مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 291-327
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المكاتب

صفحات 291-327
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثانى: أنَّ السيِّد يحلف أنَّهُ كان يعلم أنَّهُ يُعتق عليه إذا أدى، فإن حلف لم يقوم عليهِ بقيتهُ وهو قولهُ في "المبسوط".
وظَاهر قوله أنَّهُ لا يرد عتق ذلك النصيب لأنَّهُ لم يقُل: إذا حلف رقّ الذي أدَّى، وإنما قال: "لم يقوم".
وعلى القول بأنَّ الكتابة تسقط ويكون جميعهُ رقيقًا، فإنَّهُ يرد ما أخذ فيكون بينهُ وبين شريكه مع رقبةِ العبد، وسواءٌ قبض الكتابة أو بعضها، وقال غيره في "المُدوَّنة": إنَّما يكون ذلك بينهما إذا اجتمعا على قيمتهِ.
ومَن دعى إلى رده إلى العبد.
فذلك لهُ إذ لا يُنتزع مالهُ حتى يجتمعا عليهِ.
فإن كاتب الشريك حصَّتهُ فلا يخلو مِن خمسة أوجه: أحدها: أن يتفقا في العقد والنجوم والعدد.
والثانى: أن يختلفا في العقد والنجوم والعدد.
والثالث: أن يتحد العقد ويشترط أن يختلف العدد أو النجوم.
والرابع: أن يختلف العقد ويتَّفقا في العدد والنجوم.
والخامس: أن يختلفا ويختلف نوع المال الذي كاتباهُ عليهِ.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اتفقا في العقد والنجوم والعدد فلا خلاف في الجواز ويكون اقتضاؤهما واحدًا على الشركة ولا إشكال في ذلك.
والجواب عن الوجه الثانى: إذا اختلف العقد واختلف العدد والنجوم مثل أن يُكاتبهُ أحدهما على مائة والآخر على مائتين وكلاهما إلى سنة، أو كَاتباهُ على مائة أو أحدهما إلى سنة والآخر إلى سنتين فلا خلاف أنَّ ذلك لا يجوز ابتداءً.

فإن نزل فإنَّهُ يرد النظر إلى العبد أو إلى أحد السيدين.
فإن رضي العبد أن يُلحق الأدنى بالأعلى أو يرضى صاحب الأكثر أن يحط عن العبدى ذلك الفضل حتى يتساوى مع صاحب القليل أو يرضى صاحب المدة القريبة أن يتساوى مع صاحب المدة البعيدة في الاقتضاء أو برضا العبد أن يجعل نجومهُ لصاحب المُدَّة البعيدة في الاقتضاء حتى يساويهِ مع صاحب المدة القريبة في الأقصى فإنَّ الكتابة ثابتة جائزة.
فإن أنهى ذلك فمشهور المذهب أنَّ الكتابة باطلة ما لم يفت بالأداء.
[والجواب عن الوجه الثالث: إذا اتحد العقد واشترط أن يختلفا العدد.
فالكتابة جائزة والشرط باطل] 1. والجواب عن الوجه الرابع: إذا اختلف العقد، ويتقفان في العدد والنجوم فهل تُفسخ الكتابة أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين فى "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّ الكتابة تفسخ إلا أن يتراضيا [بالتساوى] 2 وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ الكتابة جائزة يريد ويسقط الشرط.
وهو قول الغير.
ويكون القضاء بينهما واحدًا.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا اختلف العقد ويختلف نوع المال الذى كاتباه مثل: أن يُكاتبهُ أحدهما على دنانير ويُكاتبه الآخر على عروض فالكتابَة بينهما مفسوخة قبل الأداء وبعده إلا أن يرضى السيَّد أن تكون الدنانير والعروض شركة بينهما وتصحُّ الكتابة.
والحمد لله وحده.

المسألة العاشرة

في الذي يُكاتب عبده وعلى السيِّد ديْن، وقد جنى العبد جناية.

فلا يخلو المكاتب مِن أن يكون قادرًا على أداء جميع ذلك أو يعجز عن بعضه: فإن كان قادرًا على أداء جميع الدَّين والجناية والكتابة فإنَّهُ يمضي على كتابتهِ.
فإن أدَّى الدَّين الذي على السيِّد فهل له أن يحاسبه به مِن نجومهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يُحاسبه بهِ إذ لا ضرر في ذلك على سيِّدهِ، إذ لو عجَّل لهُ الكتابة لأدى.
إذ قال: لَم يكُن لهُ الكتاب.
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسى.
والثانى: أنَّهُ لا يُحاسبه بهِ وهو ظاهر قول مالك في "المُدوَّنة" لأنَّهُ قال: إذا قال العبد: أنا أؤدى الذي مِن أجله تردنى والحماسة.
وأبقى على كتابتى.
كان ذلك له.
وظاهر هذا الكلام أنَّهُ لا يُحاسب السيِّد بذلك.
ومفهوم مِن فحوى الكلام أنَّ الدين التزم أداءه كالتزامهِ للكتابة فكأنَّهُ مِن جملتها.
وأمَّا الجناية التي جناها العبد فهل يحاسب بها السيد إذا أداها أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا يُحاسبه بها، وهو ظاهر "المُدوَّنة"، وهو مشهور المذهب.

والثانى: أنَّهُ لا يُحاسبه بها.
قال بعض المتأخرين وهو أشبه في النظر.
قال: وبيان ذلك أنَهُ إذا جنى جناية تُساوى عشرة وقيمتهُ عشرون وكُوتب بثلاثين"، فقال للسيد: أنا أؤدى عشرة الجناية وتبقى علىَّ مِن كتابتى عشرون، لأنِّى لو لم أؤد الجناية جبرت على دفعى في الجناية إذا افتدى بعشرة، فلا حُجَّة لك في الامتناع مِن أن يُحاسب بعشرة مِن الكتابة في الجناية، إذ لا ضرر عليهِ في هذا] 1. ويُعارضه على هذا التقدي أن يُقال: إن الجناية كان أصلها مِن العبد لم يجب على السيِّد أن يقاص من الكتابة منها، ومِن حجَّتهُ أن يقول: إنَّما كاتبتُهُ على أن تحملها.
أو يقول: ظننت أن المجنى عليه يتبعهُ بذلك دينًا كالمعتق، ويُقبل قولهُ في ذلك إذا ادّعاهُ.
والحمد لله وحده.

