفارة في العمد.
وإن كان مما لا ينماع ولا ينحل: فلا قضاء عليه في السهو، وفي العمد الكفارة.
وهذا القول حكاه أصبغ عن ابن القاسم.
واختار بعض المتأخرين ما قال ابن حبيب 1.
وسبب الخلاف: المغذى حسًا هل يقاس عليه المغذى معنى أم لا؟
فمن ألحق المغذى معنى بالمغذى حسًا: أوجب الكفارة في العمد.
ومن لم يلحقه: لم يوجب الكفارة.
وهذا حكم الداخل من منفذ الفم.
وأما الداخل من سائر المنافذ؛ كمن اسْتَسْعَطَ 2 بشيء من المائعات أو جعل في أُذُنَيْهِ دواء مائعًا، أو اكتحل أو جعل في رأسه حِنَّاء، أو احتقن من أسفله بدواء مائع أو غير مائع، فإن لم يصل ذلك إلى حلقه: فلا شيء عليه.
وإن وصل إلى حلقه وعلم أنه يصل: ليس له أن يفعل، فإن فعل فهل عليه القضاء أم لا؟ قولان:
أحدهما: وجوب القضاء، وهو قوله في "المدونة" 3.
والثاني: أنه لا قضاء عليه، وهو قول أبي مصعب عن مالك، وحكى أشهب عن مالك مثله، ولا أعلم في المذهب نصًا في وجوب الكفارة، بل نص سحنون في "كتاب النوادر" 4 على أنه لا كفارة عليه، وإن تعمد ذلك وهو يعلم أنه يصل إلى حلقه، وإنما الكفارة فيما أدخله من الفم إلى الحلق، و [هو] 5 الذي يوجبه النظر؛ لأن مناط الكفارة هو الانتهاك، والانتهاك معدوم، والقصد إليه معدوم، إلا أن يقال أن الذي
يعلم من نفسه وعادته أن ذلك لا يصل إلى حلقه ثم تعمد إلى جعله، فإنه قصد [إلى] 1 الانتهاك، فإن تحقق الوصول فقد وجب الانتهاك فتجب الكفارة؛ قياسًا على الصبي إذا استسعط بلبن امرأة فوصل إلى جوفه فإنا نقول: يجب التحريم، فيلزم هذا الاعتراض ولا انفصال عنه.
واختلف في الاحتقان بالمائعات إذا وصل ما به احتقن إلى المَعِدَة هل يجب القضاء أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يجب عليه القضاء، وهو قوله في "المدونة" 2.
والثاني: أنه لا شيء عليه، وهي رواية أشهب [عنه] 3 وقال في "كتاب الرضاع" 4 في الصبي إذا احتقن بلبن امرأة فوصل إلى جوفه: فإن كان له غذاء وقعت به الحرمة، وإلا فلا.
فاشترط في حقن الصبي باللبن أن يكون له غذاء؛ معناه أن يقوم له مقام الرضاع بحيث لو اقتصر عليه لاجتزأ به على ما فسر ابن المواز، ولم يشترط في حقنه الصائم أيضًا أن يكون له غذاء، وظاهره اختلاف قول غير أن بعض المتأخرين [فرق] 5 بين المسألتين، وقال: إنما المقصود من الرضاع ما ينشز العظم وينبت اللحم؛ ولهذا أسقطنا حكم رضاعة الكبير.
والمقصود من إفطار الصائم ما يهون عليه أمر الجوع، ويكسر حِدَّته، ويرد عنه كلبه، وإن كان ذلك لا منفعة فيه للجسم، وذلك يحصل [بكل
مائع يصل] 1 من بعض المنافذ، وبكل مائع وجامد يدخل من الفم.
وهذا الحكم فيما يدخل من بعض المنافذ.
وأما ما يخرج من الفم من قيء أو لعاب أو بلغم؛ فأما القيء: فإن كان بغلبة واضطرار، فإن لم يرجع إلى حلقه فلا شيء عليه باتفاق المذهب، وكذلك إذا رجع قبل حصوله وفصوله.
فأما إن رجع بعد فصوله وحصوله في بعض نواحي الفم، وهو ناس: فقد اختلف المذهب على قولين:
أحدهما: أن عليه القضاء، وإن كان مغلوبًا في الرد، وهي رواية [ابن] 2 أبي أويس عن مالك في "المبسوط" 3.
والثاني: أنه لا قضاء عليه مع النسيان، وظاهره أنه [سواء] 4 كان مختارًا أو [غير مختار] 5 وهو أن يغلب عليه، وهو قول مالك أيضًا في "مختصر ما ليس في المختصر".
فإن كان القيء باختيار المكلف؛ مثل أن يستقي فقاء، فإن كان صومه مقطوعًا فقد اختلفوا في القضاء، هل يستحب له أم لا؟
فإن كان في صوم الفرض، فاتفقوا أن عليه القضاء 6.
واختلفوا هل ذلك على معنى الوجوب أو على معنى الندب، وظاهر
المدونة أنه على الوجوب، ونص أبو القاسم بن الجلاب أنه على الاستحباب.
وذلك عندي يرجع إلى اختلاف أحوال؛ فيجب القضاء إذا عرف أنه يرجع إلى حلقه منه شيء بعد وصوله إلى فيه، ويستحب إذا لم يعلم إلا أنه لا يأمن أن يكون جائزًا إلى حلقه منه شيء في تردده؛ لأنه الذي استدعى ذلك، ورأيت رواية مثل ذلك لابن حبيب.
وأما الكفارة: فقد ذكر أبو بكر الأبهري أن [عبد الملك] 1 ألزمه الكفارة في تعمد القيء غالبًا، وقال أبو الفرج المالكي: من استقاء متعمدًا لغير فرض ولا عذر، فهذا الذي لو سئل عنه مالك لألزمه الكفارة إن شاء الله 2.
والذي قالاه صحيح، وهو [وفاق] 3 المذهب إن شاء الله.
وأما لو قَلَسَ [ق/ 50 جـ] بماء أو بلغم فظهر على لسانه ثم ابتلع منه ناسيًا هل يقضي أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا قضاء عليه، وهي رواية ابن نافع عن مالك 4.
والثاني: أن عليه القضاء إذا قدر على طرحه، وهو قول ابن نافع وابن القاسم 5 [والحمد لله وحده] 6.
المسألة السادسة [في] (1) الصوم في السفر
وتَقَاسِيم السَّفَر فيما يرجع إلى [استعمال] 2 الرُّخَص قد بيناها في "باب قصر الصلاة"، فلا نذكرها مرة أخرى.
واختلف المذهب عندنا هل الصوم أفضل أم الإمساك أفضل، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الصوم أفضل لمن قوى عليه، وهو قوله في "المدونة" 3.
والثاني: أنه مُحَيَّز بين الفِطْر والإمْسَاك من غير أن يكون لأحدهما مزية على الآخر.
وهو قوله أيضًا في "مختصر ابن عبد الحكم" في سماع أشهب 4.
والثالث: أن الفطر أفضل، وهو قول [عبد الملك] 5 وهذا كله إذا كان السفر [إلى] 6 غير الغزو.
وأما إن كان السفر إلى غزو، فالاتفاق من الجل بل الإطباق من الكل أن الفطر أفضل إذا قرب من لقاء العدو ليتقووا [على] 7 القتال والحرب.
وسبب الخلاف: معارضة المعقول من ظاهر القرآن بالمنقول من حديث1
النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 1، وقال أيضًا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ 2.
فكأن هذا يقتضي أن الصوم أفضل، ويعارضه ما روى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس من البر الصوم في السفر" 3.
ومفهومه أن الفطر أحسن.
ومن قَدَّم ظاهر [القرآن] 4 على مفهوم الخبر [يقول] 5: الصوم أفضل؛ لأن مفهوم الكتاب مقدم على مفهوم الخبر، فكان المصير إليه أولى، ويشهد لصحته الأثر، والنظر.
فأما الأثر: فحديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله [أجد قوة على الصيام في السفر] 6 فهل عليّ من جناح؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" 7 خرّجه مسلم.
فتبين أن الفطر في السفر رخصة لمكان رفع المشقة عنه، وما كان رخصة، فالأصل ترك الرخصة، وهذا جار على قواعد الشريعة.
ومن طريق النظر: أن الآيات والأخبار تظاهرت بفضل شهر رمضان؛ فوجب من طريق الاعتبار أن [صوم] 8 عينه أولى من صوم غيره؛ إذ لا
يختلف أن الإتيان [بالفرض] 1 على وجه الأداء أولى من الإتيان [به] 2 على وجه القضاء؛ ولأن براءة الذِّمَّة أفضل من إشغالها.
وَمَنْ قَدَّمَ مفهوم الخَبَر على مفهوم الكتاب يقول: إن الفطر أحسن؛ لأن الخبر نص في أن الصوم في السفر ليس بطاعة [فيكون الفطر إذًا أحسن] 3 وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 4، يحتمل العموم؛ إذ للقائل أن يقول [هذا] 5 عام في جميع الصيام.
وأما من خيره بين الفطر والصيام من غير تفضيل أحدهما على الآخر، فاستدل بما خرجه مسلم من طريق عائشة رضي الله عنها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -[ق/ 31 ب] سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" 6 الحديث الذي استدل به من قال أن الفطر أحسن قد أخرجه البخاري ومسلم أنه ورد علي سبب؛ وذلك أنه قد رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه وأجهده الصوم.
وزاد مسلم: "قد اجتمع عليه الناس" فقال: "ما هذا؟ " فقيل له: رجل صائم، فقال عند ذلك: "ليس من البر الصوم في السفر" 7.
وهذه قضية في عين إلا أنها اسم مفرد دخل عليه الألف واللام، والاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، فإنه يقتضي الاستغراق عند أكثر الأصوليين، وبعضهم يقصره على سببه فساوا بين المستقل وغير
المستقل.
وشَذَّت الظَّاهِرِيَة، وقالوا: إن صام في السفر فلا يجزئه صيامه، ولابد له من قضائه في أيام أخر، والجمهور على خلاف ذلك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في القرآن هل فيه مجاز أو كله حقيقة؛ وعلى هذا ينبني الخلاف الواقع بين الأصوليين في المسافر والمريض هل هما مخاطبان بالصيام أم لا؟
فمن قال: إن القرآن مشتمل على المجاز والحقيقة يقول بجواز صيام المسافر إذا صام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 1، تقديره: فأفطر فعدة من أيام أُخَرْ.
وهذا الذي يعبر عنه [ق/ 63 أ] الأصوليون بفحوى الخطاب؛ وهو الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به.
فإذا سافر فأفطر، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يفطر قبل أن يخرج.
وإما أن يفطر بعد خروجه.
وإما أن يفطر بعد أن يُبَيِّت الصيام في السفر.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا بَيَّتَ السفر وبَيَّتَ الصيام أيضًا وَنوَاه في نهاره، ثم أفطر قبل أن يخرج: فلا خلاف في وجوب القضاء.
وهل عليه الكفارة أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: وجوب الكفارة -سافر أو لم يسافر- وهو قول سحنون 1.
والثاني: أنه لا كفارة عليه -سافر أو لم يسافر- وهو قول أشهب في "كتاب سحنون" 2.
والثالث: التفصيل بين أن يسافر بعد ما أفطر: فلا كفارة عليه، وإن كَسِلَ عن سفره: فعليه الكفارة، وهو قول سحنون أيضًا 3.
والرابع: التفصيل بين أن يفطر بعدما أخذ في السفر والاستعداد، إذا كان متأولًا ثم سافر: فلا كفارة عليه، أو أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر: فإنه يكَفِّر -سافر أو تخلف- وهو قول ابن القاسم وعبد الملك في "كتاب ابن حبيب" 4.
وسبب الخلاف: بين القولين المتقابلين: هل ينتقل بالنية عن الأصل إلى الفرع [على] 5 الانفراد، أو لا ينتقل حتى يقارنها الفعل؟ وذلك أن الإقامة أصل، والسَّفر فرع.
فمن رأى أنه يكون مسافرًا [بالنية، قال: لا كفارة عليه.
ومن قال: لا يكون مسافرًا إلا بالنية والفعل قال: عليه الكفارة، والقولان بالتفصيل مبنيان] 6 على هذا الأصل إذا اعتبرته.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا سافر فأفطر، هل تجب عليه الكفارة أم لا؟ على قولين بعد الاتفاق أنه لا يباح له الفطر ابتداء والكلام إذا أفطر
[على قولين] 1:
أحدهما: أن الكفارة لا تجب، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" 2.
والثاني: أن عليه الكفارة، وهو قال المخرومي، وابن كنانة [في الكتاب أيضًا] 3.
وسبب الخلاف: في المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 4، فالاتفاق في السفر إذا طرأ عليه المرض الذي لا يقوى معه على الصيام في أثناء النهار: أنه يجوز له الفطر.
وهل السفر كذلك أم لا؟
فمن قاس السفر على المرض قال: ولا كفارة عليه؛ ولاسيما أن الله تعالى ذكرهما مقرونين وتابع بينهما في نسق؛ فبين أن أحدهما حكمه حكم الآخر في إباحة الإفطار.
أو يتأول قوله: "على سفر" على بمعنى: في؛ فيفرق بين اليوم الذي فيه السفر وبين ثانيه، وكأن اليوم الذي سافر فيه لم يتخلص للسفر بكليته؛ بل هو معظمه الذي هو محل انعقاد الصيام فخلص للحضر، فإذا أمعن في السفر وأصبح [فيه] 5، فعند ذلك يكون من أهل التخيير، ويُشَبَّه بالمريض، ويباح له حينئذ أن يُبَيِّت الفطر إن شاء، وعلى أي وجه كان فهو محل خلاف على كل حال.
ولا شك أنا إذا نظرنا إلى حلول الموجب لا بإباحة الأكل، وهو السفر: كان حلوله مُسْقِطًا للكفارة قياسًا على الصلاة أيضًا، وهذا القول أظهر في النظر.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو إذا أصبح صائمًا في رمضان في سفره، هل يباح له الفطر بقية يومه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يباح له الفطر، وهو المشهور.
والثاني: أنه يباح له الفطر، وهو قول مُطَرِّف 1.
فعلى القول بأن الفطر غير مباح، فإن أفطر فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: وجوب الكفارة جملة، وهو قول [ابن القاسم] 2.
والثاني: سقوط الكفارة، وهو قول [ابن القاسم و] 3 المخزومي وابن كنانة.
[والثالث: أن عليه الكفارة إلا أن يتأول أنه مسافر، وأنه يباح له الفطر، وهذه الثلاثة أقوال في المدونة واختلف] 4 في قول أشهب هل هو تفسير أم لا؟
والرابع: التفصيل بين أن يفطر بالجماع فيكفر، أو يفطر بالأكل والشراب فلا يكفر، وهو قول عبد الملك 5 [بن الماجشون] 6.
وسبب الخلاف: فطر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكديد بعد أن بَيَّتَ الصيام هل [فعله] 1 دليل على الإباحة [عمومًا] 2، أو هو دليل على الإباحة للمفطر دون المختار؟
والظاهر أنه خصوص للمضطر دون المختار، لكن للقائل أن يقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مختارًا للفطر غير مضطر إليه، وقد أفطر، وإن كان في الحديث بيان لفطره عليه السلام، وهو الاقتداء ويريد أن يريهم بالفعل.
وهذا لا يقوى؛ لأن الأمة إذا أمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب عليها الامتثال، ولا يسوغ الوقوف دون الامتثال، ولاسيما الصحابة رضوان الله عليهم وما علم من سيرتهم في التسارع إلى الامتثال فيما أمروا به مما يشق [ويثقل] 3 حمله على النفوس، فكيف ما فيه رفق بالنفس، وربك أعلم.
وهذا في الصوم المفروض.
وأما في صوم التطوع: فإن كان متطوعًا، أو كان منذورًا غير مُعَيَّن، فأصبح صائمًا ثم سافر فأفطر هل يقضي أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يقضي، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 4.
والثاني: أنه لا يقضي، وهو قول ابن حبيب، فإن كان منذورًا معينًا؛ مثل أن ينذر صيام يوم الخميس، فجاء يوم الخميس فسافر فيه، وهو صائم، فهل يقضي أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 5:
أحدهما: أنه يقضي، وهو نص "الكتاب" في غير المعين؛ إذ لا فرق، والفطر في الوجهين باختياره.
والثاني: أنه لا يجب عليه القضاء، هو ظاهر قول مالك في "المدونة" 1؛ لأنه قال في المرأة إذا نذرت صيام يوم بعينه ثم سافرت فيه فأفطرت، هل تقضي أم لا؟
فتوقف فيه مالك، قال ابن القاسم: فكأني رأيته يستحب لها القضاء [والحمد لله وحده] 2.
المسألة السابعة صيام المغمى عليه والمجنون
و [المجنون] 1 لا يخلو من أن يكون مُطْبِقًا، أو كان يفيق أحيانًا.
فإن كان مُطْبقًا فلا خلاف أنه غير مخاطب بالصيام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاث" 2، فذكر المجنون حتى يفيق.
واختلف هل يخاطب بالقضاء أم لا؛ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا قضاء عليه سواء بلغ صحيحًا ثم جُن، أو بلغ مجنونًا، قَلَّت السُّنُون أو كثرت، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة" 3.
والثاني: التفصيل بين أن يبلغ مجنونًا: فلا يقضي، أو يبلغ عاقلًا ثم جن: كان عليه القضاء، وحكاه ابن الجلاب عن عبد الملك فيما يظن.
والثالث: التفصيل بين قِلَّة السِّنين كالخمسة ونحوها: فيقضي [وكثرتها] 4 كالعشرة، وما فوق ذلك فلا يقضي.
وهذا القول حكاه ابن حبيب عن مالك 5.
وسبب الخلاف: [هل يجوز] 6 قياس المجنون على الحائض أم لا؟
فمن جوز القياس قال: يقضي الصيام كما أن الحائض تقضي.
ومن أسقط [القضاء] 1 فيما كثر قاسه على الحائض في أنها لا تقضي الصلاة لتكررها وتقضي الصيام؛ لأنه لا يتكرر.
وإذا كثر ما على المجنون من الصيام كان بمثابة الصلاة للحائض.
وأما الخلاف في اتصال الجنون بالبلوغ هل يجوز أن يقاس على الصبي؛ لأنه لم تمر [عليه] 2 [حالة] 3 يتوجه [عليه] 4 الخطاب فيها بشيء من الفرائض.
[أو] 5 لا يجوز قياسه على الصبي؛ لأن الجنون عارض يطرأ ويمكن زواله، وما من [ق/ 51 جـ] زمان يمضي إلا ويجوز فيه زواله، ويبقى العبد مكلفًا.
والصبي ليس بعارض سانح؛ بل ذلك أمر جبلي، ولزواله حد لا يتعداه؛ وهو الاحتلام أو ما يقوم مقامه من السنين, وهو الصحيح إن شاء الله.
فإن كان يُجَن ويَفِيق: فهو كالمغمى عليه، وان أغمى عليه في رمضان، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون أغمى عليه قبل طلوع الفجر.
والثاني: أن يكون أغمى عليه بعد طلوع الفجر.
فإن أغمى عليه قبل طلوع الفجر، فلا يخلو من أن ينوبه ذلك في أول
يوم من رمضان [أو] 1 في [أثنائه] 2.
فإن نابه ذلك في أول يوم منه فأغمى عليه قبل طلوع الفجر ثم أفاق بعد طلوعه: فلا إشكال في وجوب قضاء ذلك اليوم على القول بأن صيام رمضان يفتقر إلى النية على ما سنعقد عليه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
فإن نابه ذلك في أثناء رمضان فأغمى عليه قبل الفجر ثم أفاق بعد طلوعه: فهل يجزؤه أو يقضي؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجزئه صيام ذلك اليوم ويقضيه، وهو نص "المدونة" في "كتاب الصيام".
وظاهره أنه لا ينظر إلى المرض هل سبقه أو كان بإثره كما نص عليه ابن سحنون عن أبيه، ويكون قوله تفسيرًا للمدونة.
والثاني: أنه إذا تقدم الإغماء مرض، أو بإثره مرض مُتَّصِل [به] 3 فيجب القضاء، ويكون صوم ذلك اليوم فاسدًا، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النية، هل يجب على الصائم تبييتها في كل ليلة أم لا؟
فمن رأى أنه يفتقر إلى التبييت كل ليلة: قال بفساد صيامه، وهو قول منصوص في المذهب.
ومن قال: لا؛ بل تكفيه النية الأولى: قال بالإجزاء إلا أن يكن معه مرض.
رأيت أكثر مشايخ المذهب رضوان الله عليهم ذهبوا إلى أن العلة في فساد صيامه زوال عقله؛ فالعقل محل التكليف، والذي قالوه صحيح غير أنه ينتقض عليهم بإغمائه بعد طلوع الفجر أن جعلوا العلة زوال العقل بالإغماء، ومن زال عقله لا يتصف فعله بالصحة، ولا بالفساد؛ لأن الصحة والبطلان من أحكام التكليف.
ولا فرق بين الليل والنهار، فلما فرق المذهب بين الليل والنهار، وفرق أيضًا بين أن يستغرق النهار بالإغماء وبين إغمائه أول النهار: دل على أن العلة خلاف ما ذكروه؛ وهو كونه أغمى عليه حتى جاوز الوقت الذي [فيه] 1 يحتاج إلى عقد النية بصيامه، فإذا جاوز ذلك الوقت فلا يعتد بصيامه، وإن أفاق عقيبه.
ومن تفطن لهذه [العلة] 2 فلا يعلل بسقوط الخطاب [ولا بثبوته والله الموفق للصواب] 3 فإن كان إغماؤه بعد طلوع الفجر، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يَسْتَغْرِق [ق/ 64 أ] نهاره كله أو أكثره، أو أغمى عليه إلى نصف النهار، أو أغمى [عليه] 4 أقل النهار من أوله أو آخره.
فإن استغرق نهاره بالإغماء أو أغمى عليه أكثر النهار، هل يلزمه القضاء أم لا؟
على ثلاثة أقوال: