كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وعدوانًا، وجحودًا، لكن يتبع الموهوب له، فإن كان عبدًا فأعتقه، فعلى قول أشهب لا يغرم قيمته، ويلزم على قول ابن القاسم أن يغرمها.
فاما إذا ادعى الغاصب هلاك ما غصب، فإن اتفقا على صفته، فهو ذاك، وإن اختلفا في صفته كان القول قول الغاصب على ما قدمناه.
فإن ظهر المغصوب بعد ذلك، فلا يخلو من أن يظهر [من] 1 عند الغاصب أو من عند غيره.
فإن ظهر من عند الغاصب، فلا يخلو من أن يكون الغاصب هو الذي أخفاه أم لا، فإن كان الغاصب هو الذي أخفاه لرغبته فيه وتحامله عليه بالغصب؛ لعلمه أن صاحبه لا يتبعه أصلًا ظنًا به، فلربه أن يأخذه ويرد ما أخذ من القيمة إذا علم ذلك من الغاصب، وسواء ظهر ذلك على وفق الصفة أو على خلافها.
فإن لم يعلم أن الغاصب أخفاه أو ظهر من عند غير الغاصب، فإن ظهر على وفق الصفة فلا إشكال، وإن ظهر على صفة هي أعلى مما وصف الغاصب، هل يرجع على الغاصب بتمام القيمة أو يرد ما أخذ، ويأخذ شيئه؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة.
أحدهما: أنه يرجع عليه بتمام القيمة، فكأن الغاصب وجبت عليه القيمة، فجحد بعضها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو أشهر الروايات.
والثاني: أنه يرد ما أخذ من القيمة ويأخذ عين شيئه إن شاء، وهكذا وقع في بعض روايات "المدونة"، وهي رواية أبي زيد، وأصبغ عن ابن القاسم في "المبسوط".
ووجه [القول بأنه يرجع بتمام القيمة ظاهر كما علل في الكتاب؛ لأن الحكم أوجب عليه القيمة، فجحد بعضها ووجه] 1 القول الثاني: أن القيمة إنما تجب على الغاصب بفوات الشيء المغصوب، فإذا حكم بها ثم ظهر، وانكشف أنه قائم، فالخيار للمغصوب منه بين التمادي على تتميم ذلك الحكم، أو نقضه ويأخذ عين شيئه؛ لانكشاف الأمر عن خطئه، وأنه وقع في غير محله [والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد] 2.
المسألة الخامسة فيمن غصب شيئًا ثم استحقه ربه وقد استهلكه الغاصب
ولا يخلو الشيء المغصوب من أن يكون مما يرجع إلى القيمة، أو مما يرجع إلى المثل.
فإن كان مما يرجع إلى القيمة، فإنه يرجع بقيمة ذلك ببلد [الغاصب] 1 يوم الغصب يأخذه بتلك القيمة أينما لقيه من البلد إن نقصت القيمة، أو زادت في غير البلد، ولا خلاف في ذلك.
وأما إن كان المغصوب مكيلًا أو موزونًا، فاستهلكه، فلا يخلو من أن يكون جزافًا [لا يعلم] 2 كيله أو مكيلته عرفت مكيلته.
فإن كان جزافًا لم يعرف كيله، فهو كالعروض يغرم قيمته يوم غصبه.
فإن قال المغصوب منه: أنا أغرمه من المكيلة ما لا شك أنه كان فيه.
هل له ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك له.
والثاني: أن ليس له ذلك.
والقولان نقلهما اللخمي، ولم يذكر قائلهما، فإن كان مكيلًا عرف قدر مكيلته، فلا يخلو من أن يكون ذلك الجنس من الطعام موجودًا أو غير موجود.
فإن كان موجودًا أو بأيدى الناس كثيرًا، فلا يخلو من أن يتغير سوق
ذلك الطعام أم لم يتغير سوقه، فإن تغير سوقه مثل أن يغصبه [في شدة] 1 ثم صار إلى رخاء، هل يغرم مثله أو قيمته؟ على قولين:
أحدهما: أنه يغرم مثله، وهو قول ابن القاسم وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يغرم قيمته، وهذا يتخرج على ما حكاه ابن شعبان أنه يغرم أعلى القيم؛ لأنه قد حرمه ذلك السوق.
فإن لم يتغير سوقه، فلا يخلو من أن يلقاه بالبلد الذي غصبه فيه , أو في غيرها، فإن لقيه بالبلد الذي غصبه فيه، [فإنه يغرم قدر ذلك الطعام مكيله قولًا واحدًا، فإن لقيه بغير بلد الغاصب، فأراد أن يغرم المثل هناك، هل يمكن من ذلك أم لا] 2 فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يُمكَّن من ذلك، وإنما له المثل في بلد الغصب، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن ذلك جائزًا له أن يأخذ [منه] 3 المثل أينما لقيه؛ لأن المكيل، والموزون لا تختلف أقداره، وهو قول أشهب.
فإن كان ذلك الجنس من الطعام غير موجود في ذلك الوقت، فالمذهب على قولين قائمين من المدونة.
أحدهما: أنه ليس له إلا مثل طعامه في الموضع الذي غصبه فيه إلا أن يصطلحا على أمر جائز، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن المغصوب منه بالخيار بين أن يصبر أو يأخذه بالقيمة الآن، وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف على الخلاف في السلم في الفاكهة إذا انقطع إبانها قبل أن يستوفي رب السلم كيله أو وزنه.
إلا أن أشهب قد ناقض أصله في مسألة السلم؛ لأنه قال هناك: "ليس له إلا رأس ماله، ولا يكون مخيرًا؛ لأنه يصير دينًا في دين"، فينبغي على قوله ألا يكون له إلا القيمة هاهنا؛ لأنه إذا كان له أن يتعجل القيمة، فرضي بأخذ المثل إذا وجد صار كناسخ القيمة في شيء إلى أجل [والحمد لله وحده] 1.
المسألة السادسة في غلات الشيء المغصوب في الضمان
وغلات الشيء المغصوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: غلة متولدة [عن الشيء المغصوب على هيئته وشكله، وخلقته، وهي الولد.
والثاني: غلة متولدة عنه] 1 على غير خلقته وهيئته وهي ثمر النخل، ولبن الماشية، وجبنها، وصوفها، وما أشبه ذلك.
والثالث: غلل [غير] 2 متولدة عن الشيء المغصوب، وهي الأكرية، والخراجات وما أشبه ذلك.
فأما ما كان متولدًا عنه على هيئته [وصفته] 3 وصورته، وهو الولد فلا خلاف بينهم أن على الغاصب رده مع الأم إن كانت الأم قائمة، وإن ماتت الأم كان مخيرًا بين الولد، وقيمة الأم.
وأما ما كان متولدًا عنه على غير خلقته وهيئته، فاختلفوا فيه على قولين:
أحدهما: أن ذلك للغاصب بالضمان لا يلزمه رده، وهذا القول حكاه ابن القصار عن مالك.
والثاني: أنه يرده مع العين المغصوبة مع القيام أو مثلها مع الفوات، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهي رواية أشهب، وعلي بن زياد عن
مالك.
وإن ادعى الغاصب ضياع الغلة لم يصدق؛ لأنه غير مأمون عليها، فإذا ظهر هلاكها، وأخذ الرقاب ربها لم يضمن ذلك الغاصب؛ لأنها ليست المغصوبة، وإن تلف الشيء المغصوب كان مخيرًا بين أن يضمنه قيمته، ولا شيء له في الغلة، وبين أن يأخذه بالغلة، ولا شيء له من القيمة.
وأما ما كان غير متولد عنه، فقد اختلفوا فيه على ستة أقوال:
أحدها: أنه يلزمه ردها جملة بلا تفصيل، وهي رواية أشهب، وعلي [بن زياد] 1 عن مالك، وهو قول ابن القاسم في المدونة في "كتاب الاستحقاق" في العقار، والحيوان، وفي "كتاب الجعل"، والإجارة في الحيوان.
والثاني: أنه لا يردها جملة بلا تفصيل، وهذا قول حكاه ابن القصار عن مالك -رحمه الله.
والثالث: أنه يغرم الغلة إن أكرى، ولا يلزمه شيء إن انتفع أو سكن أو عطل.
والرابع: أنه يلزمه الغرم إن أكرى أو انتفع، ولا يلزمه إن عطل.
والخامس: أنه يغرم غلة الزراع، والبقر، والغنم، والإبل، ولا يغرم غلة العبيد، والدَّواب، وهو قول ابن القاسم عن مالك على ما نقله اللخمي.
والسادس: التفصيل بين الحيوان، والأصول، فيغرم غلة ما لا يسرع
إليه التغيير كالدور، والعقار، ولا يغرم غلة ما يسرع إليه التغيير كالعبيد، والحيوان، وهو قول أحمد بن المعدل.
وسبب الخلاف: تعارض العمومين في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان" 1 وهو قول عام في كل من وجب عليه الضمان أن الغلة سائغة له بضمانه على عموم الخبر، وإن كان هذا الخبر واردًا [على سبب] 2 وهو الغلام الذي اختصما فيه عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[وقد رده المشتري بالعيب، فمكنه النبي - صلى الله عليه وسلم -] 3 من الرد ثم إن البائع طلب الغلة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان" 4.
إلا أن الأشهر عند الأصوليين أن اللفظ المستقل بنفسه إذا ورد على سبب أنه يجمل على عمومه، ولا يقتصر به على سببه.
والثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ظالم حق" 5 يريد أن الظالم هو الغاصب، ولا حق له في المغصوب لا غلة ولا غيرها.
[وقيل] 6 لعرقٍ بالتنوين [لا بالإضافة] 7، والعرق ما أحدثه الغاصب من بناء أو غرس أو حفر على ما يأتي بيانه في كتاب تحريم الآبار إن شاء الله.
فهذا الخبر أيضًا عام في كل ظالم، فمن رجح أحد الخبرين قال
بمقتضاه، ولا جرم، فإنه لم يخرج على منهاج الأصول إلا القولان المتقابلان لا غير.
وما عداهما من جملة الأقاويل بموضع الاستحسان جارية على غير قياس، وهذا كله إذا غصب الأصل.
وأما إذا غصب المنفعة دون الأصل، فإنه يرد الغلة قولًا واحدًا، سواء استغل أو استعمل أو عطل.
واختلف في الغاصب إذا رد الغلات، هل يرجع بما أنفق على العبد، والدَّابة، وبالسقى، والعلاج، على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه يرجع بذلك ما لم يجاوز الغلة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية".
والثاني: أنه لا يرجع بشيء من ذلك، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
والثالث: التفصيل بين أن يكون المغصوب منه ممن يتولى خدمة ذلك الشيء وعنايته أم لا؟
فإن كان ممن يتولى الخدمة بيده ويباشر السقى، والعلاج بيده، فلا شيء عليه في السقى، والعلاج.
وإن كان ممن عادته أن يستأجر على مثل ذلك دون أن يباشره بنفسه، فإنه يغرم السقى، والعلاج، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب" فيمن تعدّى على بقعة رجل فزرعها أو تعدى على زرعه فحصده.
ووجه القول بأنه لا شيء له من قيمة السقى والعلاج، أن السقى لا عين له قائمة، فأشبه خياطة الغاصب، فإن صاحبها يأخذها بلا غرم؛ لأن الخياطة مستهلكة العين، والمغصوب منه إنما يغرم ما لو قلع [فانتفع] 1
به.
ووجه القول الثاني بأنه يرجع بقيمة السقى والعلاج، أن الثمرة كأنها هي عين السقى؛ لما كانت عنه ألا ترى أن الأجير يكون أحق بها في التفليس؛ لأنه لما أخرجها بعمله، فكأنه باعها، فكان أحق بها في التفليس، وهو في الموت أسوة الغرماء، والثمرة على هذا كأنها هي السقى، فلهذا وجب ألا يأخذها المغصوب منه حتى يدفع أجر السقى والعلاج.
فإن كانت النفقة على ما لا غلة له كصغير لم يبلغ الخدمة أو دَابّة لم تبلغ أن تركب فأنفق عليه الغاصب حتى كبر، فالمذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه لا يرجع عليه الغاصب بشيء مما أنفق، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يرجع عليه بما أنفق؛ لأن ذلك مما لم يكن للمغصوب منه بد؛ لأن القصد بالإنفاق على ما له غلة ما ينال من غلته، فكان مقال الغاصب فيما نقلته نفقته من الصغر إلى الكبر أقوى منه فيما نما من الغلة، وهو قول أصبغ في الذي حصد زرع غيره، وقام عنه بالوظيفة بغير إذنه، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة في الذي ابتاع صغيرًا، فكبر عنده أو دابة عجفاء فسمنت [عنده] 1 أو [وديًا] 2 صغيرًا، فغرسه ثم استحق ذلك رجل أنه بالخيار بين أن يجيز البيع، أو يأخذ القيمة من المشتري؛ لأن الكبر فوت فمنع المستحق من أخذ الأصول لما نمت بنفقة المشتري، فإذا كان ذلك كان مقال الغاصب في النفقة في هذا الوجه أقوى منه في الغلة، فإن كان المغصوب عينًا، فاغتله بالتجارة فيها، أو كان طعامًا فاغتله بزرعه في
أرضه، فالغلة له [بضمانه] 1 قولًا واحدًا [في المذهب.
والحمد لله وحده] 2.
المسألة السابعة فيمن ادعى على رجل أنه غصبه، أو ادعت امرأة على رجل أنه استكرهها
أما الأول إذا ادعى عليه أنه غصبه، فلا يخلو المدعى عليه من أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون معروفًا بالخير، والصلاح.
والثاني: أن يكون مستور الحال.
والثالث: أن يكون مما يشار إليه بذلك، ولم يشتهر به.
والرابع: أن يكون معروفًا بذلك مشتهرًا به.
فأما الوجه الأول: إذا كان المدعى عليه معروفًا بالخير والصلاح، فإنه لا يمين على المدعى عليه.
وهل يؤدب المدعي أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يؤدب، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: [أنه] 1 لا يؤدب أصلًا، وهو قول أشهب.
وأما الحال الثاني: إذا كان المدعى عليه مستور الحال من أوسط الناس، فإنه لا يمين له عليه، ولا يؤدب المدعى بذلك.
وأما الحال الثالث: إذا كان ممن يشار إليه بذلك، وليس بمعروف به، فإن المدعى عليه يحلف، ولا يعاقب المدعي، فإن نكل المدعى عليه عن اليمين حلف المدعي واستحق.
وأما الحال الرابع: إذا كان معروفًا بذلك مشتهر به حلف، وضرب، وهُدِّد وسُجن، فإن تمادى على الجحود ترك، وإن اعترف بعد التهديد، هل يؤخذ بإقراره أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يؤخذ بإقراره سواء عَيَّنَ الشيء المدعى فيه أو لم يعينه؛ لأنه مكروه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القطع في السرقة".
والثاني: إن عَيَّنَ الشيء أخذ بإقراره، وإن لم يعينه لم يؤخذ به، ومعنى تعينه أن يدعي عليه أنه غصبه ثوبًا مثلًا، فأخرج ذلك الثوب [بعينه] 1 بعد الضرب، والتهديد.
والثالث: أنه يؤخذ بإقراره على كل حال جملة من غير تفصيل بين أن يُعَيِّن أو لم يُعَيِّن، وهو قول سحنون قال: ولا يعرف ذلك إلا من ابتلى به يريد القضاة، ومن شابههم.
قال: لأن ذلك الإكراه كان بوجه جائز، وإذا كان من الحق عقوبته [ضربه] 2 وسجنه لما عرف من حاله لم لا يأخذه بإقراره أو لا فائدة للتضييق عليه إلا لذلك.
قال: وإنما الإكراه الذي لا يؤخذ به ما كان ظلمًا أن يهدد، ويضرب من لا يجوز فعل ذلك به.
وقد أجمع المسلمون على أن من أسلم بعد القتال، والسيف أنه مسلم كالطائع بغير إكراه؛ لأنه إكراه بحق، ولو أكره ذمي على الإسلام لم يكن إسلامه إسلامًا إن رجع عنه، وادعى أنه إكراه؛ لأن الذّمة التي عقدت لهم تمنع من إكراههم على ذلك.
وأما الوجه الثاني: إذا ادعت امرأة أن فلانًا استكرهها، فلا يخلو من أن تكون لها بَيِّنَة على ما تَدَّعيه أم لا.
فإن كان لها بَيِّنَة على ما تَدَّعِيه، فلا يخلو من أن تعاين البينة الغَصب والإصابة، أو تعاين الغصب دون الإصابة.
فإن عاينت الغصب، والإصابة على حسب ما هو مشروط في الشهادة على الزنا، فإنه يغرم الصداق، ويقام عليه الحد.
فإن عاينت الغصب دون الإصابة مثل أن يحملها بمعاينة البَيِّنَة حتى دخل بها ثم خرج فتقول: وطئني، فإنه لا يحكم عليه حكم الغاصب إلا أنه يؤدب، وعليه للمرأة جميع الصداق.
وهل تحلف أم لا؟ قولان.
فإن لم يعاينوا الغصب، ولا الإصابة، وادَّعت عليه أنه استكرهها، وغاب عليها, ولا بَيِّنة لها على دعواها، فإن ذلك ينقسم على وجهين:
أحدهما: أنْ تَدَّعِي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك.
والثاني: أنْ تَدَّعِي ذلك على رجل متهم يليق به ذلك، وكل واحد من هذين الوجهين ينقسم على وجهين:
أحدهما: أن تأتي مستغيثة متعلقة به متشبثة به فاضحة لنفسها تدمى إن كانت بكرًا.
والثاني: أن تَدَّعِي ذلك من غير [أن تكون] 1 متشبثة به، ولا تدمى وهي بكر، فيأتي في جملة المسألة أربعة أقسام:
فأما الوجه الأول من القسم الأول: وهي أن تَدَّعِي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك، وهي غير متعلقة به.
فلا شيء على الرجل قولًا
واحدًا، أو تحد حد القذف، وحد الزنا إن ظهر بها حمل، وإن لم يظهر بها حمل، فهل تحد حد الزنا؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنها تحد، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم.
والثاني: أنها لا تحد، وهو الذي يأتي على [قول] 1 أشهب.
وهذا الخلاف ينبني على اختلافهم فيمن أقر بوطء أمة رجل، وادعى أنه اشتراها منه أو ادعى أنه تزوجها، فقد قال ابن القاسم: إنه يحد، وقال أشهب: إنه لا يحد.
وكذلك الحكم في المجهول الحال في هذا الوجه إذا كانت [هي] 2 مجهولة الحال، ولم تكن من أهل الصون، وأما إن كانت من أهل الصون، وكان مجهول الحال: فإنه يتخرج وجوب الحد للقذف عليها له على قولين؟ ويحلف بدعواها على القول بأنها لا تحد له، فإن نكل عن اليمين حلفت هي، وكان لها صداقها عليه.
وأما الوجه الثاني من القسم الأول: وهي أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك، وتأتي متعلقة به متشبثة قد بلغت من فضيحة نفسها: فإنها يسقط عنها حد الزنا في هذا الوجه، وإن ظهر بها حمل؛ لما بلغت من فضيحة نفسها.
واختلف هل تحد له حد القذف أم لا؟ على قولين:
[أحدهما] 3: أنها تحد حد القذف، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها لا تحد له حد القذف، وهو قوله في "الواضحة".
وعلى القول بأنها تحد له: فلا يمين لها عليه، وعلى القول بأنها لا تحد له: فيحلف على تكذيب دعواها، فإن نكل عن اليمين حلفت، واستحقت عليه صداقها، وهذا إذا كانت [ممن] 1 تبالي بفضيحة نفسها: فإنها تحد له، قولًا واحدًا.
وأما الوجه الأول من القسم الثاني: وهو أن تدعي ذلك على من يشار إليه بالفسق، ولا تأتي متعلقة به: فهذا الوجه لا يجب عليها فيه حد القذف للرجل، ولا حد الزنا لنفسها إلا أن يظهر بها حمل، ولا صداق لها، وينظر الإمام في أمره؛ فليسجنه ويبحث عن أمره، ويفعل فيه بما ينكشف له منه، فإن لم ينكشف في أمره بشيء: استحلف، فإن نكل عن اليمين: حلفت المرأة، واستحقت عليه صداق مثلها.
وأما الوجه الثاني من القسم الثاني: وهو أن تدعي [بذلك] 2 على من يشار إليه وتأتي متعلقة به متشبثة تدمى إن كانت بكرًا: فهذا الوجه يسقط عنها فيه حد القذف للرجل، وحد الزنا إن ظهر بها حمل، واختلف في وجوب الصداق لها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها يجب لها صداق مثلها، وهي رواية أشهب عن مالك؛ لأنه أوجب للأمة ما نقصها، فأحرى أن يجب للحرة صداق المثل.
والثاني: أنها لا يجب لها عليه صداق، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم.
والثالث: أنها يجب لها الصداق، وإن كانت حرة، ولا يجب لها شيء إن كانت أمة، وهو قول ابن الماجشون في "الواضحة".
وعلى القول بأنها يجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت بنفسها، هل يجب بيمين، أو بغير يمين؟ قولان:
أحدهما: أنها تأخذه بغير يمين، وهو قول أشهب.
والثاني: أنها لا تأخذه إلا بيمين، وهو قول ابن القاسم، وهو الأظهر عند أهل النظر.
فإن كان الرجل مجهول الحال لم يكن لها عليه صداق إن حلف، فإن نكل وحلفت: أخذت صداقها [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثامنة فيمن اشترى أرضًا أو غصبها فبنى فيها ثم استحقت
فإن غصبها وبنى فيها ثم استحقت: فالمستحق بالخيار؛ إن شاء ضمنها [قيمة] 1 أرضه، وإن شاء أمر بقلع بنيانه، ويعطيه قيمته [منقوضًا] 2، ويأخذه إن كانت له قيمة، على التحصيل الذي في أثناء الكتاب.
فإن اشتراها وبنى فيها: فقد قال ابن القاسم في المدونة: إن المستحق بالخيار؛ فإن أحب أخذها، وأعطى المشتري قيمة [بنائه] 3، وإن أبى قيل للباني: أعطه قيمة أرضه براحًا، فإن أبيا: كانا شريكين؛ هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة بنائه قائمًا، وهذا نص المدونة في المسألة.
والخلاف في المذهب في هذه الوجوه الثلاثة.
فإذا اختار أن يعطيه قيمة بنائه، هل يعطيه قيمة بنيانه أو ما زادت قيمته؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن عليه قيمة البناء قائمًا، وهو قول ابن القاسم [في المدونة] 4.
والثاني: أن عليه ما أنفق، لا القيمة، وهو [نص] 5 قوله في "العتبية".
والثالث: أن يعطيه ما زاد البناء على قيمة الأرض، وهو قول محمد ابن مسلمة، فإن لم يزد شيئًا، فلا شيء له.
والرابع: أن عليه [الأقل] 1 من قيمة البناء أو ما زاد.
فإن كان قيمته أقل: أخذها، [فكأنه] 2 قد أخذ قيمة سلعته، فإن كانت الزيادة أقل: لم يكن له غيرها؛ لأن الأرض أصل وصاحبها يقول: قيمة أرضي اليوم براحًا مائة دينار، وهي قائمة العين لم يذهب منها شيء، وقد كنت قادرًا على أن آخذ فيها ذلك الآن، فليس لك إلا ما زاد على المائة.
فإن اختار أن يضمنه قيمة الأرض، ويسلمها للباني، ولا يعطيه قيمة العمارة: فقد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أن الباني يعطيه قيمة أرضه من الآن، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن له قيمة أرضه يوم كان بني فيها، وهو قول أشهب في "المجموعة".
والأول أَبْيَن وأصح؛ لأن البناء لم يفوتها على صاحبها، وقد كان له أن يأخذها.
فإن امتنع المستحق من دفع قيمة البناء، هل يجبر على أن يأخذ قيمة أرضه، أو يكونا شريكين؟ أو رضي يأخذ قيمة أرضه، هل يجبر الباني على دفعها، أو يكونا شريكين؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الباني يمكن من دفع قيمة الأرض إذا طلب ذلك، أو أبى صاحب الأرض من دفع قيمة البناء.
والثاني: أن الباني لا يمكن من ذلك، ويكونا شريكين؛ لأن المستحق يقول له: أنت، وإن كنت بنيت بشبهة، فليس ذلك مما يوجب عليَّ أن أشتريه منك، أو أخرج لك من ملكي.
والقولان لمالك -رضي الله عنه.
ولا يختلف أنه لو وقع الثوب في قدر صباغ، ولم يرض صاحب الثوب بدفع قيمة الصبغ: أنه ليس لصاحب الصبغ أن يدفع قيمة الثوب جبرًا، فإذا لم يكن ذلك له مع كون ذلك من غير سببه، كان إذا كان ذلك من سببه، وهو كالمخطئ على [ملك] 1 غيره أبين ثم تكون الشركة بالأقل من قيمة البناء أو ما زادت القيمة، فإن استحق [نصف] 2 تلك الأرض، ودفع العوض عن البناء: كانت الشفعة في النصف الآخر.
فإذا لم يرض بأخذ البناء، وأخذ قيمة الأرض، هل تسقط الشفعة أم لا؟
على قولين، والصحيح: أنها تسقط إذا سلم الأرض المستحقة، وأخذ القيمة؛ لأنه قد باع ما يستشفع به، ولم يبق له في الأرض [شيء] 3.
فإذا كانا شريكين، هل تسقط شفعته أم لا؟ على قولين أيضًا، والصحيح: أنها لا تسقط شفعته، وأنها واجبة [له] 4؛ لأن الشفعة
تجب في الشيء الكثير بالجزء اليسير؛ لأنه قد بقى له من الأرض التي استحقها بشيء له يستشفع.
تم الكتاب، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله.
منَاهِجُ التَّحْصِيلِ وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ في شَرْحِ المدونةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا
تَأليف أبي الحسَنَ عَليّ بن سَعيد الرجْراجي
تَقديم فَضيلَة الشّيخ الأستَاذ الدكتور عَلي عَلي لُقَم
اعتَنَى بهِ أبو الفَضل الدّمَياطي أحمَد بن عَليّ
الجُزُء التَّاسِع
مَركز التّراث الثقَافي المغربي
دار ابن حزم
حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَةٌ الطبْعَة الأولى 1428هـ -2007م
ISBN 9953 - 81 - 431 - 7
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء - 52 شارع القسطلاني - الأحباس هاتف: 442931 - 022/ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هاتف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
منَاهِجُ التَّحْصِيلِ وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ في شَرحِ المدَوَّنَةِ وحَلَّ مُشكِلاتهَا
(9)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الاستحقاق