المسألة الحادية عشرة

في الرهن في الكتابة.

ولا يخلو الرهن في الكتابة مِن وجهين: أحدهما: أن يكون في عقد الكتابة.
والثانى: أن يكون بعد العقد.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الرهنُ في عقد الكتابة والسيِّد حى لم يمُت ولم يُفلس فلهُ حَكم الرهن اتفاقًا في القيام والفوات.
وإن مات السيِّد أو فلس فهل يخرج عن حكم الرهن ويعدُّ ذلك [منه] 1 انتزاعًا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّ ذلك انتزاع وليس لهُ حُكم الرهن، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ لهُ حكم الرهن، وهو قول غيره.
وسبب الخلاف: مُعاملة السيد عبدهُ في المعاوضات هل هى مُعاملة صحيحة أم لا؟ فعلى قوله في هذه المسألة أنَّ الربا جائز بين العبد وسيِّدهِ، وإن سمَّى ذلك سلفًا أو بيعًا وهو انتزاع معنوى على ما يقول ابن القاسم.
لأنَّ السيد إن ردَّ على العبد أكثر ممَّا أخذ منهُ فالزيادة منهُ هبة للعبد وليس بزيادة في السلف.
وعلى ما قال في "كتاب الصرف" أنَّ الربا يجرى بين العبد وسيدهِ

كالأجنبى.
ومن حكم فيهِ بأنَّهُ انتزاع فلا يرى فيهِ حقًا للمكاتب لا مع القيام ولا مع الفوات.
ومَن حكم فيه بحكم الرهن قال: فإن المكاتب يكون أحق بعينه فى القيام وهو في الفوات أسوة الغرماء.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان الرهن بعد العقد مثل أن يحل عليه نجم فطلب التأخير على رهن يضعهُ.
فالاتفاق في هذا الوجه أنَّ ذلك ليس بانتزاع وأن [له حكم] 1 الرهن مع القيام عاش العبدُ أو مات.
فإن ضاع الرهن عند السيِّد ولم يعلم إلا بدعواه فلا يخلو السيد [من] 2 أن يكون مديانًا أو غير مديان: فإن كان مديانًا، فللمكاتب محاصة الغرماء بقيمة الرهن في مال السيَّد.
ثُمَّ ينظر إلى ما نابه في المحاصة.
فإن كان مقدار ما بقى عليه مِن الكتابة عتق واتبع ذمة السيد بما بقى مِن قيمةِ رهنه.
فإن كان الذي نابه في [الحصاص] 3 أقل مما عليه في الكتابة وأكثر ممَّا عليهِ مِن النجوم فليحسب ذلك بما حل ثُمَّ مِن النجوم التي تليهِ فيأخذهُ الغرماء ثُمَّ تُباع لهم بقية الكتابة في بقية دينهم.
فإن أدَّى المكاتب لمشترى الكتابة عُتق ويكون ولاؤه لعاقدها.
وإن عجز رق لمشترى الكتابة ويُتبع السيد بما بقى لهُ مِن قيمةِ رهنه فى

الوجهين جميعًا.
وأمَّا إن كان السيِّد ليس بمديان فهل يُقاصصهُ المكاتب في الكتابة بقيمته أو تُؤخذ القيمة مِن السيد، فتوقف؟ قولان منصوصان في "المُدوّنة": أحدهما: أنَّهما يتقاصان بهما جُملةً [بلا] 1 تفصيل.
فإن تساوت القيمة والكتابة عتق.
وإن نافت [قيمتهُ] 2 على الكتابة اتبع السيد.
وإن قصرت عن الكتابة قوصص بها على النجوم ويسعى المُكاتب فيما بقى وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
ووجهُهُ: [أن] 3 الرهن لما جُهل أمره ولا يدرى هل [تلفه] 4 بتعد مِن السيد فيكون الحكم أن تُؤخذ القيمة منهُ وتُوقف.
فإن أتى المُكاتب برهن ثقة أخذها كما قال في "كتاب الرهون" أو كان هلاكُه بغير سببهِ ولا بتعد منه فيسقط الضمان عن السيد ويكون التلف من الراهن فلمَّا كان الأمر هكذا توسط فيهِ بالضمان ويُحكم [له] 5 فيهِ بالقصاص في الحال، والتوسط سوق الاعتدال.
والقول الثاني: بالتفصيل بين أن يتهم السيِّد بالعداء على الرهن أو لا يتهم.
فإن اتُّهم بالعداء أُخذت منهُ القيمة ووقِّفت وتُؤدى على النجوم.

فإن أتى المُكاتب برهن ثقة أخذ القيمة لنفسهِ ويُؤدى المُكاتب على نجومها.
فإن لم يتهم بالعداء عليه فلا تخلو الكتابة مِن أن تكون عينًا أو عرضًا: فإن كانت الكتابة دنانير والقيمة دنانير كانت قصاصًا [بما] 1 على المكاتب، لأن وقفُها يؤول إلى ضرر وخطر وغرر.
فإن كانت الكتابة عروضًا وطعامًا والقيمة عينًا، فإن رجى رخص ما عليه حتى يشتريه باليسير مِن الثمن [أوقفت القيمة] 2. فإن لم يُرج ذلك قوصص بها في قيمة ما عليهِ مِن العروض في الحال، وهو قول أشهب في "المُدوّنة".
ووجههُ: أنَّ القيمة [قد وجبت] 3 على السيِّد بهلاك الرهن فكان القصاص بها أولى مِن الإيقاف [المعرض] 4 للإتلاف إذ بها يحصُل للعبد العتق المُتبغى وينالُ بها السيِّد الثواب المُرتجى.
حتى إذا ظهرت دلائل التهمة، ولاحت أمارة الظنَّة بالعداء مِن السيد كان إيقافُ القيمة أوْلى لئلا يصل السيد بتعديه إلى ما لا يُريد، لاحتمال أن يقصد بذلك استعجال الكتابة قبل محلها فيُعاقب بنقيض مقصودهِ.
والحمد لله وحده.

