كتاب النذور والأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المسألة السادسة عشر
فيمن استعار [رجلًا]
1 ثوبًا، فحلف ما يملك إلا ثوبه، وله ثوبان مرهونان 2:
اعلم أن المسألة اختلفت فيها الروايات في الأمهات اختلافًا متباينًا، واختلفت الأجوبة فيها لأجل اختلاف الروايات، وأنا أورد ما ثبت عندنا من تلك الروايات، وما يتركب عليها من الأجوبة ونص "المدونة" [إن شاء الله وهو حسبي ونعم الوكيل وهذه المسألة تخرج على الكتاب] 3.
قلت: أرأيت من استعار ثوبًا من رجل، فحلف بطلاق زوجته [ما يملك إلا ثوبه وله ثوبان مرهونان أترى عليه حنثًا.
قال: إن كان في ثوبيه المرتهنين كفاف لدينه] فلا أرى عليه حنثًا، وكانت تلك نيته، مثل: ما يقول "ما أملك" أي: ما أقدر على غير ثوبي هذين"، كذا في بعض النسخ.
وفي بعضها أيضًا: "أني ما أقدر على ثوبي"، بإسقاط "إلا"، وعلى هذا اختصرها ابن أبي زمنين، ثم قال في بقية الجواب: "فإن لم يكن له نية أو كان في الثوبين فضل، فلا أراه حانثًا".
وقال ابن القاسم: أيضًا: "فإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، بإثبات الألف، رأيت أن يحنث"، كذا في بعض الأمهات.
وفي بعضها: "وكان في الثوبين فضل، فلا أراه حانثًا" وقال ابن القاسم أيضًا: "فإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، فهو حانث".
فهذا ما ثبت [عندي] 4 من اختلاف الروايات في المسألة، وبحسب
اختلاف الروايات، جاء الخلاف في المسألة على ما نصف إن شاء الله، وهو خيرُ معين.
أما قوله: "إني ما أقدر على غير ثوبي هذين"، فهذا لا معنى له، لأن ظاهر هذه الرواية يفيد أنه قادر على افتكاك ثوبي الرهن، وليس ذلك غرضه وأما الرواية التي قال فيها: "إني لا أقدر على غير ثوبي هذا، فهي رواية صحيحة: أراد أنه لا يقدر إلا على الثوب [الذي] 1 عليه، ولا يقدر على افتكاك ثوبي الرهن.
وقد يحمل قوله في الرواية التي [قال] 2 فيها: "لا أقدر على غير ثوبى هذين" على الثياب التي عليه، لأنه أدنى ما يكون عليه لباسه ثوبان، فيحمل [ذلك] 3 على ثوبي جسده لا على ثوبي الرهن، فتصح الرواية [عليه] 4 على وفق المسألة.
وأما الرواية التي قال فيها أيضًا: "إني ما أقدر على ثوبي" بإسقاط "إلا"، فالمراد بذلك ثوبي الرهن [فهذا التنزيل تأويل للروايات] 5.
وأما الرواية "بإثبات الألف وإسقاطها"، فهي التي يختلف [الحكم] 6 باختلافها:
فإذا [أثبتنا] 7 الألف، فقلنا: "أو كان في الثوبين فضل"، فإنه يحنث بأحد وجهين: إما وجود الفضل، وإما عدم النية، وإن لم يكن فضل، ولم
تكن له نية: فلا أعلم في المذهب من قال يحنث مع وجود النية إذا تبرأ باليمين، وظاهر الرواية يقتضي الحنث.
وأما الرواية بإسقاط الألف فهي صحيحة في نفسها، موافقة للمعنى، وهي مثل قول ابن القاسم الذي قال فيه: "وإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، فهو حانث"، وذلك أنه مهما لم تكن له نية: فإنه يحنث من غير اعتبار بالفضل كان أو لم يكن، لأنه إذا حنث مع عدم الفضل، فبأن يحنث مع وجوده أولى وأحرى.
وأما الرواية التي [قال] 1 فيها: "لا أراه حانثًا"، [وهي] 2 رواية الدباغ، إذا عدمت النية، كان [فيها] 3 فضل أم لا، وهي صحيحة في نفسها، ملائمة للمعنى، وذلك إذا اعتبرنا المقاصد: لا يحنث مع عدم النية، كان فيها فضل أم لا، لأن مراد يمينه على ما يقدر على تسليمه.
فهذا ترتيب الروايات [وأما تنزيل الأجوبة عليها] 4 وتحصيلها بأن تقول: لا يخلو [الحالف] 5 من وجهين:
أحدهما: أن تكون له نية.
والثاني: ألا تكون له نية.
فإن كان له نية، فلا يخلو من أن يكون في الثوبين فضل أم لا:
فإن لم يكن في الثوبين فضل، فلا خلاف أنه ينوي ولا حنث عليه، وهل يحلف على نيته أم لا؟
فظاهر "المدونة": أنه لا يحلف، لأن كل من قبلت نيته فيما ينوي فيه، فلا يمين عليه على [أصل] 1 "المدونة".
ولمالك في "كتاب محمد": أنه يحلف أنه ما أراد ما قدر عليه للعارية، وذلك نيته.
وإن كان فيهما فضل، فلا يخلو من أن يكون غير قادر على افتكاكه قبل الأجل أو قادر عليه:
فإن كان غير قادر على الفكاك إما لغيره وإما لدين لا يقدر 2 على تعجيله إلا برضى صاحبه كالطعام وسائر العروض من بيع فلا إشكال أنه ينوي ولا يحنث.
وإن كان قادرًا على الفكاك بتعجيل الدين وهو ذو مال فهل ينوي أو يحنث؟ قولان:
أحدهما: أنه ينوي وهو قول يحيى بن عمر.
والثاني: أنه يحنث ولا ينوي.
وهذا القول مخرج من ظاهر المدونة من قوله: أو كان في الثوبين فضل وما رأيت فيها [نص خلاف] 3 إلا أن أبا إسحاق التونسي قال: يحنث.
وأظن في ذلك اختلافًا.
هذا نص قوله.
وإن لم يكن له نية فالذي يتخرج من الكتاب على اختلاف الروايات ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحنث كان في الثوبين فضل أم لا.
وهذا نقل أبي سعيد في "التهذيب".
الثاني: أنه لا يحنث كان في الثوبين فضل أم لا وهي رواية الدباغ في المدونة التي قال فيها: لا أراه حانثًا.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون فيهما فضل أم لا فإن كان فيهما فضل حنث وإن لم يكن فيهما فضل لم يحنث لأنه إن لم يكن فيهما فضل فقد ملك ذلك الفضل على الحقيقة وإن لم يكن فيهما فضل والدين مستغرق لقيمتها فملكه [فيهما] 1. غير متمحص إلا بعد [الفكاك] 2. وهذا [القول] 3 أضعف الأقوال وهو قول [بين القولين] 4.
وسبب الخلاف:
اعتبار المقاصد والألفاظ: فعلى مراعاة الألفاظ يحنث بكل حال كان فيهما فضل أم لا لأنهما على ملكه.
وقد حلف على ما يملك.
وعلى مراعاة المقاصد لا شيء عليه.
لأن القصد ما كان عنده مما تيسر تسليمه حينئذ للمستعير وليس القصد ما كان في رهن.
والثالث: التفصيل بين أن يعرف أو ينكر:
فإن عرف، وقال: من هذ القمح، حنث يأكل ما تولد منه.
وإن نكر، وقال: لا آكل قمحًا، لم يحنث بأكل ما تولد منه، وهو قول ابن حبيب 5 في [كتابه] 6.
فوجه القول الأول: ما ذكره في "المدونة"، حيث قال: "لأن هذا هكذا
يؤكل"، وهو من باب مراعاة المقاصد.
ووجه القول الثاني: التفاضل بين القمح وما [تولد منه من خبز أو كعك أو سويق أو غير ذلك مباح فكأنه جنس آخر فلا تسرى إليه اليمين كما لو] 1 حلف ألا يأكل لحمًا، فإن اليمين لا تتعدى إلى الخبز.
ووجه القول الثالث: أنه إن عين، فالصفة لا تخرجه عن أن يكون هو العين المشار إليها، وإن نكر: فذلك إشارة إلى مجهول لا يعرفه، فبأي وجه حنث بأكل الخبز، وإن زرع القمح المحلوف على أكله فلا يحنث بأكل الخبز منه من الحب، إلا أن يريد أن يضيق على نفسه.
فإن كان هبة، فأراد رده ودفعه لواهبه، فلم يفعل حتى زرعه، فإنه يحنث بأكل ما رفع منه.
وإن حلف ألا يأكل دقيق قمح، فأكل خبز قمح: لم يحنث، لأن هذا اسم خاص.
فإن حلف ألا يأكل هذا اللبن أو من هذا اللبن [فعرف أو نكر] 2، فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها في القمح.
فإن حلف ألا يأكل زبدًا فأكل سمنًا، أو حلف ألا يأكل سمنًا فأكل زبدًا، فهل يحنث أم لا؟ قولان وكلاهما لمحمد بن المواز.
فمن اعتبر الألفاظ، قال: لا يحنث.
ومن اعتبر المقاصد، قال: يحنث.
فإن حلف في لبن شاة بعينها، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يحلف ألا يأكل من لبنها.
أو لا يأكل منها لبنًا.
أو لا يأكل لبنها.
فإن حلف لا يأكل من لبنها، حنث بأكل ما يعمل منه من زبدٍ أو سمن أو جبن.
قال ابن القاسم: "كان ذلك مستخرجًا منها قبل يمينه أو بعد يمينه".
وأما إن قال: لا أكلت منها لبنًا، لم يحنث بأكل ما عمل منه من زبد أو سمن أو جبن أو أقط.
وقال أبو محمد بن أبي زيد: "وقد اختلف أصحابنا فيه" 1.
وإن قال: "لا أكلت لبنها": جرى على القولين فيما إذا عرف أو نكر بمنزلة من قال: "لا أكلت من هذا اللبن".
فإن قال: "لا أكلت من هذه [الشاة] 2، ولم يذكر لبنها: لم يحنث بأكل اللبن منها، لأن [المقصد] 3 ألا يأكل من ذاتها، إلا أن يكون ذلك على وجه المنة.
واختلف إذا أكل من نسلها، هل يحنث أم لا؟ على قولين، وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في الولد، هل هو غلة أم لا؟
وإن حلف ألا يأكل تمرًا، فله أكل الرطب والبسر والزهو اتفاقًا وإن حلف ألا يأكل البسر، هل له أن يأكل الرطب والتمر أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه يأكل التمر أو الرطب إذا حلف ألا يأكل البسر، وهو قول
ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يأكل التمر، ويحنث بأكلها، كالشحم واللحم، وهو قول ابن وهب، وقال محمد بن المواز 1: ولا يحنث بأكل ما تولد عن المحلوف عليه، إلا أن يقول من عند ابن القاسم إلا في [ستة أشياء] 2.
الخبز من القمح، والمرق من اللحم، والشحم من اللحم، والعصير من العنب [والزبيب من العنب] 3 والنبيذ من التمر.
[قال التونسي] 4 أما الخبز من القمح، لأن العادة جرت أن القمح لا يأكل إلا خبزًا أو دقيقًا، فكان يمينه إنما وقعت على ما يكون منه.
والمرق والشحم من اللحم، وعلته أن المرق فيه اللحم والشحم، و [المرق] 5 لأن قوة اللحم فيه، فأكل المرق كأنه أكل اللحم.
والشحم من اللحم، لأن كل لحم لابد أن يكون فيه دهنية الشحم، فصار أكل الشحم، لأن القائل: "لا آكل لحمًا": إنما يحنث بما يأكل من لحم أو شحم، والحالف على الشحم لا يحنث بأكل اللحم.
والعلة في ذلك أن القائل: "لا آكل اللحم" قد دخل تحت هذه الكلمة "الشحم"، لغة وعرفًا، كما لو: أسلم في لحم الضأن" لم يكن للبائع ولا للمبتاع أن يقول هذا لحم لا شحم فيه، لأن له لحمًا وإن كان فيه شحم، لأن ذلك يقتضيه الاسم، كما ذكر الله سبحانه تحريم لحم الخنزير، ومعلوم أن الشحم داخل فيه لأن الاسم جامع لذلك، وكان تحريمه الشحم على بني
إسرائيل ألا يدخل معه اللحم، ولا يدخل تحت هذا الاسم إلا الشحم.
فكذلك الحالف على الشحم، لا يحنث بأكل اللحم، لما ذكرناه" 1.
وفي كتاب ابن سحنون قال: "واللحم اسم جامع للحم والشحم" 2.
والعصير من العنب: وذلك أن عصير العنب، إنما هو الماء الذي كان في العنب، فكأنه إذا أكل العنب: أكل القشرة والماء والشحم، وإذا شرب العصير: شرب الماء بعينه الذي كان في العنب مع ما تفتت فيه من أجزاء الشحمية، فصار كأنه [أكل] 3 العنب، والزبيب من العنب [أيضا] 4 كذلك لأنه لم يعدم منه إلا الماء الذي كان فيه، وهو الآن منعقد فيه، فالقشرة والشحم وجميع أجزائه قائمة.
قال [أبو إسحاق] 5: "وهذه الأشياء كلها بينة".
وأما النبيذ من التمر ففيه إشكال، لأن النبيذ إنما يجعل الماء على التمر، فليس الماء من التمر، إلا أن يشبه المرق من اللحم، وفي هذا بعد، وهو يقول أعني صاحب المذهب: "من حلف ألا يأكل رطبًا، فأكل تمرًا أو حلف ألا يأكل تمرًا فأكل رطبًا، فلا شيء عليه، وهذا وما شابهه مما يتولد عن المحلوف عليه فكذلك كان ينبغي أن يكون النبيذ من التمر.
وأما إذا قال في هذه الأشياء من اللحم بأكل ما تولد عنها إلا أن يبعد ذلك جدًا مثل أن يقول: لا آكل من هذه الحنطة فزرعت فأكل من الحب الذي نبت.
فلم يسر عليه شيئًا إلا أن يكون ذلك على وجه المن كما قدمناه
في [صور] 1 هذه المسألة ومن هذا الباب إذا حلف ألا يأكل لحمًا فأكل رؤوسًا أو بيضًا هل يحمل يمينه على جميع ما يطلق عليه ذلك الاسم أو لابد من تخصيص.
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحنث بأكل ما ينطلق عليه اسم اللحم من لحوم الطير والحوت وجميع الأنعام إنسيها ووحشيها وجميع ما ينطلق عليه اسم الرأس من جميع ما يأكل وكذلك البيض فيحنث ببيض الطير وبيض الحوت إلا أن تكون له نية أو ليمينه بساط فيحمل عليه وهو قول ابن القاسم في المجموعة في البيض والرؤوس وفي [الموازية] 2 في اللحم.
والثاني: التفصيل بين اللحم والرؤوس والبيض.
فلا يحنث في الرؤوس واللحم إلا بلحم الأنعام الأربعة ورؤوسها.
لأن عليها تقع أيمان الناس إلا أن ينوي في جميع اللحم أو لا يكون ليمينه سبب.
وأما البيض فيحنث بأكل كل بيض عمومًا لا خصوصًا وهو قول أشهب في المجموعة.
والقول الثالث: أنه لا يحنث كالرؤوس بأكل رؤوس الحيتان والجراد إلا أن ينوي ذلك.
وفي البيض يحنث بأكل بيض الطير ولا يحنث بأكل بيض الحوت حتى ينويه وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وقال [ابن القاسم] 3 في المجموعة أيضًا: والحالف على أكل الدجاج يحنث بأكل الديكة.
والحالف على الديكة لا يحنث بأكل الدجاجة.
فإن
قال: لا آكل دجاجة لم يحنث بأكل الديك.
ولو عكس ذلك فقال: ديكًا لم يحنث بأكل دجاجة وهو قول ابن الماجشون فيما ذكر عنه ابن حبيب.
وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في اعتبار المقاصد والألفاظ.
ومسائل هذا الباب مجردة لا نظام لها ولذلك سردتها على الولاء وقصدنا منها إلى ذكر ما يحتاج إلى بيانه وتفسيره، والحمد لله وحده.
المسألة السابعة عشر
فيمن حلف ألا يبيع من فلان أو لا يشتري منه،
فباع أو اشترى من وكيله 1: فلا يخلو من أن يكون الوكيل من سبب المحلوف عليه أو لا يكون من سببه:
فإن لم يكن من سببه و [لا من] 2 ناحيته: لم يحنث.
وإن كان من سببه وناحيته، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون عالمًا به أو غير عالم:
فإن كان عالمًا أنه من سببه، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يعرفه الحالف أنه لا يبيع من فلان ولا يشتري أم لا.
فإن عرفه أنه حلف ألا يبيع من فلان، فقال له المشتري: "أنا أشتري لنفسي"، فلما وجب البيع بينهما، قال له المشتري: "سلم السلعة لفلان، فأنا اشتريت له":
قال مالك في "المدونة": وهو حانث، ولا ينفعه ما تقدم له".
قال أبو إسحاق التونسي: "لا يحنث الحالف بذلك، ولا يصدق المشتري فيما يدعيه بعد أن قال: لنفسي اشتريت.
ولو قال له: إنما أبيع منك بشرط أنك إن اشتريت لفلان فلا بيع بيني وبينك فثبت أنه اشترى لفلان فلا ينبغي أن يحنث ولا ينعقد البيع بينهما وإن لم يعرفه بذلك حتى اشتراه قال مالك: "يحنث".
ويتخرج في المذهب قول آخر أنه [لا] يحنث إذا اعتبر المقصد في
القول الأول.
فإذا لم يحنثه ولم يعلم أنه من سببه وناحيته هل يحنث أم لا؟
قولان قائمان من المدونة:
أحدهما: أنه مهما كان من [سببه] 1 فإنه يحنث من غير اعتبار بعلم الحالف أو بعدم علمه وهو ظاهر المدونة لقوله: فإن كان من سبب المحلوف عليه ومن ناحيته.
وهو مفسر في كتاب محمد وهو نص قول ابن القاسم في المجموعة.
والثاني: أنه لا يحنث الحالف حتى [لا] 2 يعلم أن المشتري من سبب المحلوف عليه ومن ناحيته وهو قول مالك وأشهب في كتاب محمد.
وهو ظاهر المدونة أيضًا في قوله في موضع آخر: إن علم أنه من سببه ومن ناحيته.
وعلى القول بأن ذلك يفتقر إلى علمه هل يصدق إذا ادعى أنه لم يعلم به بغير يمين أو لابد من يمين.
وإن كان المتولي للشراء صارفًا غير معروف في ذمة المحلوف إليه ولا من أصدقائه فلا يمين عليه.
وإلى هذا ذهب أبو الحسن اللخمي وهو الصحيح.
واختلف فيمن هو من سببه وناحيته على قولين: أحدهما: أن الصديق الملاطف أو من هو في عياله أو ناحيته وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الذي من سببه وكيله أو أبوه أو ابنه أو من يلي القيام بتدبيره وشأنه وأما الصديق الملاطف والجار الجليس فلا وهو قول ابن حبيب.
وكذلك الحكم في اليمين ألا يبيع له ومعناه ألا [يستمر له على سلعة] 3 في جميع ما ذكرناه.
[والحمد لله وحده] 4.
المسألة الثامنة عشر
فيمن حلف ليفعلن فعلا،
ففاته المحل قبل أن يفعل، مثل: أن يحلف ليضربن عبده أو ليركبن هذه الدابة أو ليأكلن هذا الطعام، فأبق العبد أو ماتت الدابة أو سرقت أو هلك الطعام أو سرق: فلا يخلو من أن يكون قد ضرب ليمينه أجلًا أم لا: فإن ضرب ليمينه أجلًا: فلا شيء عليه فيما هلك.
واختلف في السرقة، هل يحنث بها أو يبرأ؟ على قولين:
أحدهما: أنه حانث، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، إلا أن ينوي إن سرق.
والثاني: أنه لا شيء عليه، لأنه على بر.
وإن لم يضرب ليمينه أجلًا: فإن بادر إلى الفعل، ففاته محله من غير تفريط، فلا شيء عليه اتفاقًا.
فوجه قول ابن القاسم في السرقة: إذا لم تكن له نية أن عين الشيء المحلوف على فعله باقٍ، ولو أمكنه منه السارق ليأكله، فلذلك حنثه [والإباق من هذا القبيل] 1.
ووجه قول أشهب: أنه مغلوب على ترك الفعل لتعذر فعله، فأشبه الفوات الحسي.
وقد قال مالك في كتاب الأيمان بالطلاق: "فيمن حلف ليبيعن هذه الجارية، فألفاها حاملًا [منه] 2، "هو حانث".
وقال في "كتاب النذور"، فيمن حلف ليذبحن حمامات ليتيمه، فقام
من فوره، فوجدها ميتة، قال: "لا شيء عليه لأنه مغلوب على ترك الفعل".
واختلف المتأخرون، هل ذلك اختلاف قول أو ذلك اختلاف حال:
فذهب أكثرهم إلى أن ذلك اختلاف قول، وأنه لا فرق بين السؤالين، وأنه لا يحنث في الجميع، لعدم التفريط، وهو قول سحنون، وهو أحد أقاويل ابن القاسم في "العتبية".
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف أحوال، وذلك أن الذبح في الحمامات قد فات محله لغة وشرعًا، لأن الميتة ليست بمحل للذكاة أصلًا، لا لغة ولا شرعًا، إذ كلاهما لا يستعملان إلا في الحي دون الميت، فالشرعي منها [عبارة] 1 عما اجتمعت فيه الشروط المعتبرة فيها [واللغوي منها ما أحل فيه بالشروط المعتبرة] 2. أو المتفق عليها منها، فإذا فهمت هذا تبين لك أن: الذكاة اللغوية لا تستعمل فيما فات بنفسه، لا كما يحتج [به] 3 بعض الأغمار من طلبة الزمان.
أن الذكاة تستعمل [فيه] 4 لغة.
والجارية التي حلف ليبيعنها، فألفاها حاملًا منه: فإن البيع يتمكن فيها على الجملة، لأنها قائمة العين، غير أن البيع الشرعي لا يتمكن فيها.
والبيع اللغوي فيها متمكن فلذلك: حنثه ابن القاسم على أشهر الأقوال، وإلى هذا التأويل ذهب أبو القاسم بن محرز وغيره.
والخلاف في ذلك: يرجع إلى اعتبار المقاصد والألفاظ.
فمن اعتبر الألفاظ، قال: يحنث في الجميع.
ومن اعتبر المقاصد، قال: لا يحنث في الجميع.
فرع: ومن أكل مع زوجته، فحلف بطلاقها لتأكلن هذه القطعة، [فأكلتها] 1 الهرة، فأخذت المرأة الهرة فذبحتها، وأخرجت القطعة فأكلتها:
فقال ابن القاسم في "ثمانية أبي زيد": "لا يخرجه ذلك عن يمينه، ولكن إن كان بين أخذ الهرة إياها، وبين يمينه قدر ما لو أرادت أخذها لأخذتها، فتوانت حتى أخذتها الهرة: حنث.
فإن خطفتها الهرة قبل أن يمكنها أخذها، فلا حنث عليه".
ولو حلف ليطأن امرأته، فقطع ذكره من غير تفريط: لم يحنث، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن حبيب"، وقال أصبغ: "فرط أو لم يفرط لبقاء العين الذي هو محل الفعل"، وهو أحد قولي ابن القاسم في مسألة الجارية.
وسبب الخلاف: [مانع] الشرع، هل هو كالمانع العدم أم لا؟
وقد قدمنا فيما سلف من الكتاب أن للشرع إعدام الموجود.
فإن وطئها وهي حائض، هل يبر [في] 2 يمينه، أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه آثم في فعله [ولا يبرئه ذلك من يمينه وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن حبيب.
والثاني: أنه يبرأ في يمينه ويكون آثمًا في فعله] 3.
وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
وهذا الخلاف ينبني على [خلاف في اعتبار] 1 المقاصد والألفاظ أيضًا:
فمن اعتبر المقصد، قال: يحنث، لأن [قصده وطء صحيح] 2.
ومن اعتبر اللفظ، قال: لا يحنث، لأن الوطء موجود، وافق الشرع أو خالفه.
ولو حلف [لا وطئتها] 3، حنث بوطئها حائضًا، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة" أيضًا.
[تم كتاب النذور والأيمان والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم] 4.