مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 91-130
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور والأيمان

صفحات 91-130
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(1) تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها] (2) ثماني عشرة مسألة:

المسألة الأولى (فيما)

3 إذا حلف بالمشي إلى مكة: لا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن ينوي حجًا أو عمرة.
والثاني: أن ينوي الوصول إلى مكة ويعود، لا أكثر من ذلك.
والثالث: أن لا تكون له نية.
والرابع: أن يقول: عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا شيئًا من حرمها.
وأما [الجواب عن الوجه] 4 الأول: إذا نوى حجًا أو عمرة: فإنه يمشي حتى يسعى بين الصفا والمروة إن كانت عمرة، وحتى يفيض وحتى يرمي الجمار إن كانت حجة.
فإن قدَّم الإفاضة على الرمي هل يركب في رمي الجمار أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يركب في رمي الجمار -أعني في حين سيره لا حين الرمي وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 5، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أنه لا يركب في رمي الجمار وإن كان قد أفاض، وهو قول ابن12

حبيب 1. ووجه قول ابن القاسم: إن الحج قد تم وحلَّ من إحرامه كأن المعنى الذي أراد المشي فيه قد ذهب.
ووجه قول [ابن حبيب] 2 أنه وإن حلَّ من إحرامه فقد بقى عليه من جملة المناسك التي نذر المشي فيها.
فإن أخر الإفاضة وقدم الرمي عليها هل يركب في رمي الجمار أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يركب في رمي الجمار، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن له أن يركب فيها [قبل أن يفيض] 3، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتاب أيضًا حيث [قال] 4 عقيب قول مالك: (وأنا لا أرى به بأسًا وذلك عندي بمنزلة، ما لو مشى فيما وجب عليه ثم [رجع إلى] 5 المدينة فركب في حوائجه أو رجع من الطريق لحاجة نسيها) 6. وإن كان المتأخرون قد اختلفوا في تأويل قول ابن القاسم في [الكتاب] 7: (ولا أرى به بأسًا): هل يرجع على المسألة الأولى، وهو قول مالك: لا يركب في رمي الجمار، ويكون خلافًا، وإليه ذهب أبو الحسن اللخمي، ويؤخذ منه أيضًا أن الخلاف يدخل في الركوب إلى

الحوائج، أو يعود إلى الركوب في حوائجه وفاقًا، وهو تأويل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد 1 - رضي الله عنه - فلو ركب المناسك كلها فقد قال في الكتاب أنه يحج الثانية راكبًا، فإذا طاف وسعى خرج إلى عرفات ماشيًا [حتى] 2 يفيض، ولم يبين هل كان ركوبه اضطرارًا أو اختيارًا، ونحن نقول من حيث التفصيل: لا يخلو ركوبه في المناسك من [وجهين] 3 إما أن يكون على معنى الترفه والاختيار، أو على معنى الغلبة والاضطرار.
فإن كان [ركوبه] 4 على معنى الترفه والاختيار: كان عليه أن يقضي قابلًا راكبًا، ثم يمشي المناسك على أي وجه كان مشيه منذورًا معينًا أو مضمونًا في الذمة، أو تطوعًا، ولا إشكال في ذلك.
وإن كان [ركوبه] 5 على معنى الغلبة والاضطرار كالعجز والمرض: فلا يخلو إما أن يكون نذره مضمونًا في الذمة وسمي حجًا، أو كان معينًا.
فإن كان مضمونًا في الذمة: فإنه يقضي قابلًا [راكبًا] 6 [و] 7 قضي المناسك ماشيًا، ولا خلاف في [ذلك] 8. وإن [كان] 9 المنذور معينًا في عام بعينه.
وسمىّ الحَّج أو لم يُسمِّه، أو كان مضمونًا [و] 10 لم يَسمِّ حجًا،

هل يمشي المناسك في حجة القضاء أو يجوز له الركوب؟ فالمذهب على قولين [قائمين] 1 من "المدونة": أحدهما: أنه يجوز له الركوب، ولا شيء عليه، وهو قول مالك في المدونة: في الذي حلف بالمشي إلى بيت الله، فحنث، فمشى في حج، ففاته الحج: "أن المشي يجزئهُ، [ويجعله] 2 في عمرة، ويقضي عامًا قابلًا، [ويهدي لفوات الحج، ولا شيء عليه غير ذلك".
والثاني: أنَّهُ يمشي المناسك قابلًا] 3، وهو قول ابن القاسم في كتاب "محمد"، وظاهر الكتاب يدلُّ عليه أيضًا، فرأى مالك رضي الله عنه: أنَّهُ [إن] 4 [غلب] 5 على مشي المناسك، ولم يفته الحج: كان له الركوب ويجزئه وإن فاتهُ الحج: كان قد غلب على الوجهين جميعًا، فقضى الحج ولم يقض [المشي] 6 وعلى أصل ابن القاسم، إن [غلب] 7 على المشي وحده وشهد المناسك راكبًا: قضى قابلًا ويمشي المناسك.
فإن غلب على الوجهين جميعًا الحج [والمشي] 8، حتى فاته الحج يمرض -[أو خطأ] 9. قضى المشي والحج جميعًا.
وينبني الخلاف على الخلاف: في مراعاة المقاصد والألفاظ:

فمن اعتبر الألفاظ، قال: لا يلزمه مشي المناسك، لأنه قال: "إلى مكة"، و "إلى": في موضوعية الاستعمال في وضع اللغة، بمعنى الغاية [ومن شروط الغاية] 1، أن يكون ما بعدها [خلافًا] 2 لما قبلها.
ومَنْ اعتبر المقاصد، قال: لا يلزمه مشي المناسك، لأنَّ المقصود من المشي إلى مكة: عمل المناسك، وهو فائدة المشي وثمرتُهُ.
ولهذا فُرِّق بين مشى المناسك ومشي الطريق، فقال: إذا [مشى] 3 مثل البريد واليوم لم يلزمه العود ثانية، وعليه الهدى، وقال: إذا ركب المناسك كُلَّها، فإنَّهُ يعود ثانية، فأمرهُ بالرجوع ثانية، وإن كان أقل من يوم، وما ذلك إلا لكونه مقصود المشي ومطلوبه، ولأنَّ الحاج فيها محبوسٌ أيامًا، فأشبه السفر، ولأنَّهُ مدة تقصر [فيها] 4 الصلاة أيضًا.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا [نذر] 5 الوصول إلى مكة، ويعود ولا نية له في أكثر من ذلك، فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن يرى أنَّ في ذلك فضيلة وقُربة [والثاني: أن يكون عالمًا أنه لا قربة فيه.
فإن كان يرى أن فيه فضيلة وقربة] 6 فلا شيء، [عليه] 7 لا مشي ولا غيره، وهو قول أشهب في كتاب محمد: " [أن] 8 من نذر المشي إلى مكة ولا نية له أن لا شيء عليه".

