كتاب النكاح الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ومن رأى أن الزائد على حيضة في الحرة المسلمة [عبادة] 1 قال: تستبرئ نفسها بحيضة واحدة؛ لأنها كافرة غير متعبدة.
والقولان قائمان من "المدونة" من "كتاب العدة".
وعلى القول بأنها تنتظر ثلاثة [قروء] 2، هل يكون لها النفقة على زوجها ما دامت في عدتها أو لا نفقة لها؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها لها النفقة.
والثاني: أنها لا نفقة لها.
والقولان: منصوصان في "العتبية" و"الموَّازية".
وسبب الخلاف: هل حكمها حكم الناشزة أم لا؟
فمن حكم لها بحكم الناشزة قال: لا نفقة لها في مدة العدة؛ لأنها امتنعت من الزوج وغصبته المنافع التي تعتاض عنها.
ومن رأى أن حكمها على خلاف حكم الناشزة أوجب لها النفقة؛ لأنها فعلت ما يجب عليها [فعله] 3 والزوج تارك الوطء باختياره [لترك ما يجب عليه من الأيمان لأنه من جنس مقدوره كما لو أخره سفر أو أمر يمنعه من الوطء باختياره] 4، وهذا هو الأظهر في النظر، والأول أظهر في الرواية.
فإذا أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها: كان أحق بها بالنكاح الأول، ولا
يحتاج إلى [تجديد] 1 عقد آخر.
والأصل في ذلك حديث صفوان بن أمية، وذلك أن زوجته ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبله ثم أسلم هو، فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على نكاحه.
قالوا: وكان بين إسلام صفوان وإسلام زوجه نحو من أشهر، فكان ذلك سنة فيمن أسلم في عدة امرأته أنه يكون أحق بها إذا تقارر بالزوجية بينهما، ويكون حكمهما حكم الطارئين، إلا أن يتبين كذبهما، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب": يكون أحق بها إذا ثبت أنها زوجته، ظاهره خلاف ما قاله في "كتاب الرجم" بالطارئين.
وقال بعض المتأخرين: وقد يحمل قوله على من هاجر من مكة؛ لأن أهل مكة بالمدينة كثير، ولا يخفى معرفة ذلك بخلاف غيرهم.
فإذا انقضت عدتها قبل إسلام زوجها فسخ نكاحهما، وهل يكون فسخا بطلاق أو بغير طلاق؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه فسخ بغير طلاق، وهو نص "المدونة".
والثاني: أنه فسخ بطلاق، وهو ظاهر قوله في "المدونة".
فيما إذا أسلما قبل البناء، وقد أصدقها خمرًا أو خنزيرًا وقبضته أن الزوج مخير بين أن يبذل لها الصداق فيقر النكاح، فإن أبى فرق بينهما، وكانت تطليقة واحدة، وهو قول مالك في "العتبية".
وسبب الخلاف: ما لأحد الزوجين إجازته أو فسخه، هل يكون فسخًا أو طلاقًا إذا اختار الرد؟
ولا شك أن الزوج في هذه المسألة قادر على إثبات النكاح، ولا فرق
في جميع ما ذكرناه [بين] 1 أن يكونا كتابيين أو مجوسيين أو أحدهما.
وأما إن أسلم الزوج أولًا، فلا تخلو الزوجة من أن تكون كتابية أو مجوسية.
فإن كانت حرة كتابية فلا خلاف في ثبوت النكاح بينهما، من غير التفات إلى البناء، كان أو لم يكن، لجواز نكاح الحرة الكتابية للمسلم [ابتداء].
فإن كانت مجوسية، فأسلم الزوج، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل البناء أو بعده.
فإن كان ذلك قبل البناء، فهل يعرض عليها الإِسلام أو لا يعرض عليها الإِسلام؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يعرض عليها الإِسلام، كما يعرض عليها [قبل] 2 البناء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في مسألة الصبي إذا أسلم أبوه، وقد زوجه أبوه مجوسية، فقال ابن القاسم: يعرض على زوجته الإِسلام.
ومعلوم أن ذلك قبل البناء؛ لأن دخول الصبي [إن دخل] 3 كلا دخول.
والثاني: أنه لا يعرض عليها الإِسلام كما لا يعرض عليها إذا أسلمت قبل البناء، وهو قول أشهب، وهو ظاهر "المدونة" في إسلامها قبل البناء.
فإن كان [ذلك] 1 بعد البناء: عرض على الزوجة الإِسلام بلا كلام، واختلف هل توقف في الحال أو تمهل في مدة؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها توقف في الحال، ولا تؤخر، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" و"الثالث".
والثاني: أنها تؤخر وتمهل [إلى مدة] 2، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب النكاح الثالث"، وإن كان بعض المتأخرين قال: معنى ما وقع لابن القاسم أنها غفل عنها؛ لأن التأخير جائز.
والمشهور على أن التأخير جائز، وهو تأويل ابن أبي زمنين على "المدونة"، على خلاف ما تأوله القرويون.
وعلى القول بجواز التأخير إلى مدة [معلومة] 3، وقد اختلف في قدرها على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الشهر [فأكثر] 4 قليل ليس بكثير، وهو قول ابن القاسم في أحد روايات "المدونة".
والثاني: أن الشهر والشهرين قليل، وهي رواية أخرى في "الكتاب".
والثالث: أنها [تؤخر] 5 إلى ثلاثة أيام، وهي رواية أبي زيد [عن
ابن القاسم] 1 في "ثمانيته" قياسًا على المرتدة.
والقول الرابع: أنها تؤخر إلى انقضاء العدة، وهو قول أشهب في "كتاب النوادر" قياسا على إسلام الزوجة بعد البناء.
وسبب الخلاف: بين من قال: تؤخر، وبين من قال: لا تؤخر، الاستدامة هل هي [كالإنشاء] 2 أم لا؟
فمن جعل الاستدامة كالإنشاء قال: لا تؤخر، إذ لا يجوز للمسلم ابتداء نكاح المجوسية.
ومن جعل الاستدامة ليست كالإنشاء قال: بجواز التأخير؛ لأن ذلك شيء أوجبته الأحكام.
واختلافهم في قدر المدة على قدر الاجتهاد.
وعلى القول بأنها تؤخر، هل لها النفقة في [أثناء] 3 المدة أو لا نفقة لها؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة".
ومثار الخلاف: ما قدَّمناه في إسلامها بعد البناء.
فإن مات الزوج بعد إسلامه وقبل أن يعرض عليها الإِسلام، فهل تبقى أسباب الزوجية بينهما [أو انقطعت؟ قولان قائمان من "المدونة"، وفائدة ذلك وثمرته العدة، فإن قلنا ببقاء أسباب الزوجية بينهما] 4: فلتعتد أربعة أشهر وعشرا.
وإن قلنا بانقطاع أسبابها فعدتها استبراء [إما] 5 بثلاثة قروء
على القول، وإما بقرء واحد على قول.
وسبب الخلاف: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟ فعلى قولين:
فعلى القول بأنه يعد مختارًا لما ترك فإنها تعتد أربعة أشهر وعشرا، لاحتمال أن تكون قد اختارت الإِسلام في حياة الزوج ثم كتمته وعادت إلى الكفر.
وعلى القول بأنه لا يعد مختارًا لما ترك يكون عليها الاستبراء [بحيضة] 1 خاصة وهذا تحصيل مليح وتخريج صحيح يعضده نص صريح لم أر مثله لمتقدم ولا لمتأخر.
والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وبه أستخير فيما أشاء.
والحمد لله وحده.
المسألة السابعة في الذمي يتزوج مسلمة أو اشتراها فوطئها بملك اليمين
قال مالك: أرى أن يتقدم في ذلك أشد التقديم، ويعاقبوا على ذلك [بعد التقدم] 1.
قال ابن القاسم: ولا أرى أن يقام في ذلك حد، وإن تعمداه، [وفي بعض الروايات إن تعمده بإسقاط الألف] 2.
وفي بعض الروايات: إسقاط "تعمداه" جملة وأسقطت لفظة "تعمداه" من "كتاب [ابن المرابط] 3 ".
واختلف المتأخرون في التأويل، لاختلاف هذه الروايات، وعلى من يعود ضمير التثنية في تعمداه اختلافًا كثيرًا، ونحن نحصله و [نلخصه تلخيصًا] 4 [ملحظًا] 5 إن شاء الله تعالى.
فأما على إثبات رواية "تعمداه" [بإثبات] 6 الألف، [فقد] 7 اختلف المتأخرون في جواب الكتاب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه أجاب على أن النكاح دون الملك؛ لأن الملك لا حدّ فيه، وإنما الحد في النكاح، إلا أن النكاح نفسه في هذه المسألة شبهة تدرأ بها الحدود، ويحتج قائل هذا القول بقوله: "وإن تعمداه"، وذلك إشارة إلى الزوجين، وإلا فلا وجه للتثنية.
والثاني: أن جوابه على الملك والزوج الذمي، ولم يتعرض للكلام على الحرة المسلمة، ولذلك جمع الجواب وقال: "لكن أرى العقوبة إن لم يجهلوا".
والقول الثالث: أن جوابه على الزوج الذمي والولي المسلم.
والقول الرابع: أن جوابه في نفي الحد عن الزوج خاصة؛ لأنه وقع في بعض روايات "المدونة": "لا أرى عليه في ذلك حدٌ".
وأما على رواية إسقاط الألف "إن تعمداه": فلا إشكال في صحة هذا التأويل.
وكذلك على الرواية بإسقاط لفظة "تعمداه" جملة.
وأما على إثبات الألف، فبعيد إلا على رجف في التأويل مثل أن يقول: أن التثنية في "تعمداه" تعود على الزوج [والولي] 1، إذ لا يحد الولي في هذه الصورة بوجه ولا سبب.
وأما على الرواية بإسقاط لفظة "تعمداه" جملة، أو إسقاط الألف منها.
ويحتمل قوله الآخر في ذلك على الزوجين أو عليهما وعلى الولي وعلى المشتري أو عليهم، والاحتمال متساو.
واختلفوا في الحُرَّة إذا علمت أنه ذمي، هل تحد أو لا تحد؟ على قولين:
أحدهما: أنها تحد، وإليه مال الشيخ أبو القاسم بن محرز وغيره، وهو ظاهر [المذهب] 1.
والثاني: أنها لا تحد، وإليه مال الشيخ أبو عمران الفاسي، وقال بعض المتأخرين: يؤخذ من قول ابن القاسم في "المدونة": "أن لا حد في ذلك، وإن تعمداه"، أن من تزوج ما حرَّمه الكتاب عالمًا بالتحريم لا يحد لشبهة النكاح كقول أبي حنيفة.
قال: وهو مثل قول أصبغ في "الواضحة" فيمن تزوج أختين عالما بالتحريم، وهو مثل قول مالك في النكاح في العدة.
قال: وقال بعض أصحابنا: وفي نكاح الخامسة.
وقال القاضي أبو الفضل: ولا خلاف عندنا في المحرمات التي لا يحل نكاحهنَّ يوما ما إلا ما أشار إليه هذا المتأخر.
قال: وإنما الخلاف في الحرمات لعلة التي يحل نكاحهن إذا ارتفع التحريم.
وما قاله القاضي - رضي الله عنه - صحيح، جار على أصول الشريعة.
والحمد لله وحده.
المسألة الثامنة في السبي، هل يهدم النكاح أو لا يهدمه؟
ولا خلاف بين الأمة أن النبي حل المسبية غير الزوجة.
وإنما اختلف العلماء في الزوجة، هل يهدم السبي نكاحها أو لا يهدمه؟
فمنهم من قال: إن السبي لا يهدم النكاح حتى يسبيا معا، وهو مذهب أبي حنيفة.
ومنهم من يقول: إن السبي يهدم النكاح جملة، وهو مذهب الشافعي، وسواء سبيا معا أو [أحدهما ومنه قول الشاعر 1:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالًا يبني بها لم تطلق
وأما مذهب مالك فقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن السبي يهدم النكاح جملة من غير تفصيل عُلم النكاح بينهما أم لا سبيا معا أو] 2 مفترقين، وهو قول ابن القاسم وأشهب أول الباب.
والثاني: أن السبي لا يهدم النكاح ولا يفسخه، وهو نص عن مالك في "الموَّازية"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في مسألة العلجين اللذين ادعيا أن بينهما نكاحًا، وعلى أنهما مسبيان حملها حذاق المتأخرين، وهو الظاهر من "الكتاب".
والقول الثالث: أن نفس السبي لا يهدم النكاح ولا يفسخه، وإنما يهدمه
الوطء، ولكن السبي مبيح للوطء، وهو ظاهر قول مالك في "الكتاب"، ويدل على ذلك استدلال ابن القاسم بقول مالك في مسألة الأمة التي علمت بالطلاق، ولم تعلم بالرجعة: فإن وطء السيد هو الذي يهدم رجعة الزوج، وإلا فأي فائدة له في جلب هذه المسألة من موضعها إلى هذا الموضع، وموضعها "كتاب العدة".
وإلى هذا التخريج ذهب الشيخ أبو القاسم بن [محرز] 1 وغيره من حُذَّاق المتأخرين، وهو تخريج صحيح ظاهر لمن أنصف وكشف له عن أسرار "المدونة".
والقول الرابع: بالتفصيل بين أن يُسبيا جميعًا أو مفترقين:
فإن سبيا معا: لم يهدم نكاحهما.
وإن سبيا مفترقين: فانظر، فإن سبيت المرأة أولًا [فسخ نكاحها، ثم لا ينظر إلى حال الزوج بعد إذا لم يُسب أو قدم بأمان وهو قول ابن القاسم أيضًا؛ لأنه قال في الكتاب: إذا سبيت المرأة أولًا] 2، ثم قدم زوجها بأمان، وهي في استبرائها فلا سبيل له إليها، ولا فرق على هذا بين قدومه بأمان أو سبي.
فإن سُبي الزوج أولًا ثم سبيت هي بعد ذلك فلا يفسخ النكاح بينهما [لأنه قال: إذا قدم الزوج بأمان أو قدم مسلمًا ثم سبيت امرأته أن النكاح لا يفسخ بينهما] 3 إن أسلمت، وإن أبت: فرق بينهما، إذ لا تكون زوجة
لمسلم وهي [أمة نصرانية] 1، ولا تنقطع عصمة النكاح بينهما بنفس السبي، ولا فرق في ذلك بين إسلامه قبل البناء وبين سبيه بعدها؛ لأن العلة جامعة بين الفصلين، العلة المانعة [من فسخ] 2 النكاح بينهما إذا قدم مسلما ثم سبيت [بعده] ماله من الأمان وحرمة الإِسلام، والعلة بعينها موجودة فيما إذا سُبي الزوج أولًا، فأمن من القتل بالاسترقاق، فكان ينبغي أن تنال حرمة أمانة زوجته إذا سبيت بعده ثم لا يفسخ نكاحها أصلًا، فهذا لازم لابن القاسم، فافهم وفرغ ذهنك إلى فهم هذه المعاني العويصة تصب إن شاء الله تعالى.
وسبب الخلاف: بين من يقول يهدم أو لا يهدم تردد نساء المسترقين الذين أمنوا من القتل بين نساء الذميين أهل العهد، وبين الكافرة التي لا زوج لها.
فمن ألحقهن بنساء الذميين، قال: لا يهدم السبي النكاح.
ومن ألحقهن [بالكوافر] 3 اللاتي لا أوزاج لهن، قال: السبي يهدم النكاح.
وأما من فرَّق بين أن يسبيا معًا أو يسبيا مفترقين: فيشبه أن يكون المؤثر عنده في الإحلال هو اختلاف الدار بينهما لا الرق، والمؤثر عند غيره هو الرق.
وإنما يبقى النظر هل هو الرق بانفراده من غير اعتبار بالزوجية، كانت، أو لم تكن أو مع عدم الزوجية؟
قال القاضي أحمد الحفيد: والأشبه ألا تكون [الزوجية] 1 هاهنا حُرمة؛ لأن محل الرق وهو الكفر هو سبب الإحلال.
وأما تشبيهها بالذمية فبعيد؛ لأن الذمي إنما أعطى الحرية بشرط أن يقر على دينه، فضلا [عن] 2 نكاحه، وهذا الذي قاله صحيح لمن تأمله، [والحمد لله وحده] 3.
المسألة التاسعة في نكاح الكوافر
ونساء الكوافر على ثلاثة أقسام:
الوثنيات، والمجوسيات، وحرائر الكتابيات، [وإماء الكتابيات] 1.
فأما الوثنيات والمجوسيات: فلا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز وطئهن بنكاح.
ولا خلاف أيضًا بين فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد ابن حنبل - رضي الله عنهم - أنه لا يجوز وطئهن بالملك.
ولا فرق في ذلك بين الإماء والحرائر.
ذهب بعض السلف إلى جواز وطئهن بالملك.
وذكر عن أبي ثور أنه أجاز وطئهن بنكاح وملك، فإن صح ما ذكر عن أبي ثور، فلا يصح الاحتجاج بالإجماع لمن احتج به.
والجواب عن القسم الثاني: في حرائر الكتابيات، فلا خلاف بين العلماء في جواز وطئهن بالملك والنكاح، إلا ما رُوى عن عمر - رضي الله عنه -، وقد وقع له في [بعض] 2 آثار "المدونة": أنهن كالمجوسيات.
والجواب عن القسم الثالث: في إماء الكتابيات، ولا خلاف بين العلماء في جواز وطئهن بملك اليمين.
واختلفوا في جواز وطئهن بالنكاح.
والأصل في جميع المشركات الحرائر منهن والإماء: أنه لا يجوز وطئهن جملة لا بنكاح ولا بملك، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 1، ولقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَم الْكَوَافِرِ﴾ 2، وهذا يعم كل مشركة وكافرة.
فمن جوز وطء نساء المجوسيات والوثنيات بالملك عارض [هذا العموم] 3 بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 4، وهن المسبيات، وظاهر الآية العموم والاستغراق للمشركات والكتابيات.
ومن جوز وطء حرائر الكتابيات بنكاح: استدل بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 5 ويكون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ 6، عمومًا أريد به الخصوص.
والأصل عند أرباب الأصول بناء الخصوص على العموم، فخصصت حرائر الكتابيات من العموم بهذه الآية ويبقى الباقي على أصله، ويستدل به على العموم كما يستدل به على الخصوص، على مذهب أكثر الأصوليين.
وأما وطء إماء الكتابيات بملك فبقوله تعالى: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانكُمْ} 1؛ فلا خلاف في مذهب الفقهاء أن عموم هذه الآية يتناولهن.
وأما وطئهن بنكاح: فإنه ممنوع كما قدمناه عند من منعه، وجاز عند من جوَّزه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في معارضة العموم للقياس، وذلك أن قياسهن على الحرائر يقتضي إباحة تزويجهن وباقي العموم إذا استثنى منه الحرائر يعارض ذلك؛ لأنه يوجب تحريم نكاحهن، على مذهب [بعض] 2 الأصوليين أن العموم إذا خصص بقى الباقي على عمومه.
فمن خصص عموم الباقي بالقياس أو يرى أن الباقي من العموم بعد الخصوص مُجملًا، قال: بجواز نكاح الأمة الكتابية قياسًا على الحرة، أصل ذلك إماء المسلمات وحرائرهن؛ لأن إماء كل جنس يقاس على حرائره، وينبغي أن يُبنى هذا [الخلاف] 3 على مطلع آخر، وهو معارضة دليل الخطاب للقياس، وذلك أن قوله تعالى: ﴿مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 4، يوجب ألا يجوز نكاح الأمة غير المؤمنة، كتابية كانت أو غيرها، بدليل الخطاب وقياسها على الحرة يوجب ذلك.
[والحمد لله وحده] 5.
المسألة العاشرة إذا أسلم النصراني وتحته عشر نسوة
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يسلم وعنده عشر نسوة.
[الثاني] أو أسلم وعنده أم وابنتها.
والجواب عن الوجه الأول: إذا أسلم وعنده عشر نسوة أجنبيات: فإنه يختار منهن أربعًا ويفارق سائرهن، والأصل في ذلك حديث غيلان بن [سلمة] 1 الثقفي: أنه أسلم على عشر نسوة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اختر منهن أربعًا.
. ." 2 الحديث.
وهل لمن فارق منهن صداق أم لا؟ ولا يخلو من أن يكون دخل بهن أو لم يدخل بواحدة.
فإن دخل بهن كان لكل واحدة منهنَّ صداق المثل.
وإن لم يدخل بواحدة منهن، هل يكون لمن فارق صداق [المثل] 3 أم لا؟
فالمذهب على ثلالة أقوال:
أحدها: أنه لا شيء لهن من الصداق، لا نصفًا ولا غيره، وهو ظاهر
قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن لكل واحدة منهن نصف صداقها، وهو قول ابن حبيب.
والثالث: أن لكل واحدة منهن خُمس صداقها، وهو قول ابن الموَّاز.
وهكذا اختلفوا في الفسخ فيهن بطلاق أو بغير طلاق.
فابن حبيب يقول: إنه بطلاق.
وابن القاسم يقول: بغير طلاق، وله قول آخر مثل قول ابن حبيب، والقولان قائمان من "المدونة".
وقد قال فيما إذا أسلم قبل البناء، وقد قبضت صداقها في أرض الحرب: إن الزوج مخير بين أن يدفع [لها] 1 الصداق ويدخل، فإن أبى فُرِّق بينهما وكانت تطليقة، وهو نص "المدونة"، وفي كلا المسألتين أنَ الفراق باختياره.
وسبب الخلاف: اختلافهم في عقود الكفار وأنكحتهم في الشرك، هل هي صحيحة أو فاسدة؟
فمن رأى [أنها صحيحة قال: لها نصف الصداق على قول من يرى أنه طلاقه وقع بالاختيار وخمس الصداق على قول من اعتبر ما يجب عليه، بفراق جميعهن ومن رأى] 2 أن أنحكتهم فاسدة، وإنما جوزها الشرع إذا أسلما جميعًا على الصفة التي إذا وقع [عليها] 3 [في] 4 الإِسلام،
وذلك شريعة غير معقولة المعنى قال: لا شيء لهن من الصداق؛ ولأنه فراق مغلوب عليه.
وأما اختلافهم في الفراق، هل هو فسخ أو طلاق؟ فينبني أيضًا على أصلٍ آخر، وهو المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
فإن اختار منهن أربعًا، فوجدهن من ذوات [المحارم] 1، هل له الخيار والاختيار في البواقي أم لا؟ فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يوقع عليهن الطلاق حين اختار منهن.
والثاني: أن يسرحهن من غير [طلاق] 2.
فإن طلقهن حين اختار منهن: فلا إشكال أنه لا سبيل له إليهن سواء تزوجن أم لا.
إذا كان ذلك قبل البناء أو بعده، وانقضت العدة.
فإن سرحهن من غير أن يوقع عليهن طلاقا، فهل له أن يختار منهن أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له أن يختار منهن أربعًا ما لم يتزوجن، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
والثاني: أن له أن يختار [منهن] 3، وإن تزوجن ودخل بهن أزواجهن، [ويفسخ نكاحهن] 4، وهو قول ابن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أسلم وعنده امرأتان من ذوات المحارم، فلا يخلو من أن تكونا أختين أو تكونا أمًا وابنتها.
فإن كانتا أختين، فهل له أن يختار واحدة منهما أو يفارقهما جميعًا [فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له أن يختار واحدة منهما ويفارق الأخرى كالأجنبيات سواء وهو قول مالك الذي عليه أكثر أصحابه.
والثاني: أنه فارقهما جميعا] 1 ويتزوج بعد ذلك أيتها شاء، وهو قول ابن الماجشون، وخالفه في ذلك جميع أصحاب مالك رضي الله عنهم أجمعين.
فإن كانتا أمًا وابنتها، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يدخل بهما جميعًا.
أو لا يدخل بواحدة منهما.
أو دخل بواحدة.
فإن دخل بهما: فارقهما جميعًا، ولا تحل له واحدة منهما أبدًا.
فإن دخل بواحدة [منهما] 2، فلا يخلو من أن تكون معلومة أو مجهولة:
فإن كانت معلومة فإنه يبقى معها إن كانت الابنة بلا خلاف، وإن كانت الأم فعلى الخلاف.
فإن كانت مجهولة، كانت بمنزلة ما لو دخل بهما جميعًا.
فإن لم يدخل واحدة [منهما] 1، ففي المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يختار أيتها شاء، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يفارقهما جميعًا، وهو قول بعض الرواة في "المدونة".
والثالث: أنه يمسك الابنة ويفارق الأم، وهو قول أشهب في أول "كتاب النكاح الثالث".
وسبب الخلاف بين ابن القاسم وبين بعض الرواة: اختلافهم في الاستدامة، هل هي كالإنشاء أم لا؟
فبعض الرواة يقول: إنها كالإنشاء، وابن القاسم يقول: لا.
والخلاف بين ابن القاسم وأشهب ينبني على الخلاف في العقد الفاسد، هل [هو] 2 شبهة تؤثر أو لا؟
فأشهب يقول: نعم، وابن القاسم: اضطرب قوله، وقد قال في باب المجوسي يسلم وعنده عشر نسوة: أن الابنة التي أرسلها لا تحل لآبائه [ولا لأبنائه بناءً] 3 على أن شبهة العقد الفاسد تؤثر، وقوله مضطرب كما ترى والله أعلم [والحمد لله وحده] 4.
المسألة الحادية عشرة في طلاق النصراني
وطلاق النصراني زوجته لا يخلو من أن يتقاررا أو يتجاحدا.
فإن تجاحدا: فحكمهما حكم المسلمين في ذلك بلا إشكال.
فإن تقاررا [فلا يخلو من أن يجوزها نفسها، أم لا.
فإن جوزها حكم عليه الفقهاء إذا طلبت ذلك وترافعا إلى حكم المسلمين، فإن لم يجوزها نفسها] 1: فلا يخلو من أن يرضى بحكم الإِسلام أو لم يرض:
فإن لم يرض بحكم المسلمين [لم] 2 يجبر على الطلاق ولا يلزمه؛ لأن ذلك بمعنى الهبة، والنصراني لا يجبر على تسليم الهبة للموهوب له.
فإن رضي الزوج بحكم الإِسلام [فالإمام مخير إن شاء حكم إن شاء ترك.
قال مالك: وأحب إلى ألا يحكم بينهم، فإن حكم بينهم حكم بحكم الإِسلام] 3.
وهل يتوقف الحكم على رضا أساقفتهم أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا [ينظر] 4 إلى رضا أساقفتهم، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه لابد من رضاهم، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
واختلف المتأخرون في معنى قوله في "الكتاب": "فإن حكم بينهم حكم بحكم الإِسلام" هل يريد بذلك أنه يحكم بينهما بالطلاق؟ وهو تأويل أبي الحسن بن القابسي وغيره، أو يريد بذلك أنه لا يحكم بينهما بالفراق لأن حكم الإِسلام في أنحكتهم وطلاقهم لا يلزم، وهو تأويل [ابن] 1 أخي هشام وابن الكاتب وغير واحد من المتأخرين، وهو أظهر، ويدل عليه [قوله] 2 في "الكتاب": وطلاق أهل الشرك ليس بطلاق.
وفي المسألة قول ثالث: بالتفصيل بين أن يكون العقد وقع على شروط الصحة: فيجوز ويكون فيه الطلاق، أو يكون وقع على شروط فاسدة: فلا يلزم فيه الطلاق، وظاهر ما وقع في "كتاب العتق الثاني" يشهد بصحة تأويل ابن القابسي في لزوم الطلاق في النصراني إذا أعتق عبده وتمسك به أنه لا يعرض له إلا أن يرضى السيد بحكم الإِسلام: فيحكم عليه بعتقه.
وظاهره: أن العتق والطلاق في ذلك سواء، ولا فرق بينهما في جميع ما ذكرناه، والحمد لله وحده.
المسألة الثانية عشرة في أحكام المرتد
والمرتد: إذا ارتد فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بدَّل دينه فاقتلوه" 1، وقول عمر - رضي الله عنه -[في الاستتابة] 2: هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه في كل [يوم] 3 رغيفا 4.
واختلف عن عمر - رضي الله عنه - في التأخير إلى ثلاثة أيام، واختلافه سَبَّبَ اختلاف قول مالك والشافعي - رضي الله عنهما - في الاستتابة، هل هي ثلاث مرات أو ثلاثة أيام؟
[فعن مالك في ذلك روايتان، والقولان قائمان من "المدونة"، ويؤخذ له من آخر "كتاب العدة وطلاق السنة": أنها لا تؤخر إلى ثلاثة أيام] 5، لقوله في المرتدة: وإن كانت [غير] 6 حامل لم تؤخر واستتيبت، معناه: لم تؤخر إلى ثلاثة أيام واستتيبت في الوقت ثلاث مرات، إلا أن المشهور عنه التأخير إلى ثلاثة أيام.
وإذا ثبت ذلك فهل الردة تزيل العصمة بينهما؟ فالمذهب على ثلاثة
أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الردة تزيل العصمة بينهما جملة بلا تفصيل، وهو قول مالك في "المدونة" في "كتاب النكاح الثالث".
والثاني: أن نفس الردة غير مزيلة للعصمة [جملة] 1 إذا رجع إلى الإِسلام، وهو قول أشهب في غير "المدونة"، وهو ظاهر قول الغير في "كتاب النكاح الثالث" 2 [من المدونة] 3: إن الردة [لا تسقط أيمانه ولا تحبط إحصانه] 4.
والقول الثالث: التفصيل بين أن تكون زوجته أمة أو كتابية أو كانت الزوجة هي المرتدة، فارتدت إلى اليهودية أو إلى النصرانية.
فإن كانت الزوجة مسلمة أو كانت هي المرتدة، فارتدت إلى المجوسية فالعصمة منقطعة بينهما.
وإن كانت كتابية أو نصرانية أو كانت الزوجة هي المرتدة، فارتدت إلى اليهودية أو إلى النصرانية فالعصمة بينهما قائمة، ولا يفسخ النكاح بينهما بالارتداد إذا عاود إلى الإِسلام، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب"، وهو قول علي بن زياد وابن بشير في الزوجة إذا ارتدت إلى المجوسية، وزوجها مسلم، ووقعت الفرقة بينهما، وهذا القول قائم من "المدونة" من قوله: إذا ارتدت وقعت الفرقة بينه وبين زوجاته إذا كن مسلمات، وهو [مثل] 5 قول أصبغ، وظاهر قول ابن القاسم بعده خلافه في قوله: أنه
تقع [الفرقة] 1، وإن كان من غير أهل الإِسلام.
وعلى القول بأن الردة تزيل العصمة، هل ذلك فسخ أو طلاق؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه طلاق، وهو نص قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه فسخ، وهو قول مالك في "المبسوط"، وهو ظاهر "المدونة" في إسلام أحد الزوجين، إذ لا فرق في التحقيق بين الموضعين.
وعلى القول بأنه طلاق، هل هو طلاق بائن أو رجعي؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها طلقة بائنة، وهو نص "المدونة".
والثاني: أنها طلقة رجعية، وهو قول منصوص في المذهب، وهو ظاهر "المدونة" في الزوج إذا أسلم في العدة.
وسبب الخلاف: [في جميع] 2 ما ذكرناه من وجوه هذه المسألة من الأقوال: اختلافهم في المرتد إذا رجع إلى الإِسلام، هل هو كالكافر الأصلي إذا أسلم أو حكمه حكم المسلم الأصلي الذي لم يرتد قط، وهذا مدار هذه المسألة، وعليه ينبني ما فيها من الخلاف، فابن القاسم اضطرب، [مذهبه في المدونة] 3 فتارة حكم له بحكم الكافر الأصلي إذا أسلم سقط عنه كل ما كان عليه من حقوق الله، ويبتدئ ما كان الكافر يبتدئه إذا أسلم.
وتارة يقول كقول غيره.
وغيره اضطرب مذهبه وما اضطرب وقال: إن حكمه حكم المسلم الأصلي الذي لم يغير دينه قط.
وعلى هذا الأصل ينبني اختلافهم أيضًا في المرتد إذا مات له ولد في حال ردته حيث قال ابن القاسم: [لم يوقف [له] 1 من ميراثه شيء ولا يرث، والميراث لمن وجب له يوم مات الميت.
وقال أشهب:] 2 يوقف له ميراثه منه فإن أسلم كان له، وإن قتل على ردته كان فيئا لجميع المسلمين كسائر ماله.
والحمد لله وحده، تم "كتاب النكاح الثالث" [بحمد الله وحسن عونه والصلاة على نبينا محمَّد وآله] 3 [ويتلوه "كتاب الرضاع"] 4.
كتاب الرضاع