كتاب القسمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولهذا خمس عشرة نخلة، ولم يقتسموا الثمرة بعد، فإذا قدرنا أنه بيع: كان على كل واحد سقي نصف ما في يديه من النخل؛ لأنها للذي له في الأصل، والنصف الآخر اشتراه، وهو مذهب ابن القاسم: أن من اشترى أصلًا دون ما فيه من الثمرة أن السقي على البائع فيما أبقى من الثمرة، ومذهب المخزومي على أن مشترى الأصول يسقي ثمرة البائع.
فإذا اقتسما الثمرة بعد ذلك فصار لصاحب الخمس عشر نخلات ما في العشر من الثمر، وصار لصاحب العشر ما في الخمس عشرة: كان على مذهب ابن القاسم أن يلزم صاحب خمس عشرة نخلة سقى نصفها؛ لأنه باع ثمرة نصفها، وكان على شريكه سقى النصف الآخر؛ لأنه باع نصف الأصل، وأبقى الثمرة له، ومن باع أصلًا دون ثمرته، فالسقي على البائع.
وأما على قول المخزومي: فإنه يلزمه سقي الجميع؛ لأن نصف النخل له، وقد باع ثمرها، والنصف الآخر اشتراه، فعليه سقيه، وإن بقيت ثمرته للبائع.
فإن كان ابن القاسم قد رجع إلى قول المخزومي استقام الجواب، وأما بناء مذهبه الذي يرى أن من باع الأصل: فالسقى على البائع فيما أبقى من الثمرة: فلا يستقيم الجواب إذا سلك بالقسمة مسلك البياعات [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثامنة في قسمة الساحة [والأبنية
فأما قسمة الساحة] 1 مع البيوت، فلا تخلو من أربعة أوجه:
إما أن تحتمل الساحة الدار، وبيوتها القسمة.
أو لا تحتمل القسمة لا الساحة ولا البيوت.
وإما أن تحتمل البيوت القسمة دون الساحة.
وإما أن تحتمل الساحة القسمة دون البيوت.
فأما الوجه الأول: إذا احتملت الساحة، والبيوت القسمة: فإن البيوت تنقسم، قولًا واحدًا.
وهل تقسم الساحة معها أو يجعل لكل نصيب من البيوت ما يقابله [من الساحة] 2 أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الساحة تقتسم مع البيوت، ويجعل لكل نصيب من البيوت ما يقابله من الساحة، وهو قول ابن القاسم [في "المدونة"] 3.
والثاني: أن قسمتها مع البيوت تجوز بالتراضي، ولا تجوز بالقرعة, وهو ظاهر قوله في "كتاب القسم"، وهو مشهور المذهب إذا عدل ذلك بالقيمة ثم استهم عليها على ما تأوله الشيخ أبو عمران الفاسي.
والثالث: أن البيوت تقسم [على حدة، ولا تقسم الساحة أصلًا،
وهو قول مطرف، وعليه تأويل قول مالك حيث قال: تقسم] 1 الساحة بين الورثة، وإن احتملت القسمة.
والرابع: التفصيل بين أن يكون على البيوت حجر، فلا تقسم الساحة أصلًا، أو لا يحجر عليها فتقسم، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة".
وأما الوجه الثاني: إذا كانت البيوت والساحة لم يحتملا القسمة، فهل تقسم أم لا؟ فقد تقدم الكلام على ذلك بما لا مزيد عليه.
وأما الوجه الثالث: إذا كانت البيوت تحتمل القسمة دون الساحة: فإنهم يقسمون البيوت، ويتركوه الساحة يرتفقون بها على السواء، فيرتفق صاحب السهم القليل كما يرتفق صاحب السهم الكثير.
فإن اتفقوا على قسمتها، فهل تقسم أو لا تقسم أصلًا؟
فإنها تتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها تقسم إذا اجتمعوا على قسمتها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها لا تقسم أصلًا، وهو تأويل مطرف عن مالك في الساحة إذا كانت واسعة تنقسم، فإذا كنت ضيقة لا تحتمل القسم.
وأما الوجه الرابع: إذا كانت البيوت لا تحتمل القسم، واحتملتها الساحة، فهل تجمع مع البيوت في القسم، فتكون البيوت قسمًا، وتكون الساحة قسمًا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهما لا يُجمعان في القسم، وأن الساحة بينهما إلا بالتراضي دون القرعة، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم؛ لأنها إن جمعت في القسمة بالسهم خرج سهم بعضهم في البيوت، وبعضهم في
الساحة، فيؤدي ذلك إلى المخاطرة التي منع لأجلها الصنفين المختلفين في قسمة السهم، وهذا هو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يضم البنيان في القسمة إلى الساحة حتى كأنه منها ثم تقسم كلها قسمًا واحدًا، وإن لم يقع انقسام كلها في البنيان، وهو قول ابن حبيب، وهو مذهب أشهب في جوازه جمع الصنفين المختلفين في القسم بالسهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة النخلة، والزيتونة.
وأما قسمة الأفنية: فإنها على قسمين فناء يكون أمام دور القوم إلى جنب الطريق، وفناء [يكون] 1 بين دور القوم.
فأما فناء يكون أمام دار القوم إلى جنب الطريق: فلا خلاف في المذهب أنه لا يقسم ابتداء، وإن اجتمعوا على قسمته؛ لأن لعامة الناس فيه حق وموقف عند تضايق الناس في الزِّحَام.
فإن اقتسموه هل ترد القسمة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تنتقض، ويبقى الفناء على حاله، وهو الأظهر.
والثاني: أنها لا تنتقض، وهو قول أصبغ.
وأما فناء يكون بأن دور القوم ليس إلى جانب الطريق، ولا لأحد من المارة فيه مرفق، فإن اتفقوا على قسمته قسم قسمًا واحدًا، فقيل [على] 2 ما تراضوا عليه، وهو قول ابن القاسم، وقيل: على حال منازلهم، وهي رواية ابن وهب، وابن نافع عن مالك.
فإن أبا بعضهم القسمة لم يحكم بها بينهما على رواية ابن وهب، وابن
نافع، وقيل: إنه يحكم بينهم به، وهو أحد قولي المذهب في الأنادر والمسارح، فعلى القول بأنها تقسم، فإن الفناء يُقَسَّم، وإن أبى بعضهم؛ إذ لا فرق بينهما [والحمد لله وحده] 1.
المسألة التاسعة في دعوى الغلط بعد القسمة
فالكلام في هذه المسألة على فصلين:
أحدهما: أنْ يَدَّعِي [أحدهم] 1 الغلط في القسمة.
والثاني: أنْ يَدَّعِي أحد المتبايعين الغلط في البيع.
أما الفصل الأول: إذا ادعى أحد المتبايعين الغلط في البيع، فذلك على وجهين:
أحدهما: أن يتولوا القسم بأنفسهم.
والثاني: أنْ يُقَدِّمُوا من يقسم بينهم أو يقدمه الحاكم.
فإن كانوا تولوا القسم بأنفسهم ثم ادعى أحدهم الغلط، فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يعدلا [على] 2 ذلك بالقيمة، ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة.
والثاني: أن يقولا: هذه الدار تكافئ هذه، وهذا العبد يكافئ هذا من غير ذكر القيمة، ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة.
والثالث: أن يقول أحدهما لصاحبه: خذ أنت هذه الدار وهذا العبد، وآخذُ أنا هذه الدار، وهذا العبد من غير تقويم، ولا ذكر مكافأة.
والرابع: أن يختلفا في الصفة التي وقعت عليها القسمة مثل أن يقتسما
عشرة أثواب، فكان في يد أحدهما ستة أثواب، وفي يد الآخر أربعة، وادعى أن الثوب السادس في نصيبه.
فأما الوجه الأول: إذا عدلا ذلك بالقيمة ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة ثم يَدَّعِي أحدهما غلطًا: فهذا ينظر إليه أهل المعرفة، فإن كان سواء أو قريبًا من السواء وإلا نقض القسم، وكان القول قول من ادعى الوهم أو الغلط.
وأما الوجه الثاني: إذا قالا: هذه الدار تكافئ هذه، وهذا العبد يكافئ هذا من غير [ذكر] 1 القيمة ثم يقترعان، أو يأخذا ذلك بغير قرعة، فإنَّ الحُكم فيه كالحكم في الوجه الأول؛ لأن مفهوم القصد إلى التعديل المساواة في القِيَم، وذلك إذا قالا: هذه الدار تكافئ هذا المتاع أو هذا العبد، ثم أخذ كل واحد منهم أحد الصنفين بالتراضي بغير قرعة، ثم ذكر أن القيمة مختلفة.
وأما الوجه الثالث: إذا قال أحدهما لصاحبه: خذ أنت هذه الدار، وهذا العبد، وآخذ أنا هذه الدار وهذا العبد من غير تقويم، ولا ذكر مكافأة.
فإن كانت القسمة بالتراضي: مضت المقاسمة على من كانت في نصيبه كما تمضي في البيع، إلا على القول بالقيام بالغبن فيما زاد على الثلث.
فإن كانت [القسمة] 2 بالقرعة: فلا يخلو من أن يكونا عالمين، أو غير عالمين.
فإن كانا عالمين بفسخ ذلك: فإن القسمة تفسخ بينهما بالجبر، وإن لم
يدع واحد منهما إليه؛ لأن القرعة على ذلك غرر.
فإن كانا غير عالمين بفساد ذلك، ويظنان أنه جائز: فإن [القسمة] 1 بينهما نافذة، ويكون القيام بالغبن في ذلك كالقيام بالعيب، فإن قام به من عنده ذلك الغبن: فسخت القسمة، فإن رضي به مضت.
وأما الوجه الرابع: إذا اختلفا في الصفة التي وقعت عليها القسمة؛ مثل أن يقتسما عشرة أثواب، فكان في يد أحدهما ستة أثواب، وقال: هي في نصيبي، وعلى هذا اقتسمنا، وقال الآخر: بل الثوب السادس منها لي أنا، وقد كانت قسمتها خمسة خمسة، وإنما سلمته غلطًا: فلا يخلو من أن تكون القسمة بالقرعة، أو بالتراضي.
فإن كانت بالقرعة: فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أن القول قول الحائز للثوب السادس مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يتقاسم الناس عليه، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الآخر قد أقر بالقسم، وادعى ما في يد صاحبه.
والثاني: التفصيل بين أن يدعي الآخر أنه سلمه إليه غلطًا، أو ادعى أنه سلمه على وجه الإيداع.
فإن ادعى أنه سلمه على وجه الإيداع: كان القول قوله أنه قاسمه خمسة خمسة مع يمينه، ثم يكون الآخر بالخيار بين أن يسلمه، ويحلف أنه قاسمه ستة وأربعة، ويتفاسخان القسمة كلها، وهو قول أشهب في "مدونته".
وقال محمَّد بن عبد الحكم: يتحالفان ويتفاسخان في ذلك الثوب وحده.
فيتحصل في التحالف والتفاسخ قولان:
قيل: في الثياب كلها، وقيل: في الثوب وحده، ويكون بينهما شركة على السواء.
فإن كانت القسمة بالتراضي: لم ينظر إلى الدعوى، وإن كان الغلط؛ لأنه كبيع المساومة، فيلزمه التغابن، وهو قول ابن حبيب، وهو وفاق المذهب.
والجواب عن الوجه الثاني من الفصل الأول: إذا قدَّمُوا لأنفسهم من يقسم بينهم من غير أن يتولوا القسمة، فادعى بعضهم أن القاسم غلط: [أو جار] 1 فقد قال ابن القاسم في "المدونة": لا يلتفت القاسم إلى قولهم وليتم على قسمته، فإذا فرغ منها نظر السلطان [فيها] 2 فإن وجدها على التعديل مضى ما قسم ولا يرد، فإن رضي جميعهم بِرَده ونقضه ليستأنفا القرعة أو التراضي بقسمته مرة أخرى: لم يجز؛ لأنهم ينتقلون من معلوم إلى مجهول، وهو ما يخرج لهم في المستقبل، ولو تراضوا بنقضه بشرط أن يأخذ كل واحد شيئًا معلومًا معينًا: جاز فإن وجد فيه غيبًا: فلا يخلو من أن يكون غبنًا فاحشًا، أو غير فاحش.
فإن كان فاحشًا: فللسطان أن ينقضه، قولًا وحدًا.
وإن كان غير فاحش، هل تنتقض قسمته ويُرَد أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن قسمة يُرَد ويَرُده هو وغيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه قال في الكتاب: ولم ير مالك في قسم القاسم بمنزلة حكم
الحاكم.
والثاني: أن القاضي والقاسم في ذلك سواء، وأن القاسم لا يَرُد من قسمه إلا ما كان غلطًا بينًا كالقضاء على سواء، وهو قول أشهب.
ووجه [قول] 1 من يساوي بين القاسم والقاضي: أن كل واحد منهما يعمل على نظره، واجتهاده، فلا ينقض ما قسمه بنظره بنظر غيره إلا أن يتبين الغلط.
ووجه من فرق بينهما: أن القاضي، والقاسم وإن اجتمعا أن كل واحد منهما عمل باجتهاد، إلا أن الحكم يختلف فيما أدى إليه الاجتهادان؛ فالذي يؤدي إليه اجتهاد القاضي مظنون، والذي يؤدي إليه اجتهاد القاسم محقق تُدْرَك معرفته قطعًا؛ لأن الغلط إن كان هناك يدرك حقيقة وقطعًا فافترقا، وهذا يحرك سلسلة باب تصويب المجتهدين، والكلام عليه مُحَال على فن الأصول.
فالجواب عن الفصل الثاني: إذا ادّعى أحد المتبايعين الغلط في البيع؛ مثل أن يدعي المشتري أنه اشترى عشرة أثواب بعشرة دنانير، وقال البائع: بل هذه التسعة بعشرة، والعاشر غلط مني، أو هو عندك وديعة: فلا يخلو من أن تكون الثياب قائمة، أو دخلها فوت.
فإن كانت قائمة: فالقول قول من ادّعى ما يشبه على الخلاف في اعتبار الشبهة مع القيام.
فإن أتيا جميعًا بما يشبه، أو بما لا يشبه: فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
فإن فاتت بحوالة الأسواق فاعلًا كان ذلك فوتًا في التسعة دون العاشر لم يُقر ببيعه، فيحلف المشتري أنه اشترى العشرة بعشرة دنانير، ويغرم ما
ينوب التسعة على أنه ذلك العاشر داخل في البيع، ويُرَد العاشر على ما هو به من عيب، ولا شيء على المشتري إذا كان العيب من غير سببه، فإن كان من سببه، وكان العيب يسيرًا: أخذه صاحبه وما نقصه العيب، وإن كان كثيرًا غرم جميع قيمته إلا أن يكون الثمن أكثر [فيضمنه له بالثمن؛ لأنه قد أقر أنه اشترى بذلك الثمن، وإن باعه المشتري كان لصاحبه أكثر من ثلاثة أوجه من قيمته يوم باعه المشتري أو الثمن الذي باعه به، أو ما ينوبه من الثمن في العقد الأول، وأما إذا كان الثمن الأول أكثر] 1 فحلف المشتري: استغنى عن يمين البائع [والحمد لله وحده] 2.
المسألة العاشرة في قسمة الوصي على من يلي عليه من اليتامى
وقسمة الوصي لا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون بين صغير وكبير رشيد.
والثاني: أن تكون بين صغيرين ورشيد.
والثالث: أن تكون بين الصغار.
فأما الوجه الأول: إذا كانت القسمة بين صغير وكبير رشيد: فمقاسمة الوصي على الصغير جائزة دون مطالعة الحاكم قولًا واحدًا؛ لأنه يتهم أن يميل عما هو في ولايته إلى من هو رشيد؛ إذ لا غرض.
وأما الوجه الثاني: إذا [قسم الوصي] 1 بين صغيرين ورشيد: فلا يخلو ما يأخذه الوصي للصغيرين من أن يكون مشاعًا بينهما أو غير مشاع.
فإن كان مشاعًا: فالجواز قولًا واحدًا كما لو كان صغيرًا واحدًا، [وإن] 2 كانا اثنين فأكثر فإن كان سهم كل واحد منهما مَفْرُوزًا، فهل تجوز قسمة الوصي عليهما أم لا؟ فعلى قولين:
أحدهما: الجواز من غير كراهة، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: الجواز مع الكراهة مخافة أن يميل بالأفضل إلى أحد الصغيرين.
وأما الوجه الثالث: إذا كانوا صغارًا كلهم، وليس بينهم كبير، فهل تجوز قسمة الوصي بينهم أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: [أنها] 1 لا تجوز، وأنه لا يقسم بينهم إلا السلطان، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أنه يجوز مع الكراهة، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا.
والثالث: الجواز بلا كراهة، وهو قول سحنون، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الرهون" من قول ابن القاسم حيث قال: يجوز للأب أن يشتري لابنه الصغير من ابن له صغير، والوصي كذلك.
فعلى هذا يجوز أن يقسم بينهم.
والقول بالجواز من غير كراهة أصح؛ لأن القسمة أعلى مراتبها أن تكون بيعًا، وبيع الوصي عليهم، وشراؤه لهم لبعض من بعض أو من غيرهم جائز، والقول بالرفع إلى السلطان ضرب من الاستحسان [والحمد لله وحده].
المسألة الحادية عشرة في قسمة الماء بالقِلْد
والقِلْد: بكسر القاف وسكون اللام، واختلف أهل اللغة في تفسيره.
فقيل: هي القِدْر [التي] 1 يقسم به الماء، وبه فسر في بعض نسخ المدونة، وثبت في كتاب ابن المرابط.
وقيل: هو الحظ من الماء؛ يقال: سقينا أرضنا قلدنا، أي: حظنا من الماء، وهو قول ابن دُرَيْد.
وقيل: هو سقي الزرع وقت حاجته؛ يقال: أقمت قلدي: إذا سقى زرعًا يوم حاجته إلى السقي، وهو قول ابن قُتَيْبَة.
والمعنى الأول أقرب وأسعد بظاهر الكتاب؛ إذ هو المراد هنا.
وأما صفة قسم الماء بالقلد: فقد اختلف فيه المتقدمون، والمتأخرون اختلافًا كثيرًا، وتعقب بعضهم كلام بعض، ولم يسلم المُتَعَقِب من الاعتراض فيما عقب به، فقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وغيره من علماء المدينة، وأصبغ من المصريين: هو أن يؤخذ قدر من الفخار وغيره، فيثقب في أسفلها بمثقب يمسكه الأمين عنده، ثم يعلقونها عند انصداع الفجر، وقد جعلت تحتها قصرية، واستعدت جرار المياه، فإذا انصدع الفجر صب الماء في القدر فسال من الثقب، وكلما هم الماء أن ينضب ويفرغ زادوا الصب [في القدر] 2 حتى يكون سيل الماء من الثقب معتدلًا النهار كله، والليل كله فينحونها ويقتسمون ما اجتمع من الماء على أقلهم سهامًا
كيلًا أو وزنًا، ثم يجعلون لكل وارث قدرًا يحمل سهمه من الماء، ويثقبون كل قدر بالمثقب الأول، فإذا أراد أحدهم السقى علق قدره، وصرف الماء إلى أرضه، فيسقى ما دام الماء يسيل من القدر، ثم كذلك بقيتهم.
ثم إن تَشَاحّوا في التبدئة استهموا فيه، فيتتابعون على ذلك، انتهى كلامه.
وقال بعض الصقليين: قوله: "ثم يجعلون لكل وارث قدرًا يحمل سهمه": فإنما يصح ذلك إذا تساوت أنصباؤهم خاصة، وأما إذا اختلفت وكان لبعضهم أكثر، ولبعضهم أقل: كان صاحب الكثير مغبونًا؛ لأن القدر كلما كثرت ثقل فيها [الماء] 1 وقوي جريه من الثقب لزوم الماء بعضه بعضًا إلى الخروج بالقوة حتى [يوافي] 2 [زمن] 3 خروجه وفراغه [زمن] 4 جريه، وفراغه من القدر الصغير؛ لأن أحدهم قد يكون له عشرة أسهم، وللآخر سهم، فإذا أخذ حقه في قدر صغير: خف جرى الماء منها، فيأخذ أكثر من حقه، قال: والذي أرى: أن يقسم الماء على أقلهم [سهامًا] 5، فيأخذ صاحب السهم الواحد [سهمه] 6 في قدر واحد، ويأخذ الآخر سهمه في عشرة قدور، فيكون جري الماء على حد واحد.
وقال بعضهم: وهذا الاعتراض الذي اعترض به أبو عبد الله الصقلي صحيح، إلا أنه يرد عليه هو [من الاعتراض مثل ما أوردوا على ابن
حبيب؛ لأنه أغفل ما هو أشد مما تعقب به عليه، وذلك قوله أولًا: وكل ما هم الماء أن ينصب صبوًا، فهذا عليه من الاعتراض] 1 مثل ما ذكره؛ لأن صب الماء في القدر من الثقب، وهي بخلاف صبه بعد نقصها, ولو [قال] 2 كل ما نقص من الماء شيء داركوه، كان أسلم حتى يكون جري الماء من الثقب على جري واحد، وقد تفطن لهذا أبو عبد الله بن العطار، وقال: يصب [من الماء] 3 قدر ما ينتقص به الماء من القدر، ويبقى على ابن حبيب، والصقلي أيضًا في قسمة الماء على ما ذكروه من قدور متفرقة صغارًا كلها على قول الصقلي، أو صغارًا وكبارًا بقدر الأنصباء على قول ابن حبيب أن الليل والنهار ينقصان ويذهبان قبل تمام جري ماء هذه القدور؛ لأنه إن كانت قدرًا كبيرة يجري منها الماء يومًا وليلة، فلا يمكن أن يجري ذلك الماء من قدور صغار وكبار في تلك المُدَّة لقوة جري الماء في الكبار، وضعف اندفاعه من الصغار، فلو قسم الماء على ما قالاه لتمت الليلة واليوم، وبقي بعض الأنصباء ومن الأشراك من لم يسبق، وقد تكلم أبو عبد الله بن العطار فيها، وأخذ طريقًا آخر لم يسلم هو فيه من الاعتراض أيضًا، فقال: إذا أرادوا السقي بعد قسمة الماء، وابتدأ أحدهم بالقرعة أو التراضي يؤخذ ما جاز للمبتدئ بالسقي من مكيلة الماء، ويجمع في الغلة، فإذا فرغ أخذت منه مكيلة الذي يليه، ثم هكذا يفعل لكل واحد منهم إلى أن ينقضي اليوم والليلة [وهما] 4 الدَّهر كله.
قال بعضهم: فاعتراض الصقلي على ابن حبيب لازم لابن العطار؛ لقوة اندفاع الماء الكثير وضعف القليل، وأنه قد يمكن أن يمتد جري هذا
القليل لضعفه حتى يأخذ من النهار مثل ما أخذ من له مثل سهمه أو أكثر لقوة اندفاع الماء الكثير.
قال: وكذلك يبقى عليه ما صورناه من الاعتراض بانقضاء اليوم والليلة قبل فراغ الماء، وهذا مما لا شك فيه، ولولا قولهم: "يفعل ذلك لكل واحد منهم إلى أن ينقضي اليوم والليلة، وهما الدهر كله"، لقيل: لعلهم لم يقصدوا في القسمة بهذا قسمة كل يوم وليلة، وإنما أرادوا بقية الماء قسم الدول المذكورة -كانت في يوم وليلتين، أو دون ذلك، أو أكثر- لكنه ليس مرادهم.
ويبقى فيه أيضًا على هذا اعتراض آخر سنذكره في مراعاة سقي الليل من سقي النهار.
ويمكن أن يحمل كلام ابن حبيب وأبي عبد الله الصقلي معناه، وأنهما لم يقصدا في القسمة كل يوم وليلة، وإنما قصدا ذلك في الاختيار في أول وهلة، ثم بعد ذلك عند شروعهم في السقي يبدأ الأول -أي: وقت شاء- حتى يتم سقيه، فيأخذ الذي يليه هكذا حتى تتم دولتهم متى تمت من الزمان، ثم يرجعون إلى الأول، كان ذلك في يوم وليلة أو أكثر من ذلك، ويستريح من الاعتراض باختلاف سقي الليل من سقي النهار على ما يأتي؛ إذ باختلاف الدول تأتي دولة بهذا مرة نهارًا ومرة ليلًا، وكذلك الآخر فيعتدلون في ذلك.
وذهب ابن لبابة إلى مثل ما ذهب إليه ابن العطار في قسمته من قدر واحد غير أنه سلك في مسلكًا آخر، فقال: إنه يؤخذ قدر [مستوفيه] 1 ويثقب في جانب القدر ثقبًا بقدر الأنصباء لكل قسط من الماء ثقبه في جانب القدر بعد أن يوضع قسط الماء فيها وبعد أن يعلق الثقب الذي في أسفل
القدر, وتكون ثقبة القسط الثاني من مبلغ القسط الأول في جانب القدر، ثم يثقب للثالث ثقبه عند آخر القسط الثاني، وكذلك يفعل بكل قسط إلى آخرهم سهمًا، فمن خرج سهمه أولًا ألقى ماؤه في القدر، فإن خرجت القرعة لمن له ثلاثة أقساط فتح أول الثقب الأول، فإذا أنقض القسط الذي فوقه فتح للثاني، ثم كذلك الثالث، فإذا تم فقد انقضى سهمه، وكذلك يفعل بمن له قسط وقسطان.
وهذا الذي قاله ابن لبابة أيضًا، وإن سَلِم من اعتراض الصقلي، فلا يَسْلَم من اعتراض الثاني؛ لأن خروج الماء من ثقب تحته في جانب القدر ليس في القوة كخروجه أولًا من أسفل القدر مملوءًا في حين الاختبار لقوة اندفاع الماء بسرعة في أول الاختبار إلا أن ذلك لا يضر، ولا يؤثر إلا على مذهب من اعتبر انقضاء الدول في كل يوم وليلة أبدًا على الدوام، وهو ظاهر قول ابن حبيب وغيره.
وقد أشار ابن أبي زمنين إلى [نحو] 1 ما ذهب إليه ابن لبابة، وقال: يثقب لصاحب الثلث [في القدر] 2 ثقبه في مقدار ثلثها، ولصاحب النصف في مقدار نصفها على مقدار أسهامهم، قال: "هكذا رأيته لبعض العلماء"، وهذا يلزمه فيه من الاعتراض ما يلزم ابن لبابة.
وقال القاضي أبو الفضل: والذي يظهر مما يقطع هذه الاعتراضات كلها، وهو أقرب في العمل، وأقل في التعب، وأكثر الأواني أن تكون صفة هذه القسمة على ما يرد، وذلك أنا نصبنا القدر مع الفجر، وهي ملأى ولم يغفل عن تدريك الماء [فيها] 3 أبدًا, ولا يتركوها تنقص حتى
يكون جري الماء من الثقب طول اليوم والليلة معتدلًا، وإن شئنا جمعنا الماء الخارج في أسفل القدر في آنية ثم قسمناه على أقلهم سهمًا، وإن شئنا جعلنا تحت القدر المعلق آنية عرفنا كيلها أو وزنها، وتدرك بالتي عزلنا هذا القدر المعلق، كلما نقص منها شيء، ثم هكذا يتداول تحتها الآنيتين اليوم والليلة، وقد عرفنا عدد ما ملأناه من الأواني، ونستغني بذلك عن استعداد الماء في الجِرَار لتدريك الماء في القدر، عن استعداد القمار بجميع الماء، فإذا عرفنا عدد الجميع من الأواني وما فيها: قسمنا ذلك على الأنصباء، وعرفنا ما يقع لكل سهم بتلك الآنيتين، فإذا احتاجوا إلى السقي علقنا القدر مملوءًا ونصبنا تحته تلك الآنية مع الفجر، وبدأنا بالأول على ما تقدم، وفتحنا الثقب، وكلما صب من الماء شيء داركناه على ما ذكرنا أولًا حتى يعتدل جريه عند السقي كما كان اعتدل عند الاختبار والقياس، وإذا امتلأت هذه الآنية، فإن كان ذلك قدر نصيبه: أمر بتحويل الماء وجعلت الأخرى لغيره، ورفعت هذه وأدرك بها ما يصب من القدر، ومن كانت له اثنان حتى يمتلئ اثنان، وكذلك من له ثلاثة وأكثر، فإن المدولة بين اثنين أبدًا على ما ذكرناه، ولا يحتاج لغيرهما، والقدر في أثناء ذلك يتعاهد في الصب منها في حين القسمة، والسقي على جريه ما كان منها في حين القياس والاختبار، قال: ولا خلاف ولا مزية أن اليوم والليلة لا يتمان إلا بتمام السقي وانقضاء الدول، واستيفاء جميع الأسهم من هاتين الآنيتين لاعتدل خروج الماء من الثقب الواحد في اليوم والليلة أولًا وآخرًا، قال: ولا يبقى على الاعتراض جملة إلا من وجه واحد لابد من تصويره على كل حال، وقد أشار إليه ابن لبابة، وهو من اختلاف السقي بالليل والنهار، فإن من الناس من يرغب في سقي الليل لكثرة الماء فيه، وسرعته والراحة من معاناة الشمس في تصرف الساقي؛ ولأنه أنفع لما يسقى.
وقد نقل ابن أبي زيد في آخر "كتاب الدور والأرضين" من "كتاب النوادر" من تعدي على نوبة رجل بالليل، فسقى بها، فأراد أن يعطيه فيها نوبة النهار: أن ذلك لا يلزم المتعدى عليه إلا برضاه؛ لأن سقي الليل أفضل من سقي النهار، ومنهم من يرغب في سقي النهار، لكونه أقل مؤنة ومشقة من معاناة الظلام والسهر.
فإذا اختلفت الأغراض هكذا: فلا يصح جمعه في قرعته؛ لأن من خرج سهمه بالليل قد لا يوافقه ذلك [وكذلك من خرج له سهمه بالنهار قد لا يوافقه ذلك] 1 لما ذكرناه، فإذا قلنا بتفريق قسمة القِلد بين الليل والنهار، وأن تجعل قسمة الليل على حدة، والنهار على حدة: فإنه يسلم من هذا الاعتراض إذا كان مدة السقي قريبة من مدة القياس، والاختبار لأجل اختلاف الليالي والأيام بالطول والقصر، إلا أن يقال: إن الضرورة داعية إلى هذا، و [هو] 2 غاية المقدور كما يجوز أن تقسم الدَّار الواحدة، وبعضها جيد البناء، وبعضها رديء، والأرض الواحدة بعضها كريم، وبعضها رديء مع اختلاف الأغراض في ذلك.
قال ابن لبابة: لو قسم ماء كل [ليلة وماء كل] 3 يوم عرف ما لكل ليلة، وكل يوم على شهور العجم كان أحب إليَّ وأجود لاختلاف الليالي والأيام.
وقال بعض المتأخرين: ولكن مثل هذا يشق ويحتاجون أن يعملوا ذلك السنة كلها [للقيام] 4 ثم بعد [ذلك] 5 يجرون ما يأتي من السنين
المقبلة، ولياليها على ما تقرر عندهم في السنة التي اختبروا فيها، فإن كان بعض الأرض قريبة من البلد، وبعضها بعيدة منه فمتى يحسب [له] 1 شربه من الماء، فهذا يحتاج إلى تفصيل، وتحصيل القول ثم لا يخلو الشركاء في ذلك الماء من أن يكون ابتداء شركتهم في الأرض معلوم إما بميراث وغيره، أو كان أمرًا مجهولًا.
فإن كان ابتداء شركتهم أمرًا معلومًا، ثم تقاسموها بعد ذلك، فإن من بَعُدَت أرضه يحسب له من حين علق سهمه في القدر، وليس له أن يقول: لا تحسبوا عليّ حتى يصل الماء أرضي؛ لأن أرضه حين القسمة قد قومت لبعدها من القلد بدون ما قومت به القريبة منه التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب له الماء حتى يصل أرضه لاستوت به القريبة التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب [له] 2 الماء حتى يصل أرضه [لاستوت] 3 في التقويم [القريبة] 4 والبعيدة، وذلك مما لا يعمل به في قسمة القرعة بعد التقويم والتعديل.
فإن جهل أمر ذلك، ولم يعلم أصل هذه الأراضي، ولا كيف كان أصل ملكهم فيها إلا أنهم شركاء في الماء والقلد: فلا يحسب على البعيد الأرض السقي حتى يبلغ أرض، وإلى هذا ذهب [أبو] 5 عبد الله بن العطار في "ثمانية أبي زيد"، وعن [ابن القاسم وعبد الملك] 6 مثله في القوم يرثون الأرض، وعليها ماء مأمون كثير، فيقتسمون الأرض
والشرب، وبعضهم أقرب إلى العين، ثم يقل الماء، فيقوم بمن قربت أرضه، ولا يقوم بمن بعدت، فأراد رد القسم فيقال: أما قسمة الأرض فقد مضت، وترك قسمة الماء، فيزاد لمن بعد على من قرب بقدر ما يستوي البعيد، والقريب في السقي، فيكون للبعيد منه أكثر مما للقريب على مثل ما لو قسمت بالماء قسمًا واحدًا لكانت كذلك، وهذا مثل ما قال ابن العطار لأن قسمتهم الأولى فيها مراعاة قرب الماء من بعده، لا من قلَّة الماء وكثرته كما لو كانت أرض مطر.
وما قاله ابن العطار هو عين المذهب، ولا أعلم من أهل المذهب من يقول غير ذلك، وتأمل ذلك كله وقف عليه، فإنك لا تجده مجموعًا [ولا] 1 مشروحًا موضوعًا نحو هذا الموضع، وبه قال أصبغ: وكان ابن القاسم [يقول] 2 يقسم الماء بالقلد، ولم يفسره ولا شرحه [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الثانية عشر [في] (1) طرءان الموصى له أو وارث على الورثة بعد القسمة
وإن كان قد تقدم الكلام على طروء الوارث على الورثة بعد القسمة في كتاب المديان، فإنا نكرر ذكره في هذه المسألة لزيادة بيان ووضوح إشكال.
فأما طروء الموصى له: فلا يخلو من أن يطرأ على الورثة، أو يطرأ على الموصى لهم.
فإن طرأ على الورثة: فلا تخلو التركة من أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون عينًا.
والثاني: أن تكون عروضًا.
والثالث: أن تكون عقارًا أو رياعًا.
والرابع: أن تشتمل على جميع ذلك.
فإن كانت التركة عينًا؛ دنانير ودراهم، أو يقضي بمثله من المكيل، والموزون من الطعام والعروض: فلا يخلو الورثة من أن يكونوا كلهم مياسير، أو يكون بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا.
فإن استووا في اليسر: فإن الموصى له يتبع كل واحد من الورثة بقدر ما ينوبه من تلك الوصية، ولا تنتقض القسمة إلا على مذهب من يرى أن نقضها من حق الله تعالى.
فإن كان بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا، هل يتبع الموسر بقدره1
[والمعسر بقدره] 1 أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتبع كل واحد بقدر ما ينوبه، ولا يأخذ الملي بالمعدم، وهو قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أنه يقاسم الموسر جميع ما في يديه ثم يرجعان جميعًا على الوارث المعدم فيتبعانه، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في الوارث يطرأ على الورثة، ويطرأ الموصى له بجزء غير معين على الورثة كطروء الوارث على الورثة على مشهور المذهب.
والثالث: أنه يستوفي من الموسر جميع وصيته، ثم يرجع الموسر على بقية الورثة كغريم طرأ على الورثة، وهو قول ابن حبيب، ومثله في "كتاب ابن المواز".
وسبب الخلاف: اختلافهم [في فهم] 2 طروء الموصى له بجزء على الورثة، هل هو كوارث طرأ على الورثة، أو كغريم طرأ على الغُرَمَاء؟
فمن شبهه بالغريم لاحظ قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 3.
فمن شبهه بالوارث رأى أن له جزءًا معلومًا كواحد منهم، وهو المشهور في النقل.
فإن كان التركة عروضًا لا تكال ولا توزن: فقد طرأ عليهم موصى له فقد ساوى في [جواب] 4 المسألة في "كتاب القسمة" من "المدونة"
بين العين والعروض، فقال: إن كانت دراهم أو عروضًا: فإنما لهذا الموصى له أن يتبع كل وارث بما صار في يده من حقه، وقد اختلف في تأويل ذلك على قولين:
أحدهما: أن تلك العروض مستوية القيم، وهو تأويل أصبغ، وقال بعض المتأخرين، يريد أصبغ: إذا كان يخرج نصيب الطارئ في عين من هذه العروض [لاستوائها] 1 واستواء أنصبائهم في الميراث؛ مثل أن يكون الورثة ابنين، أو أخوين، وترك الميت ستة أثواب أو ستة أعبد مستوية القيم، فقسماها ثلاثة ثلاثة: بهذا الطارئ الموصى له يأخذ ثلث كل ما بيد واحد منهما ثوبًا أو عبدًا؛ إذ هو حقه من وصيته، فحصل له ثوبان كما حصل لكل واحد منهما، ويكون ذلك كالعين ولا تنتقض القسمة.
والثاني: أن مراده بالعروض المذكورة: المكيل والموزون دون المعدودة منها، وهو تأويل بعض الأصحاب، وضعفوا قول أصبغ في ذلك، وما قالوه ليس بظاهر، وتأويل أصبغ أظهر، وأصح علي ما فسر به بعضهم مراده، وهو أسعد بظاهر الكتاب، وأسلم من التناقض.
وأما إن كانت التركة عقارًا، أو رياعًا: فلا يخلو الموصى له من وجهين: إما أن يوصى [له] 2 بشيء بعينه، وإما أن يوصى له بجزء شائع.
فإن أوصى له بشيء بعينه: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الوصية بعين بعينه.
والثاني: أن تكون في جنس بعينه.
فإن كانت الوصية في عين بعينه؛ مثل أن يوصى له بعبد بعينه أو بدار بعينها، والثلث يحملها، فللموصى له أن يأخذ ذلك من الوارث إن أدركه بيده كالاستحقاق، ويرجع الوارث المأخوذ منه على الورثة كأن الميت لم يخلف ذلك.
فإن فات من يد الوارث: فلا يخلو ذلك الفوت من أن يكون باختياره أو بغير اختياره.
فإن كان ذلك باختياره؛ مثل أن يبيعه، أو يهبه، أو يعتقه: فالهبة، والعتق يكون فيهما الرَّد للموصى، ويأخذ عين ما أوصى له [به] 1 وليس له إلى التضمين سبيلًا.
وفي البيع يكون له الخيار مع قيامه عند المشتري، إن شاء أخذ عين شيئه، وإن شاء جوز البيع ويأخذ الثمن، فإن فات به المشتري، ولم يقدر عليه أو مات عنده أو هلك: فليس للموصى له إلا الثمن يأخذه من الوارث.
فإن كان فواته بغير اختيار الوارث، ولا له فيه سبب؛ مثل أن يهلك بسبب من السماء: فلا يخلو من أن يصير إلى الوارث في سمهم بالقرعة، أو بالتراضي [فإن صار إليه بالقرعة لم يرجع عليه الموصى له بشيء، فإن صار إليه بالتراضي] 2 أو بوجه المبايعة كان له أخذ الثمن من أيدي الورثة، ويجوز فعلهم ويسقط من جملة الثمن نصيب الوارث الذي اشتراه؛ لأنه لم يشتر نصيب نفسه، وإنما اشترى سهام بقية الورثة.
فإن لم يحمله الثلث كان [الموصى] 3 له في الاتباع [فيما] 4
يحمله الثلث منه على نحو ما مضى إذا حمله الثلث؟
فأما إذا كانت الوصية في جنس بعينه؛ مثل أن يوصى له بعبد من عبيده أو بدار من دوره من غير أن يعين عبدًا, ولا دارًا كان الموصى له شريكًا للورثة، وهو في ذلك بمنزلة وارث طرأ على الورثة، فإن خلف الميت ثلاثة أعبد أو ثلاثة آدر كان شريكًا بالثلث، وإن كانوا أربعة فالربع.
ثم لا يخلو ذلك الجنس الذي فيه الوصية من أن يكون مما يعتدل في القسم أم لا؛ فإن كان مما يعتدل في القيم حتى يخرج للموصى له عبدًا أو دارًا كان له أن ينقض القسمة ثم يقرع بينهم، فيأخذ ما يخرجه له القسم.
فإن كانوا لا يعتدلون في القسم، هل تنقض القسمة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القسمة تنتقض.
والثاني: أنها لا تنتقض، ويكون شريكًا في كل عبد، وفي كل دار بقدر وصيته، وهو المشهور.
فأما إذا أوصى له بجزء مثل أن يوصى له بثلث عبيده، أو بثلث دياره، ولم يكن له مال سوى العبيد أو الدور: فالجواب فيه كالجواب إذا أوصى له في جنس بعينه، وقد قدمناه.
فإن كانت التركة على دنانير ودراهم وعروض ورِيَاع: فلا تخلو من أن تكون وصية لمطلقة، أو مقيدة.
فإن كانت مطلقة؛ مثل أن يوصى له بثلث جميع ماله، والثلث يحتمل ذلك: فإنه يكن شريكًا للورثة في كل ما قلَّ وجلَّ، وتنتقض القسمة فيما عدا العين من المعدود من العروض، وجميع الرياع إن كانت تحتمل القسمة، قولًا واحدًا.
وفي انتقاضها في العين والمكيل والموزون، وفيما لا ينقسم من الرياع
قولان.
وسبب الخلاف: هل يُغلَّب في ذلك حق الله فتنتقض، أو يُغلَّب حق الآدمي ثم لا تنتقض.
فإن كانت وصية مقيدة في عين بعينه؛ مثل أن يقول: ثلث مالي لفلان يأخذها في الدار الفلانية أو في العبد الفلاني، فإن حمل ذلك الثلث: كان له أخذ ذلك من يد من هو فيه من الورثة، ويرجع على الورثة كما لو أوصى [له] 1 بذلك الشيء بعينه وحمله الثلث.
فإن لم يحمله الثلث: فإنه يكون شريكًا بما حمل الثلث من ذلك العين مع الورثة، وهو في ذلك كواحد منهم.
فأما طروء الموصى له على الموصى لهم: فلا يخلو الطارئ من أن تكون وصيته في شيء بعينه، ووصية الأول في شيء آخر بعينه، أو كانت وصية الأول في عين بعينه، ووصية الطارئ في شيء غير معين.
فإن كانت الوصيتان في عين بعين [مثل أن تكون للأول بعبد بعينه] 2 فأخذه ثم طرأ آخر بوصية بعبد آخر صار إلى أحد الورثة، فإن كان الثلث يحمل الوصيتين جميعًا: مضى الأول لمن أخذه، ويرجع الطارئ على من أخذ العبد من الورثة، فيأخذه منه.
وإن كان الثلث لا يحملهما: فإن الطارئ يأخذ من وصيته قدر ما ينوبه في المحاصة ثم يرجع الورثة على الموصى له الأول بما فضل عنده بما ينوبه في المحاصة.
فإن اختلفت الوصيتان؛ مثل أن تكون الأولى في عبد بعينه، أو دارًا
بعينها، والثانية بعبد أو بدار غير معينة، فإن حمل الثلث الوصيتين جميعًا: كان مقال الطارئ مع الورثة دون الموصى له الأول.
فإن كان الثلث لا يحملهما: كان له الرجوع على الفريقين؛ فيرجع على الموصى بما فضل عنده، ويرجع على الورثة بما فضل عندهم من ثلث الميت.
واختلف هل يكون كوارث طرأ على ورثة، فيتبع الموسر بما كان يتبعه لو استووا جميعهم في اليسر، أو هو كغريم طرأ على ورثة، فيأخذ وصيته من جميع ما بيد الموسر؟
فالمذهب في ذلك على قولين:
والجواب عن السؤال الثاني: في طروء الوارث على الورثة بعد القسمة، وقد أومأنا بأن هذا الفصل مذكور قبل هذا لكنا نذكر هنا طرفًا منه غير مستوعب هناك، فنقول: وقد اختلف المذهب في طروء الوارث على الورثة، هل يتبع كل واحد [منهم] 1 بما ينوبه وجدهم أملياء أو عدمًا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يتبع كل واحد منهم بقدر ما يَنُوبه من ميراثه، ولا يأخذ المَلِي بما على المُعْدَم، وهو قول ابن القاسم، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه إذا وجد واحدًا من الورثة شاركه فيما بيديه حتى كأنه لم يترك الميت غيرهما، ثم يتبعان بقية الورثة، فمن أيسر منهم دخلوا معه، وساووه وهكذا حتى يعتدلوا كغريم طرأ على الورثة، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في "الموازية"، وعلى هذا القول بني محمَّد بن المواز المسألة الواقعة [في كتابه] 2 فيمن هلك وترك امرأة وابنًا، فأخذت المرأة
الثُمن، وأخذ الابن سبعة أثمان، ثم طرأت امرأة أخرى، فوجدت صاحبتها معسرة، والابن موسرًا: حيث قال: بأن الطارئة ترجع على الابن بثلث خمس ما صار له، وهو جزء من خمسة عشر جزءًا.
يريد أن جملة المال ثمانية للمرأتين ثمن غير مقسوم عليهما، فانكسرت الفريضة، فصحت من ستة عشر، فللابن أربعة عشر، وللحاضرة جزء، وللطارئة جزء، وقد أخذت الحاضرة أكثر من نصيبها، فكان الباقي مقسومًا على ما لكل واحدة، فللطارئة جزء، وللابن أربعة عشر جزءًا, فلهذا وجب لها على الابن جزء من خمسة عشر جزءًا مما أخذ؛ لأن ما مضى عند المعسرة كالذاهب، وكأنه لم يكن.
وعلى [هذا] 1 القول، فإن الطارئ يرجع على كل واحد من الورثة بمقدار ما ينوبه: فإنها لا ترجع إلا على صاحبتها متى أيسرت؛ لأن [الابن] 2 ليس في [يديه] 3 إلا حقه فقط.
فلو قالت الطارئة لما قدمت [قد] 4 صار إلى ميراثي كان ذلك كقولها: قد تركت لكما ميراثي لا حاجة لي به: فإن القسمة تنتقض على قول أشهب، وابن عبد الحكم، ويقتسمان على خمسة عشر جزءًا للابن أربعة عشر جزءًا ولهذه جزء، ويعلم أنه قد صار لهذه الطارئة مثل ما أخذت هذه الحاضرة من الابن، فيصير ذلك ستة عشر سهمًا، فتقسم على العدل.
وأما على قول ابن القاسم، فلا تنتقض أصلًا؛ لوصول كل واحد منهما إلى حقه.
المسألة الثالثة عشر في أجرة [القسَّامة] (1) وشهادتهم على ما قسموا
فأما أجرتهم فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون أجرتهم راتبة في بيت مال المسلمين.
والثاني: أن تكون أجرتهم في مال الأيتام قسموا أو لم يقسموا.
والثالث: أن يستأجروهم أهل التركة على أن يقسموا بينهم.
فأما الوجه الأول: إذا كان [للقسَّام] 2 رزقًا مطلقًا برسم من بيت المال: فلا بأس به، ولا يجوز لهم مع ذلك أن يأخذوا من [التركة] 3 قليلًا ولا كثيرًا؛ كالقاضي المرتزق.
وقال ابن القاسم في "العتبية": وينبغي للإمام أن يختار رجلًا يرضاه يقيمه لذلك، ويجري له عطاء مع الناس كما يجري للقاضي وغيره ممن يحتاج إليه المسلمون.
وأما الوجه الثاني: إذا كان يفرض لهم من أموال اليتامى -قسموا أو لم يقسموا- يجعل لهم على الناس جُعلًا معلومًا: فهذا حرام لا يحل بالإجماع، وبه علل سحنون مرة في الكتاب، وقال: لأنه يفرض لهم من أموال اليتامى.
وأما الوجه الثالث: إذا [لم يكن] 4 لهم رزق في بيت المال، ولا1
رَسَم لهم في التركات جُعلًا معلومًا، ومن احتاج إليهم استأجرهم: فهذا لا خلاف في جوازه إذا كان القاسم عدلًا عارفًا بأحكام القسمة.
وإنما اختلف هل يجوز ذلك بغير كراهة، أو يجوز مع الكراهة على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز من غير كراهة، وهو قوله في "كتاب الوثيقة".
والثاني: الجواز مع الكراهة، وهو ظاهر قوله في "الكتاب": "وقد كان خارجة، ومجاهد [يقسمان و] 1 لا يأخذان لذلك [جعلًا] 2 "، وهو نص قوله في "كتاب ابن حبيب".
فإذا وقعت الإجارة على قسمة الفريضة، هل تكون على عدد الرؤوس أم على عدد الأنصباء؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها على عدد الرؤوس؛ لأن استخراج السهم القليل أشد على القاسم من استخراج السهم الكثير؛ لأنه يحتاج إلى بسط الفريضة ونشرها، إلا إذا كان فيه السهم القليل كالثمن والسدس؛ إذ لا تكاد تسلم من الانكسار في أغلب الأحوال، وهو قول مالك في الكتاب.
والثاني: أنها على عدد الأنصباء، وهذا القول أيضًا يؤخذ من المدونة من مسألة الشفعة، وهو الأظهر في النظر؛ لأن كل واحد لا يؤدي إلا على قدر العناء في حقه، وهو قول أصبغ في أجرة كاتب الوثيقة.
وأما أجرة كاتب الوثيقة: فلا تخلو من وجهين:
أحدهما: أنه يصدر الوثيقة، ولا يشهد فيها.
والثاني: أنه يصدرها ويشهد فيها.
فإن كان يصدر الوثيقة، ولا يشهد فيها: فهذا لا إشكال في جواز أخذ الأجرة على ذلك، وهل ذلك بكراهة أو بغير كراهة أم لا؟ على قولين.
وهل ذلك على عدد الرؤوس أو على عدد الأنصباء؟ قولان:
أحدهما: أن ذلك على عدد الأنصباء، وهو قول أصبغ.
والثاني: أن ذلك على عدد الرؤوس، وهو قوله في "كتاب الأقضية" من "المدونة".
فإذا ثبت ذلك، فعلى من تكون هذه الأجرة، هل على الدافع، أو على القابض، أو عليهما معًا؟
فهذا يحتاج إلى تفصيل وتحصيل؛ فنقول: لا يخلو هذا المال من أن يكون فيه عمل الفريضة، وحساب الأجزاء، أو لا يكون فيه إلا الدفع خاصة.
فإن كان فيه عمل الفريضة، وحساب الأجزاء، والقبض، والدفع: فإن الأجر في ذلك على جميعهم، قولًا واحدًا؛ لأن المنفعة في ذلك لهم جميعهم، ولولا عمل حسابهم لم يطل، ولم يكثر كتابها, ولا حقق ما يقبض كل واحد منهم، ولا تفاضل بعضهم من بعض.
فإن لم يكن فيها عمل ولا حساب، وإنما هو مجرد القبض لا غير، وليس فيه قسمة ولا كبير عمل، وإنما هو توثقة للدافع، وبراءة له: ففي هذا الوجه اختلف المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأجرة كلها على الدافع [وحده] 1 ولا شيء على
الآخرين، وهو قول سحنون.
والثاني: أن الأجرة على القابض، ولا شيء على الدافع، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى في "العتبية".
والثالث: أن الأجرة عليهما جميعًا -على الدافع والقابض- وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" في "كتاب القسمة"، و"كتاب الأقضية".
فوجه قول من قال: إن الجعل على الدافع وحده؛ لأن المنفعة في التوثق وحده، فعليه أن يوثق لنفسه بما يبرئ به ذمته.
ووجه القول الثاني: أن [المنفعة في] 1 التوثق للقابضين لئلَّا يتوجه له عليهم دعوى، أو لأحد من سببه أنه دفعه إليهم قرضًا، أو قراضًا، أو وديعة، أو دينًا كان لهم عليه، ولهم فيه منفعة أيضًا من وجه آخر مخافة أن يطرأ عليهم وارث أو غيره، فمن يثبت له في هذا المال حق، فيدعي عليهم أنهم قد قبضوا أكثر مما اعترفوا به، ولا شيء على الدافع؛ لأنه متطوع بقبض المال، والنظر فيه بغير منفعة له فيه إلا إعانة مسلم لمسلم؛ لأن المال في غير ذمة، وهذا كله في مثل الوديعة، والقراض.
ووجه القول الثالث: أن المنفعة في ذلك للقابض والدافع، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
فأما الوجه الثاني: إذا كان يصدر الوثيقة ويشهد فيها، فهل يجوز أخذ الجعل عليها أم لا: أما الجواز فقد استمر عليه عمل أهل الزمان في مشارق الأرض ومغاربها، واتخذ الشهود أسواقًا في أمهات البلاد يبيعون فيها الشهادة بالدراهم، والفلوس، وجعلوا ذلك أحد الحرف، وأطيب
المباحات، فليت شعري من أين لهم ذلك، وهل أوتوا في ذلك نصوص من إمام المذهب أبي عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه أم اغتروا بما وقع له في أمهات المذهب من إطلاق الكلام في أجرة كاتب الوثيقة؟
فإن وقفوا على نص مالك رحمه الله أو واحد من أصحابه أنه يجوز للشاهد أن يأخذ الجعل على شهادته فسمعًا وطاعة وحبًا وكرامة، فإن لم يكن إلا التعلق بالظواهر فهيهات، وأنى ترجى النجاة لغريق يتعلق بأرجل الضفادع؛ بل الذي دلَّت عليه ظواهر المذهب خلاف ذلك، وأن ذلك لا يجوز منها، وأن ذلك من باب الشهادة بجعل، ولا أظن يخالف أحد من المسلمين أن رجلًا لو سأل شاهدًا أن يشهد له على حد أو حق، فقال: لا أشهد لك إلا بجعل، أن ذلك لا يجوز، وأن شهادته إن شهد على ذلك الوجه مردودة ساقطة [. .] 1 جوز بعض أرباب المذهب لمن طلب الشهود في البادية أن يؤدوا له الشهادة عند القاضي في البلد، ومسافتهم بعيدة: أن يكري لهم دوابًا يركبونها للضرورة الداعية إلى ذلك، ومن ذلك يؤدي إلى إسقاط الثقة بشهادته؛ لأن الحرص على أخذ الجعل يحمله على ترك الاستقصاء في تحمل الشهادة على وجهها؛ ولأنه من باب الجار إلى نفسه.
ومنها أيضًا على ما هو عوهد من أحوالهم في [الحواضر] 2 أنهم يشتركون فيما يأخذونه من الجعل، وذلك أيضًا فيه ما فيه؛ لأنهم لا يخلو من أن يكون الشريكان في حانوت واحد، أو في حوانيت.
فإن [كانا] 3 في حانوت واحد: فلا يخلو من أن يتساويا في الجعل، أو يختلفا.
فإن تساوت سهامهما [في ذلك] 1؛ كان من أكل المال بالباطل؛ لأن أحدهما يصدر الوثيقة ويشهد فيها، والآخر يشهد خاصة، ومعلوم أن الذي يصدر الوثيقة، ويشهد أكثر عناءً من الذي يضع اسمه خاصة، وشركة الأبدان مبنية على التساوي فيه العمل، والاعتدال على مشهور المذهب.
فإن اختلفت سهامهما في الجعل، وأنه يقسم على قدر عملهما، فكيف يُدْرَك ذلك ويُعْرَف؟ ومن الوثائق ما يطنب فيها الكلام، ويحتاج فيها الموثق إلى أتعاب القرعة في استنتاج المقاصد؛ لأن الموثق مصنف، ومنها ما يختصر في الكلام، ومثل ذلك لا يتمكن فيه التجزئة.
فإن افترقا فيه حانوتين: فقد زاد على ذلك الوجه في المنع وجه آخر؛ وهو اختلاف المواضع، وشركة الأبدان إنما جازت في مشهور مذهب مالك بثلاثة شروط:
اتحاد الصنعة، واتحاد المنفعة، وعدم التفاضل، إلا الشيء المغتفر، على ما أشبعنا فيه الكلام في "كتاب الشركة".
فكيف تقبل شهادة من تعرض لهذه المشكلات وتورط في هذه [الشبهات] 2 وبنى أصل دينه على الخلافيات، والله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ 3، وقال سبحانه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ 4.
ومن يأخذ الجعل على وضع الشهادة فما أقامها لله، ولا شهد لله؛ بل هو شاهد لنفسه، ومغتنم فلسه، وذلك مما نستجير الله فيه.
وأما شهاد القسَّام فيما قسموه إذا تنازع فيه الورثة، وأنكروا القسمة، أو اعترفوا بها إلا أنه يتجاوز بعضهم إلى حق صاحبه، هل تقبل شهادتهم أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون ذلك ببعثة الحاكم، أو ببعثة الورثة؛ فإن كان ذلك ببعثة الحاكم: فلا يخلو الحاكم الذي يرفع إليه القاسم الشهادة من وجهين:
إما أن يكون هو الذي بعثه، وإما أن يبعثه غيره ممن درج من الحكام.
فإن كان هو الذي بعثه، فهل تقبل شهادته أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن شهادة القَسَّام في ذلك جائزة، والحاكم يقبلها إذا علم الآن أنه أمره بذلك، وكذلك كلما لا يباشره القاضي بنفسه من القود, ولا خلاف والنظر إلى العيب، وهو قول ابن الماجشون في "العتبية".
والثاني: أن شهادة القسام في ذلك لا تقبل؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه أطلق المنع في "الكتاب"، ولم [يُفَصِّل] 1.
[و] 2 القول بجواز شهادتهم، هل يجزئ من ذلك واحد، أو لابد من اثنين؟
فالمذهب على قولين، ومشهور المذهب أن الواحد يجزئ من ذلك.
وسبب الخلاف: هل طريقه طريق الخبر، أو طريقه طريق الشهادة؟
فإن انقضى الذي بعثهم إلى القسمة، وتولى النظر غيره، أو كانوا ببعثة
الورثة، وهو الوجه الثاني من أصل التقسيم: فلا يخلو من أن تقوم له البينة على بعثهم، أو لم تقم.
فإن لم تقم بينة عادلة على بعثهم: فلا تقبل شهادتهم، قولًا واحدًا.
فإن قامت البينة على أن القاضي الذي درج قد بعثهم، وأنه قد نفذ قسمتهم، وأن الورثة تراضوا بذلك والتزموه بعد القسمة، فهل يقبل المتولي النظر بشهادتهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن شهادتهم جائزة، وأنه يلزم الحاكم العمل بمقتضاها، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أنها لا تجوز جملة بغير تفصيل [وهو قول سحنون] 1 في كتاب ابنه، وهو ظاهر "المدونة" على ما قدمناه [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الرابعة عشر في صفة القسمة في الرياع والأرضين والأشجار [وكيف] (1) تبدية [بعض] (2) السهام على بعض في الخروج
أما الرِّياع: فإنها تنقسم بالقيمة، لا بالقياس، وقد اختلف في الطريق هل يرفع قبل القسمة، أو تجوز القسمة على أن يكون بنصيب أحد الورثة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الطريق يرفع من باب الدار إلى أقصى بيوتها، فيطرح ذلك، ولا يحسب على أحد، ثم يقوم الباقي فيقسم على الأنصباء بالقيمة، وهو مذهب سحنون في "العتبية".
والثاني: أنه يجوز أن يضاف الطريق إلى سهم أحدهم، ويكون له ملكًا, وللباقين فيها الممر، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وصفة القسم في ذلك أن يوازي القاسم البيوت بالقيمة فيُقَوِّم كل بيت، وما لها من مرفق على حِدَة، فيجزئ بيوت الدار على عدد سهام الفريضة، فإذا اعتدلت في القيمة وصح [في كل سهم] 3 ما ينتفع به صاحبه، فيرمي بينهم بالسهام.
فإن لم يحصل لكل واحد منهم ما ينتفع به، أو كان يصح لصاحب النصيب الكثير دون صاحب النصيب القليل، فهل يقسم بينهم أم لا؟ وقد12
تقدم الكلام على ذلك في مسألة مفردة.
واقتسام الدار مع الساحة تقدم عليه الكلام أيضًا، فلا نعيده مرة أخرى.
فإن خرج نصيب أحدهم في بيت ونصف بيت، هل يتم عليه القسم الذي يليه أو يشتركان في بيت كما قال في [قسمة] 1 الشجر أم لا؟
وهذا يتخرج على قولين:
أحدهما: الجواز؛ قياسًا على الشجر للضرورة [الدَّاعية] 2 إلى ذلك.
والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن الاشتراك في الشجر يخالف الاشتراك في البيت؛ [إذ ليس عليهم بالاشتراك في الشجرة كبير ضرر، وعليهم في البيت] 3 الضرر الكثير إذا كان البيت صغيرًا لا ينقسم في نفسه، وأما إذا كان يحمل القسم: فلا ضرر عليهم في ذلك.
وأما قسمة الأرضين: فإنك تنظر، فإن اتصلت الأرض، وكانت كلها متساوية في الكرم، والدناءة: فإنها تقسم بالقياس.
وإن اختلفت، وكان بعضها كريم، وبعضها رديء: فبالقيمة على قدر تفاضلها، فيقع لواحد مبذر قفيرين في النصف، لكرم الأرض، ويقع للآخر مبذر عشرة أقفزة؛ لدناءة الأرض، إلا أن القيمة مستوية.
فإن استوت، فبالقياس على ما ذكرنا، فيأخذ ساحة الأرض على قدر سهامهم، ويعرف ما لكل واحد من الأسهم، فيعطيه من القيس بقدره،