المسألة الثانية عشرة

شراء المُكاتب مَن يعتق على الحر بالمِلك إذا ملكه.

ولا يخلو شراؤهُ مِن وجهين: إمَّا أن يشتريه بغير إذن سيَّدهِ.
[والثانى: أن] 1 يشتريهِ بإذنهِ.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اشتراهُ بغير إذنهِ هل يدخل في الكتابة أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة": أحدهما: أنَّهُ لا يدخل معهُ في الكتابة ولهُ أن يتبعهُ إذا خشى العجز وهو قولُ مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَهُ يدخُل معهُ ويكون لهُ حُكم مَنْ انعقدت عليهِ الكتابة وهذا القول يُستقرأ مِن "المُدوَّنة".
وينبنى الخلاف على الخلاف: في المكاتب هل لهُ أن يُعجز نفسهُ مع القُدرة على الأداء أو لا يجوز لهُ؟ فمن رأى أنَّ لهُ أن يُعجز نفسهُ قال: يدخُل معهُ.
ومن رأى أنَّهُ ليس لهُ أن يُعجز نفسهُ قال: لا يدخُل معهُ لأنَّ شراءهُ تعطيل لماله عن التَّنمية التي يحصل بها الأداء والعتق.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اشتراهُ بإذن سيدهِ هل يدخُل معهُ في الكتابة أو لا؟ قولان قائمان مِن "المُدونة": أحدهما: أنَّهُ يدخُل معهُ وهو نصُّ "المُدوَّنة".

والثانى: أنَّهُ لا يدخُل معهُ، وهو مُستقرأ مِن "المُدونة".
وسبب الخلاف: هل يجوز اتفاق السيد والمُكاتب على عجزهِ مع القُدرة على الأداء أم لا؟ فمن رأى أنَهُ يجوز لهُ عجزهُ مع اتفاقهما قال: يدخُل معهُ.
ومن رأى أنَّهُ لا يجوز أن يتَّفقا على ذلك قال: لا يدخل معهُ لأنَّ ذلك [داعٍ] 1 إلى عجزهِ.
وعلى القول بأنَّهُ يدخل معه مِن [الذي يدخل معه من] 2 قرابتهِ؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوَّنة": أحدها: أنَّهُ يدخل معهُ كُل مَنْ كان يعتق على الحر بالملك إذا ملكهُ، ويدخُل في ذلك الأخوة، وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يدخل معهُ إلا الأبوة والبنوَّة خاصة، وهو قول أشهب في "المُدوَّنة" ومثلهُ لابن القاسم في "الموَّازية".
والثالث: أنَّه لا يدخل إلا الولد خاصة بإذن سيِّده إذ لهُ أن [يستلحقه] 3، وهو قول ابن نافع في "المُدوَّنة".
والرابع: أنَّهُ يدخل معهُ الولد وان اشتراهُ بغير إذن سيَّدهِ وهو قول ابن نافع في غير "كتاب محمد"، على قول أبى محمد في "النوادر"، وهو ظاهر تعليل ابن نافع في "الكتاب" حيث قال: إن له أن يستحدثهُ واستحداثهُ لا اختيار فيهِ للسيد فينبغى أن يكون الشراء كذلك.

وسبب الخلاف: بين القولين الأولين اختلاف العلماء فيمن يعتق على الحر بالملك.
فأشهب راعى ما وقع عليهِ الإجماع في الحر.
ومالك راعى مشهور مذهبهِ في عتق الأخوة، فاطَّرد ذلك في المكاتب.
وأمَّا الابن فسببُ الخلاف فيه ما قدَّمناهُ في المكاتب هل يجوز لهُ أن يعجز نفسهُ وإن كان لهُ مال ظاهر؟ فمن رأى ذلك لم يُفرق بين الولد وغيرهِ.
ومَنْ منع فقد فرق بين الولد وغيره للعلة التي ذكرها ابن نافع.
وهذا كُلَّهُ إذا لم يكن على المكاتب ديْن.
وأمَّا إن كان عليهِ ديْن فلا [يجوز] 1 شراؤهُ مِن أن يعتق عليهِ إلا بإذن الغرماء.
والحمد لله وحده.

المسألة الثالثة عشرة

في عتق السيِّد أحد المكاتبين.

ولا يخلو المعتق مِن [أحد] 1 وجهين: أحدهما: أن يكون لهُ قوة.
والثانى: أن يكون ممن لا قُوَّة لهُ إمَّا لزمانة طرأت عليه بعد الكتابة، أو لكونه صغيرًا لا حرفة لهُ ولا قوة [فإن كان لا قوة] 2 لهُ في الحال ويقوى في أثناء الكتابة فهو كالصحيح المستوى.
فإن كان أمرَ الكتابة ينقضى قبل أن يبلغ السعى، فهو كالزمن، وقد تقدَّم الكلام عليهِ في باب "توظيف الكتابة".
فإن كان مِمن لا قوة لهُ على السعى، لا في الحال ولا في المآل فلا يخلو ذلك مِن أن يكون ذلك بإذنهم أو بغير إذنهم.
فإن كان ذلك بإذنهم فلا خلاف في جواز عتقهِ لدفعهم عن أنفسهم ضررًا ناجزًا وهو نفقتهُ وكسوتهُ.
والكتابة عليهم كما كانت.
فإن أعتقه بغير إذنهم هل يُنفذ العتق أو يُوقف؟ قولان قائمان مِن "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّ العتق نافذ لا يُوضع عنهم مِن الكتابة [سهم] 3 العتيق وهو نصُّ "المُدوَّنة".

