كتاب القسمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع عشرة مسألة.
المسألة الأولى في تقاسيم أنواع القسمة، وفي الحكم فيها إذا دعى [لها] (1) بعض الأشراك
والحكم بقسمة ما ينقسم إذا دعى [إلى] 2 ذلك بعض الأشراك واجب، وبيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه بينهما إذا دعى إلى الانفصال في ذلك بعضهم: لازم لا اختلاف بين أهل العلم في هذه الجملة، وإنما اختلفوا عند تفصيلها في تعيين ما ينقسم مما لا ينقسم، و [في] 3 صفة القسم فيما ينقسم، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى، فنقول: القسمة تكون في شيئين:
أحدهما: رقاب الأموال.
والثاني: منافعها.
فأما قسمة الرقاب: فإنها تكون على ثلاثة أوجه: قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل، وقسمة مراضاة بعد تقويم وتعديل، وقسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل.
ولكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة أحكام يختص بها دون ما سواها.
فأما قسمة القُرعة بعد التعديل والتقويم: فهي القسمة التي يوجبها1
الحكم، ويجبر عليها مَنْ أباها فيما ينقسم، ولا يصح إلا فيما تماثل أو تجانس من الأصول، والحيوان، والعروض لا فيما اختلف وتباين من ذلك، ولا شيء من المكيل، والموزون، ولا يجمع فيها [حظين أعني] 1 حظ اثنين في القسم، ويجب القيام فيها بالغبن إذا ثبت؛ لأن كل واحد منهم دخل على قيمة مقدرة ودرع معلومة، فإذا وجد نقصًا من ذلك وجب له الرجوع به.
وأما قسمة المراضاة بعد التقويم والتعديل: فتصح في الجنس الواحد, وفي الأجناس المختلفة المتباينة، وفي الكيل والموزون، إلا ما كان منه صنفًا واحدًا مدخرًا لا يجوز فيه التفاضل، وهذه المسألة أيضًا متى ظهر فيها غبن في درع، أو قيمة كان للمغبون الرجوع بذلك، للعلة التي قدمناها.
وكذلك الحكم في قسمة المراضاة والمهاباة بغير تعديل، ولا تقويم تجوز في الجنس الواحد، وفي الأجناس المختلفة، وفي المكيل كله، والموزون، إلا فيما يجوز فيه التفاضيل من الطعام، إلا أنه لا قيام فيها بالغبن لواحد منهم على صاحبه؛ لأنه لم يأخذ ما أخذ بعينه على أن يخرج فيما سواه من جميع حقه، سواء كان أقل منه أو أكثر كبيع المكايسة سواء.
وهذه القسمة على الوجهين الأولين اختلف فيها، هل هي تمييز حق، أو بيع من البيوع؟
فنص مالك في المدونة على أنها بيع من البيوع، وذهب سحنون إلى أنها تمييز حق، واضطرب قول ابن القاسم في ذلك على ما تقتضيه مسائله في المدونة وغيرها.
ووجه قول من قال: إنها تمييز حق: أنها غير موقوفة على اختيار
المتقاسمين؛ بل قد تجوز فيها المخاطرة بالقرعة، وذلك ينافي البيع، فثبت أنها تمييز حق.
ووجه قول من قال: [إنها] 1 بيع من البيوع هو أن كل واحد من المتقاسمين عاوض صاحبه حصته بحصته، فملك حصة صاحبه من الجزء الذي [صار إليه بحصته عن الجزء الذي] 2 خرج عنه، وهذه معاوضة محضة، والمعاوضة مبايعة.
والأظهر في قسمة القرعة أنها تمييز حق، وفي قسمة المراضاة بعد التقويم والتعديل: أنها بيع من البيوع.
وأما قسمة المراضاة بغير تعديل ولا تقويم: فلا خلاف أنها بيع من البيوع في جميع الأحكام كما ذكرناه.
فأما قسمة المنافع: فإنها لا تجوز بالشبهة على مذهب ابن القاسم، ولا يجبر عليها من أباها, ولا تكون إلا على المراضاة والمهاياة، وهي على وجهين:
أحدهما: أن [يتهاينا] 3 بالأزمان.
والثاني: أن [يتهاينا] 4 بالأعيان.
فأما التهاين بالأزمان: وهو أن يتفقا على أن يستغل أحدهما العبد، أو الدابة، أو يستخدم العبد، أو يركب الدابة، أو يسكن الدار، أو يحرث الأرض مدة من الزمان، والآخر مثلها أو أقل أو أكثر: فهذا يفترق فيه
الاستغلال والاستخدام في العبد والركوب [في الدابة] 1 والسكنى في الدار، والإزراع في الأرض.
وأما التهاين على الاغتلال: فلا يجوز في المدة الكثيرة باتفاق، واختلف في المدة اليسيرة كاليوم ونحوه على قولين:
أحدهما: جواز ذلك في اليوم الواحد، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنه لا يجوز [ذلك] 2 في العبد والدابة، وإن كان ذلك يومًا واحدًا، وهو قول محمَّد في كتابه أيضًا.
وأما التهاين في الاستخدام: فاتفقوا على أن ذلك لا يجوز في المدة الكثيرة، واتفقوا على جوازها في الأيام اليسيرة، إلا أنهم اختلفوا في حدها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجوز في مثل الخمسة أيام فأقل لا أكثر.
والثاني: أنه يجوز في الشهر، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المجموعة".
والثالث: أنه يجوز في أكثر من الشهر، وهو قول ابن القاسم.
وأما التهاين في الدُّور والأرضين: فيجوز فيها الشؤون المعلومة، والأجل البعيد ككرائها، قاله ابن القاسم في "المجموعة"، ووجه ذلك: أنها مأمونة، إلا أن التهاين إذا كان في أرض الزراعة، فلا يجوز إلا أن تكون مأمونة مما يجوز فيه النقد.
وأما التهاين في الأعيان بأن يستخدم هذا عبدًا، وهذا عبدًا، أو يسكن
هذا دارًا , وهذا دارًا , أو يزرع هذا أرضًا، وهذا أرضًا: ففي "المجموعة" عن ابن القاسم أن هذا يجوز في سكنى الدار، وزراعة الأرض، ولا يجوز في الغلة، والكراء، ولا على قياس التهاين بالأزمان فيسهل في اليوم الواحد، على أحد قولي مالك، ولا يجوز في أكثر من ذلك باتفاق؛ لأنه غرر ومخاطرة.
وكذلك استخدام العبد، والدواب يجري على الخلاف المتقدم في التهاين بالأزمان.
وقسمة المهاناة -تُقَال بالنون- لأن كل واحد منهما [هنأ صاحبه ما أراده.
ويقال بالباء أيضًا؛ لأن كل واحد منهما] 1 وهب لصاحبه الاستمتاع بحقه في ذلك الشيء مدة معلومة، ويقال: بالياء تحته ثنتين؛ لأن كل واحد منهما هيأ لصاحبه ما [طلب] 2 منه [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الثانية إذا اقتسما دارًا على أن رقبة الطريق لأحدهما، وللآخر فيه الممر، واقتسما على أن يأخذ أحدهما الغرف، والآخر السفل
وأما اقتسام [الدار] 1 فأخذ هذا طائفة، وهذا طائفة على أن لأحدهما رقبة الطريقة، وللآخر فيه الممر: فلا يخلو من أن تكون قسمتها على المراضاة، أو بالسهمة، فإن اقتسما على المراضاة: جازت القسمة، قولًا واحدًا.
وإن اقتسما بالسهم، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين متأولين على المدونة:
أحدهما: أنها لا تجوز إلا على المراضاة، وهو قول سحنون، وعليه حمل جواب ابن القاسم في "الكتاب" حيث أطلق الجواز.
والثاني: أنها جائزة بالقرعة والمراضاة، وهذا تأويل أبي عمران الفاسي [رحمه الله] 2.
ووجه قول سحنون أنها على المراضاة لا بالقرعة: لما يجب قبل القسمة من إخراج الطريق، ورفعها من الوسط فعند ذلك يقسمون ما بقى من سائر [الدار] 3.
ووجه قول أبي عمران: أنه قد لا يحتاج إلى إخراج الطريق [في] 1 قسمة كل دار لإحاطة الطريق ببعضها، فحيث يخرج نصيبه يخرج بابه لما يليه من المحجة، وقد يضطرون إلى خروجهم النصيبين علي باب الدّار نفسها, ولا يقسم الباب، فتقوم رقبته في أحد النصيبين على أن الممر للآخر، وكذلك قسمة [العُلوي] 2 والسُّفلي أطلق ابن القاسم جوازهما في "الكتاب" ولم يبين هل ذلك بالقرعة أو بالتراضي؛ فأما قسمتها بالتراضي: فإنها جائزة، قولًا واحدًا، وأما بالقرعة: فعلى قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مذهب أكثر الأصحاب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، وتباين الأغراض فيما بين العلوي والسفلي أهون وأخف من تباينهما فيما بين الجيد والرديء، وقد جوزه ابن القاسم في الأرض.
والثاني: المنع، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، ومثله في "كتاب ابن شعبان" كجمع السلعتين المختلفتين في القسم؛ إذ لا حاجة للعُلوي في السُّفلي، وإنما هو مرتفق كالساحة مع البيوت.
المسألة الثالثة في قسمة الرِّياع والعقار، وما يجمع منها في القسم وما لا يجمع
واتفق أهل العلم على جواز قسمتها بالتراضي وبالقرعة إذا عدلت بالقيمة، واتفقوا على ذلك اتفاقًا مجملًا.
واتفقوا أيضًا أنه لا يجمع في قسمة القرعة الدور مع الحوائط، ولا الحوائط مع الأرضين، ولا الدور مع [الأرضين.
وإنما يقسم كل شيء من ذلك على حدة، ويضم بعضها إلى بعض على شروط نصفها إن شاء الله تعالى بعد] 1 تقسيم وتفصيل في أنواع التركة وأجناسها، فنقول: لا تخلو التركة من ثمانية أوجه:
أحدها: أن تكون دورًا، أو دارًا.
والثاني: أن تكون أرضًا، أو أرضين.
والثالث: أن تكون جنة، أو بساتين.
والرابع: أن تكون حيوانًا.
والخامس: أن تكون عروضًا.
والسادس: أن تكون مكيلًا أو موزونًا.
[والسابع: أن تكون مكيلًا أو موزونًا من النقدين] 2.
والثامن: أن تكون التركة اشتملت على جميع ذلك.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت التركة دورًا: فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتباعد موضعها، ويختلف فيها في الرغبة والتشاحح.
والثاني: أن تتقارب مواضعها، وتتفق فيها الرغبة والنفاق.
والثالث: أن تتباعد مع [اتحاد] 1 الرغبة [أو تتقارب مع اختلاف الرغبة] 2.
فإن تباعدت المواضع، واختلفت فيه الرغبة والنفاق: فلا تجمع في القسم، قولًا واحدًا، وتُقَسَّم كل دار على حِدَة؛ لأن جمعها في القسم مع تباعدها وتباينها في الرغبة خطر، وذلك محظور في القسمة؛ لأن القسمة في نفسها خطر إذا وقعت على ما هو معتدل متساوٍ، فكيف إذا وقعت على ما هو مختلف متباين، وهذا كله في قسمة القُرعة.
وأما قسمة التراضي: فتجوز؛ إذ لا غرر فيه.
فإن تقاربت المواضع، وتساوت فيه الرغبة والتشاحح: فلا تخلو من أن تكون كلها جديدة، أو كلها قديمة، أو بعضها جديد، وبعضها رثيث.
فإن كانت كلها جديدة، أو كلها قديمة: فلا خلاف في المذهب أنها تجمع في القسمة.
فإن كان بعضها جديد، وبعضها رثيث، فهل تجمع في القسم أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يجمع بينهما في القسم، وإن كان بينهما تفاوت يسير؛ مثل أن تكون قيمة أحدهما مائة، والأخرى تسعون، فلا بأس أن يقترعا
على أن من صارت إليه التي قيمتها مائة أعطى لصاحبه [خمسة] 1 دنانير؛ لأن هذا مما لابد منه، ولا يتفق في الغالب أن تكون قيمة الدارين سواء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" في العُلوي والسُّفلي.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وتُقَسَّم كل دار على حِدَة؛ لأنها كالأصناف المختلفة، وهو قول عبد الملك في العُلوي والسُّفلي.
وهذا كله إذا كان [كل] 2 نوع منها لا يحتمل القسم.
وأما إذا كان الجديد ذوات عدد، والقديم ذوات عدد قسم الجديد بانفراده، والقديم بانفراده: فإن تقاربت [المواضع] 3 واختلفت الرغبة، أو تباعدت المواضع، واتفقت الرغبة، والتشاحح، هل يجمع في القسم أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجمع في القسم بحال، وتُقَسَّم كل دار على حِدَة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها تجمع في القسم، وهو قول أشهب في مدونته إذا كانت متقاربة [في] 4 نَمَطٍ واحد، وبعضها أكرم من بعض.
والثالث: التفصيل بين أن تكون كل دار تحتمل القسم بانفرادها فلا يجمع بينهما، وبين أن تكون كل دار لا تحتمل القسم، فيجمع بينهما في القسم، وهذا القول متأول على المدونة.
وحد القرب فيما بين الدور: الميلين والثلاثة، وحد الكثير البعيد: اليوم واليومين.
وأما الدار الواحدة، أو الأرض الواحدة المتصلة، فإن احتمل القسمة حتى يصير لكل واحد من الورثة ما ينتفع به: قسم بينهم إذا دعا إلى القسمة بعضهم، فإن كانت الدار أو الأرض لا تنقسم إلا على ضرر، فهل يقسم بينهم إذا دعا إلى القسمة بعضهم، ويجبر عليها من أباها أم لا؟ على ستة أقوال:
أحدها: أنها تُقَسَّم بينهم، وإن لم يَصِر في نصيب كل واحد منهم إلا قدر قدم وما لا [له] 1 منفعة فيه، وهو قول مالك في المدونة، وتلا [في ذلك] 2 قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ 3، ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحابه إلا ابن كنانة.
والثاني: أنه لا يقسم بينهم إلا أن يصير لكل واحد [منهم] 4 ما ينتفع به في وجه من وجوه المنافع، وإن قلَّ نصيب أحدهم حتى لا يصير له بالقسمة إلا ما لا منفعة له فيه في وجه من الوجوه: فلا تقسم، وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنها لا تقسم إلا أن تقسم من غير ضرر، ويصير لكل واحد منهم موضع ينفرد به، وينتفع بسكناه من غير اعتبار بنقصان الثمن، وإنما يراعى ذلك في العروض، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والرابع: أنه إن صار في [نصيب] 5 [كل] 6 واحد منهم ما ينتفع
به [قسم بينهم، وإن لم يصر لكل واحدٍ ما ينتفع به] 1 دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل الذي لا يصير له في نصيبه ما ينتفع به، أو صاحب النصيب الكثير الذي يصير له في حظه ما ينتفع به، وهو قول مطرف.
والخامس: أنها لا تقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب القليل.
والسادس: أنها لا تقسم إذا دعا إلى ذلك صاحب النصيب الكثير.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت التركة أرضين: فعلى التفصيل والتحصيل الذي قدمناه في قسمة الدور حرفًا حرفًا، والخلاف الذي فيه إذا تقاربت المواضع، واختلفت الرغبة، أو تباعدت المواضع، واتفقت الرغبة: داخل فيه، ولا نُطَوِّلُ بالتكرار.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كانت جنة، وبساتين فلا تخلو من وجهين: إما أن تكون جنسًا واحدًا، أو أجناسًا.
فإن كان جنسًا: فلا يخلو من أن يكون حائطًا، أو حوائط، فإن كان حائطًا واحدًا كالنخيل كلها أو الاعناب كلها، والزيتون كله، أو الفواكه كلها: فإنه يقسم بين الورثة إن كان الجنان تحتمل القسمة حتى يصير لكل واحد منهم ما ينتفع به.
فإن كان حوائط: فلا تخلو من الأقسام التي قدمناها أولًا، إما أن تكون متقاربة، واتحدت فيها الأغراض، وإما أن تكون متباعدة، والأغراض فيها مختلفة، وإما أن تختلف فيها الأغراض، وتقاربت المواضع.
فإن تقاربت المواضع، واتحدت فيها الأغراض: فإنها تجمع في القسم
قولًا واحدًا.
وإن تباعدت المواضع، واختلفت الأغراض: فلا يجمع في القسم بالقرعة، قولًا واحدًا.
وإن تقاربت المواضع واختلفت الرغبة، أو تباعدت المواضع، واتفقت الرغبة: فالمذهب على ثلاثة أقوال، وقد قدمناها في قِسْمَة الدّور.
فإن كانت أجناسًا؛ كجنات من نخيل، وأعناب، وزيتون، وفواكه: فهذه الأربعة الأصناف لا خلاف أنها تجمع في القسم في قسمة التراضي بغير قرعة، وهل تجمع في قسمة القرعة بالتراضي دون جبر أم لا؟ على قولين:
أحدهما: [المنع] 1، وهو مشهور المذهب، وهو أحد قولي ابن القاسم؛ لأن دخول القرعة في [القسمة] 2 [ينفي] 3 الاختيار.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب أشهب، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في مسألة النخلة والزيتونة، والفواكه كلها نوع واحد؛ كالرمان، والخوخ، والتفاح، والأترج، والكمثري، جميع أنواع الفواكه صنف واحد.
فإن كان لكل نوع منها جنان على حدة كالرمان جنان على حدة، والتفاح جنان على حدة، والخوخ جنان على حدة، فإنه يقسم كل نوع منه على حدة، وكل جنان على حِدَة بالقيمة.
وإن اختلطت كلها في جنة واحدة، فإنها تُقَسَّم كلها مجتمعة بالقيمة؛ كالحائط فيه البرني، والصماني، والجعروري، على ما سنبين صفة القسم فيه إن شاء الله.
ويراعى في الجميع في القسمة البَعْلِي، والسقى، واختلاف أنواع السقى من [العيون] 1 والآبار، فنقول: لا تخلو الأرض من ستة أوجه:
أحدها: أن تكون بعلًا لا سقي لها، وإما أن تسقيها العيون، وإما أن يسقيها بالقرب، وإما أن تسقى إحداهما بالبَعْل، والأخرى بالعين، وإما بعلًا، وذوات بئر، وإما ذوات عين، وذوات بئر؛ فيجمع البَعْلِي إلى البَعْلِي والعيني إلى العيني مع تساوي العينين في الغزر [وذوات البئر مع ذوات البئر مع تساوى البئرين في الغزر] 2، ولا خلاف في ذلك على الشروط التي قدمناها.
وأما البَعْلِي مع السقي: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز الجمع بينهما في القرعة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول أشهب أيضًا.
والثاني: أنه يجوز جمع البَعْلِي مع ذوات العين إذا تشابها في الكرم، والجودة، وهي رواية ابن وهب عن مالك.
والثالث: أنه يقسم البعل مع العيون، ولا يقسم مع النضح إلا برضا أهله، وهو قول محمَّد بن مسلمة، ولا وجه لقوله؛ بل البَعْل مع النضح أقرب من البَعْل مع [العين] 3.
والجواب عن الوجه الرابع والخامس: إذا كانت حيوانًا، أو عروضًا فقسمتها على التراضي من غير سهمة جائزة باتفاق [العلماء] 1 وأما قسمتها بالسَّهْم والتعديل: ففي المذهب فيها قولان:
أحدهما: أنها لا تجوز قسمتها بالقرعة، جملة بلا تفصيل، وأنها تباع، ويقسم الثمن بينهم، وهو قول ابن الماجشون في سماع يحيى.
والثاني: جواز القسمة بالقرعة في الصنف الواحد منهما، وهو مشهور مذهب مالك، ولا يجوز في الصنفين المختلفين، وفي تمييز الصنف الواحد من الصنفين في ذلك اختلاف بين أصحاب مالك؛ أما أشهب فأجرى القسمة في ذلك مجرى البيع، وحملها عليه، فقال: ما جاز سلم بعضه في بعض [فلا يجوز] 2 جمعه في القسمة بالسهمة، وما لم يجز سلم بعضه في بعض: فجائز جمعه في القسمة بالسهمة.
وأما ابن القاسم: فقد اضطرب قوله في "الكتاب"، ولم يجر مذهبه في ذلك على قياس؛ لأنه جعل القسمة في بعض المواضع أخف من البيع؛ فأجاز القسمة [بالسهمة] 3 فيما يجوز سلم بعضه في بعض، وذلك قوله في البزِّ: أنها تجمع في القسمة، والبز أصناف كثيرة في البيع يجوز سلم بعضها في بعض، وجعلها في بعض المواضع أشد من البيع، فمنع من القسمة بالسهمة فيما هو عنده في البيع صنف واحد لا يجوز أن يسلم بعضه في بعض، وهو قوله في "المدونة": تقسم الخيل على حِدَة، والبراذين على حِدَة، والبغال على حدة، والحمير على حدة إذا كان في كل صنف منها ما يحتمل القسم، فيكون ذلك مثل ظاهر قوله في البز في
أحد الموضعين من "المدونة"، ومثل قول عيسى بن دينار في قسمة الأرض الدنيئة والكريمة: أنها تُقَسَّم كل واحدة على حِدَة إذا كانت تحتمل القسم، فإن كانت لا تحتمل جمعت وقسمت بالقيمة، ولا ينظر إلى مساحة ما يصح لكل واحد منهم من الأرض؛ ولهذا قال في كتاب الوصايا: فإن صار لهذا مبذر خمسة أمد من كرم الأرض، وللآخر مبذر أربعين مديًا من رداء الأرض: قسمت بالقرعة.
فيتحصل من مذهبه على هذا التأويل في الحبوب ثلاثة أقوال، وفي العروض والبز وغيره: أربعة أقوال:
أحدها: تجمع الخيل والبراذين، والبغال، والحمير، والبزور على اختلاف أنواعه، وإن كان كل صنف منها يحتمل أن يقسم على حدة.
والثاني: أنه لا يجمع في القسم بحال، وإن كان كل صنف منها لا يحتمل القسم إلا بإضافته إلى غيره.
والثالث: التفصيل بين أن يكون كل صنف منها يحتمل القسم أو لا؛ فإن كان كل صنف [منها] 1 يحتمل القسم: [لم يجمع] 2 كان كان كل صنف منها لا يحتمل القسم: [جمع] 3 في القسم.
والقول الرابع في البز: بالتفصيل بين ما تقارب وتشاكل فيجمع في القسم، وما تباين [وتغاير] 4: فلا يجمع في القسم، وهو قول ابن حبيب، فجعل الخز والحرير صنفًا، والقطن والكتان صنفًا، والصوف
["والمُدَعَّر" 1] 2 صنفًا، والقز، وإن اختلفت أجناسها صنفًا.
وأما ما هو فرد من ذلك، أو ما هو زوج منه لا يستغني أحدهما عن صاحبه كالخفين، والبابين، والقرارتين أو ما هو فرد كالثوب الواحد، والخيل [والبغل] 3 والبعير الواحد، فلا يقسم بين الشريكين، قولًا واحدًا إلا بالتراضي؛ لأن قسمة ذلك فساده.
والجواب عن الوجه السادس: إذا كانت مكيلًا أو موزونًا من المأكول وغيره من العروض: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون صنفًا واحدًا.
والثاني: أن يكون صنفين.
فإن كان صنفًا واحدًا: فلا يخلو من أن يكون صبرة واحدة، أو صبرتين.
فإن كان صبرة واحدة: فلا خلاف في وجوب قيمته على الاعتدال في الكيل، أو الوزن، أو على التفصيل البين، كان ذلك مما يجوز فيه التفاضل أو من الطعام المدخر الذي لا يجوز فيه التفاضل.
ويجوز ذلك كله بالكيل المعلوم والمجهول، وبالصنجة المعلومة والمجهولة.
ولا خلاف أيضًا: أن قسمته جزافًا بغير كيل، ولا وزن، ولا تحرٍ لا يجوز؛ لأن ذلك غرر ومخاطرة.
فإن كان من الطعام المدخر: دخله أيضًا عدم المماثلة.
وأما قسمته تحريًا لا يجوز في المكيل، ويجوز في الموزون.
فأما إن كان صبرتين فزائد: فلا يخلو من أن يكون مما يجوز فيه التفاضل، أو مما لا يجوز التفاضل.
فإن كان مما لا يجوز فيه التفاضل مثل محمولة وسمرًا، وقمح، وشعير، ونقي، ومغلوت: فلا تجوز قسمته إلا على الاعتدال في الكيل بالكيل المعروف فيما يُكال، وعلى الاعتدال [في الوزن] 1 بالصنجة المعروفة [فيما يوزن] 2؛ لأنهما إذا اقتسما القمح، والشعير [بالمكيال] 3 المجهول، فأخذ أحدهما القمح، وأخذ الآخر الشعير: لم يجز، وإن اعتدلا في الكيل.
وإن اقتسما الزائد من القمح على الشعير، أو الشعير على القمح بينهما نصفين إن وجدا في أحدهما زيادة على الآخر؛ لأن ما كان من القمح مساويًا للشعير في الكيل قد بادل كل واحد منهما صاحبه في نصفه بالمكيال المجهول.
ولا تجوز مبادلة القمح بالشعير بالمكيال المجهول، كما لا يجوز بيع أحدهما بالمكيال المجهول؛ لأن ذلك غرر؛ إذ لا يدري ما يقع المكيال المجهول من المعلوم؛ لأن الذي أخذ الشعير يقول: لو علمت أنه يبلغ هذا العدد لم أرض أن آخد الشعير وأعطيه القمح.
ولو اقتسما القمح على حدة، والشعير على حدة لجاز بالمكيال المجهول، على ما تقدم في قسم الصبرة الواحدة.
وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل مثل ما لا يدخر من الأطعمة، ومثل
الحناء، والعصفر، وشبه ذلك: فتجوز قسمته على الاعتدال، والتفاضل البين بالمكيال المعلوم، والصنجة المعروفة، ولا يجوز بالمكيال المجهول، ولا بالصنجة المجهولة؛ لأن ذلك غرر، على ما بيناه في الصبرتين من جنس واحد لا يجوز [فيه] 1 التفاضل مثل القمح والشعير.
وإذا اقتسمت كل صبرة على حدة: جازت قسمتها بالمكيال المجهول كما يجوز بالمكيال المعلوم؛ لأن قسمة الصبرة الواحدة على الكيل تمييز حق، وليس ببيع.
وأما إذا كان صنفين كالقمح، والشعير، أو التمر، والزبيب، أو القمح والزبيب: فلا خلاف في جواز قسمته على الاعتدال في الكيل والوزن، ولا غير الاعتدال إذا تبين الفضل [لجواز التفاضل] 2 بين الجنسين، ولا يجوز ذلك إلا [بالمكيال] 3 المعلوم أو الصنجة المعلومة.
وأما في واجب الحكم فلا يقسم كل صنف إلا على حدته، وإذا قسم كل صنف على حدته جاز ذلك بالمكيال المعلوم، والمجهول حسب ما مضى بيانه.
ولا تجوز القرعة في شيء مما يكال [أو يوزن] 4؛ لأن القرعة لا تطيب لأنفس المتقاسمين، وليس بعد الكيل، والوزن في النفوس ريب.
والجواب عن الوجه السابع: إذا كان موزونًا من النقدين مثل أن تكون التركة ذهبًا أو فضة، أو بعضها حلي -ذهب أو فضة- ولا يخلو من أن
يكون الذهب والفضة خالصًا غير مربوط بغيره، أو يكون مربوطًا، ربط صياغة مرصعًا غير منظوم.
فإن كان الذهب والفضة خالصًا غير مركب على غيره: فإنه يقسم بين الورثة بالوزن، فإن تساوت قيمته [والوزن] 1 جازت قسمته بالقرعة.
وإن تتساوى في الوزن واختلفت قيمته: فلا تجوز فيه القسمة بالقرعة، ولا ينظر إلى اختلافه في الجودة إذا تساوى في الوزن.
وأما إن كان الحلي مربوطًا مرصعًا بالجواهر والياقوت، أو كانت سيوفًا محلاة بالفضة: فلا يخلو ما فيه من الذهب والفضة من أن يكون تبعًا أو متبوعًا؛ فإن كان تبعًا مثل الثلث فأدنى: فله حكم العروض في البيع، والقسمة على ما قاله ابن القاسم في "كتاب [الصرف] 2 "، وفي "كتاب القسمة" من "المدونة".
فإن كانت متبوعًا: فله حكم الذهب والفضة في البيع والقسمة، ولا يقسم إلا وزنًا, ولا تجوز قسمتها بالقيمة.
فإن كان ما في التركة من الذهب والفضة لا يحتمل القسمة: فإن الورثة بالخيار إن شاؤوا أن يسلموه لبعضهم بوزنه، وإن شاؤوا فليبيعوه ويقسموا ثمنه، أو يضيفوه إلى بقية [التركة] 3.
والجواب عن الوجه الثامن: إذا اشتملت الشركة على جميع ما ذكرناه من الأنواع، والأصناف: فإنك تنظر، فإن كان كل صنف منها يحتمل القسم: عمل فيه على ما تقدم.
وما لا يحتمل القسم فيه: يكون فيه الخيار للورثة؛ إما يتراضون على
قسمته بلا قرعة، وإما يبيعوه ويقتسموا الثمن [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الرابعة في القسمة على الغائب في الرِّياع
ولا خلاف عندنا في المذهب أنه يقضي على الغائب في غير الرياع -قربت غيبته أو بعدت- وأما الرياع: فلا تخلو من أن تكون غيبته غيبة انقطاع، أو غيبة ارتجاع؛ فإن كانت غيبة ارتجاع؛ مثل أن يغيب في البلاد التي يسافر الناس إليها، ويقدمون، فهل يحكم عليه السلطان في غيبته أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يقضي عليه بما ادَّعَى به عليه [وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قوله في كتاب النكاح الثاني وغيره.
والثاني: أنه لا يقضي عليه] 1 في غيبته، وأن السلطان يكتب إليه إما أن يقدم أو يوكل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وأما البعيد الغيبة [المنقطع] 2 كالأندلس، وطنجة من المدينة: فهذا يقضي عليه في الرياع، قولًا واحدًا، ويكون على حجته إذا قدم، ولا ينبغي للقاضي أن يقيم للغائب أو للطفل وكيلًا يقوم بحجته.
وهذا كله إذا ادعى على الغائب في ريعه.
وأما إذا طلب بعض أشراكه القسمة في ريع بينه، وبين الغائب: فإن القاضي يمكنه من القسمة، ويقضي بها على الغائب، قولًا واحدًا في المذهب فيما علمت؛ لأن الغائب مُقر بالشركة في الشيء المقسوم؛ ولذلك
جوز القسمة [عليه] 1 وهو منكر بدعوى من ادعى الملك عليه، فلذلك منع [القضاء] 2 عليه في الريع في أحد الأقوال.
والفرق بين الرياع وغيرها في جواز القضاء على الغائب: أن الرِّياع أمره خطر، والتنافس فيه يكثر، فقد لا يصادف الإنسان دارًا أو جنانًا يشتريه على وفق مراده لقلة وجود ذلك، ووقوعه في النداء في كل وقت؛ إذ ليس [للرِّياع] 3 سوق يُنتحى [ويُقصد] 4 عند [طلب] 5 الشراء، فإذا فوت الإنسان ريعًا، فقليل ما يخلفه بمثله، وما عدا الرِّيع من جميع المتمولات على اختلاف أنواعها، فإن لها أسواقًا يجتمع منها فيها ما هو مثل ما فوت عليه أو أفضل منه.
وعلى القول بأنه يقضي على الغائب -إما [في] 6 ما عدا الرِّيع بالاتفاق، وإما [في] 7 الرِّياع على قول عبد الملك، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشفعة" حيث قال: ويباع ريعه في الدين، وتكون فيه الشفعة- فهل يمكن من حجته إذا قدم أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يبقى على حجته إذا قدم، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا حجة له إذا قدم؛ لأنه إنما يقضي عليه بعد التلوّم
والاستبيان، وهو قول سحنون.
وعلى القول بأنه على حجته إذا قدم: فإنه يعرف بمن شهد عليه، فإن كان عنده ما يدفع به شهادة الشهود عن نفسه؛ مثل أن يثبت أنهم عبيد، أو على غير الإِسلام.
فالحكم بالقضاء عليه مردود، قولًا واحدًا في المذهب، وهو قول مالك في "كتاب الرجم" إذا صح فيما [إذا] 1 شهدوا على مال ثم تبين أن أحدهما عبد، فنكل الطالب عن اليمين مع الشاهد الباقي فحلف المطلوب: أن الحكم يرد.
وأما إن جرحهم بأمر ينافي العدالة، وهم أحرار مسلمون كالزنا وشرب الخمر أو بأمر يوجد مع العدالة كالعداوة في غير حق الله، فهل ينتقض الحكم بذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الحكم لا يرد، ويكون البيع نافذًا، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن حبيب": فإن قدم الغائب، فأقام بينة على البراءة من الحق الذي [قضى] 2 عليه به، وبيع فيه ريعه لمضى البيع لمبتاعه، ولا ينتقض، ويكون للقادم الرجوع على المقضي له بما أخذ من الثمن، وهو قول مالك وأصحابه في "الموازية" وهو قول أصبغ في "الواضحة"؛ لأن ذلك حكم قد مضى على وجه شبهة، ولا فرق في ذلك بين الرياع وغيره في جميع ما بيع عليه من ماله ثم قدم وأثبت البراءة من ذلك أن البيع يمضي ويكون حقه في الثمن.
والحمد لله وحده.
المسألة الخامسة في قسمة الأصول بالثمار والأرض بما فيها من زرع
والكلام في هذه المسألة في هذين السؤالين.
فالجواب عن السؤال الأول: في قسمة الأصول بالثمار: ولا تخلو الثمار المتصلة بتلك الأصول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الثمار غير مأبورة.
والثاني: أن تكون مأبورة.
والثالث: أن تكون مزهية.
فأما إذا كان ما فيها من الثمار غير مأبور: فلا يخلو من أن يقتسما على أن تبقى لأربابها، أو على أن تدخل في المقاسمة.
فإن اقتسما على أن تبقى الثمار لأربابها، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن القسمة لا تجوز جملة، وهو قول ابن القاسم؛ لأن استثنائها في البيع لا يجوز عنده، وهو من بيعها قبل قبضها، والقسمة بيع من البيوع على أحد قولي المذهب، وهو نص المدونة.
والثاني: أن ذلك جائز، وهذا القول قائم من المدونة أيضًا.
وينبني الخلاف: على الخلاف في المستثنى، هل هو مشتري أو مبقى؛ فعلى القول بأنه مشتري: منعت القسمة في مسألتنا، وعلى القول بأنه مبقى: جازت القسمة.
وقد حكى الشيخ أبو الحسن اللخمي في استثناء ما لم يؤبر من الثمار
في البيع قولان.
فإن اقتسما على أن تدخل في القسمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنها تؤول إلى أن تصير طعامًا، فيؤدي ذلك إلى طعام بطعام متفاضل، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن ذلك يجوز، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة؛ لأنه قال فيمن باع [نخلًا وفيها] 1 تمر لم يطب -أبر، أو لم يؤبر- فلا بأس أن يبيعها بالطعام والشراب من قبل أن [المقصود] 2 بالبيع، والشراء الأصل، فإذا جوز بيعها مع الأصول بسائر أنواع الطعام، ولم يعتبر لها وجودًا، فبأن تجوز قسمتها مع الأصول أولى [وأحق] 3.
وسبب الخلاف: اختلافهم في اعتبار الحال والمآل، هل يراعى أم لا؟
فإن اشتراها أحدهما أن ما وقع في نصيبه من الثمن، فهو داخل في القسمة، وما وقع في نصيب صاحبه فهو باق على أصل الشركة: فذلك جائز، ولا أظنهم يختلفون في ذلك لعدم العلة المتقاة.
وإن كانت إحدى الثمرتين مأبورة، والأخرى غير مأبورة:
فالتي هي مأبورة: غير داخلة في القسمة، وإنها باقية على أصل الشركة، قولًا واحدًا، وغير المأبورة داخلة في القسمة بلا إشكال، وهو يجوز استثناؤها أم لا؟ قولان: الجواز، والمنع.
فإطلاق القسمة دون إدخال المأبورة فيها بالشرط، وإخراج غير المأبورة
منها غير المأبور منها بالاستثناء: جائز من غير خلاف في المذهب بأنه يركب [على] 1 كل شائبة مقتضاها.
فأما إن اشترطا إدخال المأبور [في القسمة] 2، وقد استثنى غير المأبورة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه؛ لأنها إذا أدخلا المأبورة بالشرط وغير المأبورة داخلة بمقتضى الإطلاق، وهي تؤول إلى أن تصير طعامًا، فيؤدي ذلك إلى طعام بطعام متفاضلًا.
فإن وقع الاستثناء في غير المأبورة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه أيضًا في استثناء ما لم يؤبر من الثمار، وأما إن كانت الثمار مأبورة، وهي بلح صغير أو كبير: كان إطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار في جميع ذلك غير داخلة في القسمة؛ بل هي باقية على أصل الشركة.
فإن اشترطا دخولهما في المقاسمة، فهل يجوز أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة؛ لأنه جوز بيع الأصول مع ما فيها من الثمار المأبورة بالطعام إلى أجل كالسيفين مع حليتهما إذا كانت الحلية تبعًا، فإنه يجوز بيع أحدهما بالأخرى نقدًا أو إلى أجل على القول بأن الأتباع لا تراعى جملة.
وسبب الخلاف: الأتباع هل تراعى أو لا تراعى؟
فإن كانت إحداهما مأبورة، والأخرى غير مأبورة: قد تقدم
الكلام عليه.
وأما إذا كان [ما] 1 فيه من الثمار مزهية: فإطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار غير داخلة، وهي باقية على أصل الشركة.
فإن اشترطا دخولها في المقاسمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ [فالمذهب] 2 على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، جملة بلا تفصيل، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو ظاهر قول سحنون في "السليمانية"؛ لأنه قال: من اشترى نخلًا فيه ثمر قد طاب، أو لم يطب بطعام نقدًا أو إلى أجل: لا بأس به؛ لأن الثمر [تبع للنخل] 3 كالعبد يباع، ويستثنى ماله، فإن ذلك جائز نقدًا، أو إلى أجل؛ لأن ماله ملغي، وهو قول سحنون، وهو أضعف الأقوال.
وقول محمَّد بن مسلمة أقرب إلى الصواب؛ لأن التقابض والمناجزة قد حصلت فيما بينهما؛ لأنها إن كانت في [حين] 4 المقاسمة طعامًا فقد حصل التناجز، وإن كان غير طعام؛ لأنها تصير طعامًا بعد انتقال الملك [بعد أن] 5 صارت في سهمه بخلاف إذا كانت مزهية؛ لأنها مقصودة حينئذ فيدخلها التفاضل.
والجواب عن السؤال الثاني: في قسمة الأرض بما فيها
من الزرع: فلا يخلو من الأوجه الثلاثة التي قسمنا عليها الثمر؛ إما أن تكون قبل إبار الزرع، أو بعد الإبار، وقبل أن يطيب، وإما أن تكون بعد طيب الزرع.
فأما إن كانت القسمة قبل إبار الزرع، فهل تجوز القسمة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز، جملة بلا تفصيل؛ لأن إطلاق القسمة يقتضي دخول الزرع في القسمة، وذلك يؤول إلى التفاضل بين الطعامين، واستثنى الزرع من القسمة وبقاؤه على أصل الشركة لا يجوز أيضًا؛ لأن ذلك بيعه قبل طيبه على البقية، وذلك حرام، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن القسمة جائزة استثنى، أو دخل في القسمة؛ لأن [استثناءها] 1 جائز على أحد قولي المذهب، ودخوله في القسمة لا تأثير له على قول محمَّد بن مسلمة وغيره؛ لأنه ليس بطعام في الحال، وما يؤول إليه في ثاني حال غير معتبر.
فأما إن كان الزرع مأبورًا: فإطلاق القسمة جائز؛ لأن الزرع غير داخل في القسمة إلا بالاشتراط، فإن أدخلاه في القسمة، هل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم؛ لأن ذلك طعام بطعام متفاضل.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأتباع هل تراعى، أو لا تراعى؛ فمن قال أنها تراعى منع، ومن قال لا تراعى جوز.
فإن كان أحد الزرعين
مأبورًا، والآخر غير مأبور: وقعت القسمة على إطلاقها، فهي جائزة اتفاقًا؛ لأن المأبور بقى على أصل الشركة وغير المأبور داخل في القسمة.
فإن وقع الشرط إما بإدخال المأبور في القسمة مع الأرض، وإما باستثناء غير المأبور [وبقائه] 1 على أصل الشركة، ففي كل فصل من ذلك قولان.
وقد اختلف في إبار الزرع على ثلاثة أقوال:
أحدها: ظهوره وبروزه من الأرض، وهو قول ابن القاسم في المدونة في كتاب الشفعة.
والثاني: أن إبار الزرع بذاره في الأرض، وإن لم يطلع، وهو قول [القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب] 2.
والثالث: أن إبار الزرع أن يَسْبل، وهو قول محمَّد.
والأظهر [في الصواب] 3: ما ذهب إليه القاضي؛ لأن البذر كسلعة أودعت [في] 4 الأرض، فوجب حمل المقاسمة على الأرض دون ما فيها بخلاف الثمار التي هي ولادة.
وأما إن كان ذلك بعد طيب الزرع: فلا خلاف في هذا الوجه أن الزرع لا يقسم مع الأرض، بل تقسم الأرض على حدة، ويبقى الزرع شركة بينهما [والحمد لله وحده] 5.
المسألة السادسة في قسمة الثمار والزروع
والكلام في هذه المسألة في أربعة أسئلة:
أحدها: قسمة الثمرة.
والثاني: قسمة الزرع.
والثالث: قسمة البقل.
والرابع: قسمة اللبن.
والجواب عن السؤال الأول: في قسمة الزرع: ولا يخلو من أن يكون [ذلك] 1 قبل طيب الزرع، أو بعد طيبه.
فإن كان ذلك قبل طيب الزرع، فأراد قسمته فصيلًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يتفقا على جذه في الحال، وإما أن يتفقا على تركه حتى يطيب، وإما أن يجد أحدهما ويترك الآخر.
فإن كان على أن يجذا جميعًا في الحال: فذلك جائز، ويقسم بينهما بالتحري إن كان يستطاع أن يعدل [بينهما] 2، وهو قوله في "الكتاب".
فإن حصد أحدهم حصته، وترك الآخر نصيبه حتى تحبب الزرع انتقض القسم؛ إذ لا يجوز بيع الزرع على أن يترك إلى طيبه، وليرد الذي حصد قيمة ما حصد فتكون تلك القيمة مع الزرع القادم بينهما، وقال في
"الكتاب": لأن القسمة هاهنا بيع من البيوع.
فإن اتفقا على تركه جميعًا أو حصة أحدهما حتى يطيب: فإن القسمة فاسدة لا تجوز؛ لأن ذلك بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء.
وأما إن كان ذلك بعد طيب الزرع: فلا تجوز قسمته فدادين، ولا مدارعة، ولا قتتا, ولا يقسم إلا كيلًا؛ لأن ذلك مزابنة.
والجواب عن السؤال الثاني: في قسمة الثمار بعد طيبها، وقبل جذاذها، أو قبل طيبها، وهي بلح صغير أو كبير، ولا يخلو الشركاء في ذلك من وجهين:
إما أن تتفق حاجتهم [في ذلك] 1، أو تختلف.
فإن اتفقت حاجتهم: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يتفقا على التيبيس [وإما أن يتفقا على البيع] 2، وإما أن يتفقا على الجذاذ.
فإن اتفقا على التيبيس: فلا خلاف أنهما لا يقتسمان حتى ييبس الثمر، ويقتسماه كيلًا، وكذلك الحكم إذا اتفقا على البيع، وحاجة كل واحد منهما إلى بيع نصيبه رطبًا، فليبيعاه ويقتسمان الثمن بينهما, ولا يقتسمانها بالخرص.
فإن اتفقت حاجتهما على الجذاذ للأكل: فلا يخلو من أن يتساويا عيالهما، أو يكون أحدهما أكثر عيالًا من الآخر.
فإن تساوت العيال، ويكون الذي يجد كل واحد منهما في كل يوم مثل ما يجد الآخر: فلا يقتسمان بالخرص [لعدم الحاجة إليه، فإن كان
أحدهما أكثر عيالًا من صاحبه جاز أن يقتسماه بالخرص] 1 [ليتوسع] 2 صاحب العيال الكثير؛ لأنَّا إن قصرنا أكثرهما عيالًا عما يحتاجه أضربه، وإن كلفه الآخر أن يجد كثيرًا على قدر ما يحتاج إليه [صار] 3 صاحبه [فسد] 4 عليه، فاقتضت المصلحة القسم بينهما بالخرص حتى يأخذ كل واحد منهما القدر الذي يقوم به.
فإن أخذ أحدهما، وأبقى الآخر نصيبه حتى أزهى: انتقض القسم، وكان الذي أزهى، وقيمة الذي لم يزه شركة بينهما، والقيمة يوم كان جذ على أنه مجذوذ، وليس على الرَّجاء والخوف؛ لأنه جذه بإذن شريكه.
فأما إذا اختلف حاجتهم، فأراد أحدهما أن يأكل رطبًا، وأراد الآخر أن يتمر: جاز القسم بالخرص إذا وجد من يعرف ذلك لاختلاف الحاجة، والأغراض في ذلك.
فإن أراد أحدهما البيع، وأراد الآخر أن يتمر: فلا يخلو الذي يريد أن يشتري من أن يكون مراده الجذاذ، أو الإتمار، فإن كان مراده الجذاذ: جاز القسم بالخرص لأجل اختلاف الأغراض.
وإن كان مراده الإتمار: فلا يقسم بينهما بالخرص لاتحاد غرض المشتري والشريك.
فإن أراد أحدهما الجذاذ، وأراد الآخر البيع: فلا يخلو المشتري من أن يشتري للبيع، أو يشتري للأكل.
فإن اشترى للبيع: هل يجوز أن يقتسما بالخرص أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأن المشتري على الجذاذ اشترى، فقد اجتمعا عليه، وهو قول سحنون في البلح الكبير.
والثاني: أن ذلك جائز، وإن لم يجد الذي حاجته للأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة إذا لم يتركه حتى يزهو، وهو قول ابن القاسم؛ لأن المشتري، وإن اشترى على الجذ، وقد يجد ما اشتراه على مرة أو مرتين ليدرك بها الأسواق، والآخر يجذ شيئًا بعد شيء على قدر حاجته وعياله.
وأما البلح: فلا يخلو من أن يكون صغيرًا، أو كبيرًا؛ فإن كان كبيرًا، فهل يقسم بينهما بالخرص مع اختلاف الحاجة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقسم بينهما بالخرص إذا اختلفت حاجتهما كما تقسم إذا أزهت، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
فإن أراد أحدهما أكله، والآخر بيعه، هل يقسم بينهما بالخرص أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يقسم [بينهما] 1، وهو قول ابن القاسم، وأشهب.
والثاني: أنه لا يقسم بينهما بالخرص؛ لأن ذلك ليس باختلاف حاجة، وهو قول سحنون.
والقول الثاني من الأول: أنه لا يجوز قسمة البلح الكبير بالخرص، وإنما يجوز بالتراضي مع اختلاف الحاجة بخلاف الرطب، وهو قول بعض المتأخرين، وهو اختيار التونسي [رحمه الله] 2.
فإذا قسماه بالخرص للحاجة، فجذ أحدهما نصيبه، وترك الآخر ما
صار له حتى أزهى: فإن القسمة تنتقض بينهما، ويرد الذي جذ حصته قيمة ذلك يوم جذه، ويقسمانه مع نصيب الآخر الذي تركه، بخلاف المزهي من الثمار إذا اقتسماه وترك أحدهما نصيبه حتى يتمر: فإن القسمة بينهما لا تنتقض؛ لأن البيع لو وقع على ذلك بالعقد على قول، وبالقبض على آخر.
واختلف إذا اجتيح نصيب أحدهما، هل توضع فيه الجائحة أم لا على قولين؛ فقال ابن الماجشون: لا جائحة في ذلك، وظاهر قول ابن القاسم: أنه توضع فيه الجائحة؛ لأنه يقول في "الكتاب": إن القسمة تنتقض فيه إذا تركه حتى أزهى.
وسبب الخلاف: اختلافه في القسمة، هل هي بيع، أو تمييز حق.
وأما البلح الصغير: فقد اختلف فيه، هل له حكم الطعام، أو هو علف لا غير؟
فقد قال مالك في المدونة في كتاب القسمة أنه علف، وقال ابن القاسم: هو بمنزلة البقل، وإلى هذا التخريج أشار اللخمي.
فعلى القول بأن له حكم العلف: جازت قسمته، وإن لم تختلف الحاجة فيه.
وإن جذ أحدهما نصيبه، وأبقى الآخر إلى الآخر إلى الأيام ما لم يتركه حتى يصير زهوًا.
وعلى القول بأن له حكم الطعام لم تجز المقاسمة إلا أن يجذا معًا.
فإن اقتسماه على المفاضلة بالأمر البين جاز؛ لأن التفاضل فيه جائز يدًا بيد على القول [بأن له حكم الطعام، وإلى أجل على القول] 1 بأنه
علف.
فإن اقتسماه ثم لا يجذا حتى صار بلحًا كبيرًا [فإنك تنظر.
فإن اقتسماه على التعديل، وكان لا يختلف الآن إذا كبر فالقسمة جائزة، وإن اقتسماه على المفاضلة أو كان إذا كبر تفاضل انتقضت القسمة، فإن جذ أحدهما نصيبه، وترك الآخر حتى صار بلحًا كبيرًا] 1 لم تنتقض القسمة لجواز التفاضل بين البلح الصغير والكبير.
وإن تركه حتى أزهى انتقض القسم بينهما، ويرد الذي جنى نصيبه قيمته يوم جناه ويقتسمانه مع نصيب الآخر.
فانظر كيف جوز قسمة البلح الصغير بالتحري، وهو مما يكال، وما يكال [غيره] 2 لا يقسم بالتحري، وقد يعتذر عن ذلك بأن يقال: إنما أجاز هذا؛ لأنه لا يمكن كيله؛ لأنه مما أصله الخرص، فإذا خرجا من الخطار جاز.
وأما قسمته الفواكه بالخرص: فلا تخلو من أن تتفق الحاجة أو تختلف فيها.
فإن اتفقت الحاجة: فيمنع قولًا واحدًا، وإن اختلف الحاجة: ففي جواز قسمتها بالخرص قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو نص قول مالك في "المدونة" في "كتاب القسمة"، وقال: إنما مضى الخرص في النخل والعنب، وليس الخرص في هذا من عمل الناس.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أشهب في "المجموعة"، وهذا القول يؤخذ من المدونة من "كتاب العَرَايا"؛ حيث قال فيما سوى النخل
والعنب: إذا أعرى يجوز أن تشتري بخرصها، فإذا جوز أن تشتري الفواكه بخرصها إذا أعرت فما المانع من أن تقسم بالخرص إذا اختلفت الحاجة، وذلك ظاهر.
والجواب عن السؤال الثالث: في قسمة البقل: فلا تخلو من أن تتفق فيه الحاجة، أو تختلف.
فإن اتفقت فيه الحاجة: فلا إشكال، وإن اختلفت، فهل تجوز قسمته بالخرص أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، واحتج بأن مالكًا لم يجوز الخرص فيما يجوز فيه التفاضل مثل التفاح وغيره.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب أشهب في "مدونته"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا؛ لأن ابن القاسم إنما منع ذلك لعدم من يعرف الخرص، فإذا تحققت المفاضلة بين القسمين فما المانع من الجواز، وواحد [في ذلك] 1 باثنين جائز، وهو قول ابن القاسم في قسمة اللبن إذا اقتسما الغنم للحِلَاب على ما يأتي في فصله إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الرابع: في قسمة اللبن في ضُرُوع الماشية مثل أن يشتركا في ماشية فيقتسماها للحلاب، فيأخذ هذا غنمًا يحلبها، ويأخذ هذا مثلها يحلبها: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون ذلك على أن من هلكت الغنم التي بيده فلا يرجع في حِلَاب ما بيد صاحبه.
وإما إن هلك ما بيده من الماشية: لم يرجع فيما بيد صاحبه بشيء،
فإن ذلك لا يجوز، قولًا واحدًا؛ لأن ذلك مخاطرة وقمار.
فأما إن كان ذلك منهما على وجه المعروف، وفضل أحدهما الآخر على أنه إن هلك ما بيد أحدهما رجع فيما بيد صاحبه، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز -افترقا للحلَاب أو اجتمعا- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسمة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز -افترقا أو اجتمعا- وهو قول أشهب؛ لأنه لبن بلبن متفاضلًا، وهو لا يجيز قسمته محلوبًا تحريًا، فإذا فَضَّلَه فهو حرام.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل التفرق، أو بعده؛ فإن حلباه قبل التفرق: جاز إذا فَضَل أحدهما الآخر بشيء بين.
فإذا حلباه بعد التفرق: فلا يجوز؛ لأن ذلك طعام بطعام؟ وليس يدًا بيد، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه أجاز في [القسمة] 1 أن يأخذ أحدهما أقل من نصفها بالأمر البين، ويسلم الآخر بقيمتها، فانظر كيف جوز ابن القاسم قسمة اللبن على التحري، وهو مما يكال، ومذهبهم أن التحري لا يجوز في المكيل من الطعام؛ وإنما يجوز في الموزون في القليل، والكثير منه على قول، وأما في اليسير منه على رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
وأما [ما لا يجوز] 2 في المكيل من الطعام: فلا يجوز جملة، وهذا القول حكاه أبو الحسن بن القصار عن مالك في كتاب "عيون
الأدلة"؛ لأن بيع الجزاف بالجزاف من صنف واحد مخاطرة، وهو حرام، وإن كان ترابًا من أجل أن الميزان عندهم ربما يُعْدم في الأسفار والبوادي، والكيل لا يكاد يعدم، ولو كان بالألف، وبهذا فرق أكثرهم بين المكيل والموزون، وذلك فرق استئناس؛ لأن الكيل بمكيال غير الجاري، والكيل به ممنوع على مشهور المذهب؛ لأن ذلك مخاطرة، والمخاطرة فيه أشد من المخاطرة في التحري؛ لأن التحري معيار شرعي، وفي بعض الحالات يتوصل به إلى معرفة المقادير التي لا يمكن فيها الكيل والوزن [والحمد لله وحده] 1.
المسألة السابعة في الثمار إذا قُسِّمَت بعد الأصول على مَنْ يكون سَقيِها
مثل أن يقتسموا الأصول، وفيها ثمرة، وتركوا الثمرة ثم قسموها بعد زهوها لاختلاف حاجتهم في ذلك، فهل على كل واحد سقى نخله، وإن كانت ثمرته لغيره أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن السقي على صاحب الأصل، وإن كانت الثمرة لغيره، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن السقي على من له الثمرة دون صاحب الأصل كمن أوصى بالأصل لرجل، وفيها ثمرة مأبورة أو مزهية: فالسقي على ورثة الموصي بخلاف البيع، وهو مذهب سحنون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في القسمة هل هي بيع، أو تمييز حق، فمن رأى أنها بيع قال: السقي على من له الأصل كما لو باع الثمرة دون الأصل، فإن السقي على البائع ما دامت الثمرة متصلة بأصوله.
ومن رأى أنها تمييز حق، قال: السقي على من له الثمرة، فيقدر الأصل الذي وقع له في القسم كأنه لم يزل، وكأن هذه الثمرة التي صارت في أصول هذا لغيره كأنها لم تزل ملكًا لصاحبها الذي وقعت له في القسم، فكان السقى على صاحب الثمرة كما لو وهب له الثمرة، فإن السقى على الوهوب له؛ لأنَّ صاحب الأصول لم يمنع منه الثمرة، فيكون قد التزم له السقى.
وأما على قول ابن القاسم بأن القسمة بيع: فقد اعترضه بعض المتأخرين، وقال: إذا اقتسموا الأصول أولًا، فصار لهذا عشر نخلات،