كتاب النكاح الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عدم التأثير عند الأصوليين، وقد قال مالك في "كتاب الأيمان بالطلاق" فيمن طلق امرأته في مرضه قبل البناء بها ثم تزوجها قبل صحته انفسخ [نكاحه] 1 معها، إلا أن يدخل بها، فيكون كمن [تزوج] 2 في المرض وبنى فيه.
فقد فسخ نكاح المريض في هذه المسألة مع عدم العلة التي هي استدخال الوارث؛ لأنها ترثه على كل حال إن مات من ذلك المرض، لأنها مطلقة، فثبت أن العلة التي يصح أن يعلل بها الحكم الغرر في الصداق، كما قدمناه.
فإذا ثبت أن العلة الغرر في الصداق، فإن وقع الدخول، هل يكون صداقها من الثلث أو من رأس المال؟ قولان:
أحدهما: أن الصداق يخرج من رأس المال، وهذا القول مروى عن المغيرة، وهو شاذٌ جدًا.
والثاني: أنه يخرج من الثلث، وهو المشهور، والذي عليه الجمهور.
وعلى القول بأنه يخرج من الثلث، هل يجعل في الثلث صداق المثل [أو الأقل؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يجعل في الثلث صداق المثل] 3 بالغ ما بلغ, هو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وعلى ما تأوله الشيخ أبو عمران الفاسي، وهو قول ابن حبيب في "واضحته".
ولا فرق
في ذلك بين أن يتزوجها [بتفويض] 1 أو على صداق سمى.
الثاني: أنه يجعل في الثلث الأقل من التسمية أو صداق المثل، وهو ظاهر [قول ابن القاسم أيضًا] 2 في كتاب "الأيمان بالطلاق" من "المدونة"، وهو [ظاهر] 3 قول سحنون في "كتاب النوادر"، وعزاه إلى عبد الرحمن ابن القاسم.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون تفويض أو تسمية.
فإن كان تسمية فجميعه مصروف إلى الثلث.
وإن كان بتفويض فإن الزائد على صداق المثل ساقط، وهو قول محمَّد واختياره.
وعلى القول بأن صداق المثل مصروف إلى الثلث، هل يُبدا على المدبر في الصحة أو المدبر في الصحة يُبدا عليه؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن صداق المنكوحة في المرض مُبدا على جميع الوصايا وعلى المدبر فى الصحة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، وهو قول ابن القاسم في "النوادر" أيضًا.
والثاني: أن المدبر في الصحة مُبدا على صداق المنكوحة في المرض، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة" و "كتاب الوصايا" من "المدونة".
والثالث: [أنه] 1 يُبَدَّا بقدر صداق المثل على الوصايا والزائد، ويحاصص [به] 2 مع [أهل] 3 الوصايا، وهو قول أصبغ.
والرابع: أن المدبر في الصحة وصداق المنكوحة في المرض يتحاصان.
فوجه قول من قال بتبدية الصداق على المدبر، أن الصداق قد يكون من الثلث إن مات من ذلك المرض، وقد يكون من رأس المال إن صح، والمدبر مصيره من الثلث على كل حال، فكان الصداق [أولى و] 4 أقوى.
ووجه قول من قال بتبدية المدبر، عقدٌ عقده في الصحة والمنكوحة في المرض عقد عقده، وفعل الصحة أبدًا [مقدم] 5 على فعل المرض.
ووجه قول من قال أنهما يتحاصان، لقوة أمرهما وعدم الترجيح لأحدهما، فلم يبق إلا التحاصص بينهما، [والحمد لله وحده] 6.
المسألة الثالثة عشر في دعوى الأخوة بين الزوجين
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يدعى ذلك الزوجان فيما بينهما.
والثاني: أن [يدعي ذلك] 1 الأبوان أو أحدهما.
والثالث: أن يدعى ذلك الأجنبيون.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا ادعى ذلك أحد الزوجين، فلا يخلو من أن يدعيه الزوج أو الزوجة.
فإن ادّعا الزوج أنها أخته من الرضاعة، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تصدقه.
والثاني: أن تكذبه.
فإن صدقته، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل العقد أو بعده.
فإن كان قبل العقد: فلا يجوز النكاح بينهما لتقاررهما على أنفسهما بالأخوة فيما بينهما.
وإن كان بعد العقد، فلا يخلو من أن تكون الزوجة مالكة أمر نفسها أو غير مالكة.
فإن كانت مالكة أمر نفسها، فالنكاح بينهما مفسوخ، ولا شيء لها من
الصداق.
إن كانت غير مالكة أمر نفسها، فالصداق واجب لها على زوجها إن كان بعد البناء أو نصفه إن كان قبله، والنكاح بينهما مفسوخ كما تقدم.
فإن تكاذبا، مثل أن يدعي ذلك أحدهما ويكذبه الآخر، فلا يخلو من أن يكون الزوج هو المدعي ذلك أو الزوجة.
فإن كان الزوج هو مدعي [الأخوة] 1 وأنكرت المرأة ما ادعاه، فالقول قولها ويؤاخذ الزوج بمقتضى قوله، ويحكم عليه بطلاقها ويكون لها جميع الصداق إن كان بعد البناء أو نصفه إن كان قبل البناء.
فإن كانت هي المدعية لذلك والزوج منكر، فلا يحكم عليه بفراقها بمجرد دعواها، وينظر.
فإن كان ذلك بعد البناء، فإن شاء الزوج طلق أو ردت عليه جميع الصداق لأنها أغرته.
وإن شاء أمسك ولا شيء عليه من قولها؛ لأنها متهمة في إرادة الفراق.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا ادعى ذلك الأبوان أو أحدهما.
فإن ادعى ذلك الأبوان أو أحدهما أبو الزوج وأبو للمرأة، فلا يخلو الزوج من أن يكون ممن يلزمه عقد الأب أو لا يلزمه.
فإن كان ممن يلزمه عقد الأب في النكاح لصغره، فلا إشكال [أن إقرار] 2 الأب في ذلك كإقراره إن كان بالغًا رشيدًا، وذلك أن عقدة النكاح
بيد الأب، كما أن عقدة النكاح بيد الابن.
فإن كان ذلك قبل العقد، فلا يجوز للأب الإقدام على العقد.
فإن كان بعد العقد، فلا يلزم الولد إقرار الأب؛ لأنه يتهم في حل ما عقده عليه من النكاح.
وإن كان الولد ممن لا يلزمه عقد الأب، مثل أن يكون الولد بالغًا رشيدًا، فلا يخلوا الأبوان من أن يكونا عدلين أو غير عدلين.
فإن كان عدلين أبو الزوج وأبو المرأة، فلا خلاف في قبول شهادتهما وثبوت [المحرمية] 1 بالرضاع بينهما.
وإن كانا غير عدلين أو أحدهما، فلا يخلو من أن تقارن شهادتهما الفشو والعرف أم لا.
فإن قارنها الفشو والعرف أوجبت شهادتهما [المحرمية] 2 بينهما.
وإن لم يقارنها أوجبت التنزه، فهل يوجب التحريم أم لا؟ قولان:
فإن ادعى ذلك أحد الأبوين، فلا يخلوا من أن يكون الذي ادعى ذلك أو الزوج أو أبو المرأة.
فإن ادعى ذلك أبو الزوج، فعلى التفصيل الذي قدمناه إن ادعاه الأبوان.
فإن ادعى ذلك أبو الزوجة: فالحكم فيه كالحكم في دعوى الأجانب، ونحن نذكره أيضًا إن شاء الله تعالى.
واختلف في الأم [هل هي كالأب] 1 فيما تدعيه، أعني أم الزوج أو أم الزوجة، على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الأم كالأجنبي، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب الرضاع"، وهو المشهور.
والثاني: أن الأم كالأب، وهو قوله في "كتاب محمَّد" و"كتاب ابن حبيب" وهو ظاهر "المدونة" على إحدى الروايتين في كتاب [الرضاع] إذا قالت امرأة مكان أم المرأة.
وقال بعض المتأخرين: لعل معنى ذلك إذا كانت الأم وصية على عقد النكاح، فكانت كالأب.
وقال بعضهم: لا فرق بين الوصية وغيرها، بخلاف الأب، وهو الصحيح، والله أعلم.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا ادعى ذلك الأجنبيون فلا يخلو من أن يكون ذلك لشهادة قاطعة أم لا.
فإن ثبت بشهادة قاطعة، فلا إشكال في العمل بمقتضاها.
وإن كان ذلك بغير شهادة قاطعة، مثل أن يسمع ذلك بشهادة النساء، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بشهادة امرأتين.
والثاني: أن يكون بشهادة امرأة واحدة.
فإن سمع ذلك بشهادة امرأتين، فإن كانتا [غير] 2 عادلتين أوجبت
شهادتهما التنزه عنها ولا توجب التحريم.
وإن كانتا عادلتين، فإن [قارنها] 1 الفشو [أوجبت التحريم، وإن لم يقارنها الفشو] 2، فهل يوجب التحريم أو التنزه دون التحريم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها توجب التحريم [وإن لم يقارنها الفشو] 3، وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن وهب وابن نافع وأصبغ في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أنها توجب التنزه دون التحريم، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النكاح الثاني"، و"كتاب الرضاع" من "المدونة"، وهو قول مالك وابن القاسم.
فإن سمع ذلك بشهادة امرأة واحدة [وإن لم يقارنها الفشو فهل تفيد التنزه أم لا؟ قولان:] 4 فإن قارنها الفشو: فلا خلاف أنها توجب التنزه، وهل توجب [المحرمية] 5 أم لا؟
قولان قائمان في "المدونة" منصوصان في المذهب:
أحدهما: أنها توجب التنزه دون التحريم، وهو المشهور.
والثاني: أنها توجب التحريم، وهو ظاهر قوله في كتاب "النكاح الثاني" من "المدونة" في قوله: شهادة المرأة [الواحدة] 6 في الرضاع لا
يقطع بها شيء، إلا أن يكون أمرًا قد فشا وعرف.
وهو نص قوله في كتاب ابن الموَّاز.
وسبب الخلاف: اختلافهم في [تأويل الأثر] 1 المعارض للإجماع، وذلك أن الإجماع انعقد على أنه لا يقبل من الرجال أقل من اثنين، ثم لا يخلو حال النساء من أحد وجهين:
إما أن تكون أضعف حالًا من الرجال.
وإما أن تكون أحوالهن في ذلك متساوية للرجال.
والإجماع منعقد على أنه لا يقضي بشهادة، [امرأة واحدة]، والأثر الوارد في ذلك حديث عقبة بن الحارث أنه قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة، فأتت امرأة فقالت: إني أرضعتكما، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كيف وقد قيل دعها عنك" 2.
فذهب بعضهم إلى أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "دعها عنك" أنه على الندب جمعًا بينه وبين الأصول.
ومنهم من يحمل ذلك على الوجوب.
والقولان عن مالك - رحمه الله، [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الرابعة عشرة في الأخوين إذا تزوجا أختين، وأدخل على كل أخ زوجة أخيه
فالحكم في ذلك أن ترد كل واحدة منهما إلى زوجها , ولا يطأها إلا بعد الاستبراء.
والحد في ذلك على من علم منهما من رجل أو امرأة.
واختلف في ذلك في موضعين:
أحدهما: في نفقتها في مدة الاستبراء، على من تكون؟
والثاني: في الصداق هل يرجع به على الذي وطئها أم لا؟
وأما الموضع الأول: في نفقتها أمد الاستبراء، هل هي على نفسها أو على واطئها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن نفقتها في مدة الاستبراء على الوطء؛ لأنها احتبست من أجله.
والثاني: أن نفقتها على نفسها، فإن ظهر منها حمل رجعت على الواطئ بما أنفقت.
وإن خرجت من الاستبراء، لم يكن [لها] 1 عليه شيء؛ لأنه وطء بوجه شبهة، وإلى هذا المذهب ذهب الشيخ أبو عمران الفاسي، واتفقوا أنها: لا نفقة لها على زوجها في مدة الاستبراء؛ لأن النفقة إنما تجب على
الزوج بالادعاء و [التمكن أو] 1 بالتمكين على الانفراد على ظاهر "الكتاب".
وأما الموضع الثاني: في الصداق، هل يثبت لها على الذي وطئها أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن لكل واحدة منهما صداقها على الذي وطئها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
[والثاني]: أنه لا صداق [لها] 2 عليه ولا تعمر ذمته بشيء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب تضمين الصناع" فيمن اشترى ثوبا [فغلط] 3 البائع [فدفع إليه] 4 غيره فقطعه: فلا شيء عليه في القطع.
وسبب الخلاف: [اختلافهم في] 5 المخطئ في مال نفسه هل هو كالمخطئ في مال غيره أم لا؟
فمن رأى أنه كالمخطئ في مال غيره، قال يكون لها الصداق على الواطئ، وهو قوله في "كتاب محمد" في البائع الذي أخطأ، فدفع للمشتري غير الثوب الذي اشترى منه.
ومن رأى أنه كالمخطيء في مال غيره، قال: لا صداق على الواطئ.
لأنها جنت على نفسها باستعجالها في الدخول ومبادرتها قبل التثبت
بزوجها وبمن تحل لها الخلوة معه، فكان الغرر من [جهتها ووبال الغرر عليها، وعلى القول بأن لها الصداق على الواطئ فهل يكون لكل واحدة منهما] 1 صداق المثل [أو المسمى] 2، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: لكل واحدة منهما صداق مثلها على [الواطئ] 3، وهكذا ذكره أبو القاسم بن محرز أنه وجده لابن القاسم، وظاهر هذا القول ألا فرق بين أن يتساوى الصداقان أو يختلفا.
والثاني: أن لكل واحدة منهما ما سُمي لها مع الزوج الأول، وهو قول سحنون، وظاهره ألا فرق بين المساواة وعدمها.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يتفق الصداقان، فيكون [كما قال سحنون الصداقان فيكون] 4 كما قال ابن القاسم، وهو قول ابن لبابة [أيضًا] 5.
فوجه القول الأول: لأن كل واحدة مهما دخلت على ذلك، وبه سلمت بضعها.
ووجه القول الثاني: أن الواطئ وطئ بوجه شبهة، فيكون الرجوع فيه إلى صداق المثل من غير اعتبار بالتسمية، ولا يتساوى الصداقان لأن للزوج مقالا [في] 6 أن يقول: إنما بذلت هذا الصداق لزوجتي لجمالها أو
لدينها، وأما هذه فما كنت أبذلت لها, ولا أرضى أن تكون من نسائي، فضلا من أن أبذل لها ما بذلت لغيرها، وصداق كل واحدة منهما ثابت [لها] 1 على زوجها، وهل يحط عنه شيء لما كان استمتع بها غيره وأخذت منه العوض أم لا؟ فلا يخلو من أن تكون بكرًا أو ثيبًا.
فإن كانت بكرًا، هل يحط عنه شيء لمكان البكارة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحط عنه مما سمي من الصداق قدر ما يزاد فيه لأجل البكارة؛ لأنها أخطأت فيما باعته [من الأول] 2 بثمن، فأهلكته بتسليمها لغير المشتري.
والثاني: أنه لا يحط عنه شىء لأجل البكارة؛ لأنها فعلت ما يجب عليها من التسليم جبرًا كما لو غصبت.
فإن كانت ثيبًا، فلا يوضع عنه من المسمى شيء لأن وطء الواطئ لم ينقص منها شىء.
[والقولان [مخرجان غير] 3 [منصوص عليهما] 4 والحمد لله وحده] 5.
المسألة الخامسة عشرة في ملك أحد الزوجين صاحبه
وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه، فالنكاح مفسوخ بينهما بالاتفاق، للإجماع على أنه لا يجوز للسيد أن يتزوج أمته.
فإن فعل، فلا يجوز النكاح، ويكون له أن يطأها بملك اليمين.
ويفسخ [النكاح] 1 إن هي اشترت زوجها للإجماع أيضًا على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج عبدها، [لما] 2 في ذلك من تعارض الحقوق، ولا فرق في ذلك بين أن يملك أحدهما جميع صاحبه أو بعضه.
واختلف في المكاتب إذا اشترته زوجته أو اشتراها الزوج وهي مكاتبة، فهل يفسخ النكاح بينهما من الآن أو لا يفسخ إلا بعد العجز؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح مفسوخ لأن ذلك ملك الرقبة.
والثاني: أنه لا يفسخ إلا بعد العجز؛ لأن الشراء الآن إنما وقع على الكتابة.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
فإذا قلنا باعتبار المآل يفسخ النكاح بينهما من الآن، فهل يكون الفسخ بطلاق أو بغير طلاق؟ فلا يخلو ملك أحدهما لصاحبه من أن يكون بإيثار واختيار أو يكون باضطرار:
فإن كان باختيار [وإيثار] 1 كالشراء والهبة، وما كان في معناهما مما يرجع قبوله إلى خيرة المشترى، هل يكون فسخًا بطلاق أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه فسخ بغير طلاق , وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه فسخ بطلاق، وهي رواية ابن وهب عن الليث.
فوجه القول بأنه يفسخ بطلاق: أنه لما كان الملك باختيار المالك منهما، فكأنه أراد الطلاق واختاره، وهذا يتجه إذا كان الزوج هو المالك.
وأما إن كان هو المملوك فلا؛ لأن الطلاق بيد الزوج لا بيدها، وإن اختارت الملك.
ووجه قول من قال أنه فسخ بغير طلاق: أن الملك الطارئ على النكاح بوهن قواعده ويهدم أمره، فبنفس عقد الشراء انفسخ النكاح, لاستحالة اجتماعهما.
وعلى هذا الخلاف يتركب الخلاف في نصف الصداق:
فمن رأى أنه فسخ بطلاق قال: لها نصف الصداق.
ومن رأى أنه فسخ بغير طلاق قال: لا شيء لها من الصداق.
فإن كان ذلك على معنى الاضطرار مثل: أن يرث أحدهما صاحبه، فهذا لا خلاف فيه أنه فسخ بغير طلاق.
فرع: في عبد زوجه سيده، وضمن عنه الصداق، ثم دفع السيد العبد إلى زوجته فيما ضمن من صداقها برضاها قبل أن يدخل بها , فلا يخلو
[السيد] 1 من أحد وجهين:
إما أن [يغترى] 2 بذلك فسخ النكاح أم لا:
فإن [اغترى] 3 السيد بذلك فسخ النكاح، ليفرغ بذلك عبده، فالنكاح ثابت بينهما، لقيام التهمة بينهما.
فإن لم يغير السيد بذلك فسخ النكاح بينهما، فالنكاح بينهما مفسوخ.
واختلف في العبد، هل يرجع إلى السيد أو يكون الخيار للزوجة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن العبد يرجع إلى السيد، ولا خيار للزوجة في ذلك، ولا شيء لها من الصداق؛ لأنه فسخ بغير طلاق، وهو [قول] 4 ابن القاسم [في المدونة] 5.
والقول الثاني: أن الخيار في ذلك للزوجة إن أحبت أن تدفع الصداق للسيد ويكون لها العبد كان ذلك لها، ويعد ذلك منها شراء للعبد.
وإن كرهت، رجع العبد إلى السيد ويفسخ النكاح، وذلك أنه بنفس قبولها للعبد انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح بينهما رجع العبد إلى مولاه؛ لأن الفراق من سببها لقبولها العبد ورضاها به [والحمد لله وحده والصلاة على محمَّد النبي الكريم] 6.
المسألة السادسة عشرة في نفقة الزوجات
والأصل في وجوب نفقة [الزوجات] 1 وثبوتها على الجملة الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2.
وأما السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم -[: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" 3] 4، ومنها ما خرجه البخاري ومسلم من حديث هند حين جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك لا يعطيني أنا وولدي من النفقة ما يكفيني، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 5.
وأما الإجماع: فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن الزوجة [إذا] 6 [مكنت] 7 نفسها من زوجها [و] 8 ارتفعت الموانع من جهتها، وجبت
لها النفقة على زوجها، [إن] 1 كان مثله يطأ.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو الزوج من أن يكون حرًا أو عبدًا:
فإن كان حرًا، فلا تخلو زوجته من أن تكون حرة أو أمة:
فإن كانت حرة، فلا يخلو الزوج من أن يكون بالغًا أو غير بالغ:
فإن كان غير بالغ إلا أنه قادر على الوطء، هل تجب عليه النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا تجب عليه النفقة ولا الصداق حتى يحتلم، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: [أنه] 2 إذا بلغ [حد] 3 الوطء وقوى عليه، فالنفقة والصداق عليه، وإن لم يحتلم، وهو قوله في "مختصر ما ليس في المختصر".
وسبب الخلاف: ما قارب الشيء، هل يعطى [له] 4 حكمه أم لا؟
فإن كان الزوج بالغًا [واحتلم] 5، فلا تخلو الزوجة من أن تكون متمكنة للاستمتاع أو غير متمكنة.
فإن كانت متكنة للاستمتاع، فإن النفقة تجب على الزوج بالادعاء والتمكين أو بالتمكين على الانفراد، على اضطراب من قول مالك
في "الكتاب".
ففي "كتاب الزكاة الثاني" ما ظاهره: أنها تجب عليه بالتمكين خاصة، وهو قول سحنون في غير "المدونة".
وظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني": أنها لا تجب إلا بالأمرين.
فإن كانت الزوجة غير متمكنة [من] 1 الاستمتاع، فلا يخلو من أن يكون ذلك بسببها أو بغير سببها.
فإن كان ذلك بسببها [كالنشوز] 2، فهل لها النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا نفقة لها، وهو المشهور، وهو الذي عليه الجمهور، وهو المذهب المنصور عند النظار من أصحابنا العراقيين، وهذا القول قائم من "المدونة" من كتاب "العدة وطلاق السنة" في المطلقة التي غلبت زوجها وسكنت في موضع غير بيتها الذي طلقها فيه أنها لا كرى لها على الزوج.
فقال بعض المتأخرين: هذا من أدل الدلائل على أن الناشزة لا نفقة لها، وخالفه غيره من المتأخرين في [هذا] 3 الاستقراء.
والقول الثاني: أن الناشزة لها النفقة، وهو قوله في "كتاب ابن الموَّاز"، ونصه: وإذا غلبت امرأة زوجها، وخرجت من منزله، وأبت أن ترجع إليه، وأبى أن ينفق عليها حتى ترجع، فأنفقت من عندها، فقال مالك: فلها اتباعه بذلك.
وفي "كتاب ابن سحنون":
سأل ابن حبيب سحنون: عن المرأة تهرب من زوجها إلى تونس وتنشز عن زوجها الأيام، ثم طلبت النفقة فقال: إن نشزت عنه؛ لأنها تدعي أنه طلقها، فلا نفقة لها، وإن قالت: إنها فعلت ذلك بغضة فيه، فلها النفقة كالعبد الآبق نفقته على سيده.
وسبب الخلاف: النفقة هل هي بإزاء العوض أو ليست؟
فمن رأى أنها بإزاء عوض قال: لا نفقة [للناشزة لأنها غصبت المنافع التي عنها يعوض الزوج ولهذا يكون للحائض والمريضة] 1 لأن المنع ليس من سببها.
وأما من رأى أنها ليست لأجل العوض قال: لها النفقة.
وإن كان المانع من غير سببها، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون له غاية ينتهي إليها.
أو لا غاية له.
فإن كان لهذا المانع غاية ينتهي إليها كالصغر، فإنه يزول بالبلوغ فلا نفقة لها حتى تبلغ حدًا يتأتى الزوج الاستمتاع بها.
فإن لم يكن له غاية معلومة، ولا حد معلوم في مستقر العادة، فلا يخلو من أن يكون لها قدرة على زواله ورفعه كالرتق أو لا قدرة لها على رفعه كالمرض.
فإن كان مما لها قدرة على رفعه كالرتق وغيره من موانع الوطيء، فهي مخيرة بين أن تداوي نفسها حتى يتمكن الزوج [من] 2 الوصول إلى
الاستمتاع فيلزم ذلك الزوج.
أو تأبى وتمنع من المعالجة، فليخير الزوج بين أن يدفع الصداق ويعقد معها على [ذلك] 1 أو يطلق ولا شيء لها من الصداق.
فإن كان المانع مما لا قدرة لها على رفعه وزواله كالمرض، فلا يخلو ذلك المرض من أن يكون يقدر الزوج على الجماع معه أم لا.
فإن كان مما يقدر معه على الجماع فلها النفقة على الزوج.
وإن كان مما لا يقدر الزوج معه على الجماع ودعا إلى البناء، فلا يخلو من أن تبلغ حد السياق أو لا تبلغ.
فإن بلغت حد السياق: فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا تلزمه [النفقة] 2؛ لأن التمكين غير موجود.
وإن لم تبلغ حد السياق، فهل تجب [عليه] 3 النفقة عليه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا نفقة عليه، وهو قوله في "المدونة"، وهو قول سحنون في "السليمانية".
والثاني: أن النفقة تلزمه ما لم تقع في السياق، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المانع المعتبر، هل هو المانع من الاستمتاع [التام أو المانع من الاستمتاع] 4 على الجملة؟
فمن اعتبر الاستمتاع التام قال: لا نفقة لها؛ لأن المرض معلوم أنه لا يستمتع معه كل الاستمتاع.
ومن اعتبر الاستمتاع على الجملة قال: لها النفقة؛ لأن الاستمتاع متأت له على الجملة.
وإذا تمكن له الدخول ولم يفعل، هل تجب [عليه] 1 النفقة بنفس التمكين أو لا تجب إلا بعد الحكم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تجب بنفس التمكين من غير حكم حاكم، وهو قول مالك، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنها لا تجب لها النفقة إلا بعد الحكم والفرض من الحاكم، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
وأما إذا كانت زوجته أمة والزوج حرا أو عبدًا، هل لها النفقة على الزوج أم لا؟ فلا يخلو من [وجهين] 2:
أحدهما: أن يشترط السيد على الزوج النفقة أو اشترط الزوج على السيد أن تكون عنده.
والثاني: ألا يشترط واحد منهما على الآخر شيئًا.
فإن اشترط أحدهما على الآخر شرطا، مثل: أن يشترط السيد النفقة [على الزوج] 3 أو اشترط الزوج التبوء معها على السيد، فالنفقة على الزوج في هذا الوجه اتفاقا [ووفاقا] 4.
وإن لم يشترط واحد منهما على الآخر شيئًا، هل تكون النفقة على الزوج أم لا؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن لها النفقة [على الزوج] 1 لأنها من الزوجات، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا نفقة لها وإن كانت تأتي زوجها، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثالث: التفصيل بين أن يأتيها أو تأتيه هي:
فإن كان يأتيها فلا نفقة لها.
وإن كانت هي التي تأتيه فلها النفقة , وهو قول مالك أيضًا.
والقول الرابع: أن لها النفقة في الوقت الذي تكون عنده، وهو قول ابن الماجشون.
والخامس: أن نفقتها وكسوتها على سيدها وعليه أن يرسلها في كل أربع ليال ليلة، وعلى الزوج نفقة تلك الليلة [ويومها] 2 وإن ردها في صحبها ولا كسوة لها في تلك الليلة، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: معارضة العموم للقياس، وذلك أن العموم يقتضي أن لها النفقة؛ لأنها داخلة في عموم الآية، والقياس يقتضي ألا نفقة لها إلا على سيدها الذي يستخدمها، وتكون النفقة بين السيد والزوج على قدر انتفاعها؛ لأن كل واحد منهما ينتفع ضربا من الانتفاع.
وإلى هذا أشار من قال: عليه نفقة اليوم الذي تأتيه.
فإن كان الزوج عبدًا والزوجة حرة، هل تجب لها على الزوج النفقة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن عليه النفقة وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا نفقة لها [عليه] 1 وهو قول أبي مصعب، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب محمَّد": وأحب إليَّ إذا نكح أن تشترط عليه النفقة بإذن سيده، وقد حكى في ذلك ابن المنذر ومحمد بن الموَّاز إجماعا: أنها لا نفقة لها.
والخلاف موجود في المذهب كما ترى، فكيف عنك في [المذاهب] 2.
وسبب الخلاف: الإذن في النكاح، هل هو إذن في توابعه أم لا؟
فمن رأى أن الإذن في النكاح إذن في النفقة قال: لها النفقة.
ومن رأى أن الإذن في النكاح لا يكون إذنًا في النفقة، قال: لا نفقة لها؛ لأن العبد محجورٌ عليه، والمحجور عليه الإذن في حقه مقصور على عين ما أذن له فيه، خاصة والزائد عليه بقى على أصل التحجير، والله أعلم.
فإذا طلبت الزوجة [النفقة] 3 وقام لها دليل على صحة الطلب، فلا يخلو الزوج من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا، فلا يخلوا من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، فطلبت الزوجة الفريضة، فإن السلطان يفرض لها ما
تستحقه من النفقة والكسوة والغطاء والوطاء وما تميط به الأذى وتزيل الشعث وتطيب النكهة، وذلك على قدر ماله وحاله، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وليس في ذلك قدر معلوم ولا شرع محتوم، وإنما ذلك على قدر اجتهاد الحاكم.
والكلام في هذا الفصل في موضعين:
أحدهما: في مقدار ما يفرض لها.
والثاني: في مقدار المدة التي يفرض لها فيها.
فأما الموضع الأول: وهو معرفة مقدار ما يفرض لها، فقد اختلف المذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه يفرض لها مد هشام للغداء والعشاء، وهو مدان إلا ثلث بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - على مذهب "المدونة"، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد" من قمح أو شعير أو ذرة أو تمر مما هو عيش أهل ذلك البلد أو جلّهُ.
والثاني: [أنه] 1 يفرض [لها] 2 في الشهر [وَيْبَتَيْنِ] 3 ونصف مكفأ، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن الموَّاز".
قال ابن حبيب في الويبة: اثنا وعشرون مدا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما قاله ابن القاسم قريب من قول مالك - رضي الله عنه - إلا أن يعجز عن ذلك، فينظر الإِمام في ذلك بما هو الصلاح لهما , وليضم لها إلى ذلك دراهم لطحين [وخبيز] 4
[وحطب] 1 وماء وزيت، والطبخة بعد الطبخة من اللحم، وإن وجد سعة زيد عليه بقدر سعته وبقدر ما هي وفي "كتاب ابن حبيب": ومن اللحم على الملي بدرهم في الجمعة ودرهمين أو ثلاثة في صرفها في ماء وغسل ثوب وطحين وخبيز وغيره، ولا يفرض لها فاكهة ولا عسل ولا الجبن ولا يتقلل من هذا لفقره، ولا يزاد عليه لغنائه، وهذا في تشاححهما انتهى قوله.
ومن "كتاب محمَّد": ولا يفرض العسل ولا السمن ولا الجالوم ولكن الخل والزيت وما لا غنى عنه على قدر الرجل والمرأة، وبمشط رأسها ودهنه، وهذا للموسر والمعسر، إلا أن الموسر يزاد [عليه] 2 بقدرها من قدره.
فإن كانت ترضع فرض لها ما يقوم بها في رضاعها.
واختلف فيما يجب لها عليه من قمح وغيره، هل يجوز فيه في دفع القيمة أو لا يجوز؟ على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" من "المدونة"، حيث جوز [المقاصة] 3 للزوجين: إذا كان لها عليه دين وكانت موسرة، فأراد أن يقاصها بالذي لها عليه من النفقة فيما له عليها من دين، وهو قول أبي محمَّد في "النوادر".
والثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن الواجب لها عليه طعام وثمن توابعه، وهذا هو المشهور.
وقد اختلف في المقاصة، هل يجبر عليها من أباها [أم لا] 1؟
[على قولين:
أحدهما: أنه يجبر عليها من أباها وهو قول مالك في "كتاب المكاتب" من "المدونة".
والثاني: أنه لا يجبر عليها من أباها] 2 وهو قوله في "كتاب الصرف" في الذي صارف من عند الصراف عشرين درهما بدينار، فأراد الصراف أن يقاصصه في دينار الصرف بدينار كان له عليه على اختلاف [بين] المتأخرين في تأويل ما وقع [في كتاب الصرف] على ما سنبينه هناك إن شاء الله.
وأما ما وقع في "كتاب النكاح الثاني" فقد اضطرب فيه قوله، وفصل فيه بين أن تكون الزوجة موسرة أو معسرة:
فإن كانت موسرة قال: تجوز المقاصة.
وإن كانت معسرة قال: لا تجوز المقاصة إلا برضاها، وهذا كما تراه، فإن جاز أن يجبر على المقاصة من أباها كيف يعتبر رضاها مع العسر؟
وأما الموضع الثاني: في مقدار المدة التي يفرض لها فيه، وذلك يختلف باختلاف حالات الزوج في عُسره ويُسره.
فإن كان الزوج موسرًا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجوز أن يفرض لها سنة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يفرض لها سنة؛ لأن الأسواق تحول، وهو قول سحنون.
والذي قاله سحنون - رضي الله عنه - أقرب، والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف حالات الزوج.
فإن كان الزوج موسرًا وسع في المدة إذا لم يؤد إلى ضرورة؛ لأن الشأن الفرض بين الزوجين عند المقابحة وقلة الإنصاف ولدد الزوج وفي تقليل المدة عليها ضرر في تكرير الطلب عند لدده وقصده لإتعابها.
فإن كان الزوج موسرًا، فالثلاثة الأشهر والأربعة.
وإن كان متوسطًا، فالشهر والشهران.
وإن كان ذا صنعة، فالشهر.
فإن لم يقدر فعلى ما يرى أنه يستطيع أن يغرمه.
وهذا الذي ذكرناه رأيته لبعض المتأخرين.
وأما الكسوة، فإنها يفرض لها الغطاء والوطاء والكسوة، فيفرض لها مرتين في الصيف والشتاء، فيفرض لها في اللباس: القميص والوقاية والقناع، وهي في الجودة والدناءة [والزيادة] 1 على قدرهما وإيسار الزوج.
وقال ابن القاسم في "كتاب محمَّد": ولا يفرض لها الخز ولا حرير، وإن كان متسعا.
وقال القاضي أبو الحسن بن القصار: إنما قال مالك لا يفرض لها الخز والحرير والعسل؛ لأن مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها القناعة، فأما سائر
الأمصار فعلى حسب [أحوالهم] 1 في النفقة.
واختلف في ثياب [خروجها] 2 كالثياب التي جرت العادة أن تخرج بها كالملحفة والعمامة وغيرها، على قولين:
أحدهما: لا شيء لها وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يفرض على الغني [ثياب] 3 [مخرجها] 4، وهو قول مالك في "المبسوط".
ويزاد لها في كسوة الشتاء ما تقى به البرد، مثل: القبطية وغيرها.
وأما الغطاء والوطاء، ففراش [ووساد] 5 ولحاف.
قال ابن القاسم: والسرير في الوقت الذي يحتاج إليه [لخوف] 6 العقارب وشبهها.
قال ابن حبيب: أو براغيث أو فأر، وإلا فلا.
قال محمَّد: وما تزيل به الشعث كالمشط والمكحلة والنضوح ودهن وحناء رأسها.
وقال ابن وهب في "العتبية": الطيب والزعفران وخضاب اليدين والرجلين ليس ذلك على الأزواج.
وقال محمَّد في الصبغ: وينفق الزوج على خادم واحد من خدمها
لا أكثر.
واختلف إذا كانت ممن لا يصلحها إلا أكثر من واحد على قولين:
أحدهما: أنه ينفق على أكثر من واحد، ويزكي عنهما زكاة الفطر، وهو قول مالك في "المبسوط".
والثاني: أنه لا ينفق على أكثر من واحد، وهو ظاهر "المدونة".
وهل عليها من [خدمة بيتها] 1 شيء أم لا؟
فلا تخلو من أن تكون الزوجة من ذوات الشرف واليسار أو دون ذلك:
فإن كانت من ذوات الشرف، فالخدمة الظاهرة والباطنة على الزوج، وليس عليها [شيء] 2 من الخدمة قليل ولا كثير، إلا الأمر والنهي في الخدمة الباطنة خاصة، من غير التفات إلى الزوج كان من ذوي الشرف أم لا، وإذا كان الزوج موسرًا.
وإن لم تكن الزوجة من ذوات الشرف، فلا تخلو من أن يكون في صداقها ما تشتري به خادمًا [يخدمها فتشتري من يخدمها وإن لم يكن في صداقها ما تشتري به خادما] 3: فعليها الخدمة الباطنة كالعجين والطبيخ والكنس والفرش والرش واستقاء الماء، يريد: إذا كان داخلًا، وهو قول عبد الملك بن الماجشون وأصبغ قال: وكذلك إن كان الزوج مليًا، إلا أنه كان في الحال مثلها أو أيسر منها ولم يكن من أشراف الرجال الذين لا يمتهنون نساءهم في الخدمة.
واختلف إذا كان الزوج معسرًا والمرأة من ذوات الشرف ولم يكن في صداقها ما تشتري به الخادم، هل عليها من [خدمة بيتها] 1 شيء أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا شيء عليها من خدمة بيتها، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن عليها الخدمة الباطنة كما هي على الدنية، وهو قول عبد الملك وأصبغ.
فإن قبضت الزوجة نفقتها ونفقة ولدها، فلا تخلوا من أن تدعى ضياع ذلك قبل المدة أو ادعت فراغه.
فإن ادعت ضياع ذلك قبل المدة، فلا تخلوا من أن يقوم لها بينة أم لا.
فإن لم تقم لها على ذلك بينة، فلا يقبل لها قول لا في نفقة نفسها ولا في نفقة ولدها.
فإن قامت [لها] 2 بينة على ذلك: أما نفقة الولد فلا ضمان عليها فيها؛ لأنها [عندها] 3 في معنى الرهن [والعارية] 4 لا في معنى الوديعة، إذ ليس قبضها بمحض الأمانة.
وأما نفقة نفسها إذا قامت لها بينة على تلفها، هل تضمن أم لا تضمن؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها ضامنة لها، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"،
وهو نص في "كتاب محمَّد بن الموَّاز".
[والثاني: أنها لا ضمان عليها] 1، وهو ظاهر قول مالك [في المدونة] 2 في "كتاب النكاح الثاني" في الصداق إذا قبضته ثم طلقها قبل البناء وادَّعت ضياعه، وكان الصداق مما يغاب [عنه] 3، حيث [قال:] 4 لا ضمان عليها؛ لأن الذي هلك من النفقة قبل تمام المدة التي فرضت لها لم تستحقه بعد، فكان الواجب أن يكون الضمان من الزوج كما لو ماتت.
وقد قال في "كتاب القذف" من "المدونة": أن الزوج يسترد النفقة والكسوة على تفصيل ابن القاسم هناك في قرب المدة وبعدها.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما قبضته المرأة من ذلك، هل قبضته على معنى الملك أو قبضته نفقة لحقها.
فإن ادعت فراغ الذي فرض لها ونفاده قبل تمام المدة، فلا يخلو من أن يثبت ذلك ببينة أو مجرد دعواها.
فإن كان ذلك بمجرد دعواها: فلا يقبل قولها , ولا لها على زوجها شيء حتى تنقضي المدة.
إن ثبت ما تدعيه بما ثبت به أمثاله، فهل لها الرجوع بنفقة المدة على الزوج أم لا؟ فإنه يتخرج في المذهب قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنها لا ترجع عليه بنفقة باقي المدة؛ لأنه قد تبين خطأ الحاكم
في التقدير؛ لأن الثياب قد بليت والنفقة قد [فرغت] 1 قبل حلول الوقت الذي قدر لها.
الثاني: أنها لا ترجع عليه بشيء حتى تنقضي تلك المدة، لأن ذلك حكم قد مضى، وهو ظاهر قول مالك في كتاب "الزكاة الثاني" من "المدونة" في الخارص إذا أخطأ في التقدير.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟
فمن رأى أنه يعذر باجتهاده، قال: لا شيء لها على زوجها.
ومن رأى أنه لا يعذر باجتهاده، قال: لها الرجوع على زوجها بما بقي من المدة.
وأما إذا كان الزوج معسرًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الزوجة عالمة بحاله، ودخلت على ذلك.
والثاني: أن تكون جاهلة بحاله، أو طرأ العسر عليه بعد اليسر.
فإن كانت الزوجة عالمة بحاله ودخلت على فقره، فلا يخلو من أن يكون من أهل الصفة أو كان فقيرًا ممن يسأل ويبذل وجهة في السؤال.
فإن كان من أهل الصفة وممن لا يسأل أحدًا، وإنما قعد على بساط الفتوح فلا مقال لزوجته، ولا حجة إذا طلبت النفقة أو الفراق لعدمه؛ لأنها عرفت ما عليه دخلت.
وإن [كان] 2 من عادته السؤال [فإن تمادى على صنعته وحرفته في
السؤال] 1 فلا حجة لها [أيضًا] 2 أعطى أو خاب؛ لأنها على ذلك دخلت.
وإن ترك السؤال الذي هو حرفته كان [لها] 3 القيام بالفراق.
وعلى هذا التنزيل يتنزل ما في "كتاب محمَّد" وما في "المبسوط" إن شاء الله تعالى.
فإن كانت الزوجة غير عالمة بحاله أو كان غنيًا وقت العقد ثم طرأ عليه العسر بعد ذلك: فلا خلاف في المذهب في هذا الوجه أن لها القيام على الزوج في طلب الرزق، إما أن ينفق أو يطلق، فهل يطلق عليه الحاكم بنفس الرفع أو لابد له من التلوم؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لابد من التلوم، وهو المشهور.
والثاني: أنه يحكم عليه بالطلاق بنفس الرفع، وهو ظاهر قول مالك في كتاب "ابن الموَّاز"، حيث قال: قال مالك: إذا لم يجد النفقة يطلق عليه.
ووجه القول الأول: أنه لابد من التلوم؛ لأنه مما يفتقر إلى الاجتهاد مخافة أن يخبئ ماله، فيجب على الحاكم البحث عنه وعن حاله.
ووجه القول الثاني: أن التلوم والبحث ضرر على المرأة؛ لأنها ما استعدت وما فضحت نقسها بالرفع إلى الإِمام إلا بعد [ما] 4 بلغها الجهد بزيادة التلوم بعد الرفع عليها.
وعلى القول: بأنه لابد من التلوم، فما مقدار مدتها؟ فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أنه يتلوم له شهر ونحوه مما يضر به الجوع، وهو قول مالك في "المبسوط".
والثاني: أنه يتلوم له الأجل الأيام، وهو قول مالك في كتاب "محمَّد".
والثالث: أنه يتلوم له الشهر ونحوه، وهو قول أصحاب مالك على ما حكاه ابن الموَّاز.
والرابع: أنه يتلوم له الشهر والشهران.
والخامس: أنه إن لم يطمع له بمال فإنه يتلوم له [الشهر] 1 إذا لم تجد هي ما تنفق، وهو قول أصبغ.
وفي المسأله قول سادس: أنه يؤخر الشهر إذا كانت فقيرة، والشهرين إذا كانت موسرة، وهو قول قياسي.
فإذا حل أجل التلوم، فإن قدر على النفقة والكسوة، وإلا فُرِّق بينهما.
فإذا ثبت ذلك، فما المقدار الذي إذا قدر على إيصاله إليها لم يقض عليه بفراقها؟
فإن وجد القوام من خبز الشعير والإدام والوسط من الكسوة مما لا يستهجن في حق الشريفة، والزوج لا يقدر على غير ذلك فلا يطلق عليه.
فإن لم يجد إلا غليظ الطعام والخشن من الثياب، وكان ذلك مما يستر عورتها ويسد خلتها.
فإن كانت من غير ذوات الشرف واليسار فلا مقال لها إذا استمر ذلك بها، وإنما كلامها إذا قطع ذلك عنها.
فإن كانت من ذوات الشرف ولم تجد إلا الخشين من الثياب مما يستهجن لها ولأمثالها لباسه، وتلحقها في لباسه معرة، والغليظ من الطعام الذي [تأنفه] 1 ولا يساغ لها، وإن جاعت هل تطلق عليه مع القدرة علي ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه [لا] 2 يحكم [عليه] 3 بالطلاق مع القدرة على ذلك، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والثاني: إنما يحكم عليه بالطلاق إذا لم يقدر [إلا على ذلك] 4، وهو قول مالك في "الكتاب المذكور" أيضًا.
وعلى القول بأنها تطلق بالعجز عن النفقة: فإنها تطلق عليه طلاقا [رجعيًا] 5، ولا خلاف عندنا في المذهب [في ذلك.
واختلف في المذهب] 6، هل يكون لها نصف الصداق إذا كان الطلاق قبل البناء؟ على قولين وقد قدمناهما.
فإذا قلنا: [إن طلاقها] 7 طلاق رجعي، هل تصح للزوج الرجعة كما
تصح له في غير هذا الوجه أم لا؟
فالذي عليه المذهب عندنا أن رجعته موقوفة على وجود النفقة في العدة.
فإذا قدر على النفقة في العدة صحت له المرجع التي ارتجعها.
فإن لم يقدر حتى انقضت العدة فليست رجعته برجعة.
وكذلك رجعت المولى متوقفة على وجود الوطء في العدة؛ ولذلك قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب: الرجعة تهدم العدة إلا في مسألتين.
والذي قاله صحيح لا خلاف فيه في المذهب.
واختلف في القدر الذي إذا قدر عليه تصح له الرجعة، على قولين:
أحدهما: أن لا رجعة إلا إذا وجد النفقة شهرًا، وأما العشرة أيام والخمسة عشر يومًا فليس ذلك له، لأن عليها في ذلك ضرر ثم ترتجع ثم تطلق عليه إلى أيام، وهو قول مالك، رواه عيسى عن ابن القاسم.
والثاني: أنه ينظر إلى من كان فرضه الشهر.
فإذا أيسر لنفقة الشهر صحت له الرجعة.
وإن كان ممن فرضه يوم بيوم أو بالأيام فله الرجعة بوجودها لوجوده أولًا، ثم تطلق عليه وهو قول ابن الماجشون، وبه قال ابن حبيب.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الزوج غائبا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون قيامها بعد الغيبة.
والثاني: أن يكون عند [عقد] 1 سفره.
فإن كان قيامها بعد الغيبة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يترك لها النفقة.
والثاني: أن يتركها بلا نفقة.
فإن ترك لها النفقة واعترفت بذلك، فلا كلام لها.
وإن تركها بلا نفقة على زعمها، فلا يخلو من أن ترفع أمرها إلى الإِمام في غيبة الزوج أو لم ترفع.
فإن رفعت، فإن السلطان يكلف لها ثبوت الزوجية وثبوت الغيبة [وثبوت المال] 1.
فإن أثبتت الجميع، فإن الإِمام يُحلِّفها أنه ما ترك لها نفقة ولا بعث بها إليها ولا وضعتها عنه ثم يفرض لها , ولا خلاف عندنا في المذهب في هذا الوجه أن الغائب يباع عليه ماله وتكسر عليه عروضه فيما وجب عليه من النفقة.
واختلفوا في الحاضر إذا فرض عليه، هل يباع ماله وتكسر عروضه كما يفعل بالغائب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يباع عليه ماله كما يباع على الغائب، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه قال: تكسر عليه عروضه، أي: تباع، ولم يفصل بين الحاضر والغائب.
[والثاني: أنه لا يباع عليه ماله، وإنما يخير إذا فرض عليه بين أن ينفق أو يطلق، وهو قول ابن القاسم في "كتاب يحيى بن إسحاق".
والفرق بين الحاضر والغائب] 1: أن الغائب الضرر فيه متحقق عليها لعدم النفقة، فإذا وجد [للزوج] 2 مال، فإنه يفرض لها فيه لغيبة عينه، لأنا لا ندري ما يختار [الزوج] 3 لو حضر، هل يختار الطلاق أو الإمساك؟
- والحاضر أمره بيد نفسه: إما أن يجري النفقة عليها وإلا طلقها، فلا وجه لبيع عروضه عليه، وربك أعلم.
فإذا لم يوجد للغائب مال حاضر، فلا يخلو من [ثلاثة أوجه]: [أحدها]: أن يعرف ملاؤه.
والثاني: أن يعرف عدمه.
والثالث: أن يجهل حاله.
فإن عرف ملاؤه في غيبته ورفعت أمرها إلى الإِمام، ففرض لها بقدره، فلها اتباعه بذلك إذا قدم.
فإن قدم وادعى أنه خلف لها النفقة، وأنه بعث إليها بالنفقة ووصلت إليها، فالقول قوله مع يمينه، وهو قول مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
فإن نكل عن اليمين غرم لها ما أنفقت.
فإن مات في غيبته، وقد علم جيرانها أنها تنفق سلفا أو من خالص مالها، فقال مالك: هذه أمور إنما يقضى فيها على نحو ما تنزل، واجتهاد الإِمام في ذلك.
وهذا كله إذا لم ترفع أمرها إلى الإِمام ولا استعدت.
فأما إذا استعدت وفرض لها القاضي نفقتها على قدره، ثم قدم وادعى أنه ترك لها النفقة أو أنه كان يبعث لها النفقة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل قوله؛ لأن رفعها إلى الإِمام وإظهار الشكوى تقوم مقام البينة، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: [أن القول] 1 قوله مع يمينه أنه خلف أو بعث سرًا استعدت أم لا، وهو قول مالك أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في دليل الحال، هل يقوم مقام الشاهدين أم لا؟ وذلك أن العادة الجارية في أغلب الأحوال أن المرأة لا ترضى لنفسها بغشيان أندية الحكام، والتعرض للدفاع والخصام إلا لضرورة [حافزة] 2 وحاجة ناجزة، فإذا ظهر منها الشكوى، وكان منها استعداد: كان ذلك دليلا على صدقها.
وأما إن علم [عدمه] 3 في سفره، فلا يفرض عليه، ثم هي مخيرة بين أن تصبر [عليه] 4 بلا نفقة.
وإن طلبته أن يفرق بينهما، هل تمكن من طلبها أو لا تمكن؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحكم عليه، بالطلاق كما يحكم على الحاضر، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه ابن أبي زيد، وبه قال هو وغيره.