وإن كان عالمًا أنَّهُ لا قُربة في نذره، ووصوله: كان نذره معصية، وهل يلزمهُ أن يجعل ذلك في حج أو عمرة؟ قولان قائمان من المُدوَّنة: أحدهما: أنّهُ يجعل ذلك في حج أو عمرة [ويلزمه ذلك وجوبًا] 1، وهو قوله في "الكتاب": فيما [إذا] 2 نذر أن يحمل فلانًا إلى بيت الله، وقصد بذلك التعب والمشقة على نفسه، حيث قال: "إنَّهُ يحج ماشيًا ويهدي".
والثاني: أنَّهُ لا شيء عليه ولا يلزمهُ المشي، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا، فيما إذا نذر الشي إلى بيت الله حافيًا [راجلًا] 3 قال: فإنَّهُ ينتعل، فإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وجميع ذلك نذر معصية.
وينبني الخلاف على الخلاف: فيمن نذر معصية، هل يلزمه أن يعكس نذرهُ [في طاعة] 4 أم لا؟ والجواب عن [الوجه] 5 الثالث: إذا نذر المشي إلى بيت الله، ولا نية له في حج ولا عُمرة، فهو مخيَّر: إن شاء جعل مشيهُ في حج، وإن شاء جعلهُ في عُمرة.
وإن جعله في عمرة، مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة.
فإن ركب بعد السعي، وقبل الحلاق فلا شيء عليه، لأنه لم يبق عليه شيء.
وإن [جعلهُ] 6 في حجٍ، فلا يخلو من أن يكون قد أدرك الحجَّ أو فاته:

فإن أدرك الحج، فلا خلاف أنَّهُ يلزمهُ المشي إلى مكة، وهل يلزمه مشي المناسك أم لا؟ قولان: وقد قدَّمناهما، والصحيح أنَّهُ يلزمهُ مشي المناسك.
فإن فاتهُ الحج، ففسخ مشيهُ في عمرة، فإنه يقضي قابلًا ويهدي، وهل يلزمهُ مشي المناسك في حجة القضاء أم لا؟ [فالمذهب] 1 على قولين قائمين من "المدونة" على حسب ما قدَّمناه أيضًا.
فمن ألزمهُ مشي المناسك، فكأنه رأى أنَّهُ لما أحرم بالحجِّ أوجب على نفسه مشى المناسك.
ومن لم يُوجب ذلك عليه، فكأنَّهُ لم يلزمهُ مشي المناسك إلا مع سلامة حجه، فمتى فاتهُ صار عملهُ عمل العُمرة أشبه من ابتداء العُمرة في عمرة، لأنَّ قضاءهُ الحج، ليس من [جهة] 2 المشي، لأن المشي قد أتى به، وإنَّما سنة من فاتهُ الحج أن يقضيه، وإن غلب عليه تطوعًا كان [أو] 3 واجبًا، وهذا ظاهر "المدونة"، لقولهِ: "فإنَّهُ يقضْي قابلًا ويهدي، ولا شيء عليه غير ذلك"، وظاهرهُ: أنَهُ لا شيء عليه من مشي المناسك، وإلا [فما المشي] 4 الذي أشار إليه غيرهُ؟ والجواب عن [الوجه] 5 الرابع: إذا قال عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا شيء من حرمها، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:

أحدهما: أنه لا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: [أن المشي يلزمه] 1 إلى مكة [وهو قول أشهب] 2 والحمد لله وحده.

المسألة الثانية

فيمن نذر إحرامًا بحجة أو عُمرة إن فعل كذا، فلا يخلو من وجهين:

أحدهما: أنَّ يقيِّد يمينه بوقت.
والثاني: ألا يقيدها بوقت.
فإن قيَّدها بوقت غير معين، وكان يمينه [على حج] 1، مثل: أن يقول "يوم [يفعل] 2 كذا أو كذا" أو "حين [يُفعل] 3 كذا وكذا"، فهو مُحرم، فقد قال في "الكتاب": "إنَّهُ يكون مُحرمًا يوم كلمه"، وكذلك العُمرة.
وهل يكون محرمًا بنفس الفعل أو لابد من إحرام يُحرم به، فيصير بإحرامه مُحرمًا؟ فإنه يتخرّج على قولين: أحدهما: أنه لا يكون محرمًا بنفس [الفعل] 4، حتى [يبتدئ] 5 الإحرام، وهو ظاهر ما في "كتاب ابن المواز".
والثاني: أنه يكون محرمًا بنفس الفعل، وهو ظاهر قول سحنون.
فإن تمكن له الخروج [خرج] 6 في الحال، وإلا بقى على إحرامه حتى يصيب الطريق، والحج والعمرة في ذلك سواء.
فإن لم يُقيد يمينه بوقت، مثل: أن يقول "إن [فعل] 7 كذا وكذا فهو

محرم "أو" أنا محرم بحجة وعمرة": أمَّا الحجَّ فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يحنث قبل أشهر الحج.
والثاني: أن يحنث في أشهر الحج.
فإن حنث قبل أشهر الحج: أمّا في قوله: "فأنا محرم"، فلا خلاف أعلمه في المذهب: أنَّهُ لا يكون محرمًا بنفس الحنث، وإنما يكون محرمًا إذا دخل عليه أشهر الحج، لأنّ أشهر الحج وقتٌ للإحرام، وقبلها لا يجوز.
فإذا حنث قبل أشهر الحج: أخَّر، حتى تدخل أشهر الحج إلا أن يكون له نية، فيكون محرمًا يوم حنث، كما قال في "الكتاب"، غير أنَّهُ ينظر: فإن كان أخر الخروج [بعد الحنث] 1 إلى دخول أشهر الحج، لم يصل ولم يدرك، لبعد بلده: فينبغي أن يخرج بغير إحرام، فإذا دخلت عليه أشهر الحج في طريقه أحرم.
فإن حنث في أشهر الحج، فإنَّ الإحرام يلزمه ويكلف الخروج، للوفاء بعهده وبيمينه.
وأمَّا قوله: "فأنا محرم" هل هو مثل قوله: "فأنا أحرم [أم لا] 2؟. فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة من المدونة: أحدها: [أن قوله "فأنا مُحرم" كقوله "فأنا أحرم"] 3، فلا يكون محرمًا بنفس الحنث، وهو قول [ابن القاسم] 4 في "كتاب الأيمان والنذور" لأن

قوله: "محرم" و"أحرم" سواء اسمٌ للفعل يكون للماضي والحال والاستقبال.
والثاني: أن قوله "أحرم" و"محرم" سواءٌ، يكون محرمًا بنفس الحنث، وهو قول سحنون وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "النكاح الأول" في باب "النكاح إلى أجل"، في قوله: إذا قال لها "إذا مضى هذا الشهر، فأنا أتزوجك، فرضيت ورضى وليُّها"، قال مالك: "هذا النكاح باطل، ولا يقام عليه"، فظاهر قوله: يقتضي أن يمضي الشهر ينعقد النكاح بينهما من غير تجديد عقد، ولذلك قال مالك "النكاح باطل"، وهو تأويل الشيخ أبى محمد [عبد الحق] 1 في "النكت"،ولو لم يكن الأمر كذلك لما احتاج أن يقول أنَّ النكاح باطل أو لا عقد هناك، وإنَّما ذلك مواعدة، والمواعدة في النكاح في غير عدة، لا أعرف في المذهب مَنْ منعها.
والثالث: أنه يكون محرمًا بنفس الحنث، في قوله: "أنا محرم"، ولا يكون بالحنث في قوله: "أنا أحرم حتى يبتدئ الإحرام"، فيُحمل قوله "أنا مُحرم" أي: صرتُ مُحرمًا، كقولهُ "فامرأتهُ طالق" أي: صارت ذات طلاق.
وأما العمرة يحنث بها الحالف، فلا يخلو حين حنثه من أحد وجهين: أحدهما: أن يمكنه الخروج [ووجد أصحابه] 2. والثاني: ألا يمكنه الخروج.
فإن أمكنهُ الخروج، ووجد الأصحاب، فلا خلاف أعلمهُ في المذهب نصًا أنَّهُ يُؤمر بالخروج، ولا يجوز له التأخير [إلا متأولًا] 3.

فإن لم يمكنه الخروج، لعدم الصحابة، والطريق منقطعة، هل يلزمهُ الإحرام مع الافتقار، أو لا يلزمهُ إلا مع المشي؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يلزمه الإحرام بالحنث، وينتظر الخروج حتى يتمكن له، وهو قول سحنون، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
والثاني: أنَّهُ لا يلزمهُ الإحرام [إلا إذا] 1 تمكن [له] 2 الخروج فيخرج ساعتئذ، وهو قول مالك.
وسبب الخلاف: الأمر المُطلق، هل هو على الفور أو على التراخي؟ فمن رأى أنهُ على الفور، قال: يحرم بنفس الحنث.
ومن رأى أنهُ على التراخي، قال: لا يُحرم حتى يخرج، وهو ظاهر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا يحرم حتى تنبعث به راحلته 3، ويتوجه للذهاب، وليس من السنة أن يحرم ويُقيم في أهلهِ، ولأنَّ عقد اليمين لم يتضمن الإحرام بالقول، وإنَّما استحسن تعجيلهُ.
وفي السألة وجهٌ رابع: وهو أنَّ [يقول] 4 عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا المسجد، فقال ابن القاسم: "ولا شيء عليه".
وقال أشهب: "عليه المشي إلى مكة".

المسألة الثالثة

فيمن عجز عن المشي، فيركب

1، فلا يخلو ركوبهُ من أن يكون اختيارًا أو اضطرارًا: فإن كان ركوبه اختيارًا، فإنه يعود ثانية، ويمشي الطريق كله، ويهدي [و] 2 إن كان ركوبه اضطرارًا؛ [إما] 3 لكونه عاجزًا عن مشي الطريق كله، [و] 4 إمَّا لكونه مريضًا لا يُرجى برؤه، وإما لضعف اعتراهُ، فإنه يخرج [على تلك الحالة] 5 ويحج راكبًا ويهدي، ولا عودة عليه [بعد ذلك] 6 لأن ذلك [غاية] 7 مقدورة.
وكذلك إن كان [مريضًا] 8 يرجى برؤهُ، إلا أنَّ نذرهُ كان في عام بعينه: فإنَّهُ يحج راكبًا، ويهدي ولا شيء عليه غير ذلك.
وإن كان نذرهُ في عام مضمون، مثل: أن ينذر أن يحج ولم يعين سنة، فعجز عن المشي [ففرقه] 9،فلا يخلو تفريقهُ من أن يكون تفريق زمان أو تفريق مكان: فإن فرقه تفريق زمان، مثل أن يمشي أشهرًا ويقعدُ أشهرًا، هل يجزئهُ أو يُعيد؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:

أحدهما: أنهُ يجزئهُ، ولا يلزمهُ العودة ثانية، وهو مشهور المذهب، لأنَّه قد مشى الطريق كُلَّهُ.
والثاني: أنَّهُ [يُعيد] 1 ثانية، ويهدي ولا يجزئهُ الذهاب الأول، وهو قول ابن حبيب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، لأنه قال: فيمن ركب بعض الطريق، "أنه [يعيد] 2 ثانية، ويمشي ما ركب، ويهدي لما فرق من مشيه"، وهذا مثل [قول] 3 ابن حبيب الذي يقول: "إن تتابع المشي واجب، وهو بمنزلة من عليه [صوم] 4 شهرين متتابعين"، وقول ابن القاسم في المدونة، مثل قول ابن حبيب، لأنَّ المشي قد وَفَّاهُ، فلا يُؤمر بالهدى إلا على القول بوجوب تتابع المشي.
وسبب الخلاف: المشي، هل يلزم تتابعهُ أم لا؟ فإن فرَّقهُ تفريق مكان، مثل: أن يركب موضعًا، ويمشي موضعًا، فلا يخلو ما ركب من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا: فإن كان يسيرًا، مثل: الأميال أو البريد أو اليوم، فإنهُ يهدي ولا عودة عليه ثانيةً.
فإن كان ما ركب كثيرًا، فلا يخلو من أن يكون موضعهُ قريبًا من مكة أو بعيدًا منها: فإن كان قريبًا من مكة، مثل: المدينة ونحوها، فهل يعود ثانيةً ويمشي الطريق كله أو يمشي ما ركب خاصة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهُ يمشي ما ركب [خاصة] 5، ويركب ما مشى، وهو قول

ابن القاسم في "المدونة"، لأنه لم يفرق في "الكتاب" بين القُرب والبعد.
والثاني: أنهُ يرجع ثانية، ويمشي الطريق كله، وهو قول عبد الملك، وهو قول مالك في "كتاب محمد" أيضًا.
وإن كان بعيدًا مثل: مصر [من] 1 مكة، فهل يعيد ثانية أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهُ يعيد ثانية، ويمشي أماكن ركوبه، وهو قوله في "كتاب محمد"، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه لا يكلف العودة أصلًا، وهو قوله في شرح "ابن مزين"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا، لأنه قال: "إذا علم أنه لا يقدر أن يستوعبه بمشيه ثانية لأجل المشقة، فلا يكلف الرجوع، ولا يكلفه على من كان موضعه أعظم وأصم.
وإن كان موضعه بعيدًا جدًا، مثل: إفريقية من مكة والأندلس من مكة، فلا يكلف الرجوع قولًا واحدًا، وهذا تحصيل بعض المتأخرين، ويشبه أن يكون تفسيرًا لما في "المدونة"، وربُك أعلم.
واختلف فيما إذا نزل مدينة أو منزلًا، هل له أن يركب في حوائجه أم لا؟؟ [قولان] 2 قائمان من المدونة: أحدهما: أن لهُ أن يركب في حوائجه، وهو نصَّ "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز له أن يركب في حوائجه ولا في رجوعه لحاجة نسيها وراءه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، [على اختلاف الروايات ونص ما في الكتاب.
قال مالك: إذا أخر طواف الإفاضة لا يركب في رمي الجمار] 3، ولا بأس أن يركب في حوائجه، قال ابن

القاسم: "وأنا لا أرى به بأسًا، وإنما ذلك عندي بمنزلة ما لو مشى فيما وجب عليه، ثم أتى المدينة يركب في حوائجه أو رجع من الطريق في حاجة فيما قد مشى، فلا بأس أن يركب فيها، وهذا قول مالك الذي أحب أن [آخذ] 1 به" 2، وفي رواية ابن عتاب: "يجب ونأخذ به"، ونص هذا في "كتاب الحج": الذي أحب وآخذ به".
قال [القاضي] 3 أبو الفضل رحمه الله: "في هذا بيان وإشارة إلى الاختلاف من قوله: في الذي ركب في حوائجه أو في رجوعه لحاجته أنَّ لهُ قولًا آخر غير الذي أحب أن يأخذُهُ، وهو ما لهُ منصوص في سماع ابن القاسم، في الذي يركب في المناهل أحب إليّ أن يهدي، قال ابن القاسم: "وبلغني عن مالك [أنه] 4 كان يستثقل أن يركب فيها، يعني في الذي سقط بعض متاعه" [أو في حوائجه] 5، فيتحصل له في "الكتاب" قولان: في ركوبه في الحوائج وفي حاجة نسيها، وهذا كله ينبني على الأصل الذي قدمناه في تتابع المشي، هل يجب [أم لا يجب.
فافهم هذا التخريج فهو ظاهر لمن تأمل ما في الكتاب فإذا كلف الرجوع ثانية هل يجعل] 6 مشيه الثاني [في] 7 غير ما جعل فيه الأول أم لا؟ فلا يخلو من أن يكون نذرهُ مطلقًا أو مقيدًا: فإن كان مطلقًا، مثل: أن يقول: عليّ المشي إلى مكة، ولم ينو حجًا

ولا عمرة"، فلا يخلو من أن يجعله في حج أو عُمرة: فإن جعله في عُمرة، فله أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول.
فإن جعله في حج، فلا يخلو ركوبه في المناسك أو دون المناسك: فإن كان ركوبه في المناسك، هل يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من"المدونة": أحدهما: أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول [وهو قول مالك] 1. والثاني: أنهُ [لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول] 2 [وهو قول ابن القاسم] 3. وسبب الخلاف: اختلافهم في ناذر المشي فمشى فجعله في [حجة] 4، ثم فاته الحج، فهل يلزمهُ مشي المناسك قابلًا أو لا يلزمه؟.
فابن القاسم يقول: يلزمه، ومالك يقول: لا يلزمهُ فإن كان ركوبُه في غير المناسك، فله أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول.
فإن كان نذره مقيدًا، مثل: أن ينوي بمشيه حجة أو عمرة: فإن كان الأول حجًا، فلا خلاف أنهُ لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول.
وإن كان الأول عمرة، فهل له أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول؟ فالمذهب على قولين:

أحدهما: أنهُ لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول، وهو مذهب "المدونة" وهو المشهور.
والثاني: أنَّ له أن يجعل الثاني في حج، وإن كان الأول عمرة، لأنَّ عمل [الحج] 1 يأتي [على عمل] العُمرة وزيادة، وهو قول ابن حبيب.

المسألة الرابعة

فيمن قال: أنا أحمل فلانًا إلى [مكة]

1 أو: أنا أحج به 2، ففي هذه المسألة ثلاثة أسئلة: فالسؤال الأول: إذا قال "أنا أحملُ فلانًا إلى بيت الله".
والثاني: إذا قال "أنا أحج بفلان".
والثالث: إذا قال "أنا أحج فلانًا".
فالجواب عن [السؤال] 3 الأول: إذا قال: "أنا أحمل فلانًا إلى بيت الله"، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينوي بذلك حمله [على] 4 عنقه.
والثاني: أن ينوي بذلك حملهُ في ماله.
والثالث: ألا يكون له نية.
فأما الوجه الأول: إذا نوى حملهُ على رقبته، فإنه يحج ماشيًا ويهدي، وهل الهدى في حقه واجب أو [مستحب] 5؟ فعلى قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أن الهدى عليه واجب، وهو ظاهر قوله في هذه المسألة.
والثاني: أن عليه الهدى استحبابًا، وهو قولهُ في الكتاب، فيمن نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيًا راجلًا، فإنه ينتعل:

فإن أهدى: فحسن، وإن لم يهد: فلا شيء عليه وحمل المشقة هو المقصود في كلا الموضعين.
وأما [الوجه] 1 الثاني: أن ينوي بذلك حمله في ماله دون رقبته، فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن [ينوي أن] 2 يحج معهُ.
والثاني: أن ينوي بذلك حملهُ في مالهِ خاصة.
والثالث: ألا يكون له نية أصلًا.
فإن نوى أن يحج معه، فلا إشكال أنه يحج راكبًا، ولا هدى عليه.
فإن أحب الرجل أن [يحج] 3 معه زودهُ، وإن أبى فلا شيء عليه إلا أن يحج بنفسه.
فإن نوى إحجاجه [بنفسه من ماله] 4 خاصة، دون أن يحج [هو] 5 معه، فهذا أيضًا مما لا إشكال فيه: أنه لا شيء عليه، لا حج ولا هدى إلا أن يُزَوِّدُ الرجل من ماله خاصة، فإن أبى الرجل أن يحج: فلا شيء عليه.
وهذا معنى قول علي بن زياد في "المدونة".
فإن نوى ألا يحمله على رقبته، ولم تكن له نية فيما عدا ذلك، فلا إشكال أنه: يلزمه إحجاج الرجل من ماله إن أحبَّ أن يحج، وهل يلزمه هو الحج في نفسه أم لا؟ فهذا مما اختلف تأويل [حذاق] 6 المتأخرين فيه

في "الكتاب"، لأنه قال في "المدونة": "وإن لم ينو حمله على عنقه، حج هو راكبًا، وحج بالرجل معه، ولا [هدى] 1 عليه".
فبعض المتأخرين يقول: "إنما ألزمهُ الحج في نفسه لأنهُ نواهُ، ولو لم ينوه لكان لا شيء عليه".
وبعضهم يقول: يلزمه الحج، بظاهر لفظه كأنه أراد السير معه إلى بيت الله، ويدل عليه قوله في "الكتاب": "أنا أحج بفلان" أوجب [عليه] 2 من قوله: "أنا أحملهُ" -لا يريد على عنقه، وذلك يدل على أنه يلزمه الحج في الأمرين جميعًا، إلا أن أحد اللفظين أظهر من الآخر في الوجوب، لأن قوله: "أحج بفلان"، يفيد السير معه، والمشي في صحبته مع ما يناله من الرفق بماله، وهذا أظهر احتمالات اللفظ.
وقوله: "أنا أحمله"، ولم يرد بذلك على عنقه، فأظهر الاحتمالات أن يحمله في ماله، ويزوده منه دون أن يسير معه.
ولا شك ولا خفاء أنَّ: لفظة "الحمل" مشتركة بين العرف اللغوي والعرف الشرعي: فالعرف اللغوي: الحملُ على الرقبة، والعرف الشرعي: الحملُ في المال، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حَمَلْتُ على فرس عتيق في سبيل الله 3 "، قال الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَوْا ...﴾ 4، واللفظة إذا وردت ولها عرفان: لغوي وشرعي، فإنما تحمل على الشرعي عند كثير من الأصوليين، ولهذا اعتبر

"مالك" نية الحالف، فإذا لم تكن له نية: رجع في ذلك إلى العرف الشرعي.
وأما الوجه الثالث: إذا لم تكن له نيةٌ أصلًا، لا في حملهِ على رقبته، ولا في حمله [في ماله]، هل يغلب في ذلك العرف الشرعي خاصة أو لابد من ملاحظة الأمرين؟ فهذا مما يتخرج على قولين: أحدهما: تغليب العرف الشرعي، ويحججه من ماله، ويحج هو راكبًا، وهو ظاهر "الكتاب" على الخلاف الذي قدَّمناه في حجه هو.
والثاني: أنهُ لابد من ملاحظة الشقين واعتبار الأمرين، ويحج الحالف ماشيًا، ويحج الرجل من ماله راكبًا.
والقولان: مخرجان، والتخرج ظاهر لمن أنصف.
والجواب عن [السؤال] 1 الثاني: إذا قال أنا أحج بفلان إلى بيت الله، فإنَّ الحالف يحج هو راكبًا، ويحج بالرجل معه من ماله، إلا أن يأبى، وإنما يلزمه الحج في نفسه: لقوله: "أنا أحج"، ولزمه أن يحج بالرجل: لقوله: "بفلان".
والجواب عن [السؤال] 2 الثالث: إذا قال: "أنا أحج فلانًا إلى بيت الله"، فلا خلاف أنه: لا يلزمه الحج في نفسه، لأنه لم ينذره ولا التزمه، وإنما يلزمه إحجاج الرجل من ماله، فإن أبى: فلا شيء عليه [وعليه أكثر الرواة] 3.

المسألة الخامسة

إذا قال عليه السير أو الانطلاق أو الذهاب إلى مكة

1، والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: في معرفة ما يجب عليه المشي من الألفاظ.
والثاني: في معرفة ما يلزمه المشي [إليه] 2 من المواضع المنذورة.
فالجواب عن [الفصل] 3 الأول: في معرفة ما يجب به المشي من الألفاظ المنذورة: ولا خلاف في لفظ "المشي" إذا نوى به الحج أو العُمرة: أنَّهُ يلزمه.
واختلف فيما لم تكن له نيَّة، فالمشهور أنه يلزمه المشي، ولأشهب في "كتاب محمد": "لا [شيء] عليه"، وقد قدَّمناهُ.
وأمَّا ما عداهُ من الألفاظ: كالذهاب والانطلاق والمسير والرُكوب والإتيان والضرب وغير ذلك من الألفاظ التي يفهم منها المشي، فلا يخلو من أن يريد بذلك العمرة أو الحج [أو] 4 لا.
فإن قال: "عليه الذهاب إلى مكة"، ونوى بذلك حجًا أو عُمرة: فلا خلاف في المذهب أنه يلزمه إتيان مكة بحج أو عمرة إن شاء ماشيًا وإن شاء راكبًا.
وكذلك سائر الألفاظ التي ذكرنا.
فإن لم تكن له نية، هل يعطى لهذه الألفاظ حُكم المشي؟

فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أنه لا يلزمه إتيان مكة في جميع هذه الألفاظ، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أنه يلزمه الإتيان في جميع [هذه الألفاظ] 1 حاجًا أو معتمرًا، وهو قول أشهب، ونص ابن القاسم فيها في الركوب أيضًا.
واختلف المتأخرون: هل اختلف قول ابن القاسم في سائر الألفاظ، كاختلافه في الركوب؟ فمنهم من قال: إنما اختلف في الركوب خاصة دون ما عداه، وهو ظاهر تأويل أبي عمران الفاسي، وهو قول ابن المواز 2 من متقدمي الأصحاب، وقد سئل أبو عمران الفاسي: "لم اختلف قول ابن القاسم في ناذر الركوب إلى مكة، ولم يختلف قوله في الذهاب والانطلاق ونحوه؟ فقال: "يحتمل أن يحمل على قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ 3، فذكر المشاة والركبان، فكان الركوب في اللفظ أمام المشي، وذلك جيد في المخاطبات، كقولهم: "حافيًا منتعلًا"، ويحتمل أيضًا أن يكون: إنما وجد الخلاف في الركوب منصوصًا، فيقاس عليه باقي الألفاظ.
ومنهم من يقول: إن ابن القاسم اختلف في الجميع، وأن له قولة أخرى، مثل قول أشهب، وهو الصحيح، وله في "المدونة" شواهد تدل على ذلك مع ماله منصوص في الأمهات مع ما نقله بعض مشايخ المذهب: منها قوله في "المدونة": "قال سحنون": وقد كان يختلف في هذا

القول على رواية فتح الياء وكسر اللام -يريد ابن القاسم، وفيه رواية أخرى بضم الياء وفتح اللام، وقد وقع مُبينًا في بعض النسخ، وقد كان ابن القاسم يختلف قوله، ثم ذكر قول أشهب.
وقد اختلف فيما اختلف فيه ابن القاسم، ويؤخذ من "المدونة" 1 أيضًا، من قوله: "أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة"، فقال: "يلزمه الحج أو العمرة، ولم يشترط في ذلك نية"، واختصر المسألة حمديس على أن قوله اختلف في جميع الألفاظ، وعليه تأويل ابن لُبابة، وقد حكى القولين [عنه] 2 ابن حارث، وقد روى سحنون وابن رشد [عنه] 3 مثل قول أشهب.
قال [القاضي] 4 أبو الفضل عياض: وأكثر المختصرين على أنَّ الخلاف في الركوب وحده.
وعلى القول: بأنه يلزمه الإتيان في الركوب، هل يجوز له المشي إذا أراد أن يحمل المشقة على نفسه أو لا؟ [فظاهر] 5 قول ابن القاسم: أنه يجوز له أن يؤثر المشي على الركوب إذا اختارهُ، ولأنه اختار الأثقل على الأخف.
وأشهب يقول: "لا ينتقل عن الركوب إلى المشي، لأنه خفف عن نفسه مؤنة الكراء والشراء، وهو نفقة وجبت عليه لله تعالى أن يخرجها في طاعة الله تعالى سبحانه [فوجه القول الأول بمساواة هذه الألفاظ أن المقصود منها الوصول إلى مكة فمشى.
فهم أن المقصود منها إتيان مكة فأمر بإتيانها كما لو عبر بلفظ المشي والاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ] 6.

ووجه القول الثاني: أن لفظة "المشي" [مفهومة مشهورة] 1 في عرف الاستعمال، إذ العادة الجارية والسنة المطردة أن من حلف بالمشي إلى مكة، أنه قصد إتيانها، لإحدى العبادتين: إما حجة وإما عمرة.
وما عدا هذا من سائر الألفاظ بخلاف ذلك حتى ينوي، وذلك من باب التخصيص بالعبادة.
والجواب عن [الفصل] 2 الثاني: في معرفة ما يلزم المشي إليه من المواضع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تشد المطي إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس، أو إيليا شك من الراوي" 3. ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تُستعمل المطى" 4 أي: لا [يتكلف] 5 السفر، لأن المطايا لا تُستعمل إلا للأسفار البعيدة التي يحتاج فيها إلى استعداد المراكب والأزواد، وسواءٌ كانت معهُ راحلة أم لا.
فإذا نذر المشي إلى غير هذه المساجد الثلاثة، فلا يجوز له الوفاء به، لأن ذلك نذر معصية، ويؤمر أن يعكسه في طاعة، إلا أن ينذر المشي إلى ساحل من [السواحل] 6، فإنه يؤمر بالوفاء، وإن كان من أهل مكة والمدينة أفضل [لكون] 7 السواحل فيها [الحرس] 8 على المسلمين وسدِّ

الثغور، وهو معنى لا يوجد بالمدينة [ولا بمكة] 1. فإذا نذر المشي إلى أحد المسجدين، مسجد الرسول أو مسجد إيليا، فلا يخلو من أن يذكر المسجد أو لا يذكره: فإن ذكر المسجد أو لم يذكره، إلا أنه [قصد] 2 الصلاة في مسجد ذلك الموضع: فلا خلاف أعلمه في المذهب في وجوب الإتيان [عليه] 3، إلا ما ذكر عن إسماعيل القاضي؛ أنه لا يلزمه شيء إلا أن يشاء [أن] 4 يركب.
وإنما الخلاف في الركوب، هل يجوز له إذا نذر المشي أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يركب ولا يمشي، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يمشي ولا يركب، وهو قول ابن وهب في "الكتاب" أيضًا.
والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد: فإن كان قريبًا، مثل: الأميال اليسيرة، مشى.
وإن كان بعيدًا، ركب.
وهو قولٌ حكاهُ ابن المواز في "كتابه".
وهذا الخلاف ينبني على الأصل الذي قدمناه في التخصيص بالعادة، وذلك أن العادة إنما جرت بالمشي إلى مكة، فيطالب الناذر بمقتضى لفظه، والقضى عن عُهدة لفظه.

وإن لم يذكر المسجد، ولا قصد الصلاة في ذلك الموضع.
أما مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت المقدس، فلا يلزمه إتيانهما جملة وأما مكة فقد اضطربت أجوبة "الكتاب" وألفاظه في ناذر المشي إلى بعض [مواضع مكة] 1، وقد قال ابن القاسم: "إذا قال عليه المشي إلى مكة والمسجد الحرام أو البيت أو الكعبة أو الحجر أو الركن: لزمه.
وإن قال إلى الصفا أو المروة أو الزمزم أو المقام أو مني أو عرفات: لم يلزمه".
فألزمه: ابن القاسم المشي إذا قال: إلى مكة، وهي القرية، وأسقط عنه: إذا قال الصفا والمروة، وهما داخلان في القرية، وهما من مشاعر الحج أيضًا، وألزمه: إذا قال المسجد، وأسقطه عنه: إذا قال الزمزم أو المقام، وهما داخلان في المسجد، وهذا كله اضطراب واختلاف وتناقض من القول، وتحصيل في ذلك أنه مهما ذكر البيت أو جزءًا من أجزائه: فلا خلاف في [المذهب] 2 في وجوب المشي عليه، من غير اعتبار نية.
واختلف فيما كان متصلًا بالبيت، كالحجر والحطيم: على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن له حكم البيت، وهو تأويل أبي محمد بن أبي زيد 3 على "الكتاب"، وهو ثابت في الحجر في بعض الروايات [في "كتاب النذور"] 4، ولا يكون المشي إلا على من قال: مكة، إلى أن قال: أو الحجر أو الركن، وهما ثابتان في "كتاب الحج" ونص في "المدونة" في كتاب

الصلاة الأول: "أن الحجر حكمه حكم البيت".
والثاني: أن الحجر والحطيم لا يلزمه المشي [إليهما] 1، وهو قول ابن حبيب [وقد تأول ما قاله ابن حبيب] 2، على أنه اختلاف حال، ويكون قوله وفاق "المدونة"، ويحمل قوله: على أن الحجر والحطيم من البيت، لأن الحطيم ما بين الباب إلى المقام.
فتكلم ابن القاسم على: ما اتصل منه بالبيت.
وتكلم ابن حبيب على: أوله مما بان عن البيت.
وكذلك الحجر، لأن منه ما هو من البيت، ومنه ما ليس منه، وإنما أدخل احتفاظًا واحتياطًا، كذا ذكر المحدثون والمؤرخون، فكأنه جعل غاية مشيه [إلى] 3 أوله، كقوله "إلى الحرم"، ولا شك أن البيت من الحرم، متصل به، وإنما سمي بالحطيم: لتحطم الناس فيه عند الطواف والركوع، وإذا ذكر المسجد: لا [شك أنه] 4 يلزمه وكذلك مكة، فكان يجب أن يلزمه المشي متى ذكر شيئًا مما هو داخل المسجد، كما قال في الكعبة، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، وهو خلاف منصوص [فيها فيكون] 5 فيما إذا ذكر شيئًا مما هو في المسجد: قولان، وكذلك أيضًا في القرية: أن يلزمه المشي مهما ذكر [شيئًا] 6 مما هو داخل فيها، كالصفا والمروة أو غيرهما، وهو قول أصبغ.

وتغالى ابن حبيب حتى قال 1: يلزمه المشي، متى ذكر الحرم أو بعض ما هو داخل فيه، كمنى ومزدلفة، ولا يلزمه فيما هو خارج عنه إلا عرفة، فإنه يلزمه المشي إذا ذكرهُ وإن كان في الحل، لأنه من مشاعر الحج، فيتحصل في المسألة على هذا الترتيب أربعة [أقوال] 2. أحدها: أنه يلزمه [في الحرم] 3 ما حوى ولا يلزمه فيما هو خارج عنه [إلا عرفات] 4، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يلزمه إلا في القرية وما [حوته] 5 دون ما كان خارجًا، عنها، وهو قول أصبغ 6. والثالث: أنه لا يلزمه إلا في ذكر القرية [نفسها] 7، ولا يلزمه فيما هو داخل فيها، إلا المسجد وما فيه، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، ونص ابن القاسم فيما هو خارج المسجد [وداخل القرية] 8. والرابع: أنه لا يلزمه إلا من ذكر مكة أو المسجد أو الكعبة وأجزائها، وهو مشهور قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى ما يقتضيه مجرد اللفظ أو النظر إلى ما جرت العادة بإتيانه في تلك الأماكن؟ فمن نظر إلى ما يقتضيه مجرد اللفظ، قال: لا يلزمه شيء.

ومن نظر إلى ما جرت العادة بفعله هناك، قال: يلزمه إذا ذكر ما هو المقصود بالعادة، فكل منهم بناه على ما هو المقصود عنده.
وبالله التوفيق والحمد لله وحده.

المسألة السادسة

في ناذر الهدى

1، ولا يخلو ناذر الهدى من وجهين: أحدهما: أن ينذر هدى ما لا يصح هديهُ.
والثاني: أن ينذر هدى ما يصح هديهُ.
فإن نذر هدي ما لا يصح هديهُ، إما عادة وإما شرعًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك لحرمتهِ في نفسه.
والثاني: أن يكون ذلك لصفةٍ هو عليها.
فإن كان ذلك لحرمتهِ في نفسه، ولصفةٍ هو عليها شرعًا كالحُر، فهل يلزمه أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه يلزمه الهدي، وهو قول مالك: [في المدونة] 2 إذا قال [الرجل] 3: "أنا أهديك إلى بيت الله، إن فعلت كذا وكذا".
والثاني: أنه لا شيء عليه، لأنه نذر معصية، وهو قول [ابن] 4 عبد الحكم، وهو أحد قولي مالك في "كتاب الصيام"، فيما إذا نذر صوم ما لا يصح صومه، مثل: صوم يوم النحر ويوم الفطر.
وسبب الخلاف: القصد إلى التقرب بما لا تصح القربة به شرعًا، هل هو قصد إلى البدل أم لا؟ فإن كان ذلك لصفة هو عليها في نفسه عادة، فلا يخلو من أن يكون

ذلك في ملك نفسه أو في ملك غيره: فإن كان ذلك في ملك غيره، مثل أن يقول: "عبد فلان [أو داره هدي] " 1، فهل يلزمه إخراج البدل أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يلزمه البدل، وهو نص "المدونة" 2. والثاني: أنه يلزمه البدل، ويؤخذ من قوله: في الحر، إذ لا فرق بينهما، لأن معنى قوله: "أنا أهديك"، أي: "أنا أنحرك"، ولا فرق [بين] 3 أن يقول ذلك لحرٍ أو لعبدٍ، إلا أن يقال لما كان يصح أن يباع ويشترى بثمنه هدى، فكأنه أراد بالهدي ثمنه، وهو لا يملكه ولا يلزمه شيء، كالقائل، عبد فلان ومال فلان صدقة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" 4. فإن كان ذلك في ملك نفسه، مثل: أن يقول: "عبدي أو داري هدي"، أو ذكر من العروض ما لم تجر العادة بهديه، فإنه: يبيعه [ويشتري هديًا.
وهل يجوز أن يمسكه ويخرج قيمته أم لا؟ قولان قائمان من المدونة أحدهما: يجوز أن يمسكه] 5، ويخرج ثمنه، وهو ظاهر في قوله في "الكتاب": "إذا حلف فحنث، أخرج ثمن ذلك كله فبعث به أو اشترى به هديًا، وهو قوله في "كتاب الحج" [أيضًا] 6. وقوله "أخرج ثمنه" ظاهره: أنه من عنده، وهو نص المذهب في غير "المدونة"، على ما نقله الشيخ أبو إسحاق التونسي وغيره.

والثاني: أنه يبيعه ويشتري بثمنه هديًا، وهو نص "المدونة"، وظاهر هذا القول أنه [لا يجوز] 1 إمساكه وإخراج قيمته.
وقد ذكر ابن المواز القولين عن مالك 2، ولا فرق في جميع ذلك بين أن يكون بيمين أو بغير يمين.
وسبب الخلاف: هل ذلك من باب شراء المرء صدقته أم لا؟ فإذا باعه أو أخرج قيمته من عنده، فلا يخلو من وجهين: إما أن يبلغ ذلك ثمن هدى أو لا يبلغ: فإن بلغ ثمن هدي، فإنه يبعث به لمن يشتري به هديًا من حيث يبلغ إلى مكة.
فإن عجز عن ثمن هدي أو اشترى هديًا، وفضلت فضلة لا تبلغ ثمن هدى آخر، هل يبعث بها أو يتصدق حيث هو؟ قولان في الكتاب: أحدهما: أنه يبعث بها إلى خزنة الكعبة، وهو قولُ مالك في "الكتاب".
والثانى: أن يتصدق بتلك الفضلة حيث هو، ولا يبعث بها، وهو قول ابن القاسم في الكتاب أيضًا.
وفي المسألة قول ثالث: وهو أن يتصدق بها على مساكين مكة، وهو اختيار أبي الحسن اللخمي.
ووجه قول مالك: أنه شيء نذر صرفه إلى مكة، فعجز عن ثمن هدي، فكان صرفه حيث هو أولى، إذ لاحق إلى الكعبة، كما لو قال: "مالى في طيب الكعبة أو كسوتها".

ووجه قول ابن القاسم: أنه لم ينذر للكعبة شيئًا، ولا بلغ ثمن هدي، فكان صرفه حيث هو أولى لمساكين مكة.
ووجه قول أبي الحسن اللخمي: أنه لو اشترى به الهدي، لكان مساكين مكة أولى بلحمه، فهم بذلك الثمن أولى وقال أيضًا: "لو [اشترك به] 1 في هدي، لكان وجهًا".
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم.
وهو أن ينذى هدي ما يصح هديه، كالإبل والبقر والغنم، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يقصد بذلك مكة.
والثاني: أن يقصد به غير مكة من سائر البلدان.
فإن قصد به مكة، فلا يخلو من أن يكون بموضع تصل منه الهدايا لقربه أو بموضع لا تصلُ منه: فإن كان بموضع تصل منه لقربه: فلا خلاف أنه ينفذها ويبعث بها.
فإن كان في موضع لا تصل منه لبعده: فإنه يبيعها ويشتري بأثمانها أمثالها أو أفضل منها من [موضع] 2 [يغلب] 3 على ظنه أنها تصل منه ويشتري بثمن الإبل إبلًا، ولا يشتري بثمن البقر بقرًا، حتى يعجز عن الإبل، ولا بثمن الغنم غنمًا حتى يعجز عن الإبل والبقر، لأن ذلك أفضل، ولأن الإبل أعلى الهدايا وأدناها الغنم على ما نص عليه مالك في "كتاب الحج": "أنه إذا نذر هديًا، فإن الشاة تجزئه، يريد وإن قدر على البدنة".
فإن قصد بنذره غير مكة، مثل: أن يقول: "لله على هدى لمساكين

الأندلس أو لمساكين إفريقية" فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يقصد بذلك الرفق لمساكين تلك البلدة أو قصد تعظيمها.
فإن قصد الرفق بمساكين تلك البلدة، فهل يجوز له السوق إليها أم لا؟ قولان: أحدهما: أن ذلك جائز، وهو قول مالك في "كتاب محمد".
والثاني: أن ذلك [غير] 1 جائز، وهو قول مالك في "المدونة" [حيث قال] 2 وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال.
فإن قصد بذلك تعظيم تلك البلدة، [وتفخيمًا] 3 لشأنها: فلا خلاف في منع ذلك، لأن ذلك من خصائص مكة [وبذلك] 4 وأمثاله شرفها الله تعالى.
والحمد لله وحده.

المسألة السابعة

إذا حلف بصدقة ماله

1، فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يعين جميع ماله للصدقة.
الثاني: أن يعم جميعه دون تعيين.
الثالث: أن يعين البعض [ويهمل البعض] 2. الرابع: أن يتصدق [بالبعض] 3 ويترك البعض.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عين جميع ماله للصدقة، مثل: أن يقول: "داري صدقة" ولا مال له سواها، أو قال: "داري وعبدي [ودابتي] 4 "، حتى أتى على جميع ماله هل يلزمه إخراج الجميع أو لا يلزمه؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه إخراج جميع ماله، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه لا يلزمه إلا قدر الثلث، وهي رواية رواها ابن الجلاب عن مالك 5. والثالث: أنه يخرج منه ما لا يضره إخراجه، على حسب قلة المال وكثرته، وهو قول سحنون.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا عم جميع ماله دون تعيين، مثل: أن يقول "مالي صدقة في يمين أو في غير يمين"، فإنه يجزئه من ذلك الثلث،

ولا يلزمه أكثر، ولا خلاف في ذلك عندنا، لحديث أبي لبابة.
وكان يجب إذا عين، حتى أتى على جميع ماله ألا يلزمه إلا الثلث خاصة من غير خلاف، إذ لا فرق في التحقيق بين أن يعين أو يعم، ولا يعين إلا أن يكون هناك [سنة] 1، فيجب المصير إليها.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا عين البعض وعم البعض، مثل: أن يقول: "عبدي صدقة، وجميع مالي صدقة"، ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يخرج العبد، وثلث ما بقى من ماله، وهو قول مالك [في الكتاب] 2. والثاني: أنه يخرج ثلث العبد، وثلث ما بقى من ماله، وهي رواية ابن الجلاب 3 [عنه] 4. والجواب عن الوجه الرابع: إذا تصدق بالبعض، وترك البعض، فهل يخرج [جميع] 5 ذلك البعض أو يقتصر على ثلثه؟ قولان أيضًا: أحدهما: أنه يتصدق بجميع ذلك البعض، وإن كان أكثر [من الثلث] 6، مثل أن يقول: "مالي صدقة إلا درهمًا"، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أنه إذا سمى أكثر من الثلث، اقتصر على الثلث، مثل: أن يقول: "نصف مالي"، وهذا القول حكاه ابن وهب عن مالك في

"النوادر" 1. وهذه كلها أقوال مجردة لا دليل لها.
فرع: فإن حلف بصدقة ماله، فلم يحنث، حتى حلف بثلث ماله فحنث في اليمينين جميعًا: أجزأه ثلث واحد، لأن جميع المال في حين اليمين الثانية على ملكه، وإنما كرر اليمين في شيء واحد.
ولو حلف بثلث ماله فحنث: فإنه يخرج ثلث الجميع عن اليمين الأول، ثم ثلث الباقي عن اليمين الثانية.
واختلف إذا حلف بصدقة ماله، فحنث [ثم حلف بصدقة ماله فحنث] هل يجزئه ثلث واحد أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجزئه ثلث واحد، وهو قول ابن كنانة.
والثاني: أنه يخرج عن الأولى ثلث جميع ماله، ثم يخرج عن الثانية ثلث الباقي، وهو قول أشهب.
وهذا الخلاف داخل في المسألة، التي فوق إذا حلف بثلث ماله فحنث ثم حلف بالثلث مرة ثانية ثم حنث، ولا فرق بين السؤالين.
فرع: ولو حلف فحنث، وماله مائة ثم حلف وحنث، وماله مائتان، ثم حلف وحنث، وماله ثلاثمائة، فليس عليه إلا مائة واحدة، ولو حنث أولًا، وماله مائة، ثم حنث ثانية، وماله ستون، ثم حنث ثالثة وهو أربعون، فليس عليه إلا ثلث المائة التي حلف فيها أولًا إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها، فلا شيء عليه غير ما بيده، إلا أن يكون تلف بسببه، فيلزمه وهو دين عليه.
فإن حنث في يمينه، وقد زاد المال أو نقص، فلا تخلو زيادته من أن

تكون اختيارية أو اضطرارية: فإن كانت [اختيارية] 1 مثل: أن يقيد [المال] 2 بفائدة أو بربح من تجارة اتجر فيها، فعليه ثلثه يوم حلف.
فإن كانت زيادته اضطرارية، كالولادة في الحيوانات أو ميراثًا ورثه، فعليه ثلثه يوم حنث، وهو قول مالك في "العتبية" 3 وكتاب "ابن حبيب" في الولادة، والميراث كالولادة.
فإن نقص المال بعد حنثه [أو نقص بعد اليمين وقبل الحنث.
فإن نقص المال بعد حنثه] 4، فلا يخلو ذلك من أن يكون بسببه أو بغير سببه: فإن كان ذلك بسببه، مثل أن ينفقه أو فرط فيه حتى ضاع، فهل يضمن أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه ضامن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا ضمان عليه، ولا يتبع بذلك دينًا، وهو قول أشهب.
والقولان: في كتاب "ابن المواز".
فإن كان ذلك بغير سببه ولا تفريط منه، فإنه: لا شيء عليه، ولا يتبع بشيء.
فإن نقص بعد اليمين وقبل الحنث، فلا يخلو يمينه من أن تكون على بر أو على حنث: فإن كانت يمينه على بر، مثل قوله "إن فعلت كذا" أو لا فعلت، فلا

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل