كتاب الوصايا الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها عشر مسائل:
المسألة الأولى فيمن أوصى ببيع عبده أو شراء عبد غيره
فأما وصيته ببيع عبده، ففيه ستة أسئلة:
الأول: أن يقول: بيعوا عبدي من فلان.
والثاني: أن يقول: بيعوا عبدي ممن يعتقه.
والثالث: أن يقول: بيعوا عبدي، ويسكت.
والرابع: أن يقول: بيعوا عبدي ممن [أحب] 1.
والخامس: أن يقول: بيعوا عبدي ممن أحب للعتق.
والسادس: أن يقول: بيعوا عبدي لفلان للعتق.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا قال: بيعوا عبدي من فلان، فإنه يعرض عليه بقيمته، فإن لم يرض، فإنه يوضع له من الثمن إلى مبلغ ثلث قيمته.
فإن امتنع من شرائه بعد وضيعة الثلث، فلا يخلو من أن يطلب الحطيطة من الثلثين الباقيين أم لا.
فإن طلب الوضيعة من الثلثين، فهل يساعد بمطلوبه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الورثة بالخيار بين أن يبيعوه له بما طلب أو يقطعوا له بثلث العبد، وهو نص قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه لا شىء [عليهم] 1، وهو قول أشهب في "الموازية"، وهذا القول قائم من "المدونة" من قول الغير في قوله: بيعوه ممن أحب، وهو الأظهر في النظر الصحيح؛ لأنه لما امتنع من الشراء بوضيعة الثلث، فكأنه رد الوصية، وكأن الموصى إنما [أوصى] 2 له بالحطيطة بشرط الشراء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في فصل الشراء أيضًا إذا أوصى أن يشتري عبد فلان، فأبى من يبيعه بزيادة الثلث، فلم يجعل له ثلث الثمن.
فيتخرج لابن القاسم من الكتاب قولان.
وسبب الخلاف: هل ذلك وصية للموصى له بالبيع بوضيعة ثلث الثمن أم ذلك شيء أوجبته الأحكام.
واختلف هل يجب على الورثة إعلام المشتري بذلك أم لا، على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ليس عليهم إعلامه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه [يجب] 3 عليهم إعلامه، وهو قول أشهب.
وهذا ينبني على الخلاف الذي قدمناه آنفًا.
وأما إن امتنع من شرائه أصلًا فلا شيء له في العبد اتفاقًا لا على القول بأنها وصية له، ولا على القول بأن الوضيعة أمر أوجبته الأحكام؛ لأنه إن
كان ذلك وصية له، فقد ردها.
واختلف هل تدخل الوصايا في هذا العبد بعد الرد إن كانت في المسألة أم لا.
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الوصايا تدخل فيه.
والثاني: أنها لا تدخل، ويكون للورثة محاصته.
والقولان قائمان من "كتاب الوصايا الثاني" من "المدونة" من مسألة بعض الموصى لهم إذا مات قبل موت الموصي.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الوصايا هل تدخل فيما علم الموصى به، وفيما لم يعلم من ماله أو لا تدخل إلا فيما علم به، وقد حكى اللخمي الخلاف في المسألة.
وهذا كله إذا حمله الثلث، فإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين أن يبيعوه بوضيعة الثلث أو يقطعوا للموصى [له] 1 بثلث الميت بتلًا.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أوصى أن يباع عبده من فلان للعتق.
وعن الثالث: إذا أوصى أن يباع ممن أحب للعتق.
وعن الرابع: إذا أوصى أن يباع ممن يعتقه: فالحكم في الأسئلة الثلاثة واحد، ولا يخلو من أن يحمله الثلث أو لا يحمله.
فإن حمله الثلث ووجد من يشتريه، فقد اختلف في القدر الذي يحط له من القيمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحط له ثلث قيمته، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه يباع بما أعطى فيه قل أو جل، ويبدي على الوصايا،
وهو قول مالك في "كتاب محمد"، وهو قائم من المدونة من قوله: بيعوه ممن أحب، ولم يجد من يحب فقال: يعتق الورثة ثلث العبد.
والثالث: أنه ينظر إلى ما يسوي بشرط العتق، فإن قيل: عشرون كانت [العشرون] 1 كالثمن الصحيح [وهو] 2 يحط ثلثها، وهو اختيار اللخمي، وهو أقيس.
وسبب الخلاف: هل ذلك وصية للعبد، فيباع بما يعطى فيه، أو ذلك وصية لمشتريه، فيحط عنه ثلث الثمن خاصة.
وفائدة اعتبار زيادة ثلث القيمة في المشتري وحطها من قيمة المبيع؛ لأنها القدر الذي يقع به التغابن في البيع في غالب الأمر.
[فحمل] 3 الأمر على الغالب المتفق عليه في المذهب أنه لا قيام فيه للمغبون بالغبن، والزائد على ذلك يجري على الخلاف الذي أتقناه في مسائل [البيوعات] 4.
فإن لم يحمله الثلث، فالورثة بالخيار؛ إن شاؤوا جوزوا ذلك، وإلا أعتقوا منه ما حمل الثلث.
والجواب عن السؤال الخامس: إذا قال: بيعوا عبدي فسكت، ولم يزد، فهل يلزم الورثة نفوذ الوصية إذا [حمله] 5 الثلث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك غير لازم للورثة لا ندبًا ولا واجبًا، وهو قول أشهب.
والثاني: أن الورثة يؤمرون، ولا يخيرون.
وسبب الخلاف: لفظ الموصى إذا عرى عن غرض ظاهر، هل يعد ذلك منه عبثًا، وسفهًا؛ لأن قوله: بيعوا عبدي، كلام لا يفهم منه فائدة، ولا تعقل له قرية فيطرح ويلغي، أو لا يعد ذلك عبثًا وسفهًا؛ لأن كلام الموصي في ماله لا يخلو من غرض، ولابد لوصيته من فائدة قصدها منها: إما ظاهرة، وإما باطنة، إما لنفسه، وإما لغيره.
وفي مسألتنا قد يقصد بالوصية بيع عبده على معنى الرفق بالعبد، وصرف الأذى عنه لما علم من عض بعض الورثة أنامله من العبد لأجل ما يلقى منه من المغائظ في حياة السيد من كون العبد حريصًا على صيانة مال سيده، ولم يساعدهم على ما يريدون من بسط اليد إلى الخيانة فَيَسُومُونَه بالوعيد، ويحملون عليه بالتهديد، مهما حصل في ملكهم بالإرث، وخصوصًا إذا كان الوارث غاصبًا، أو بعكس ذلك أن يكون عبدًا مسخوطًا جافيًا يخشاه السيد على ولده، وهو ممن لا تؤمن غوائله، فرأى إخراجه من ملكه مصلحة لورثته، فعلى هذا ينبني الخلاف.
والجواب عن السؤال السادس: إذا قال: بيعوه ممن أحب، فلم يوجد من يشتريه بوضيعة الثلث، وبعد انتقال العبد من عمرو إلى زيد، أو لم يجد من يساومه أصلًا.
أما إذا لم يجد من يساومه ممن أحب، فلا شيء على الورثة باتفاق المذهب.
وأما إذا وجد من يشتريه بالوضيعة من الثلثين، فأبى الورثة من بيعه، ففي الكتاب قولان:
أحدهما: أن الورثة مخيرون بين أن يبيعوه بما سئلوا، أو يعتقوا ثلثه
بتلًا، وهو قول مالك في الكتاب.
والثاني: ألا شيء على الورثة، ويكون جميع العبد ميراثًا لهم؛ لأنهم قد أنفذوا وصية الميت، وليس عليهم أكثر مما فعلوه، وهذا هو الأظهر في النظر.
وقوله: يعتق ثلثه على الورثة إذا أبوا من بيعه بما سئلوا قولًا ضعيفًا ليس في كلام الموصي ما يدل عليه لا في لفظه، ولا في قصده، وهذا إذا حمله الثلث.
فإن لم يحمله خير الورثة بين بيعه بذلك، أو يعتقوا منه ما حمل الثلث من مال الميت.
وأما الفصل الثاني: وهو وصيته بشراء عبد غيره، ففيه ستة أسئلة [أيضًا] 1.
الأول: أن يقول: اشتروا عبد فلان لفلان.
والثاني: أن يقول: اشتروا عبدًا لفلان.
والثالث: أن يقول: اشتروا عبد فلان للعتق.
والرابع: أن يقول: اشتروا عبد فلان، ولم يزد.
والخامس: أن يقول: اشتروا عبدًا للعتق.
والسادس: أن يقول: اشتروا عبدًا ولم يزد.
والجواب عن السؤال الأول: إذا قال: اشتروا عبد فلان لفلان: فلا يخلو من أن يحمله الثلث أو لا يحمله الثلث.
فإن حمله الثلث، فإنه يشتري له بزيادة ما بينه، وبين ثلث ثمنه.
فإن أبي أن يبيعه بذلك، فلا يخلو من أن يمتنع من بيعه أصلًا ضنًا منه بالعبد.
والثاني: أن يكون امتناعه طلبًا للزيادة على الثلث.
فإن امتنع من بيعه أصلًا، فلا شيء للموصى له به اتفاقًا.
فإن كان امتناعه التماسًا للزيادة، فإنه يتخرّج [فيها] 1 من المدونة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الورثة [يسلموا] 2 إلى الموصى له به قيمة العبد، وزيادة ثلث ثمنه، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن الورثة إذا زادوا على القيمة ثلثها، فلم يبع بذلك، وطلب الزيادة، فليس عليهم أكثر من ذلك، ثم لا شيء للموصي أن يشتري له العبد لا من الثمن، ولا من الزيادة، وهو قول الغير في "المدونة".
والثالث: أن الثلث الزائد على القيمة يكون لسيد العبد، والقيمة تكون للموصى له بشراء العبد، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" من مسألة: الذي أوصى أن يباع عبده من فلان، فطلب زيادة الوضيعة على الثلث، وأبى الورثة حيث قال: يقطعوا له بثلث العبد؛ فكما يقضي لهذا بثلث العبد إذا أبى أن يشتري، فكذلك يقضي للآخر بثلث الثمن إذا امتنع من البيع، وهذا الإلزام ظاهر قد ألزمه التونسي للكتاب، والأمر كما قال لا مراء فيه لم [تأمل] 3 ما في "المدونة".
وسبب الخلاف: هل ذلك وصية لصاحب العبد، فيكون له الثلث الزائد أم ذلك وصية للموصى له بشراء العبد، فيكون له الثمن؟
ومن تعارض عنده الأمران وتساوى لديه الاحتمالان جعل الثمن للموصى له بالعبد، والثلث الزائد لصاحب العبد.
فإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين أن [يشتروا له] 1 أو يقطعوا له بثلث مال الميت بتلًا.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا قال: اشتروا عبدًا لفلان فالوصية نافذة إن حمل ذلك الثلث.
واختلف هل يشتري له رقبة وسطًا، أو إنما يراعي قدر الثلث؟ على قولين:
أحدهما: أن المراعى قدر الثلث لأكثر، وهو ظاهر المدونة إذا أوصى أن تشتري رقبة، فتعتق، قال: يشتري على قدر الثلث.
والثاني: أن تشتري رقبة وسطًا، وذلك عدل بينه وبين الورثة، وهو الظاهر من غرض الموصي؛ إذ لو اعتبر مقدار الثلث لأوصى له بها تصريحًا وقطعًا.
وليس للورثة أن يردوه إلى الأدنى ليوفروا لأنفسهم أكثر الثلث؛ لأن ذلك خروج عن مراد الموصي وغرضه، والموصي لا يقصد إلى الإيصاء بالدون؛ لما علم من خوفه على الوفر لحظ نفسه، ولاسيما إذا لم يوص بغير ذلك.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أوصى أن يشتري عبد فلان للعتق، فلا يخلو من أن يكون وارثًا أو أجنبيًا.
فإن كان أجنبيًا، وحمل الثلث وصيته، فإنه يشتري بالقيمة، وزيادة الثلث.
فإن امتنع سيده من البيع أصلًا، وطلب الزيادة على الثلث، وأبى الوارث، هل يستأني بالثمن أم لا؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنه يستأني به، وهو نص "المدونة".
والثاني: أنه لا يستأني به، وهو قول ابن المواز.
وعلى القول بالاستيناء، فإلى أىّ أمد، وإلى أيّ مرد؟
فعلى قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه يستأني به إلى الإياس، والإياس على هذا القول طول الزمان مع بقاء العبد في ملك سيده، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، ويكون قوله في "كتاب الوصايا الثاني" بيانًا لقوله في " [كتاب] 1 الوصايا الأول".
والثاني: أن يستأني به حتى ييأس منه؛ والإياس في هذا القول عدم العبد كالموت، وإما معنى كالعتق، وهي رواية ابن وهب عن مالك في "الكتاب"، وهو نص قول ابن القاسم في غير "المدونة" أيضًا.
وعلى القول بأنه لا يستأني بالثمن، أو أنه يستأني به إلى الإياس، فما الحكم في الثمن بعد الإياس، هل يعود ميراثًا، أو يجعل في رقبة أخرى؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يعود ميراثًا، وهو ظاهر قول ابن القاسم، وابن وهب في "المدونة".
والثاني: أن الثمن وزيادة الثلث يجعل في رقبة أخرى، وهو قول ابن
كنانة في غير "المدونة"، وهو ظاهر قول الغير في "الكتاب" من مسألة: [الوصية] 1 بالحج، وقد قال ابن القاسم فيمن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه، وهو غير ضرورة، فأبى فلان أن يحج عنه أن الوصية تعود ميراثًا، وقال غيره: تدفع لغيره، ولا تعود ميراثًا؛ لأن الحج إنما أراد به البِّر لنفسه؛ يريد أن ثواب الحج عن الميت للميت، وفلان إنما أخذ المال على معنى الإجارة، وكذلك الوصية بالعتق.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى لفظ الموصي، أو النظر إلى غرضه؟
فمن جرد النظر إلى لفظه، قال: تعود الوصية ميراثًا.
ومن لاحظ المعنى، واعتبر غرضه قال: لا تعود ميراثًا، وهو الأقيس.
وعلى القول بأنها لا تعود ميراثًا، هل تدخل فيه الوصايا أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة"، وقد بيناهما.
ويتخرج الخلاف فيه على الخلاف في الوصايا، هل تدخل فيما علم وفيما لم يعلم [أم لا] 2؟
فإن كان وراثًا، فأبى أن يبيعه إلا بزيادة الثلث على القيمة، هل يزاد له كما يزاد للأجنبي؟
قولان قائمان من المدونة:
أحدهما: أنه لا يزاد له إذا كان وراثًا معه؛ لأن ذلك وصية لوارث، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يزاد له كما يزاد لغيره، وهو قول مالك في "كتاب
محمد".
وسبب الخلاف: هل ذلك وصية للعبد أو وصية لسيده؟
والجواب عن السؤال الرابع: إذا قال: اشتروا عبد فلان، ولم يزد عليه، فإنه يشتري بالقيمة، وبزيادة الثلث.
فإن طلب الزيادة على ثلث القيمة، وأبى الورثة، هل يعطي لسيده ثلث القيمة أم لا؟
قولان متأولان على المدونة؛ فعلى قول ابن القاسم إذا أوصى أن يشتري عبد فلان لفلان، وأبى سيده من البيع أن الثمن وثلثه لفلان الموصي أن يشتري [له] 1؛ فيكون في هذه المسألة ثلث الثمن لسيد العبد، وعلى قول غيره: لا شيء له.
والجواب عن السؤال الخامس: إذا أوصى أن يشتري للعتق، فالوصية تنفذ إن حملها الثلث.
واختلف هل يجعل ذلك في وسط الرقاب، أو يعتبر قدر الثلث على التوجيه الذي قدمناه في السؤال الثاني إذا أوصى أن يشتري عبد فلان، فلا فائدة لإعادته مرة أخرى.
والجواب عن السؤال السادس: إذا أوصى أن يُشترى عبد، ولم يزد على ذلك لم يلزم الورثة إنفاذ الوصية لخلوها من فائدة؛ لأنه لم يتعلق بذلك حق لله تعالى، ولا للآدمي؛ فيتعين إسقاطها عن الورثة ندبًا وإيجابًا [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الثانية في الأب إذا اشترى ابنه في مرضه
وفي هذه المسألة ثلاثة أسئلة:
الأول: إذا اشترى المريض في مرضه من يعتق عليه بالملك؟
والثاني: إذا اشترى ابنه مع من يعتق عليه؟
والثالث: إذا بتل عتق عبده في مرضه، واشترى ابنه.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا اشترى من يعتق عليه في مرضه، فقد اختلف فيه المذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن عتقه من رأس المال كان ولدًا، أو ولد الولد أو أخًا، وهو قول أشهب في "الموازية".
والثانية: أنه يخرج من الثلث أيًا كان، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين أن يكون العبد المشتري ممن يحجب غيره كالابن، والأب فيخرج من رأس المال، أو ممن لا يحجب فيخرج من الثلث كالأخ، والأم، وهو قول ابن وهب.
والرابع: التفصيل بين الولد وغيره؛ فالولد يخرج من رأس المال، وغيره يخرج من الثلث.
والخامس: التفصيل بين أن يكون معه وارث يشاركه في الميراث، فيخرج من الثلث، أو انفرد بالميراث، فيخرج من رأس المال، وهو قول أشهب أيضًا.
ووجه قول من قال: إنه يعتق من رأس المال أيًا كان [كونه] 1 عتق سنة أو عتق اقتراف، فتدخل فيه التهمة، وهذا القول قائم من "المدونة".
ووجه قول من قال: إنه من الثلث أيًا كان؛ لكونه عتق اختياري لكون السبب الموصل إلى العتق باختياره، وهو الشراء.
وهذا على القول بأن المسبب كالمباشر.
ووجه قول: من فصل بين من يحجب، ومن لا يحجب؛ لأنه إن كان ممن يحجب كانت شبهته أولى، وسببه أولى، وأمره أقوى؛ فلهذا قال: من رأس المال، وهذا في الولد وولد الولد؛ لأنهما محل الإجماع فيمن يعتق بالملك، ومن عداهم من القرابة محل الخلاف.
ووجه القول بالتفصيل: بين أن ينفرد بالميراث أو يشاركه فيه غيره؛ لأنه إذا انفرد بالميراث لم يضيق على أحد، ولا أدخل عليه ضررًا, ولا تهمة هناك، فيكون من رأس المال مع ما في عتقه على المالك من الإجبار الشرعي.
فإن كان معه من يشاركه في الميراث اتهم المشتري على إدخال الضرر عليه، وسوق الضيم إليه، فيخرج من الثلث وزنًا بينهما بالمعيار الشرعي.
ووجه قول: من فصل بين الولد وغيره، فجعل الولد يخرج من رأس المال، وأصرف غيره إلى الثلث كون الولد يملك [استلحاقه] 2 في الصحة والمرض، ولا تهمة تلحقه ولا [ضيم يرهقه] 3، فيقوى أمره، ويترقى مقامه على من عداه ممن لا تصح فيه بهذا المعنى، ولا يتصور فيه هذا المغزى لمن ثنى نسبه، وتقاصر به سببه.
وعلى القول بأن عتقه من رأس المال أيًا كان، فإنه يرث المريض إذا مات وارتفعت الموانع.
وعلى القول بأنه يعتق من الثلث ولدًا كان أو غيره، هل يرث من مال الميت بعد عتقه أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرث بقية المال إذا انفرد أو ما يصح بفرض أو تعصيب إن ازدوج، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الوصايا الأول".
والثاني: أنه لا يرث أصلًا، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا؛ لأنه نص في غير ما موضع منها، كما نص عليه في آخر "كتاب النكاح الثالث" أن الميراث لمن [وجب] 1 له يوم مات الميت، وهو قول أصبغ في المذهب، وهذا يوم مات الميت حكمه حكم العبد في حرمته وحدوده، وأنه لو مات قبل النظر في الثلث، فلا يرث، ولا يورث بالحرية.
والثالث: التفصيل بين الولد وغيره؛ فيرث إن كان ولدًا, ولا يرث إن كان غيره لجواز [استلحاقه] 2 كما قدمناه، واستلحاق الولد قطع كل تهمة غير أنه في هذا القول أصرفه إلى الثلث ترددًا لا تعبدًا.
ووجه قول ابن القاسم: في "الكتاب" أنه يرث بقية المال إذا انفرد، قال: وإن كان عتقه بعد الموت إلا أنه لما حمله الثلث، فكأنه لم يزل عتيقًا منذ اشتراه فكان وقفه استقصاء، واستبراء لمال الآمر في العاقبة كغريم يرد غرماؤه عتقه ثم أفاد مالًا قبل البيع.
وهذا توجيه لائق لولا معارضته بمسألة المبتل في المرض؛ لوجود هذا
المعنى فيها مع أن الحكم استصحاب حال الرق معه إلى وقت خروجه من الثلث [معه] 1 وانسلاله من ربقة العبودية؛ فعند ذلك [تبتدأ] 2 عليه أحكام الحرية.
ولو مات [وله] 3 من يرثه بعد البتل، وقبل خروجه من الثلث لم يوقف له منه ميراثه اتفاقًا، ويلزم ابن القاسم في مسألة [الولد] 4 المشترى أن يقول بذلك في مسألة المبتل، فإن التزم بذلك فقياس، وإن امتنع منه فإشكال والتباس.
وسبب الخلاف: في توريث المشترى بعد عتقه من الثلث اختلافهم في الدور العقلي، هل يصح به الإبطال أم لا؟
ومعنى الدور ما يؤدي إثباته إلى نفيه، وصورته في مسألتنا أن إثبات الميراث يؤدي إلى إبطال الوصية؛ إذ لا وصية لوارث، وشراؤه إياه في المرض كالوصية له.
وإبطال الوصية يؤدي إلى إبطال العتق، وإبطال العتق يؤدي إلى إبطال الميراث، وإبطال الميراث يؤدي إلى تصحيح الوصية، وتصحيح الوصية يؤدي إلى تصحيح العتق وثباته، وإثبات العتق يؤدي إلى إثبات الميراث.
[فهكذا يكون] 5 إثبات البعض على إبطال البعض.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا اشترى ابنه مع من يعتق عليه، فلا
يخلو من أن يشتريهما صفقة واحدة أو اشترى واحدًا بعد [واحد] 1.
فإن اشتراهما صفقة واحدة، فعلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما يتحاصان في الثلث، [وهو قول] 2 أشهب في رواية البرقي عنه، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا لمساواتهما في العتق [والملك] 3.
والثاني: أن الابن يُبَدَّى من رأس المال ويرث ما بقي من المال، وهذا على القول بأن له أن يشتريه بجميع ماله إذا لم يكن معه وارث، وهو قول أشهب أيضًا، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب المكاتب" وغيره؛ لقوة أمر الابن؛ إذ له أن يستلحقه، وله أن يستحدثه.
والثالث: أن الابن يُبَدَّى في الثلث، فإن حمله عتق، وإن بقى شيء في الثلث عتق [منه] 4 الأخ، أو ما حمل منه، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الوصايا الثاني" من "المدونة".
فإن اشترى واحدًا بعد واحد، فإن اشترى الابن أولًا، فعلى القول بأنه يخرج من رأس المال، فإن الأخ يخرج من الثلث إن وسعه أو ما حمل منه، ولا يرث الابن هاهنا إلا ما فضل عن عتق الأخ.
[وعلى] 5 القول بأنه يخرج من الثلث، فالأخ يخرج مما فضل منها إن فضل.
وإن اشترى الأخ أولًا، فإنه يخرج من الثلث إن حمله [أو ما حمل
منه ثم يخرج الابن بعده من جميع ما بقى من المال إن حمله] 1 ويرث الفضل إن كان فيه بعد خروج قيمته.
فإن لم يحمله بقية المال، وكانت قيمته أكثر منه لم يعتق منه إلا ما بقي من الثلث بعد خروج الأخ إن فضل منها شيء، ويرق منه ما بقي، وهو قول أشهب.
وقال ابن القاسم: ثم إن صار ما رق منه ميراثًا لمن يعتق عليه عتق عليه بقيته.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أبتل عتق عبد في مرضه، واشترى ابنه، فهل يتحاصان أو يبدأ بالابن؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنهما يتحاصان، وهو ظاهر "المدونة" في مسائل التَّبْدِيَة لتساويهما في التبدية، واعتبار المال المأمون في كليهما.
والثاني: أن الابن مُبَدَّى، وهو نص "المدونة"، و [هو] 2 ظاهر قوله فيها ألا فرق بين تقدم المبتل على الشراء أو تأخره؛ لقوله في "الكتاب": [لأن] 3 مالكًا إنما جعله وارثًا إذا خرج من الثلث كان بمنزلة ما لو اشتراه صحيحًا.
وهذا لا يستقيم لابن القاسم؛ كيف يتساوى شراؤه في الصحة، وشراؤه في المرض، وهو لا يعتق إلا بعد الموت، وإن ماله لو تلف قبل الموت لرق لورثته، ولو مات له ابن أو أخ قبل النظر في الثلث، وبعد
الشراء لم يرث منه شيئًا, ولا يوقف له منه ميراثًا؛ فهذا معضل أدب إلا أن يكون ابن القاسم اعتبر قول من يقول: إنه يعتق من رأس المال، والمبتل في المرض ماله إلى الثلث على كل حال، فيصح ما قال.
وبالله التوفيق، [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثالثة في الوصية المُطْلَقَة والمُقَيَّدَة
ولا تخلو الوصية من وجهين:
أحدهما: أن تكون مطلقة.
والثاني: أن تكون مقيدة.
فأما الوجه الأول: إذا كانت مطلقة، فلا تخلو من أن تكون لفظًا من غير [كتاب] 1، أو تكون بكتاب.
فإن كانت لفظًا بغير كتاب، فلا خلاف في نفوذها إذا لم يغيرها, ولا نسخها حتى مات.
فإن كانت بكتاب، فلا تخلو من أن يقر الكتاب بيده، أو يدفعه إلى غيره.
فإن أقره على يده، ولم يغيره حتى مات، وشهدت البينة على عينه، فلا خلاف في نفوذ الوصية أيضًا.
فإن وضعه على يد غيره، وأقره حتى مات، فكذلك أيضًا.
فإن استرجعه من يد من وضع على يديه، هل يكون استرجاعه دليلًا على الرجوع، فتبطل الوصية، وإن وجدت عنده، أو لا يعد ذلك رجوعًا، فإنه يتخرج على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أن ذلك دليل على الرجوع في الوصية، وإن وجد الكتاب عنده بعد الموت، وهو تأويل ابن شبلون وغيره على "المدونة".
والثاني: أن استرجاعه لا يعد منه رجوعًا مع وجود ذكر الوصية عنده، وهو تأويل ابن أبي زيد على "المدونة"، وقال: معنى ما في "الكتاب" أنها تبطل إذا استرجعها إنما هو في المقيدة لا في المطلقة.
وتردد الشيخ أبو عمران في التأويل، ولم يرجح أحد الجانبين على الآخر، وقال: لفظ "الكتاب" محتمل لمعنيين، وفيه إشكال.
وهجم على المسألة أبو الوليد بن رشد، فأطرد وما تردد، وقال في هذا الوجه لا خلاف في البطلان؛ وذلك سَدٌ لباب التأويل والجمود على [اتباع الظواهر] 1، وليس ذلك من ديدنه.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الوصية مقيدة بسفر بعينه أو مرض بعينه، أو حصول غرض يرجوه بعينه؛ إما غرض دنيوي إن شفاه الله من مرضه، أو قدم غائبه، وإما غرض أخروي كقوله: إن فتح الله عليّ بحجة في هذا العام أو غيره، أو غزوة فعبدي فلان حر أو عليّ عتق رقبة، أو صدقة، كذا فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون ذلك لفظًا بغير كتاب.
والثاني: أن يكون لفظًا وكتابًا.
فإن كان لفظًا بغير كتاب، ومات من ذلك المرض، أو ذلك السفر أو حصل [له] 2 الغرض المطلوب، فلا خلاف في نفوذ الوصية.
فإن مات من سفر ثان، أو من مرض آخر، هل تنفذ الوصية أو تبطل؟ قولان:
ابن القاسم أبطلها في المدونة، وأشهب أنفذها في غير المدونة.
فإن كانت الوصية بكتاب، فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقر الوصية بيده.
والثاني: أن يضعها على يد أمين.
والثالث: أن يسلم الكتاب إلى البينة.
فإن وضع الكتاب عند نفسه، ولم يخرجه [من يده] 1 حتى مات فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يموت من ذلك المرض أو من ذلك السفر.
والثاني: أن يموت من مرض آخر.
فإن مات من ذلك المرض، أو من ذلك السفر، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون مختومًا عليها بخاتم غيره.
والثاني: أن تكون مفتوحة أو مختومًا عليها بخاتم نفسه.
فإن كانت مختومة بخاتم البينة، ولم يسترب الشهود في خاتمهم عند الموت، فلا خلاف في نفوذها سواء قرأها الشهود أو قرأت عليهم [أو أشهدهم] 2 على عين الكتاب من غير أن يقرؤها, ولا قرئ عليهم فذلك جائز، إلا أن أكثر الناس لا يريدون الاطلاع على أسرارهم في وصاياهم في حياتهم.
وإن كانت مفتوحة أو مطبوعة بطابع نفسه، فهل تجوز الشهادة بعد الموت أم لا؟ فعلى قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا يجوز له الإشهاد عليها على تلك الصفة حتى يدفع الكتاب إلى الشهود؛ مخافة من الزيادة أو النقصان، [وهو ظاهر] 1 رواية ابن وهب في "المدونة"، وهو قول عبد الملك في غيرها.
والثاني: أن الشهادة على تلك الصفة جائزة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" إذا عرفوا الكتاب بعينه، وظاهر قوله هذا أن الكتاب كان بيد الموصي، وإلا فما فائدة تعيينهم الكتاب؟
واختلف المتأخرون في تأويل قول ابن القاسم على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: معنى قول ابن القاسم إذا لم يكن في الكتاب محو، ولا إلحاق، وأما إذا كان فيه محو أو إلحاق فلا تجوز الشهادة [عليها] 2؛ لاحتمال أن يحدث ذلك بعد الشهادة.
ومنهم من حمله على ظاهره؛ فجوز الشهادة عليه -كان فيه محو أو إلحاق أم لا- وينفذ الجميع إذا لم يغير المحو معنى، فإن غيره فإنه ينفذ ما لم يغير؛ [لأنه] 3 لما أشهدهم على ما فيها وعلى عينها، وعينها عنده، فكأنه أشهدهم على كل ما يريد فيها، أو يقر عليه أمره، وهو تأويل اللخمي.
ومنهم من حمل قول ابن القاسم على أن كتاب الوصية كله مُسَوّد [بالكتابة] 4 لا بياض فيه، ولو كان البياض فيه، وأمكن فيه الاستلحاق أو وجد فيه محو فلا تنفذ الوصية، ولا تجوز الشهادة عليها، وهو تأويل أبي
عمران الفاسي.
فأما إن مات [من] 1 غير ذلك المرض، أو من سفر آخر هل تنفذ وصيته، ويعمل بمقتضاها أم لا؟ فعلى قولين قائمين من المدونة، منصوصين لمالك في "المجموعة"، و"العتبية":
أحدهما: جواز الوصية ونفوذها.
والثاني: إبطالها حتى يخرجها من يده إلى يد غيره.
أما [بطلانها] 2 فمن قوله في "الكتاب" في الباب الثاني: وليس من يريد أن يجيز وصيته يأخذها، ويجعلها على يدي نفسه، وإنما تنفذ إذا جعلها [على يد غيره] وهو قوله آخر الكلام: وإنما تنفذ إذا جعلها] 3 بيد غيره.
ومن قوله أيضًا: إذا أمسكها عند نفسه حتى مات، فإن وصيته جائزة.
قال ابن القاسم: وهذا إذا كانت الوصية مبهمة لم يذكر فيها من مرضه، ولا من سفره.
وأما ما يدل على القول الثاني من الكتاب: فقوله بعد هذه المسألة: إذا أوصى فقال: إن حدث لي من مرضي هذا أو سفري هذا، فلفلان كذا، وكتب ذلك فبرأ من مرضه أو قدم من سفره.
وهذا التخريج ظاهر صحيح.
ويدل على القولين أيضًا قوله في الكتاب: وإنما اختلف الناس في السفر والمرض.
وأما الوجه الثاني: إذا كتبها ووضعها على يد أمين، فإنها تنفذ ويعمل بمقتضاها إذا وجد الكتاب سليمًا من مَحْو أو لحْن.
فإن وجد فيه محو أو لحن هل يعمل بمتقضاها؛ لأنه جعله أمينًا، أو لا يعمل بها؛ لأن المحو واللحن ريبة؟
فقولان قائمان من المدونة، وظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" ألا تجوز؛ لأنه قال: إذا قالت البينة: قد كتبت وصيتي، وجعلتها عند فلان فصدقوه، فقال فلان: إنما أوصى بها لابني: أنه لا يصدق.
وظاهر قول الغير فيها أنه يصدق؛ لأنه أمين في السؤالين.
وأما الوجه الثالث: إذا أسلمها إلى البينة، فلا يخلو من أن تكون مفتوحة أو مختومة بختم غيرهم أو بخاتمهم.
[فإن كان الكتاب مختومًا بخاتمهم] 1 أو بخاتم الموصي، فلا خلاف في نفوذها.
وإن كانت مفتوحة مطوية أو منشورة فوضعوها الشهود في موضع غلقهم [عليها] 2 وحده لتمكن الغيبة عليها لبعضهم دون بعض، فلا إشكال في النفوذ أيضًا.
وإن كانت عند بعضهم، فهل تجوز شهادة الباقين [عليها] 3 أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن شهادتهم [كلهم] 4 عليها جائزة إذا عاينوا الكتاب
وعرفوه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" على تأويل من حمل قوله: إذا عاينوه، وعرفوه أن الكتاب كان موضوعًا عند الشهود.
والثاني: أنه لا يشهد إلا من وضع عنده خاصة، وهو قول أشهب في غير المدونة، وهو ظاهر رواية ابن وهب في "الكتاب"؛ لأنه اشترط ألا يفضوا خاتمه إذا كان مختومًا؛ مخافة الزيادة فيه أو النقصان.
وظاهر هذا الكلام أن شهادة الآخرين لا تجوز عليه كأنهم لا يدرون ما أحدث فيه من وضع على يديه.
وقد سئل مالك -رحمه الله- عن هذه المسألة، فقال: يشهد من وضع على يديه، ولا أدري كيف يشهد الآخرون.
والثالث: أنهم يشهدون على مبلغ علمهم، ويجهلوا ما تجهلوا.
وهذا كله إذا مات، والكتاب بيد من وضع على يديه، ولم يسترجعه.
وأما إن استرجعه بعد برئه، أو بعد قدومه من سفره، فالوصية باطلة اتفاقًا [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الرابعة فيمن قال: وصيتي عند فلان فصدقوه
وفي هذه المسألة ثلاثة أسئلة:
أحدها: أن يقول الميت: وصيتي عند فلان، فأنفذوا ما فيها.
والثاني: أن يقول: قد أوصيت فلانًا بوصيتي، فصدقوه.
والثالث: أن يقول: فلان يجعل ثلثي حيث أراه الله أو حيث شاء.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا قال: وصيتي عند فلان، فأنفذوا ما فيها، وأشهدوا على ذلك، ثم مات الموصي، هل تنفذ وصيته أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الوصية جائزة، وعلى الورثة إنفاذها -كان الذي وضعت عنده عدلًا أو غير عدل-، وهو قول سحنون في "العتبية".
والثاني: أن ذلك لا يجوز، ولا يلزم الورثة إنفاذها، إلا أن يكون عدلًا، فيجوز في العتق وغيره، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
والثالث: أنه يجوز فيما عدا العتق من الوصايا، ويلزم الورثة إنفاذه، ولا يجوز في العتق؛ إذ لا يلزم في العتق بشاهد واحد، وهو أحد قولي مالك في "العتبية"، و"الموازية".
والجواب عن السؤال الثاني: إذا قال: أوصيت فلانًا بوصيتي فصدقوه، فإنه ينظر، فإن قال: إنما أوصى بها للمساكين أو لموضع كذا مما هو من وجوه الخير صدق قولًا واحدًا، وإن قال: إنما أوصى بها لنفسى أو
لولدي هل يصدق أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه لا يصدق، وهو قول ابن القاسم؛ لأنه شاهد لنفسه، ولمن لا تجوز له شهادته.
والثاني: أنه يصدق، وهو قول أشهب؛ لأن الميت أمر بتصديقه، وليس مثل الذي شهد لابنه.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا قال: فلان يجعل ثلثي حيث أراه الله أو حيث شاء، فإنه يصرفها في سُبُل الخير، ووجوه البِّر، ولا ينبغي له أن يأخذ منها لنفسه، ولا لابنه شيئًا، فإن فعل وكان ذلك موضعًا لها لاستحقاقهم لها، وأعطاهم كما يعطي غيرهم جاز، فإن لم يستحقوا أخذ الصدقة، فإن ذلك مردود؛ لأنه فوض إليه ليجتهد فلم يجتهد، وهو قول أشهب في "المجموعة" و"الموازية".
وكذلك لو أعطى منها [أقارب] 1 الميت، فلم يعطهم إلا كما يعطي غيرهم من الناس، وهي رواية علي عن مالك في "كتاب ابن عبدوس".
وإن أعطاهم ولم تكن بهم حاجة، ولم يجز الورثة ما فعل، فإن ذلك مردود، ويعود ميراثًا إلا أن يجعلها في سبيل الخير؛ لأن الميت إنما قصد وجه الصدقة، وهو قول ابن القاسم.
ولو أوصى إليه أن يجعل ثلثه في أفضل ما يراه، وأقربه إلى الله سبحانه، هل يعتق به رقابًا أو يتصدق؟ فأيهما أفضل؟
فقال مالك: الصدقة أفضل من العتق، وقال أصبغ: العتق أحب إلىّ.
وذلك -والله أعلم- يختلف باختلاف الأحوال، ورب زمان تكون فيه الصدقة أفضل من العتق، ورب زمان يكون فيه العتق أفضل من الصدقة، وإنما يعرف ذلك عند النزول، والحمد لله وحده.
المسألة الخامسة فيمن أوصى لعبده بثلث ماله
ولا تخلو وصية السيد لعبده من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يوصى له بثلث ماله.
والثاني: أن يوصى له بجزء دون الثلث أو بشيء بعينه.
والثالث: أن يوصى له بدنانير أو بشيء معين، فإن أوصى له بثلث ماله، فلا يخلو من أن ينفرد بالثلث أو ضايقته فيها وصايا آخرين.
فإن انفرد بالثلث فلا يخلو من أن تكون قيمة العبد كفاف الثلث، أو كانت أكثر من الثلث.
فإن كانت قيمته كفاف الثلث، أو أقول فالعبد قد ملك من نفسه الثلث، فيعتق منه ما ملك من نفسه.
وهل يستتم عليه عتق نفسه فيما بقى من الثلث أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يستكمل عليه، وهو قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يستكمل عليه، ولا يعتق من العبد إلا الثلث خاصة، وهو قول المغيرة، والمخزومي.
وسبب الخلاف: هل العبد مجبور على قبول الوصية ثم لا تقويم عليه؛ لأن العتق من السيد، وقد مات والميت لا يقوم عليه، أو غير مجبور، فيكون قبول الوصية من إيثار العد واختياره.
فإذا قبل فكأن العتق منه صدر فيستتم عليه عتق بقية نفسه في بقية الثلث.
فإن كانت قيمته أكثر من الثلث، فلا يخلو من أن يكون بيد العبد مال أو لم يكن.
فإن لم يكن بيده مال، فإنه يعتق منه ثلثه اتفاقًا، وباقيه مما حمل منه ثلث الميت على الخلاف الذي قدمناه.
فإن كان له مال هل يستكمل فيه بقية عتقه أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه يستكمل فيه عتقه كما يستكمل بقية الثلث إذا كانت قيمته كفاف الثلث، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يستكمل فيه، وهي رواية ابن وهب في "الكتاب".
وسبب الخلاف: هل يغلب حق العبد في العتق على حق الورثة في مال العبد لقوة أمر العتق، ولتقدم السبب الموجب للتقويم -وهو الوصية- على السبب الموجب لثبوت حق الورثة في المال -وهو الموت- أو يغلب حق الورثة؛ لأن الشركة ثبتت لهم في مال العبد بنفس الموت، ووجوب الميراث ووجوب التقويم، وردا على محل من غير أن يسبق أحدهما الآخر إلى المحل، فيكون المال موقوفًا بيد العبد على سنة العبد المعتق بعضه، فيسقط التقويم إلا أن يدفع لهم العبد قيمة بقية رقبته من غير ذلك المال كما وهب له في الحال بشرط أن يفدي به نفسه، فيرجع الخيار إلى الورثة بين أن يعتقوا أو يقوموا.
وفرق مالك -رحمه الله- بين ما بيد العبد من المال، وبين ما فضل من الثلث عن ثلث رقبته؛ [فجعله] 1 يقوم في بقية الثلث؛ لأنه مال لم يتقدم للورثة فيه شرك؛ لأن العبد معهم كالوارث، ومدخلهم في المال
مدخل واحد يكون هذا موصى له، وهذا وارث، بخلاف ما كان بيده من المال، فقد تقدم لهم فيه شرك؛ إذ بالموت يملك العبد من نفسه الثلث [وملك] 1 من ماله قدر ذلك، والباقي على ملك الورثة؛ فالشركة قد حصلت بينهم، وبين العبد قبل الحكم بينهما بما تقتضيه الشريعة، فافهم هذا المعنى، فإنه فقه جليل لا يتفطن له إلا نبيل.
وأما إن زاحمته الوصايا أو ضايقته في الثلث، فلا تخلو تلك الوصايا من أن تكون وصية بمال أو وصية بعتق.
فإن كانت وصية [بمال] 2 فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يبدأ بثلث العبد، فإن فضل عن ثلثه من ثلث مال الميت شيء حاصص فيه أهل الوصايا [بما] 3 بقى من قيمة رقبته، وهو قول المغيرة.
والثاني: أنه يبدأ بالعبد إلى منتهى عتقه، ثم يتحاصان مع أهل الوصايا فيما بقي له من الثلث في بقية الثلث؛ لأنه على الميت يعتق، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
والثالث: أنهما يتحاصان مع أهل الوصايا بجميع الثلث، ولا يبدى من العبد شيء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب".
وسبب الخلاف: هل العتق من العبد أو من السَّيد؟
فمن رأى أن العتق من السَّيد قال: [العبد] 4 يُبَدَّى، ومن رأى أن العتق من العبد قال: يتحاصان.
فإن كانت وصيته بالعتق، فهل يُبَدَّى بالعتق على الوصية للعبد بالثلث أم يتحاصان؟ فعلى قولين:
أحدهما: أن العتق يُبَدَّى؛ لأنه من السيد مباشرة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهما يتحاصان؛ بناء على أن العتق في الوجهين من السيد، وهو قول المغيرة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أوصى لعبده بجزء من ماله دون الثلث؛ مثل أن يوصى لعبده بسدس ماله، وبثوب بعينه أو بعبد آخر وهو كفاف الثلث، فالعبد قد ملك من نفسه السدس، فالحكم في التقويم على ما بيناه في الوجه الأول فلا تكرار.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أوصى له بدنانير، أو بشيء معين، فلا يخلو من أن يحمل الثلث وصيته أو لا يحمل.
فإن حملها الثلث، فلا يعتق من العبد شيئًا اتفاقًا؛ لأن العبد لم يملك من نفسه شيئًا.
وإن لم يحمله الثلث، فالخيار في ذلك للورثة؛ إن أجازوا وصيته، فلا يعتق من العبد شيء أيضًا، وإن لم يجيزوها قطعوا للعبد بثلث جميع مال الميت إما في ذلك الشيء بعينه [على قول] 1 ثم لا يعتق منه شيء أيضًا، أو في جميع مال الميت شائعًا، والعبد من حملة المال، وقد ملك من نفسه شيئًا؛ فيجري الحكم فيه على ما قدمناه في الوجه الأول حرفًا حرفًا.
والحمد لله وحده.
المسألة السادسة في وصية المحجور عليه
والمحجور عليه ضربان: محجور عليه لعارض الطفولية، ومحجور عليه لعارض السَّفَه، وعدم التمييز بين مصلحة المال ومفسدته.
فأمَّا المحجور عليه لعارض الطفولية، فله حالتان: حالة لا يعقل فيها معنى القربة، وحالة يعقل فيها معنى القربة.
فأما الحالة التي لا يعقل فيها معنى القربة، فهو فيها كالبهيمة لا يتوجه [عليه] 1 [فيها] 2 الخطاب في أمر من الأمور إلا فيما أفسد أو كسر إذا كان يعقل الأثر جاز، وإلا بكفاف إذا نهى على ما أشار إليه ابن المواز.
والزكاة وإن كانت تؤخذ من ماله، وإنما خوطب بها الأولياء على ما هو مبسوط في أمهات المذهب.
وأما الحالة التي يعقل فيها القربة كابن سبع سنين فما فوقها فلا خلاف -أعلمه- في المذهب في جواز وصيته؛ لأنه قصد [بها] 3 القربة لنفسه لكونه مندوبًا إلى فعل الطاعات في تلك الحال كالصلاة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للتي رفعت ابنها من المحفة، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولك أجره" 4.
فإن كان ثابت الذهن، ولم يكن في وصيته اختلاط، وأصاب وجه الوصية، فوصيته نافذة باتفاق المذهب، خلافًا للحنفي، والشافعي في
أحد قوليه.
فإذا ثبت ذلك، فإن أوصى إلى غيره وصية أن يفرق ثلثه في وجوهها، فلم يجز وصيه له ذلك، فذلك للوصي ألا يلي غيره تفرقة ثلثه؛ لأن ذلك من حقه، وهو من باب التصرف في مال الصغير بغير إذن وَلِيه.
واتفق المذهب -فيما علمت- أن تدبير الصبي لعبده لا يجوز، وإن حمله الثلث بخلاف الوصية.
فإن كان التدبير قربة تخرج من الثلث بعد الموت كالوصية، إلا أن جواز وصيته على خلاف الأصل، وإنما اتبع فيها أثر عمر - رضي الله عنه - عنه وبقي ما عداها على الأصل.
وأما المحجور عليه لعارض السَّفَه، وعدم التمييز بين مصلحة المال، ومفسدته، فوصيته جائزة قولًا واحدًا في المذهب، وفي تدبيره لعبده أربعة أقوال:
أحدها: أنها جائزة في الصحة، والمرض كالوصية، وهو قول ابن كنانة في "المجموعة"؛ لأن الوصية والتدبير لا يقعان عليه إلا بعد الموت؛ لأنه إنما يمنع في حياته من التصرف في ماله إلى رشد، فإذا جاء الموت لم يمنع من خير يفعله في ثلثه، ولو منع لكان توفيرًا على [الورثة] 1 وهو أحق من الوارث بالثلث.
والثاني: أنه لا يجوز تدبيره أصلًا، ويبطل، وإن بقى العبد بيده حتى يلي أمر نفسه لم يلزمه، وهو قول أشهب في "المجموعة"، و"الموازية".
والثالث: أنه يجوز في المرض، فإذا صح من مرضه بطل، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
والرابع: التفصيل بين أن يكون العبد المدبر غالي الثمن، فلا يجوز تدبيره، وبين أن يكون قليل الثمن، فيجوز تدبيره، وهو قول عبد الملك في "الموازية".
واتفقوا على وصية المجنون والمغلوب [على عقله] 1 قبل إفاقته أنها باطلة، وبعد الإفاقة جائزة.
وأما المرتد فإن قتل على ردته أو مات فوصاياه باطلة، وإن رجع إلى الإِسلام ثم مات، فإن كانت تلك الوصايا مكتوبة جازت كلها، وإن كان لفظها بغير كتاب فهي باطل، وكذلك لو أوصى بها في حال الردة، وهو قول أصبغ في "الواضحة" [والحمد لله وحده] 2.
المسألة السابعة في الوصية للقاتل
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يوصي له بعد أن قتله.
والثاني: أن يوصي له قبل أن يقتله.
فإن أوصى له بعد أن قتله؛ مثل أن يضربه فأنفذ مقاتله ثم أوصى له: فلا يخلو من أن يكون قتله عمدًا أو خطأ.
فإن كان عمدًا فلا يخلو من أن يعلم الموصي بأن الموصى له هو الذي ضربه أو لا يعلم.
فإن علم بأنه الذي ضربه، فالوصية في ماله اتفاقًا.
وهل [تدخل] 1 في الدِّية إذا قبلت أم لا؟ قولان:
مذهب "المدونة" أنها لا تدخل فيها، وهو المشهور.
والثاني: أنها تدخل فيها بناء على أن الوصية تدخل فيما علم به الموصي، وفيما لم يعلم.
فإن لم يعلم بذلك هل تبطل الوصية أم لا؟
فالمذهب على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أن الوصية جائزة في المال دون الدِّية، سواء علم بذلك أو لم يعلم، وهو تأويل ابن أبي زيد على المدونة، وهو نص قول ابن المواز، وهو قول أشهب، وإليه نحا ابن أبي زمنين، وما وقع لابن القاسم
في "كتاب الهبات" يقوى هذا التأويل حيث قال: لأنه طلب تعجيل الوصية، فإذا كانت الوصية بعد الضرب فقد انتفت التهمة؛ لأنه لم يقصد إلى تعجيل شيء.
والثاني: أنه متى لم يعلم أنه قاتله، فلا وصية له في مال ولا دية، وعليه حمل قوله في "الكتاب": إلا أن يكون علم أنه قاتله عمدًا، فأوصى له بعد علمه، [وهذا] 1 نص قوله في "كتاب الوصايا الأول"، وإليه نحا اللخمي.
فإن قتله خطأ، فالوصية تدخل في المال مع العلم قولًا واحدًا، وفي عدم العلم قولان على ما قدمناه في العمد.
وهل تدخل في الدِّية أو لا تدخل؟ على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أنها تدخل فيها؛ لأنه مال علم به، وهو نص قوله في "كتاب الوصايا الأول"؛ ولأنه جوز له في "الكتاب" أيضًا أن يوصى له بما عليه من الدِّية، وإسقاطها عنها.
والثاني: أن الوصية لا تدخل فيها إلا بالنص عليها؛ لأن القاتل [ممن] 2 يؤدي فيها، وعنه تؤدي؛ فصار كأنه لم يؤد شيئًا، وهو قول ابن المواز إذا تقدمت الوصية على الضرب، وعاش بعد ذلك.
والثالث: التفصيل بين أن يعلم الموصي بذلك، أو لا يعلم؛ فإن علم كان في المال والدِّية، وإن لم يعلم كان في المال دون الدِّية، وهو ظاهر قوله في "كتاب الوصايا الأول" في "المدونة" في آخر الباب حيث قال: جاز له كل ما أوصى له في المال، والدية إذا علم ذلك منه في الخطأ.
وإن كان المتأخرون قد اختلفوا في تأويل قوله في بعض الروايات، ونص قوله: إذا كانت الوصية بعد الضرب عمدًا كان أو خطأ جاز له كل ما أوصى له به في المال والدية جميعًا إذا علم منه ذلك في الخطأ، وهي كلمة فيها إشكال.
وقال بعض المتأخرين: بيان ذلك أن قوله: "جاز له كل ما أوصى له به في المال" تمام الكلام وعائد كله على العمد والخطأ، ثم استأنف الكلام في مسألة الخطأ خاصة، فقال: "وفي الدِّية جميعًا إذا علم بذلك في الخطأ"، وخص ذكر الدِّية في الخطأ فقط، وعلى هذا المعنى فسرها سحنون، واختصرها عليه ابن أبي زمنين، واختصرها بعض المختصرين على خلاف هذا، وهو خطأ.
وقال الشيخ أبو عمران الفاسي: لا يحمل كلامه أنه أراد دخوله في ديته في العمد، وإنما يعني ذلك الخطأ خاصة.
وقوله هنا إذا علم تصحيح تأويل من ادعى العلم على مذهب الكتاب.
وأما الوجه الثاني: إذا قتله بعد الوصية، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يموت بفور ما ضربه.
والثاني: أن يعيش بعد ذلك أيامًا.
فإن مات بفور ما ضربه، فإن كان القتل عمدًا، فالوصية باطلة، ولا تكون لا في المال، ولا في الدية؛ لأنه قد استعجل ما أجله الله تعالى، ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن كان القتل خطأ، فالوصية ثابتة في المال قولًا واحدًا، وهل تدخل في الدية أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا تدخل في الدية أصلًا، وهو نص المدونة، وهو
مشهور المذهب.
والثاني: أنها تدخل في الدِّية كما تدخل في المال.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الوصايا، هل تدخل فيما علم به الموصي من المال، وفيما لم يعلم، أو لا تدخل إلا فيما علم خاصة، فمن رأى أنها تدخل فيما علم، وفيما لم يعلم قال: تدخل في الدِّية، وهذا القول حكاه اللخمي في المذهب، وذكر القاضي الحفيد في كتاب "النهاية" [أنه] 1 أحد قولي مالك، وأنه مذهب الشافعي.
ومن رأى أنها لا تدخل إلا فيما علم قال: لا تدخل في الدية؛ لأنه مال لم يعلم به.
فإن عاش بعد ضربه أيامًا ثم مات فلا يخلو من أن يكون قتله عمدًا أو خطأ.
فإن كان عمدًا وعاش بعد ذلك، وعلم ما هو فيه، فلم يبطل الوصية، ولا غيرها حتى مات، هل تبطل الوصية أم لا؟
فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الوصية باطلة بكل حال حتى يجددها له بعد الضرب، وهو قوله في المُدَبَّر إذا قتل سيده عمدًا ثم حيى بعد ضربه إياه ثم مات أن تدبيره باطل حتى يجدد له الوصية بالتَّدْبِير.
والثاني: أن الوصية ثابتة كما كانت، وتكون في المال؛ لأن سكوته عنها بعد علمه كالمجيز [لها] 2 وهو ظاهر قوله في "كتاب الديات" من "المدونة" حيث قال: إذا عاش وعرف ما هو فيه [ولم] 3 يغير
الوصية، فإن الوصية جائزة له، وتدخل في الدِّية إن كان خطأ، وهو تأويل بعض الصقليين على المدونة.
والثالث: التفصيل بين أن تكون الوصية بلفظ أو كتاب؛ فإن كانت بلفظ فهي باطلة حتى يجددها، وإن كانت بكتابة فهي نافذة حتى يغيرها أو يرجع فيها.
وسبب الخلاف: الاستدامة هل هي كالإنشاء أم لا؟
فمن رأى أن استدامة الشيء كإنشائه قال: الوصية نافذة حتى ينص على الرجوع فيها؛ لأن سكوته عن تغييرها كالمجيز لها.
ومن رأى أن الاستدامة ليست كالإنشاء قال ببطلان الوصية؛ لأن الموصى له قد أحدث ما يبطل وصيته، وهي في الجناية الصادرة منه على معنى العمد، فيعمل بمقتضى الجناية حتى يجددها الموصى مرة أخرى.
فإن كان قتله خطأ، فالوصية تدخل في المال قولًا واحدًا.
وهل تدخل في الدِّية أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة" منصوصين في المذهب:
أحدهما: أن الوصية تدخل في المال، والدِّية؛ لأنه مال علم به، وهو قول مالك في "كتاب الديات" من "المدونة".
والثاني: أنها لا تدخل في الدية أصلًا، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز"، وهو أضعف الأقوال؛ ووجهه عندهم أن الموصى له هو الغارم مع العاقلة، فمتى دخلت فيها وصيته، فكأن بعض الدِّية قد بطل، وهذا الكلام ضعيف؛ لجواز وصية المقتول للقاتل بديته.