والثانى: أنَّ عتقهُ موقوف إلى العجز أو الأداء، وهو ظاهر "المُدونة" مِن قولهِ: إن لهم الرجوع عليهِ إذا أدوا عنهُ.
وهو نصُّ "المُدوَّنة": أنَّ لهم الرجوع على الزمن.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى الضرر الذي درأ عنهم فى الحال مِن مؤنتهِ ونقله أو النظر إلى ما فوت لهم فى المال مِن الرُجوع عليهِ إذا أدوا؟ فإن كان العتيق لهُ قوة وسعاية إمَّا بيدهِ وحرفتهِ أو بمالهِ الحاصل عندهُ فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بإذن أصحابهِ أو بغير إذنهم.
فإن كان ذلك بغير إذنهم فقولان قائمان مِن "المُدونة": أحدهما: أنَّ العتق موقوف وهو قولهُ فى المُدوَّنة.
والثانى: أنَّ العتق نافذ وهو قولهُ فى آخر الكتاب فى الزمن الذي لهُ مال.
وسبب الخلاف: هل للسيَّد أن يعجز مكاتبه وإن أراد البقاء على الكتابة أو ليس لهُ ذلك؟ فعلى القول بنفوذ العتق فى الحال فلهُ أن يعجزه إذ فعلهُ يُؤدى إلى [عجز] 1 الباقين.
فإذا قُلنا بنفوذ العتق فى الحال هل يوضع الباقين منابة العتيق مِن الكتابة أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يُوضع عنهم شىء، وهو قولُ مالك فى "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهم توضع عنهم حصتهُ، وهو ظاهر قوله فى "الكتاب" فى الأمة التي أحبلها السيَّد فى الكتابة فرضيت هى ومَن معها فى الكتابة

بتسليمها إلى السيد حيث قال: يوضع عنهم جميع حقها مِن الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم جميع حقها من الكتابة، فإذا قال: يوضع عنهم مع رضاهم بالتسليم، وإخراجها مِن الكتابة بفعل السيِّد فبأن توضع عنهم جميعهم مع الإكراه أولى وأحق.
وسبب الخلاف: هل للسيِّد أن يُجبر عبده على الكتابة أم لا؟ فعلى القول بأنَّ لهُ الجبر فلهُ أن يعتق وتبقى جميع الكتابة على مَن بقى كماله أن يوصف ذلك القدر عليهم [ابتداءً] 1. وعلى القول بنفى الجبر فتسقط عنهم.
وعلى القول بأن العتق موقوف على الأداء أو العجز فإذا أعتق بالأداء فهل يرجع على سيِّده بما أدى إن أدى عن نفسه، وهل يرجع عليهِ أصحابه إن هم أدوا عنهُ؟ قولان منصوصان فى المذهب قائمان مِن "المُدوَّنة": أحدهما: أنَهُ لا يرجع على السيد بشىء ولا يرجع عليهِ أصحابه وهو نص "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يرجع [هو] 2 على سيده ويرجع عليه أصحابهُ إن أدوا عنه، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة " مِنَ "كتاب العتق الثاني" مِن مسألة العبد المستأجر إذا أعتقه سيدهُ قبل تمام الإجارة ولم يشترط أن يكون لهُ جميع الإجارة، وأن المُستأجر لهُ مِن إسقاط حقِّه مِن بقية الإجارة.
فقد تأوَّل بعض الشيوخ على "المُدوَّنة" أنَّ بقية الإجارة للعبد ويرجع بها على السيِّد إنْ كان قد قبض جميعها عند العقد إذ لا سبيل له إن مد الإجارة عن الحر، وهي مسألتنا بعينها.

وسبب الخلاف: هل تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّ العتق مُيسر ثُمَّ مِن جهة السيد حتى لا يلحقه ديْن حدث.
أو تغلب فيه شائبة الرق مِن حيثُ أنَّهُ يستسعى بالرق على وجهٍ شرعى.
فإن أعتقهُ بإذنهم ورضاهم هل ينفذ فيه العتق أو يتوقف؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة مِن "المُدوَّنة": أحدها: أنَّ العتق نافذ جُملةً وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أن العتق موقوف وهو قول الغير فى المُدونة ولابن القاسم مثله من مسألة النصراني إذا أسلم حيثُ قال: يُباع عليهِ مكاتبتهما جميعًا لحقِّ الحمالة رضي أم كره.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يتساويا فى القوة فيجوز أو يكون العتيق أفضلهم وفيه ترجى علتهم ثم لا تجوز ويوقف.
وسبب الخلاف: هل له أن يعجز نفسهُ أم لا؟ [والحمد لله وحده] 1.

المسألة الرابعة عشرة

فى المكاتب إذا مات ومعه أولاد وأمهات أولاد فى كتابته.

ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يترك مالًا فيه وفاء بالكتابة.
والثانى: أن يترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة 1. والثالث: أن يموت ولم يترك مالًا.
فإن ترك مالًا فيه وفاء بالكتابة فلا خلاف أن من معه فى الكتابة يعتقون فيه عاجلًا.
فإن ترك مالًا لا وفاء فيه بالكتابة فلا يخلو الأولاد مِن أن يكونوا صغارًا أو كبارًا: فإن كانوا صغارًا عاجزين عن السعى فلا يخلو ذلك المال من وجهين: إمَّا: أن يكون [فيه] 2 ما يبلغهم السعى.
والثانى: أن يكون ذلك مما لا يبلغهم السعى 3. فإن كان فيه ما يبلغهم السعى، فإنه يُؤدى عنهم [على] 4 النجوم حتى يبلغهم السعى.
فإن كانوا كبارًا، فهل يُدفع لهم المال ويسعون فيه؟ فلا يخلو الولد من

أن يكون مأمونًا أم لا: فإن كان الولد مأمونا قائما بالمال مشتغلًا بالاشتغال به فلا خلاف فى المذهب أنه يدفع له خلافًا لقول ربيعة فى "الكتاب" حيث قال: [لا يدفع إلا للسيد] 1. فإن كان الولد غير مأمون فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلَّها قائمة منِ "المدوَّنة": أحدها: أنَّه لا يدفع إلا للولد إن كان مأمونًا ولا يُدفع لأُم الولد وإن كانت معهُ، وهو قول مالك فى كتاب المكاتب من "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يدفع لأُم الولد خاصة إذا لم يستقل بهِ الولد إمَّا لكونهِ صغيرًا وإمَّا لكونهِ غير مأمون ولا يدفع لغيرها وهو ظاهر قوله فى "كتاب الجنايات".
والقول الثالث: أنَّهُ يدفع لكل مَن كان معه فى الكتابة ويسعى فيه، وإن كان أخًا أو أجنبيًا، وهو قول أشهب فى "الموَّازية".
وعلى القول بأنَّهُ لا يدفع لأحد إلا للولد.
فإن كان الولد غير مأمون أو لم يترك ولدًا معهُ فى الكتابة أصلًا كان للسيَّد أن يأخذ ذلك المال.
واختلف هل يُؤديه على النجوم أو يحسب ذلك [لهم] 2 من أول الكتابة أو مِن آخرها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ يحسب ذلك لهم مِن آخر كتابتهم، وهو قول ابن القاسم

فى آخر كتاب الجنايات مِن "المُدونة".
والثانى: أنَّ ذلك يُحسب لهم من أولها، وهو قول مالك فى "كتاب محمد".
والثالث: أنَّهُ مقسوم [على النجوم] 1 ومفضوض على سائرها، وهو قولٌ قياس وإليه أشار بعض المتأخرين, لأنَّهُ لما مات حلَّ ما عليه من الدين فى خاصة نفسه، وحمالته توجب أن يُؤدى ما ترك عن ذلك [كله] 2 وإنَّما فرق مالك بين الولد وغيره فى دفع المال إليه لأنَّه يشفق وإنَّما فرق مالك بين الولد وغيره فى دفع المال إليه لأنَّهُ يشفق عليه ويصونه ولا يُبذره كما كان الأب يفعل.
[وأما] 3 الأجنبى فربَّما يَبذرهُ ويسرف فيه ولا تُدركه منهُ شفقة لكونهِ لم يعرف فيه ولا تعب فى اقتنائه فى غالب الأمر.
فإن مات ولم يترك مالًا فلا يخلو من معه فى الكتابة من أن يكونوا صغارًا أو كبارًا: فإن كانوا صغارًا عاجزين عن السعى.
فإن كانت معهم أم ولد لأبيهم فإن قويت على السعى فإنَّها تسعى فى بقية الكتابة عنها وعنهم.
فإن أدت رجعت عليهم بما أدت عنهم إن لم يكونوا أولادها [فإن كانوا أولادها] 4 فلا ترجع عليهم بشىء ولها أن تستسعيهم فى الكتابة إذا أطاقوها.

فإن عجزت عن السعى فلا يخلو من أن يكون فى ثمنها إذا بيعت ما يفى ببقية الكتابة أو ليس فيه ما يفى: فإن كان فى ثمنها ما يفى ببقية الكتابة فإنَّها تباع، وتؤدى الكتابة من ثمنها.
وكذلك الحكم إذا كانوا كبارًا عاجزين عن السعى فإنَّ لهم بيعها وإن كانت أمهم.
واختلف إذا كانوا جماعة أمهات أولاد وكان مع [كل] 1 واحدة منهن ولد، وكان مع واحدة خاصة أو كان معهنَّ الولد من غيرهن، وكان فى بيع بعضهن ما يفى بالكتابة، كيف يُباع منهن؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الخيار فى ذلك للولد فيختار [بيع] 2 من فيها نجاتهم، وهو قول ابن القاسم فى "المُدوَّنة".
والثانى: [أنه] 3 لا تباع واحدة منهنَّ إلا بالقُرعة، وهو قول سحنون.
والقول الثالث: أنه يُباع منهنَّ بالحصص، كالمدبرين، وهو اختيار أبى الحسن اللخمى - رضي الله عنه - 4. وكذلك الحكم فى السيَّد إذ لو كان حيًا.
فإن لم يكن فى ثمن أم الولد إذا بيعت ما يفى بالكتابة.

فإن كان فى ثمنها ما يبلغهم السعى إن كانوا صغار فإنَّها تُباع ويأخذ السيد الثمن ويقبضه لنفسه على النجوم حتى يبلغوا السعى.
فإن لم يكن فى ثمنها ما يُبلغهم السعى فإنَّهم يرقون جميعًا للسيد.
واختلف إذا لم يكن معها ولد فى الكتابة مجال لا منها ولا من غيرها وكانت مع الأب أو الأخ هل تسعى معهُ أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنَّها لا تسعى إلا مع الولد خاصة، وهو قول ابن القاسم فى المُدَّونة.
والثانى: أنَّها تسعى مع [الأب] 1 والأخ، وهذا القول ذكره اللخمى ولم يُسم قائله.
وقد اختلف فى أم ولد المكاتب متى تكون أُم ولد [بعد اتفاقهم] 2. على أنَّها لا تكون أُم ولد بما ولدت منه قبل الكتابة.
وعلى أنَّها تكون أُم ولد بما حملت به بعد أداء الكتابة.
وإنَّما اختلف فيما حملت به فى حين عقد الكتابة أو حملت [به] 3. بعد الكتابة ثم وضعته بعد الأداء على قولين منصوصين: لعبد الملك فى كتاب العدة وطلاق السنَّة فى "المُدونة"، وكتاب "المأذون له فى التجارة".
وينبنى الخلاف على الخلاف فى أم الولد هل تكون أم ولد بنفس الحمل أو لا تكون أم ولد إلا بعد الوضع؟

وهكذا الخلاف فيمن اشترى زوجته وهي حامل [منه] 1 هل تكون أُم ولد بذلك الحمل منهُ أم لا؟ على قولين قائمين من "المُدوَّنة".
والحمد لله وحده

المسألة الخامسة عشرة

في الكتابة في المرض،

وفيها ثلاثة أسئلة: الأول: إذا أقرَّ فى المرض بقبض الكتابة فى الصحة.
والثانى: إذا كاتبه فى المرض.
[والثالث: وقوعها فى المرض وإقراره فى المرض] 1 بقبض الكتابة.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا أقرَّ فى المرض بقبض الكتابة في الصحة، فلا يخلو من أن يكون موروثًا بولد أو بكلالة: فإن كان موروثًا بولد، فلا خلاف أعلمه فى المذهب فى نفى التُهمة، وخروج العبد من رأس المال، ويكون حُرًا من ساعته.
فإن كان موروثًا بكلالة، هل يخرج من الثلث أو يبطل رأسًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّهُ يخرج من الثلث، وهو قول ابن القاسم فى "كتاب المكاتب".
والثانى: أنه يبطل إقراره، وهو قوله فى كتاب الوصايا من "المدونة"، وهو قول الغير فى كتاب [الوصايا] 2، حيث قال: "ولا يكون فى الثلث إلا ما أُريد به الثلث".
وسبب الخلاف: هل إقراره كالإنشاء، فيُعدَّ كما لو أعتقه ساعتئذ أو هو كالإخبار عمَّا وقع فيتهم ثمَّ يبطل؟

وعلى القول بأنَّهُ كالإنشاء، فيدخله الخلاف الذي أسلفناه فى "كتاب العتق الأول" فى المبتل فى المرض حرفًا حرفًا.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا كاتبه فى المرض، ففى هذا السؤال فى الكتاب إشكال: وقد قال فى أول الكتاب: "إذا كاتب عبدهُ فى المرض، فإن حمله الثُلُث جاز، وإن لم يحمله: خُير الورثة، إمَّا أجازوا وإمَّا عتقوا منه ثلث الميت بتلا".
ثم قال مالك [فى المريض] 1 [بيعه وشراؤه جائز] 2 إلا أن يحابى، فيكون مُحاباة فى الثلث".
فانظر ما بين المسألة التي استدل بها والتي يستدلَّ عليها من المنافرة، لأنَّ التي استدل عليها شرط فيها [حملان] 3 الثلث حابا أم لا والتي استدل بها، إنما اعتبر الثلث، مع وجود المحاباة خاصة، ولا فرق في التحقيق بين المسألتين، ولاسيما على القول بأن الكتابة بيع، إلا أن يتأول متأول أن نفس الكتابة محاباة للعبد من السيد، مثل: أن تكون الكتابة، مثل قيمة رقبته إلا أنَّ السيد [كان] 4 قادرًا على أن [يُخرجهُ] 5 بمثل ذلك، فتكون الكتاب مُحاباة، فلذلك اعتبر الثلث، وهو تأويل سائغ لائق [بالكتاب] 6.

وإذا وقعت بلا مُحاباة، هل تمضى ويسعى العبد على النجوم أو يوَّقف المكاتب بنجومه إلى بعد الموت، فيُصرف إلى الثلث؟ ففى المذهب قولان منصوصان فى "المُدوَّنة".
وسبب الخلاف: هل الكتابة من ناحية العتق أو مِن ناحية البيع.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا وقعت الكتابة فى المرض، [وأقر بقبضها فى المرض] 1. فعلى القول بأنَّ ناحيتها ناحية البيع: فلا خلاف أنَّ العبد يكون حرًا من رأس المال.
وعلى القول بأنَّ ناحيتها ناحية العتق: فيتخرج على الخلاف فى المبتل فى المرض حرفًا حرفًا [بلا ريب ولا رجم غيب] 2. والحمد لله وحدهُ.

المسألة السادسة عشرة

فى السيد إذا أوصى بكتابة مكاتبه، فلا يخلو من وجهين:

أحدهما: أن يُوصى بها لأجنبى.
والثانى: أن يوصى بها لمكاتبه.
فإن أوصى بها لأجنبى، فلا يخلو أن يوصى بها كُلَّها أو يُوصى بنجم منها: فالجواب عن الوجه الأول: إذا أوصى بها [كلها] 1 لأجنبى، فإنَّ وصيَّته [كلها] 2 مصروفة إلى الثلث.
واختلف ما الذي [يجعل فى] 3 الثلث؟ على ثلاثة أقوال كلَّها قائمة من "المُدوَّنة": أحدها: أنَّهُ يجعل فى الثلث الأقل من قيمة الرقبة أو [قيمة] 4 الكتابة، وهو قول أكثر الرواة فى [الكتاب] 5. والقول الثالث: أنَهُ يجعل فى الثُلُث قيمة الكتابة، مِن غير التفات إلى قيمة الرقبة، وهو ظاهر [قول ابن القاسم] 6 فى "المدوَّنة" فى [وصية للمكاتب] 7 بنجم معين.

وسبب الخلاف: هل النظر إلى الحال أو النظر إلى المآل؟ فمن اعتبر الحال قال: قيمة الكتابة, لأنَّها التي تملكها فى الحال، إذ له بيع الكتابة، ويقبض [الثمن] 1 نقدًا.
ومَنَ اعتبر المآل: رأى أن عدد الكتابة هو الموصى به فهو المجعول فى الثلث.
وأمَّا قوله أو قيمة الرقبة، إن كانت أقل.
أما على القول باعتبار عدد الكتابة فى الثلث، فيصح الأمران على [اعتبار] 2 المآل، لأنَّ الذي يحصل للموصى به إذا حمل الثُلُث.
ووصية أحد أمرين: إمَّا الكتابة إن أداها العبد.
وإما رقبة العبد إن عجز فيصح اعتبار الأقل [بينهما] 3. وأمَّا اعتبار الأقل بين قيمة الكتابة وقيمة الرقبة: فذلك استحسان على القول بمراعاة الحال، إذ لا مدخل لقيمة الرقبة هنالك.
والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا أوصى له بنجم منها، فلا يخلو ذلك النجم من أن يكون معينًا أو مبهمًا: فإن كان معينا، وحمله الثلث، كان له مطالبة المكاتب بذلك.
فإن عجز رق [له] 4 من رقبة العبد مقدار ما يُقابل ذلك.

فإن قال له الورثة نعجل لك نجمًا، وأبى أن يقبله، وقال [لعل] 1 العبد يعجز، فيكون [لي] 2 من رقبته مقدار ذلك.
فإن كان ذلك قبل حلول النجم، كان ذلك له.
وإن كان بعد حلوله، والعبد به ملى، كان ذلك للورثة.
فأمَّا إن كان نجمًا مُبهمًا، فإنَّهُ يكون شريكًا للورثة على حساب الأنجم.
فإن كانت خمسة، كان شريكًا بالخُمس فى الكتابة، إن أُدِّيت، وفى الرقبة إنْ عجز.
والجواب عن الوجه الثانى من أصل التقسيم: إذا أوصى بها لمكاتبه، فلا يخلو من أن يُوصى له بها كلها أو بنجم منها: فإن أوصى [له] 3 بها كُلها: كان ذلك وصية بعتقه بلا خلاف.
واختُلف ما الذي يجعل فى الثلث: على قولين: أحدهما: أنَّه يجعل فيها قيمة الرقبة.
والثانى: قيمة الكتابة.
والقولان لابن القاسم فى "المدونة"، كما تقدم، فإن حمَّله الثلث عُتق، وإن لم يحملهُ الثلُث خُيِّر الورثة بين أن يجيزوا ذلك أو [يعتقوا] 4 منه ما حمل الثلث بتلا.
ويوضع عنه من الكتابة مقدار ما يقابل الجُزء المعتق منه.

[وأما إذا] 1 أوصى له بنجم بعينه، وقد حمله الثلث، فذلك جائز.
واختُلف ما الذي يجعل فى الثلث؟ على قولين قائمين من "المُدوّنة": أحدهما: قيمة ذلك النجم، ولا ينظر إلى الرقبة، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى "الكتاب".
والثانى: أن المجعول فى الثلث الأقل من [قيمة] 2 ذلك النجم أو ما يُقابلهُ من الرقبة، وهو ظاهر قول ابن القاسم فى: الوصيَّة بالكتابة لأجنبى، وهذا مثله، وهو نص قول أشهب فى غير "المدونة".
فإن حمله الثلث نظر إلى قيمة ذلك النجم من جميع الكتابة.
فإن كان ربعها، عُتق منه الربع أو خمسًا عتق منه الخمس على هذا الحساب، ويسقط [عنه] 3 ذلك النجم [من الكتابة] 4، ويسعى فيما بقى.
فإن لم يحمله الثلث: خُيِّر الورثة بين إجازة ذلك أو يعتقون من [المكاتب] 5 ما حمل الثُلُث منه، ويوضع [عنه] 6 من الكتابة بقدر ذلك.
واختلف هل يوضع عنه من كل نجم أو يجمع ذلك فى نجم واحد بعينه؟ على قولين قائمين من "المُدونة":

أحدهما: أنه يوضع عنه من كل نجم قدر ما عتق، وهو نصّ قول ابن القاسم فى "المدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يُوضع عنه فى ذلك النجم بعينه، وهو قول أشهب فى غير "المدونة".
وينبنى الخلاف على الخلاف فى الموصى له بشىء بعينه، ولم يحمله الثلث، هل يقطع له بالثلث فى جميع التركة أو يقطع لهُ بها فى ذلك الشىء بعينه؟ والقولان لمالك فى كتاب الوصايا من "المدونة".
ولا فرق بين السؤالين, لأنَّ النجم معين [والشىء] 1 الموصى له بعينه معين.
فينبغى أن يكون الجوابان على سواء.
[والحمد لله وحده] 2

المسألة السابعة عشرة

فى موت أحد المكاتبين:

وإذا مات أحد المكاتبين، وقد كوتبوا كتابة واحدة، فلا يخلو من وجهين: إمَّا أن يترك مالًا.
أو لم يترك شيئًا.
[فإن لم يترك شيئًا] 1 فالذي بقى فى الكتابة يسعى، فإن أدى عتق، وإن عجز [رق] 2 ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن مات وترك مالًا، فلا يخلو من أن يكون فيه وفاء وفضل أو دون الوفاء: فإن ترك دون الوفاء: فإنَّهُ يُحسب لهم إما فى أول النجوم.
وإمَّا فى آخر الكتابة على الخلاف الذي قدَّمناهُ: فإن كان فيه وفاء وفضل: فالكتابة حالَّة، وللسيِّد تعجيلها اتفاقًا لأن الكتابة التي هى على الميت، بعضها بالأصالة، وبعضها بالحمالة: وجميع ذلك يحل بموتهِ.
فإذا عجلت الكتابة من مال [الميت] 3 عتق فيه كل من كان معهُ فى الكتابة، ويكون للسيِّد الرُجوع على كُلِّ مَن كان يرجع عليه المكاتب، لو

عاش وأدى عنه, لأنَّ السيِّد يقوم مقامه، إذ لولا هم لأخذ السيِّد جميع ما خلَّفهُ المُكاتب، لأنَّهُ مات رقيقًا.
واختلف المذهب فيمن كان يرجع عليه المكاتب لو أدَّى عنه: على أربعة أقوال: أحدها: أنَّهُ لا يرجع على ذوى الأرحام كُلّهم، كان ممن يرث أو [ممن] 1 لا يرث، كالخالة والعمَّة وبنت الأخ، وهو قول أشهب.
والثانى: أنَّهُ لا يرجع على مَنْ يرث بالنسب، ويرجع على مَنْ عداه من ذوى الأرحام، وهي رواية ابن القاسم عن مالك.
والثالث: أنه لا يرجع على الأبوة والأخوة خاصة ويرجع على من عداهم وهو قول ابن القاسم فى المدونة] 2. والرابع: أنَّهُ لا يرجع على الأُبوَّة والبنوة خاصة، ويرجع على من سواهم، وهو ظاهر قول أشهب فيمن يدخل [مع] 3 المُكاتب فى الكتابة إذا اشتراهُ.
وينبنى الخلاف على الخلاف: فيمن يعتق على الحُر بالمِلك [إذا ملكه] 4، هل يرجع عليهم على النجوم أو على الحلول؟ قولان: وإن ترك فضلًا عن وفاء الكتابة، فلا يخلو من معهُ فى الكتابة من أن يكون قريبًا أو أجنبيًا:

فإن كان أجنبيًا، فالمال للسيد اتفاقًا.
وإن كان قريبًا، فلا يخلو مِن أن يكون قريبًا بسبب أو قريبًا بنسب: فإن كان قريبًا بسبب، كالزوجية، هل يرث الحى منهم الميت أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك رحمه الله: أحدهما: أنَّهُ لا يرث الحى الميت منهما، وهو نصُّ قوله فى "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهما يتوارثان، وهو قوله فى "كتاب ابن الموَّاز".
ولا خلاف فى المذهب فيما أعلمه أنَّهُ لا يرجع عليها إذا أدَّى عنها الكتابة، كما لو فداها من [أيدى] 1 العدو.
واختلف إذا أدت عنه، هل ترجع عليه؟ على قولين: أحدهما: أنَّها لا ترجع عليه، وهو قول ابن الماجشون.
والثانى: أنَّها ترجع عليه لعدم العلَّة التي هى أصل فى الباب.
فإن كان قريبًا بنسب، وما ذلك النسب الذي يستحق به ميراث المكاتب؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يرثه كُل من يرث الحُر من العم وغيره من نساء أو رجال، وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم.
والثانى: أنَّهُ لا يرثُهُ إلا من يعتق على الحُر بالملك إذا ملكه، وهو الذي لا يرجع عليه إذا أدى عنه، وهو مذهب "المُدونة"، وهو قول عبد الملك وابن القاسم، قاله مرة فى "كتاب محمد".

والثالث: أنَهُ لا يرث إلا الأُبوة والبنوة خاصة، وهو ظاهر قول أشهب: فيمن يدخل مع المُكاتب إذا اشتراه.
وسبب الخلاف: مخالفة هذه المسألة الأصول، ولا خلاف أنَّهُ لا يرثه من كان خارج الكتابة من أقاربه، وإن كان أقرب الأقرباء كالأب والابن، وهذا [حكم] 1 بين حكمين.
وهي من المسائل التي انفرد بها مالك رحمه الله دون سائر العلماء، ومعتمده فى ذلك أمران: أحدهما: قضية عمر - رضي الله عنه -، وذلك أنَّ مُكاتبًا تُوفي وترك مالًا كثيرًا وعليه بقية من كتابته، فجاء أولاده إلى عمر، فقالوا: نؤدى دينه ونأخذ ما بقى، فقال لهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أرأيت لو مات أبوكم، ولم يترك وفاء، أكنتم تسعون فى أدائه؟، فقالوا: لا، فقال عمر: فلا إذا.
ووجه الدليل من الحديث أنَّ عمر منعهم الميراث لكونهم خارج الكتابة، وأنَّهم لا يتساوون مع أبيهم فى الحُكم، فوجب أن يكون ميراثهُ لمن ساواه فى الحُكم.
والعمدة الثانية: مراعاة الشبهة، وهي عبارة عن تشاكل الأمرين، وتشابه الشيئين، وليس القطع إلى أحدهما بأولى من الآخر، فوجب أن يكون الحكم مقتضى شائبة الشبهة، وذلك الحُكم منافر لكلا الشقين، مثل: ما رُوى أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم به فى ولد وليدة [ابن] 2 زمعة، وذلك أنَّ سعد بن أبي وقاص تداعى هو وعبد الله بن زمعة فى الولد الذي ولدتهُ وليدة زمعة، فقال سعد: "يا رسول الله، هذا ابن أخي أمرنى أن

أستلحقه إلى نسبه عند الوضع"، على حسب ما كانوا عليه فى الجاهلية، وفي أول الإسلام من اللاطة، وقال ابن زمعة: "هذا أخي وابن أبي، ولد على فراش أبى"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" يعني الزانى، فألحقهُ بابن زمعة، ثم قال لزوجته: "احتجبى منه يا سودة"، لما رأى من شبه الولد بعتبه، فلم يرها حتى مات.
فوجه الدليل من الحديث أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم بالشُبهة، وأناط بها حُكمًا منافرًا لشقِّ الدَّعوى، وهو أمره - صلى الله عليه وسلم -[لسودة بالاحتجاب مع إلحاقه الولد بفراش أبيها وذلك الولد أخ لها من أبيها وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر سودة] 1 بقطع ما أمر الله به أن يُوصل من الأرحام لما تخايل له من الشبهة بين الولد وعتبة من أدل الدلائل على ما رمناه من تصحيح مذهب مالك رحمه الله فى ميراث المكاتب.
وتقرير الشبهة: أنَّ الولد تجاذبهُ فراشان: أحدهما: صحيح.
والآخر: فاسد.
غير أنَّ كل واحد منهما لو انفرد للحق الولد بصاحبه إبانا لوجود المقتضى لولد، فلما [اجتمعوا] 2 غلب حُكم الفراش الصحيح على الفاسد، لأنَّهُ المؤثر فى لحوق الأنساب عمومًا وخصوصًا وللفراش الفاسد تأثير الشبهة فيه في الخصوص لا في العموم.
فالذي يقتضيه الدليل المعروف والعمل المألوف أنَّ للولد [إن] 3 لحق بالفراش الفاسد، أن يكون

الاحتجاب، [واجب] 1 على سودة كوجوبه على سائر أمهات المؤمنين، وإن لحق بفراش أبيها زمعة: وجب أن يرتفع الحجاب وتُفَّتح الأبواب لثبوت النسب والانتساب، ولا واسطة بين القسمين، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم وقضى، وبيَّن أنَّ هناك وجهًا لا يهمل ومعنى لا يغفل، وهو [حاجز] 2 بين القسمين، وحائل بين الوجهين، وميراث المكاتب من هذا القبيل: إمَّا أن يحكم بأنَّهُ مات على الرِّق، فيكون ما ترك لسيده بالرق.
أو يحكم بأنَّهُ مات حرًا، فيرثه ورثته، مَن كان منهم فى الكتابة، ومَنْ كان [منهم] 3 خارجا عنها وكونه يرثهُ مَنْ كان معه فى الكتابة من ورثته دون غيرهم غير معقول، لكن الشرع لاحظ فيه شائبة الحريَّة، وشائبة الرق، [فرتب] 4 على كل شائبة مقتضاها.
تمَّ الكتاب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله

كتاب أمهات الأولاد

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل