كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مُشكلات هذا الكتاب، وجملتُها اثنتى عشرة مسألة.
المسألة الأولى
قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد رحمهُ الله:
قال الله سبحانهُ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ.
. . .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
فأمرَ تعالى أن تُطلَّق النساء للعِدَّة، فكان ذلك نهيًا عن إيقاع الثلاثة في كلمةٍ واحدة، فإن أوقعها في كلمةٍ كانت لازمة، لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
وهي الرجعة فيما قال العلماء، فجعلها بائنة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة ولو لم تقع وتلزمهُ ما لم تفت الرجعة.
فدلنا سبحانهُ أنّ الطلاق سُنَّة وغير سُنَّة.
ومِن "المُدوّنة" قال سحنون: قلتُ لعبد الرحمن بن القاسم: أكان مالكٌ يكرهُ أن يُطلِّق [الرجل] 1 امرأتهُ ثلاثُ تطليقاتٍ في مجلسٍ واحد؟
قال: نعم، كان يكرهُهُ كراهيةً شديدة، ويقول: طلاقُ السُّنَّة أن يُطلِّق الرجل امرأتهُ تطليقةً واحدة، طاهرة، مِن غير جماع، ثُمَّ يتركها حتى يقضي لها ثلاثةُ قروء، ولا يُتبعها طلاقًا في ذلك.
فإذا دخلت في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد حلْت للأزواج وبانت من زوجها الذي طلَّقها.
فانظر إلى هذا العقد الذي عقدهُ مالك، رضي الله عنه، فقد جمع فيه من الفروع ما لا يستقصى شرحها، ولا يستوعب بسطه إلا في مجلدات مع اتساع الأزمان والأوقات، وذلك يدل على غزارة مالك رضي الله عنه، وذكاء عقله، وفصاحة لسانه، وجمع المعاني الكثيرة بعبارة وجيزة تدلُّ على الجزالَة، وكُلمَّا قرب لفظًا كان أفصح، وكُلمَّا اختصر البيان كان أوضح.
فنحن بحمد الله نُومئ إلى جُملة كافية ممَّا احتوى عليه قولُ الإِمام، ونشرحُ [منها] (1) ما يستدلُّ بها المُسترشد، ويهتدى بمنارهِ المقتصد، إن شاء الله، وبهِ أستعين.
فصل
2
وقوله في السؤال: كان مالك يكره أن يُطلق الرجل امرأتهُ ثلاثُ تطليقاتٍ، في مجلسٍ واحد.
. . . إلى آخره.
قال: وإنَّما حملهُ على السؤال ما علم مِن إجازة بعض العُلماء.
إيقاع الثلاث في كلمةٍ واحدة [وهو طلاق السنة عند الشافعي - رضي الله عنه - فأراد أن يسأل عن مذهب مالك في المسألة هل هو على وفق مذهب الشافعي أو على خلافه فبين له ابن القاسم أن مذهب مالك في إيقاع الثلاث في كلمة واحدة] 3 حرام.
وقال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الطلاقُ على وجهين: طلاق سنَّة وطلاقُ بدعة.
قال: ومعنى قولنا "طلاقُ السُنَّة" [أنه وقع] 4 على هذا الوجه،1
الذي ورد الشرعُ بإيقاعه عليهِ.
ومعنى وصفنا بأنَّهُ البدعة: أنَّهُ وقع على غير الوجه الذي ورد الشرعُ بإيقاعهِ عليهِ.
والبدعة في أصل الوضع: إحداث الشيء على غير مثال.
وقد اختلف العلماء في إيقاع [الطلاق] 1 الثلاث في كلمةٍ واحدة.
فذهب مالك - رضي الله عنه - إلى أنَّهُ بدعة.
وذهب الشافعي إلى أنَّهُ سُنَّة.
والدليل لمالك - رضي الله عنه - ظواهر الكتاب ونصوص السُنَّة.
فأمَّا ظواهرُ الكتاب، فقولهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 2، فلا يخلو [من] 3 أن يكون أمرًا بصفة الطلاق، فالأمر يقتضى الوجوب أو يكون إخبارًا عن صفة الطلاق الشرعى [وكلا الأمرين يقتضى ألا يكون الطلاق الشرعي] 4 على غير هذا الوجه.
وأما نصوص السُّنَّةَ: فما رواه مخرمة بن بكير [عن أبيه قال] 5: سمعت محمد بن لبيد، قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات [جميعًا] 6، فقام غضبانًا، ثُمَّ قال: يُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله، ألا أقتلُهُ 7.
خرّجه الترمذي.
وبهذا قُلنا أنَّ مذهب مالك [-رحمه الله-] 1 تحريم إيقاع [الطلاق] 2 الثلاث في كلمةٍ واحدة، وأنَّ الكراهة التي يريدها مالك [كراهة] 3 التحريم، فبعدَ وقوع الثلاث في كلمةٍ واحدة، هل يلزمُهُ الطلاق أو لا يلزمُهُ؟ بين العلماء خلاف.
[ومذاهب] 4 فُقهاء الأمصار: أنَّهُ يلزمُهُ ما أوقعهُ مِن الطلاق، وأنَّها لا تحِلُّ لهُ إلا بعد زوج.
وذهب بعض أهل الظاهر إلى: أنَّهُ لا يلزمهُ شىء مِن أعداد الطلاق، ويُروى ذلك عن الحجَّاج بن أرطأة، ومحمد بن إسحاق، وحكاهُ القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب في "الإشراف" عن بعض المبتدعة أنَّه يلزمُهُ طلقةٌ واحدة، وهو مذهب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومذهب ابن مسعود والزُبير بن العوَّام وعبد الرحمن بن عوف على ما نقلهُ أحمد بن محمَّد بن مغيث، وذكر أنَّ ذلك روايتهُ عن ابن وضَّاح، وهو مذهب ابن عباس - رضي الله عنه - أيضًا وعنهم أجمعين.
[وقال] 5: قال ابن عباس قولهُ [ثلاثةُ] 6 [لا معنى له] 7 لأنَّهُ لم يُطلِّق ثلاث مرات، وإنَّما يجوز قولهُ: في ثلاثة، إذا كان مُخبرًا عن ما مضى، فيقول: طلَّقتُ ثلاثًا، يُخبر عن ثلاثة أفعال كانت منهُ في ثلاثة أوقات، كرجلٍ قال: قرأتُ أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك
يصحُّ، فلو قرأها مرةً واحدة فقال: قرأتها ثلاث مرات، كان كاذبًا.
قال: وكان مِن حُجَّة ابن عباس - رضي الله عنه - أن الله تبارك وتعالى [بيَّن] 1 في كتابهِ لفظ الطلاق، فقال عزَّ وجل:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يُريد أكثرُ الطلاقِ الذي يُمكن [بعده] 2 الإمساك بالمعروف: وهو الرجعة في العدَّة.
ومعنى قولُهُ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يُريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضى عدَّتُها، وفي ذلك [إحسانٌ] 3 إليه وإليها، إن وقع الندم منهما، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
يريدُ الندم على الفُرقة والرغبة في الرجعة.
وموقع الثلاث غيرُ [حسن] 4، لأنَّهُ ترك [للمندوبة] 5 التي [وُسِّعَ] 6 بها ونُبِّهَ عليها، فذكر الله تعالى لفظِ الطلاق مُفرقًا يدلُّ [على أنه] 7: إذا جَمَعَ فهو لفظٌ واحد.
وقال [العتبى] 8 في إلزام المذهب واستقراء مذهب المبتدعة مِن "المُدوَّنة" وقد تخرَّج لنا من غير ما مسألة مِن المُدوَّنة ما يدلُ على ذلك.
فمنهُ قولُ الإنسان: مالى صدقة في المساكين، أنَّ الثُلُث يُجزؤهُ مِن ذلك قال: ولو ذهبنا إلى ذكرِ ذلك لطال الكتاب وخَرَجَ عن حدِّ
الاختصار.
قلتُ: هذا منهُ جنوح إلى مذهب المُبتدعة، أنَّ الطلاق الثلاث في كلمة واحدة أنَّهُ يلزمُهُ واحدة، فقاس ذلك على مَنْ حلَّف بصدقة مالهِ أنَّهُ يلزمُهُ الثُلُث.
وقاس ذلك أيضًا على أحد القولين فيمن حَلَفَ بالأيمان بالطلاق أنهُ تلزمهُ [تطليقة] 1 واحدة.
وهو قول الشيخ أبى عمران الفاسي، وأبى الحسن بن القابسي، وأبى بكر بن عبد الرحمن القُروي.
وخالفهم في ذلك أبو محمَّد بن أبي زيد فقال: يلزمُهُ ثلاث تطليقات.
وهذا الذي ذكرهُ العُتبى إلزام بارد وقياس فاسد.
ورُبَّما احتجَّ مَنْ قال بأنَّها واحدة بما خرّجهُ البخاري ومُسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاقُ على عهد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وصدرًا مِن خلافة عمر - رضي الله عنهما -، طلاق الثلاث واحدة، فقال عُمر: لقد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيهِ أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاهُ عليهم 2.
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن إسحاق عن عِكرمة عن ابن عباسٍ، قال:
طلق ركانة زوجته ثلاثا في مجلسٍ واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كيف طلّقها [ثلاثًا] 3 في مجلسٍ واحد؟ وقال: إنما تلك طلقةٌ 4، فارتجعَهَا 5.
وقد احتجَّ مَن انتصر للمذهب المشهور بأنَّ حديث ابن عباس الواقع في الصحيحين، إنَّما رواهُ عنهُ مِن أصحابه طاووس، وأنَّ جملة أصحابه، رَوَوْا عنهُ لُزوم الثلاث منهم سعيد بن جُبير ومجاهد وعطاء وعَمْرو بن دينار وجماعة غيرهم.
وأنَّ حديث ابن إسحاق وَهَمٌ، وأنَّ ما رواهُ الثقة أنَّ ركانة طلق زوجة البتة، لا ثلاثًا.
وأنَّ ابن طاووس أيضًا، قد رَوَى عن أبيهِ عن ابن عباس خلافَ ذلك.
قال القاضى أبو الوليد الباجي - رضي الله عنه -: وعندى أنَّ الرواية عن ابن طاووس بذلك صحيحة، وقد رَوَى عنهُ الأئمة معمر وابن جُريج وغيرهم، وابن طاووس إمام، وأبوه طاووس إمام، والحديث الذي يشيرون إليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وصدرًا مِن خلافة عمر - رضي الله عنهما -، إنَّما وقع فيهِ الوَهَم في التأويل، ومعنى ذلك: أَنَّهم كانوا يواقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات.
ويدُلُ على صحة هذا التأويل أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: إنَّ الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيهِ أناة [وأنكر عليهم في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة] 1 فلو كان ذلك حالُهم في أول الإِسلام أن يُطلقوا ثلاثًا وفي زمنِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قالَهُ، ولا عاب عليهم أنَّهم [قد] 2 استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيهِ أناة.
ويدلُّ على صحة هذا التأويل ما رُوى عن ابن عباس مِن طريقٍ أنَّهُ أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة.
فهذا معنى حديث ابن طاووس عندي.
قال: وإنْ حُمل حديث ابن طاووس على ما يتأوَّل فيه مَنْ لا يُعبأ بِقولهِ فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة، وانعقد بهم الإجماع.
وسبب الخلاف بين مَنَ ألزم الثلاث، وبين مَنْ قال: "تلزمُ طلقة [واحدة] (1) "، هل الحكم الذي جعلهُ الشرع مِن البينونة والطلاق الثلاث يقعُ بإلزامِ المُكلَّف لنفسهِ، هذا الحكمُ في طلقةٍ واحدة أو ليس يقعُ ولا يلزم مِن ذلك إلا ما ألزم الشرع؟
فمن شبَّهَ الطلاقُ بالأفعال التي يُشترط في صحَّةِ وُقوعها كوّن الشُروط الشرعية فيها، كالنكاح والبيوع قال: لا يلزم.
وَمَنْ شبهها بالنذور والأيمان التي لزم العبد ما التزم منها لزمه على أي صفةٍ كان، ألزمَ الطلاق كيفما ألزمه المُطلِّق نفسهُ.
فكأنَّ الجمهور غلَّبوا حكم التغليظ في الطلاقِ، سدًا للذريعة، والله أعلم.
فصل
وقولُهُ: طلاقُ السُنَّة: أن يُطلِّق الرجل امرأته تطليقة واحدة احترازًا مِن مذهب مَن يقول أنَّ طلاق السُنَّة أن يُطلِّقها ثلاثًا في كلمةٍ واحدة، وقد قدَّمنا أنَّهُ مذهب الشافعى، وربَّما استدلَّ على ذلك: بقصة [عويمر] 2 العجلانى حين لاعن زوجته، ثُمَّ قال: كذبتُ عليها إن أمسكتها يا رسول الله، فطَلَّقَها ثلاثًا قبل أنْ يأذن لهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - 3.1
قال: فلو كان بدعة ما أقرَّهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ لا يُقرّ أحدٌ على منكر، واعتذر أصحابُنا عن هذا الحديث بأنَّ المُتلاعنين عندهُ [قد] 1 وقعت الفُرقة بينهما بنفس التلاعُن، فصار الطلاقُ الذي أوقعهُ واقعًا في غير محلِهِ لأنَّهُ صادق محلًا فارغًا، ولم يتصف لا بِسُنَّة ولا ببدعة.
وهذا أظهرُ من قولِ المخالف.
وقولُهُ: طاهرًا، احترازًا مِن أن تكون حائضًا، فإن طلَّقها وهي حائضٌ، فلا يخلو مِن أن تكون مدخولًا بها أو غير مدخولٌ بها:
فإن كانت مدخولًا بها: فلا يخلو مِن أن يكون الطلاق بائنًا أو رجعيًا:
فإن كان بائنًا: فالزوج مأثوم، ولا يُجبر على الرجعة، لأنّ الطلاقَ في الحيض محظور.
فإن كان الطلاقُ رجعيًا: فلا يخلو ذلك مِن أن يكونَ باختيار الزوج أو بغير اختياره.
فإن كان ذلك باختيار الزوج: فإنَّ إيقاع الطلاقِ لا يجوزُ لهُ باتفاق المذهب.
والأصل في ذلك: نهيُهُ - صلى الله عليه وسلم - عن إيقاع الطلاق في الحيض، ولذلك أمَرَ عُمر أنْ يُجبِّرُ وَلَدَهُ عبد الله بن عمر على الرجعة حين طَلَّق في الحيض واختلف أصحابُنا: هل ذلك شرع مُعلَّل أو شرعٌ غيرُ مُعلَّل؟
فمنهم مَنْ ذهب إلى أنَّهُ مُعلل [ومنهم من ذهب إلى أنه غير معلل] 2، ويُستقرأ من المُدونة أنَّهُ غيرُ مُعلَّل، مِن قولهِ في الكتاب: إذا رأت المرأة القَصَّة البيضاء، ولم تجد الماء، قال: لا يجوزُ لهُ أنْ يُطلِّقها
حتى تغتسل، لأى شيء يمنعُ من الطلاق حينئذ، وليس في ذلك تطويل عدَّة، وهو موضع استقبل فيهِ العدة.
فلو كانت العلَّة في ذلك: تطويلٌ [العدة] 1، كما صار إليه الجمهور لجاز للزوج أن يُطلقها وهي حائض إذا رضيت بذلك، لأنَّها قد أسقطت حقَّها.
[والأصول] 2 [موضوعة على الحكم] 3 فإذا عُلِّلَ بحق آدمي، فإنَّه يَسقط إذا أسقط الآدمى حقَّه.
وعلى القولِ بأنَّهُ مُعلَّل، فقد اختلف شيوخ المذهب في العِلَّة ما هى؟
فمنهم مَن يقول أنَّ: العلةَ فيه، تطويلُ العِدَّة عليها، لأن مِن شرط العدَّة: أن تكون عُقيب الطلاق، فإذا طلَّقها وهي حائض فإنَّها لا تبتدئ العدَّة إلا بعد الطُهر مِن تلك الحيضه، وقد مرَّ عليها زمانٌ بعد الطلاق، ولم يُعد لها [فيه] 4 عدَّة.
وإلى هذا صار الجمهور مِن الأصحاب.
وهذه العلَّة تنتقض بما ذكرناه: فيما إذا أراد أن يُطلِّقُها إذا رأت القصة البيضاء قبل أن تغتسل، وهو طلّقها في موضعٍ تعتدُّ فيه.
ومنهم مَنْ ذهب إلى أن العلة في ذلك التلبيس عليها في كونها لا تدرى، هل عدَّتُها بالأقراء أو بوضع الحملِ؟ لأنَّ الحامل تحيض.
وهذا أضعف من الأوَّل، لأنَّ ذلك يُؤدى إلى أنْ لا يُطلِّقُها بعد طُهرِها، لاحتمال أن تكون حاملًا، والحاملُ تحيض.
ومنهم من يقول: العِلَّةُ في ذلك: ما يُدخُله الزوج على نفسه مِن الشُّكُوك والتلبيس فيما [يريد] 1 مِن نفى الولد إذا أتت به، إذ لا يُدرى ولا يُتحقق إنْ كان منه أو مِن غيره، فلا يجوز لهُ الإقدام على النفى على هذا الوجه، فإذا طهَرُت مِن حيضَتها ثُمَّ طلقها قبل أنْ يمسَّها: فقد طلَّق مُستبرأة، على ظاهر الأمر فيهما فإن أتت بولدٍ ساغ لهُ النفى وتقوى لهُ نفسُهُ عليهِ باستبرائه، وهذا أيضًا مِن الطراز الأول.
فإنْ نزل وزلَّ بأن أوقع الطلاقُ في الحيض، فلا خلاف عندنا أنَّ الحاكم يُبادِرُهُ بالأمر بالرجعة في الحال، فإن امتثل [فهو] ذلك.
فإن أبى وامتنع، قال أشهب: فإنَّ السلطان يُهدِّدُهُ، فإن أبى سجنَهُ، فإن أبى ضربهُ، ويكونُ ذلك كُلّهُ قريبًا ولا تُجعل فيه أناة، لأنَّه مُقيمٌ على معصية، فإن غلب على ذلك أجبرهُ السُلطان على رجعتها، وحكمَ عليه بها، ولا خلاف عندنا في المذهب في ذلك.
ثُمَّ لا يخلوا الزوج إذا حكمَ عليه السُلطان بالرجعة مِن أن يكونَ لهُ نية لها أم لا:
فإن كانت له نيِّة في الرجعة التي حكم عليه بها، فلا خلاف في المذهب بِثُبوت أحكام الرجعة بينهما في التوارث والاستمتاع وغيره.
فإن لم تكُن لهُ نية، فهل يجوز البقاءُ معها والاستمتاع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: جواز البقاء معها وثبوت أحكام [الزوجية] 2 بينهما، وهو ظاهر "المُدوّنة".
والثاني: أنَّهُ إذا انقضت عِدَّتُها، ولا نيَّة لهُ في الرجعة، لم يجز لهُ وطئها، ولا أن يبقى معها، وهذا القولُ حكاهُ أبو العباس المغيثى عن بعض المتأخرين في وثائقه، وهذا القولُ أشبهُ بأصولِ المذهب، وإلا كيف تصحُّ لهُ الرجعة ويُباح لهُ الاستمتاعُ في أمرٍ أُكرهَ عليه ولا نيَّة لهُ فيه؟
فما وجدت لهذه المسألة نظيرةً في المذهب، إلا ما قال في "كتاب الوضوء" من "المُدوّنة" في المُسلم إذا كانت زوجتهُ كتابيّة حيث قال: يُجبرها علىَ أن تغتسل مِن الحيض، ولا يجبرها على الغُسل مِن الجنابة، لجواز وطئها وهي جُنُب، فانظرْ كيف جوّز لهُ الوطء وهي مجبورة على الاغتسال، والزوج في مسألتنا أيضًا مجبورٌ على الرجعة، والمجبورُ لا نية له، إذ الجبر يُنافى الاختيار، ولاسيَّما مع عدم النية مِن الزوج في حين الرجعة، ومِن الزوجة في حين الاغتسال.
اللهم إلا أنْ يكونَ بنى الحُكم فيها على أحدِ الأمرين:
إمّا على أنّ الرجعة لا تفتقر إلى نيَّة، وهو قولُ ابن وهب فيما إذا وطيء الزوج في العِدَّة، ولم ينوِ بذلك الرجعة، فهي عندهُ رجعة وهو قولٌ شاذٌ في المذهب.
أو على أنَّ رفعَ الحدث الأكبر لا يفتقر إلى نيَّة، وهذا ممَّا لا أعرف فيه في المذهب نصَّ خلاف، وإنَّما الخلاف الشاذ في الوُضوء [يلزم في الغسل من الحيض] 1. وإمَّا على أنَّ نيَّة الزوج تنوبُ عن نية الزوجة في الاغتسال، ونيَّة السلطان تنوبُ عن نيَّة الزوجُ في الرجعة.
ومثلُ هذا غير معهود [في الشريعة] 2، وربُك أعلم.
فإن غفل عنهُ حتى خرجت مِن العدَّة، وطهُرت مِن الحيضة، فلا خلاف أيضًا أنَّهُ يجبر.
فإن غُفل عنهُ حتى طهرت مِن الحيضة الثالثة، وحصلت في الطُهر الذي أُبيح لهُ فيه الطلاق، لو جُبر على الرجعة أول ما طلق، هل يُجبرُ على الرجعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُجبرُ على الرجعة، ما لم تر أول [دم] 1 الحيضة الثالثة، وهو قولُ ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يُجبر على رجعتها، لأنَّها انتهت إلى وقتٍ لو شاءت أن يُطلقها فيهِ لطلَّقَها، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: أمرهُ - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عُمر - رضي الله عنهما - بالرجعة [حين الطلاق وخيره بين الطلاق والإمساك في الطهر الثاني هل يفهم منه أن الجبر على الرجعة] 2، وإنَّما يكون ما لم تطهر مِن الحيضة الثانية، أو يُفهم منهُ أنَّهُ يُجيرُ على الرجعة ما دامت العدَّة قائمة.
فإذا طلَّقها بعد ما رأت القصَّة البيضاء وقبل أن تغتسل، فهل يُجبر على رجعتها [في عدتها] 3 أم لا؟ فالمذهب يتخرَّج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يُجبر على الرجعة، وهذا القولُ منصوص لبعضِ المتأخرين.
والثانى: أنَّهُ يُجبر على الرجعة، وهذا القولُ يتخرَّج على المُدوّنة مِن قولهِ: لا يُطلقُها إلا حيثُ يقدِرُ على وطئِها، وأن حُكمها قبل الاغتسال
حُكم الحائض، وأنَّ ذلك بقية مِن الحيض.
وجمهور المذهب على: أنَّها على حُكم الحائض حتى تغتسل، ولاسيما [على القول] 1 بأنَّ النهى عن الطلاق في الحيضِ غيرُ مُعللٍ.
فلو كانت مسافرة، ورأت القصَّة البيضاء، ولم تجد الماء فتيمَّمت، قال مالك في "المدونة" وغيرها: يجوز لزوجها أن يُطلِّقها لجواز الصلاة لها، وقال بعض المتأخرين: سواءٌ صلَّت أم لم تُصلِّ بعد التيمُّم لهُ طلاقُها.
ولا يُقال في هذا أنَّ التيمم قد انتقض لمَّا صلَّت، فلا يُطلِّقُها، وهل يُباح لهُ أن يطأها بطهارةِ التيمُم أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يجوز لهُ أنْ يطأها بالتيمم، وهو قولُ ابن شعبان في "كتاب الزاهى" قال: لأنَّ التيمُم يُبيحُ الصلاة، فكذلك الوطء، وهو ظاهر "المُدوّنة"، في قوله: لا ينبغى لهُ أنْ يطلقها إلا وهو يقدِرُ على جماعها، فإذا أباح لهُ الطلاق بالتيمم كان الوطء مُباحًا أيضًا.
والثانى: أنَّهُ لا يجوزُ لهُ أنْ يطأها بطهارة التيمم، وأنَّ التيمم لا يرفع الحدث، وإنَّما هو فعلٌ يُستباحُ به الصلاة، والوطء يحتاج ألا يقع إلا بعد [زوال] 2 الحدث.
وسبب الخلاف: الحائض بعد انقطاع دمِ الحيض وقبل الاغتسال، هل حُكمُها حكم الجُنب أو حُكمها حُكمُ الحائض؟
فإذا أُجبر على الرجعة بفور ما طلَّق ثُمَّ طهرُت مِن تلك الحيضة التي طلَّقها فيها، فأراد أنْ يُطلِّقها في الطهر، فلا خلاف في المذهب أنَّهُ لا
يجوز أن يُطلق.
واختلف في علَّة ذلك، فقيل: العِلَّة في ذلك أنْ يُعاقب بنقيض مقصودِهِ، فكما أوقعَ الطلاقُ في غير وقتهِ، مُنع منهُ في وقتهِ.
وقيل: العلة في ذلك [أنه إنما أجبر] 1 على الرجعة ليطأ لا ليُطلِّق.
فإن طلَّقَ قبل أن يطأ، كان قد طلَّق بطلقتين في طُهرٍ واحد [وذلك ممنوع] 2.
وإن طلق بعد أن وطئ كان ذلك مكروهًا أيضًا، لأنَّهُ قد طلَّق في طُهرٍ قد مس [فيه].
فإن اختلفا: فقال الزوج: قد طلَّقتها، وهي طاهرة، وقالت المرأة: بل طلقنى وأنا حائض، فالمذهب على قولين قائمين مِن المُدوَّنة:
أحدهما: أنَّ القول قول الزوج، لأنَّهُ مُدَّعٍ للحلال، وهو قول ابن القاسم في العُتبية، وهو ظاهر قولُهُ في "المدونة"، في "كتاب السلم الثاني" إذا اختلفا، فقال أحدُهما: لم نضرب للسَّلم أجلًا.
والثانى: أنَّ القولُ قولها لأنَّها مؤتمنة على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 3 فقيل: هو الحمل والحيض، وهو قول سحنون في "السليمانية"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب إرخاء السُّتور" فيما إذا ادعت أن زوجَها وطئها وهي حائض أو مُحْرِمة أو صائمة حيث قال: القول قولها.
وقال القاضى أبو بكر بن العربى: ومعنى ذلك: إذا اختلفا بعدما طَهُرت، وأمَّا إذا ادعت ذلك قبل أن تُقر بالطُهر: فالقولُ قولها على كُلِّ حال.
وقلتُ: ولا تحتاج إلى نظر النساء [إليها] 1، لأنَّها مأمونة على الحيض في زمانه، ومُصدَّقة فيما تدعيه منهُ في وقتهِ.
والجواب عن [الوجه] 2 الثاني: إذا كان الطلاقُ بغير اختيارٍ من الزَّوج، كالطلاق الذي يكونُ مِن قِبَل السلطان، في مثل المجنون والمجذوم والعنِّين والمؤلى والمُعسِر بالنفقة بعدَ الأجل والمتلوم والمرأَة الحائض أو النُفساء فإنَّهُ: لا يُعجِّل السلطان بالطلاق في شىءٍ من ذلك حتى تطهر المرأة مِن حيضها إلا الموَّلى.
فإن أخطأ السلطان فطلَّق عليهم في ذلك في تلك الحالة، فقال الشيخ أبو الحسن اللخمى: لا يلزم الطلاق، بخلاف طلاقِ الزوج نفسهُ، لأنَّ القاضى في هذا كالوكيل على [الصفة] إذا فعل غير ما وكل عليه قال: ولو أنَّهُ لو أُجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثُمَّ تُطلَّق عليه أخرى إذا طهرت [فتلزمه تطليقتان] 3، وفي هذا ضررٌ إلا [على] العنين فإنَّهُ يمضي عليه الطلاق لأن الطلقة بائنة لكونها قبل البناء.
وما قالهُ الشيخ صحيحٌ مسلمٌ لهُ إلا تشبيهُ السلطان بالوكيل، فذلك غيرُ مُسلَّمٌ مِن أجل أنَّ الوكيل على صفة متوقف على ما رسمه الأمير، ولا سبيل له إلى غيرهِ، كان مُباحًا أو محظورًا، والسلطان مُتوقف على ما رسمهُ الشرع فلا يتعدَّاهُ
إلى غيره.
فإذا أخطأ وزلَّ وأوقعَ الحكمَ في غير محلهِ، فانظر:
فإن كان مما يُتلافى [ويُستدرك] 1 [رد] 2 فعله.
وإن كان ممَّا لا يُتلافى، كحكمه بالطلاق في الحيض وغيره على ما ذكرنا: كان ينبغى أن يمضي حكمه ولا يرد.
أصل ذلك: لو طلق الزوج نفسه في الصورة المفروضة، فإنَّهُ: طلاقٌ واقعٌ [ولا يرد] 3، والله أعلم.
وأما المؤلى: إذا حلَّ أجل الإيلاء، ووافقتْهُ امرأتُهُ وهي حائض، هل يحكم عليه بالطلاق [أو ينتظر بها حتى تطهرُ؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوّنة" في آخر "كتاب الإيلاء":
أحدهما: أنَّهُ يعجل عليه بالطلاق] 4 في الحال مِن غير انتظار، وهو قولُ ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ ينتظر حتى تطهرُ مِن حيضتها، وهو قول أشهب.
وسببُ الخلاف: تقابل المكروهين، وذلك أنَّ الطلاق في الحيضِ مكروهٌ والزيادة على ما أحل الله تعالى [وحدَّه] 5 مكروهة.
فمن غلَّب أحد المكروهين على الآخر، حكَمَ [بِحُكم] 6 الترجيح.
وأما الأنكحة الفاسدة: فلا يخلو فسادها مِن وجهين:
أحدهما: أن تكون مما يرجع إلى حقِّ الولى أو ممَّا يرجع إلى حقِّ الله تعالى:
فإن كان مما يرجع إلى حق الولى كالنكاح الموقوف على إجازة [الولى] 1 أو ردِّهِ.
فإن اختار الرد، والمرأة حائض: فلا إشكال أن الحاكمَ لا يعجل عليهِ بالطلاق، حتى تطهر من حيضتها، غير أنَّ الزوجَ يُحال بينه وبين الاستمتاع منها بما يُستمتع بَمِثلهِ مِن الحائض.
فإن كان فساده مما يرجع إلى حق الله تعالى مما يُفسخُ قبل البناء وبعده، كنكاح الخامسة أو الأُخت مِن الرضاع: فإنَّهُ يُفسخ قبل البناء وبعدهُ.
وإن كانت المرأة حائضًا، وإن كان الفسخُ ممَّا يحتاط [فيه] 2 بتطليقه، وهو قول ابن المواز.
قال الشيخ أبو إسحاق: فيما يفسخ بعد الدُخول بطلاق: وإن كانت المرأة حائضًا فصواب، لأنَّا لا نُجيز إقرارَهُ ولا التمادى [عليه] 3 ولا الوطء فيه، فصار إيقاع الطلاق [منه] 4 في الحيض لا ضرر فيه على المرأة، لأَنَّا لا نبيحُ للزوج فيهِ وطئًا ولا التمادى على هذا النكاح.
وكذلك ما يُفسخ قبل البناء كالنكاح الفاسد لأجل صداقه: فإنَّهُ يجوز أن يُفرَّق بينهما، وإن كانت حائضًا، ولا يختلف ابن القاسم وأشهب في
ذلك كما يختلفان فيما إذا طلّق قبل البناء في النكاح الصحيح، وهو الوجهُ الثاني مِن أصل التقسيم.
إذا كان ذلك قبل البناء، وأراد الزوج أنْ يُطلقها وهي حائض فهل يجوز لهُ إيقاع الطلاق عليها وهي حائض أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يجوز لهُ أن يُطلِّقُها [وإن كانت حائضًا] 1، وهو قولُ ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يجوز لهُ أنْ يُطلِّقُها حتى تطهرُ كالمدخولِ بها، وهو قولُ أشهب.
وسبب الخلاف: النهى عن الطلاق في الحيضِ، هل هو مُعلَّل أو غيرُ مُعلَّل؟
فمن رأى أنَّهُ مُعلَّل [بتطويل العدة] 2، فجوز الطلاق إذا كان قبل البناء، وإن كانت حائضًا لعدم العِلَّة.
ومن رأى أنَّهُ غير مُعلَّل، قال: لا يجوز الطلاق.
قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: فالخلاف يتخرج في [الحامل] 3 المدخول بها إذا كانت حائضًا، هل يجوز أن تُطلَّق في الحيض؟ على قولين:
قال ابن شعبان: يجوز أن تُطلَّق، ويتخرج فيه قولٌ [ثانٍ] 4 أنَّهُ
لا يجوز كما قال القاضى وسببُ الخلافِ ما تقدَّم.
وقولُهُ: مِن غير جماعٍ: احترازًا مِن أن يُطلقها في طُهرٍ قد [جامعها فيه] 1.
وقد اختلف في علةِ ذلك.
فمنهم مَنْ يقول: أنَّ ذلك تلبيس على المرأة، حتى لا تدرى هل تُعتد بوضعِ الجمل أو بالأقراء؟ وهذا باطلٌ، لأنَّ العِدَّة لا تفتقر إلى نيَّة وهي [تنتظر] 2 في المستقبل.
فإذا رأت حيضًا أتَمَّت عليهِ، وإن ظهرَ الحملُ [انتظرت] 3 الوضع.
ومنهم مَنْ يقول: العلة في ذلك كوْنِ الزوج لَبَّس على نفسهِ فيما يُريد مِن نفى الولد، فإذا طلَّقها مُستبرأةً كان على بصيرةٍ، مما يريد مِن نفى الولد.
وهذا كُلُّهُ إذا كانت الزوجة مِمن تحيض.
وإن كانت مِمن لا تحيض مِن صِغَرٍ أو كِبرٍ، فإنَّهُ يجوز أن يُطلقها في طُهرٍ قد مسَّ فيه.
وقوله: ثُمَّ يتركها حتى تمضى [لها] 4 ثلاثة [قروء] 5 ولا يتبعها في ذلك طلاقًا، احترازًا مِن أن يُطلقُها عند كُل طهرٍ، طلقة، وهو طلاقُ السنَّةُ عند أبى حنيفة.
وقد اختلف المذهب عندنا، هل يجوز للزوج أن يُطلقها عند كُلِّ طهرٍ طلقة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يجوز.
والثانى: أنَّهُ جائز، وهو قولُ أشهب، وهو تفسيرُ مالك لقراءة ابن عمر [في الموطأ] 1: "فطلقوهن لقبلِ عدتهنَّ" 2.
وقال مالك: فيما رواهُ يحيى بن يحيى، وهو أن يُطلِّق في كُلِّ طهرٍ طلقة، وقد أنكر هذا على يحيى، إذ ليس بمذهب مالك ولم يروه غيره، وطرحهُ ابن وضَّاح، وإن ما في موطأ ابن القاسم: فتلك العدَّة أَنّ يطلق الرجلُ المرأة في طهرٍ لم يمس فيه.
والمذهب المشهور الذي عليه الجمهور أنَّ: ذلك لا يجوز، لأن الطلقة الثانية والثالثة لا عدَّة لها.
وكُلُّ طلاقٍ يُتصوَّر في مدخولٍ بها ولم تعقبهُ العدَّة فهو بدعة، وعليه [ينبنى قول] 3 توزيع الطلقات الثلاثة على الأقراء الثلاث.
خلافًا لقول ابن مسعود ومَن تابعهُ مِن أهل المذهب.
وما تقدَّم هو المذهب الصحيح، وهو مُطابقٌ للقُرآن: قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 4 أي: في موضع يعتدون منهُ، فالطلقة الثانية والثالثة لغير عدَّة.
وقولُهُ: فإذا دخلت في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد حلَّت للأزواج وبانت مِن زوجها الذي طلقها.
وهذا ردٌّ على مَنْ يقول مِن أهل المذهب: إنَّها لا تحلُّ حتى تستمرَ الحيضة.
وقد استوعبنا الكلام فيها، وفي الأقراء [هل] 1 هى الأطهار، في "كتاب إرخاء الستور" [ولا نزيد] 2 عليه.
بالله التوفيق [والحمد لله وحده وصلى الله على محمَّد نبيه] 3.
المسألة الثانية
فيما يحلُّ للزوج من زوجته قبل أنْ يسترجعها إذا طلقها طلاقًا رجعيًا
[و] 1 لا خلاف أنَّهُ لا يجوزَ له مباشرتها إذا لم يقصد بذلك رجعتها، ولا النظر إليها متجردة، وهل يجوز لهُ الدخول عليها والنظر لها في العِدَّة؟
[فالمذهب] على ثلاثة أقوال كُلّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ لا يجوز له الدخول عليها، ولا التلذذ منها بنظرة ولا بغيرها، حتى يُراجعها، فإن كان معها في البيت فلينتقل عنها، وهذا القول الذي رجع إليه مالك رحمه الله.
والثانى: أنَّهُ يجوز لهُ الدخول عندها والأكل معها، إذا كان مِمن يتحفظ بها، ولا يتلذَّذ منها بشىءٍ لا بنظرة ولا [يقربها] 2 ولا ينظر إلى شعرها، ولا إلى شىءٍ من محاسنها، ولا ينظر إلى وجهها إلا كما ينظر إليه الأجنبى.
وهو ظاهر قولُ ابن القاسم في "المُدوَّنة" حيثُ قال: ليس لهُ أن يتلذَّذ منها بشىءٍ، وإن كان يُريد مراجعتها حتى يُراجعها.
وهذا يدلك على الذي أخبرتُك أنهُ كره أن يخلو معها [أو يرى شعرها] 3 أو يدخُل عليها حتى يُراجعها.
وهذا ظاهر، لأن الدخول عندها والخُلوة معها، ذريعة إلى النظر [إلى] 4 شعرها.
والقول الثالث: أنَّهُ يجوزُ لهُ أن يتلذَّذ منها بالنظر، وإن لم يرتجع، وأنَّهُ يجوز لهُ النظر إلى شعرها وإلى معصميها [وإلى ساقيها] 1. وهذا تأويل الشيخ أبى الحسن اللخمى على "المُدوّنة" مِن قول ابن القاسم وليس لهُ أن يتلذذ منها بشىءٍ ثم قال: وهذا يدلُّك على الذي أَخبرتك أنهُ كره أنْ يخلو معها، ويرى شعرها، فرأى أن: يتلذذ منها بالنظر إليها، في القول الذي جوز لهُ الدُخول عليها والأكل معها.
والذي قالهُ ظاهر، لأن إباحة الدُخُول عليها يُشعِر بإباحة النظر إلى شعرها وإلى أطرافها، لأنَّ العادة أنَّ المرأة إذا استخلت في بيتها وحدها: فإنَّها تكون فضلًا بادية الأطراف.
وأمَّا غيرُهُ مِن الأشياخ، كأبى القاسم بن محرز وغيرهُ من حُذّاق المتأخرين: فإنَّهم أبوا عن ذلك، وقالوا: لا يصح دخول الخلاف في التلذُذ بها والنظر إلى شعرها، وإنَّما الخلاف في الدُخولِ عليها والأكل معها خاصة، ولاسيَّما وقد شرط في القول بإجازة الدُخول عليها أن يكون عندها مَنْ يتحفظ وكيف يتمكَّن مِن الالتذاذ والنظر إلى المحاسن مع حضور [القريب] 2.
وهذا الذي قالوهُ أيضًا ظاهر المُدوّنة إلا أنَّ الذي عليه الفُتيا: لا يجوزُ النظر إلى شىءٍ من ذلك، حتى يُراجع، لأنَّ ذلك مُحرّم بالطلاق.
وسببُ الخلاف: الحماية، هل تحمى أو لا تحمى؟، إذ لا خلاف عندنا أنَّ الذريعة تُحمى.
واختُلف في حمايتها هل تُحمى أو لا تُحمى؟
فمن رأى أنَّها تحمى، قال: يُمنع الزوج مِن الدخول عليها، لأنَّ الدُخولَ عليها ذريعة إلى النظر إليها والالتذاذ بها، والنظر والالتذاذ ذريعة إلى الإلمام بها.
فمن رأى أنَّ الحماية لا تُحمى، قال: بجواز الدخول عليها.
وهذا أصلٌ بديعُ بُنيت عليه فُروع كثيرة ينبغى للطالب أن يتفطَّن له، والوقوف على حقيقته، فإنَّهُ مِن أخفى الخفيات، ورُبما نزيدُ لهُ الوضوح والبيان في "كتاب الآجال" بما هو أبلغ مِن هذا، إن شاء الله.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثالثة
في المُعتَّدات:
والعدة ضربان: طلاق ووفاة.
والمُعتدات مِن طلاق ينقسمن إلى حرائر وإماء:
فالحرائر ينقسمن إلى حوامل وحوائل:
فأمَّا الحوامل: فأجلهن الوضع بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
والحوائل ينقسمن إلى القواعد والحُيَّض:
فالقواعد عدَّتهن ثلاثة أشهر، بلا خلاف، وسواءٌ كانت قاعدة لصِغَر أو قاعدة لكبر [لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
والحيض منهن ينقسمن] 1، إلى من لها عادة مطردة، وإلى مَنْ عادتها مضطربة:
فالتى عادتها مُطَّردة تتربَّص لِنفسها ثلاثة قُروء، بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
والتي اضطربت عادتها وما اطَّردت، فيختلف الدم عن عادتها، فلا يخلو تخلُّفهُ مِن أن يكون لِعلة أو لريبة:
فإن تخلف الدم لِعلَّة: فإنَّها تنتظر حتى تزول تلك العلة: ويُعاودها الدم أو تمرُّ بها سنة بيضاء بعد زوال العلة:
وأما الرضاع فلا خلاف.
وأمَّا المرض على الخلاف بين ابن القاسم وأشهب.
[لأن ابن القاسم] 1 وعبد الله بن عبد الحكم وأصبغ، قالوا: عدَّتها سنة في حالِ مرضها، إذا لم تر حيضًا، وفرّقوا بينها وبين المُرضع: لأن المريضة لا دم عندها أصلًا، والمُرضع عندها دم إلا أنَّهُ استحال [لبنًا] 2.
وأشهب يُساوى بين المريضة والمُرضعة في انتظار الدم، بعد ارتفاع العِلَّة أو تمر بها سنة بيضاء [بعد زوال العلة لا دم فيها] 3.
فإن كان التخلف لريبة، فلا تخلو تلك الريبة مِن أن تكون بتأخير الحيض أو بالحسِّ والحركة، فإن استبرأتْ بالتأخير أو لكونها مُستحاضة، وكانت ممن لا [تمييَّز] 4 لها بين دم الحيض ودم الاستحاضة: فقد اختلف المذهب فيها على خمسةِ أقوال كلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّها تنتظر ثلاثة أشهر، لأنَّهُ أدنى ما يَظهرُ فيه الحملُ في البطن إنْ كان، وهو نص قول ابن القاسم في "المستحاضة" في أول "كتاب الاستبراء" مِن "المُدونة"، وهو ظاهر قولُهُ أيضًا في "المستبرأة" في "كتاب العِدَّة":
إذا تزوجها في عدَّة وفاة، حيث قال: يبرئُها مِن الأوَّل أربعة أشهرٍ وعشرًا، فظاهرُهُ: لو كانت عدَّتها مِن طلاق، لكانت الثلاثة أشهر [تبريها إذ لا يجوز لها في الوفاة الاقتصار دون الأربعة أشهر] 5 وعشرا، وهو
اختيار الشيخ أبى الحسن اللخمى - رضي الله عنه -.
والثانى: أنَّ عدتها أربعة أشهر [وعشرا] 1؛ لأنَّهُ أدنى ما يتحرك فيهِ الولد في البطن إن كان، وهذا القولُ يُؤخذ مِن المسألة التي ذكرناها في الوفاة، حيث قال: أربعة أشهرٍ وعشرًا تبرئها، وهو مَرْوىٌ عن مالك - رضي الله عنه -.
والثالث: [أنها تتربص] 2 إلى ستةِ أشهر، وهو أدنى أمد الحمل في النادر: ثلاثة أشهر استبراء وثلاثة أشهر عِدَّة، وهو قولُ الداودى، وهو ظاهرُ "المُدوّنة" مِن غير ما موضع.
والرابع: أنَّها تنتظر إلى تسعة أشهر، وهو نصُّ "المدوّنة".
والخامس: التفريق بين [المُرتابة] 3 والمُستحاضة:
فالمستحاضة: بثلاثة أشهر.
و [المرتابة] 4: بسنة، وهو ظاهر قولُهُ في [أول] 5 "كتاب الاستبراء" لأنَّهُ قال فيه: في المستحاضة إذا لم تبرئُها ثلاثة أشهر، انتظرت إلى تسعة أشهر كالمسترابة، فجعل المُسترابة أصلًا، ولابُدَّ لها مِن تسعةِ أشهر، ولأَنَّ السنة فيها وردت أيضًا بقولِ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو نصُّ قولُ الغير في "كتاب العدَّة" مِن "المُدوّنة" إلا أنَّهُ جعل هو الاستحاضة أصلًا والمُسترابة فرعًا.
فعلى القول: أنَّ العِدَّة والاستبراء يتداخلان، فيحملهما المقدار
المذكور.
وعلى القول: بأنَّهما لا يتداخلان، فلابد مِن [زيادة] 1 ثلاثة أشهر على كل قول فتكونُ الثلاثة الأشهر عدَّة، وما قبلها اختبار.
وسببُ الخلاف: بين الستة الأشهر والتسعة، هل النظر إلى أمد الحملِ في الغالب أو النظر إلى أمدِ الحمل على الجُملة وإن كان نادرًا؟
ومثارًا لخلاف بين التسعة والثلاثة: اختلافهم في الريبة التي ذكرها الله تعالى في كتابهِ، هل المُراد [بها] 2 ريبة ماضية أو ريبة مستقبلة؟
فالريبة الماضية: هى ريبة الصحابة رضي الله عنهم في الحُكم، وذلك أنَّ الله تعالى بيَّن حُكم ذوات الحمل، وبيَّن حكم ذوات الحيض وبين حكم القواعد، فاسترابوا في حُكمين، وهو أحسن وأمَّا الريبة المُستقبلة: لا يدرى هل تحيض أو لا تحيض.
ومَن حملها على الريبة الماضية، كما هو مشهور مذهب مالك رضي الله عنه، فيقول: عِدَّتها ثلاثةُ أشهر.
وَمَن حملها على الريبة المُستقبلة: فينبغى أن تُنتظر الريبة حتى تذهب الريبة أو تنتهى إلى سنِّ مَن لا تحيض، كما هو مذهب الشافعى [رضي الله عنه] 3.
و [أما] 4 مالك رضي الله عنه فقد عكس الحُكمَ في ذلك على مشهور مذهبه، إذ لم يُطابق مذهبهُ تأويل الآية.
فإنَّهُ قد فهم من اليائسة هنا: مَن يُقطَع على أنها ليست مِن أهل الحيض، وهذا لا يكوَن إلا مِن
قبلِ السنِّ.
ولذلك جعل قوله "إن ارتبتم" راجعٌ إلى الحكم لا إلى الحيض.
أي إن شككتم في حُكمهن.
ثُمَّ قال في التي تبقى تسعة أشهر [و] 1 لا تحيض [وهى في سن من تحيض] 2 أنَّها: تعتدُّ بالأشهر.
وأمَّا إسماعيل القاضى وابن بكير مِن أصحاب مالك: فذهبوا إلى أنَّ الريبة هاهنا هى الحيض، وأنَّ اليائس في كلام العرب: هو ما يُحكم عليه بما [يسبق] 3 منهُ بالقطع.
فطابقوا [بتأويل الآية] 4 مذهبهم الذي هو مذهب مالك، ونعم ما فعلوا، لأنَّهُ: إنْ فُهم مِن هاهُنا أنَّ اليأس: القطع، فقد يجبُ أن تنتظر الدم وتعتدُّ بِهِ، حتى يكونَ في هذا السِّنِّ أعنى سن اليأس.
فإن فُهم مِن اليأس: ما لا يُقطع بالقنوط، فيجبُ أن:
تعتدَّ التي انقطع دمها عن العادة بالأشهر، إذ هى في سنِّ مَنْ تحيض، وهو قياس أهلُ الظاهر: لأنَّ اليائسة في الطرفين، ليس هى عندهم مِن أهل العدة [لا] 5 بالأقراء ولا بالشُهُور.
وأمَّا مثار الخلاف بين القول بالثلاثة الأشهر، والقولُ بالأربعة فإنَّهُ: يرجعُ إلى الظُهور والحركة أيُّهما أقوى.
فمن نظر إلى أنَّ الحركة أقوى، لما في الظهور مِن الريبة: أن يكون
ذلك ريحًا فينفش أو لا يظهرَ أصلًا [قال بالأربعة] 1.
ومَن نظر إلى تحديد الشارع هذا القول في الثلاثة الأشهر: فجعلها بدلًا مِن ثلاثةِ قُروء، اعتمدها وقال بها.
ومَن فرق بين المستحاضة والمُسترابة فيهِ: فيقول:
المُسترابة أصل بنص قولِ عمر رضي الله عنهُ، و [المستحاضة] 2 حملها بتمييز الدم إن أمكن، لا يُحكم الشرع كما هو أصل عند [أهل الأصول] 3.
وأمَّا [المسترابة] 4 بحس بطن وبحركة في بطنها، فالمذهب [فيها] 5 على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّها تنتظر إلى أربع سنين، وهو قوله مالك في "كتاب العدَّة"، وفي "كتاب العِتق الثانى" مِن "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّها تنتظر إلى خمسِ سنين، وهو قولُ ابن القاسم في "كتاب العدة".
والثالث: أنَّها تنتظر إلى سبع سنين، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا لاستدلاله بامرأة العجلانى، وهو قولٌ منصوصٌ عليه في "المذهب" [وهى رواية أشهب عن مالك في المدونة] 6.
والقول الرابع: أنَّها تنتظر أبدًا، حتى تذهب الريبة عنها أو تضع،
وهو قولُ أشهب [عن مالك وقال أصبغ] 1: إذا جاوزت الخمس: فقد احتيط لها، وينزل على [أنها] 2 ريح.
وهذا الخلاف: لا مُستند له في الأدلة الشرعية، وإنَّما ينبنى على الاستحسان واعتبار القياس المصلحى الذي اعتمدهُ مالك، وهو قياسٌ ضعيفٌ عند الأصوليين لم يعتمدهُ إلا مالك رضي الله عنه، على ما ذكرهُ أبو المعالى.
وهذا كله إذا لم تذهب الريبة قبل ذلك فترجع إلى حكم المرتابة بتأخير الحيض.
فإن ذهبت الريبة قبل تمام السنة في [عدة] 3 مِن طلاق تربَّصت إلى إتمام السنة.
وإن كانت مِن وفاة تربَّصت إلى [حكم] 4 أربعة أشهر [وعشرا] 5.
إلا أن يكون ذهاب ريبة الحمل بعد السنة في الطلاق، وبعد أربعة أشهرٍ وعشرًا في الوفاة، [فتحل] 6 مكانها، وإن ذهبت ريبة الحمل ورأت الحيض رجعت إلى أحكام الحيض.
وأمَّا الإماء: فينقسمن إلى معتدَّة مِن طلاق أو مُعتدَّة مِن [وفاة] 7 سيدها:
فالمعتدة من طلاق: هى كالحرة في جميع ما [تقدم] 1 حرفًا حرفًا إلا في الأقراء: فإن الأمةَ فيها على النصف مِن الحُرَّة.
غير أنَّ مالكًا قال: يستكمل على الأمة حيضتان، لأنَّ الحيضة الواحدة لا تتبعض.
وذلك منهُ جنوحٌ إلى أن الأقراء: هى الحيض، كمذهب العراقيين.
وإلا فعلى مذهبه، أنَّ الأقراء: هى الأطهار، ينبغى أن تكون عندهُ الأمة في الطلاق قرءٌ ونصف قرء، لأنَّ الطهر [مما] 2 يتبعض.
والاعتراض بذلك على المذهب واقعٌ جدًا.
وأمَّا المعتدَّة مِن [سيدها] 3: كأُم الولد يعتقها سيدها أو أعتق أمة كان يطأها، هل ذلك عِدَّة أو استبراء: فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوّنة" في "كتاب العدة".
وأما [المعتدات] 4 من وفاة: فينقسمن إلى حوامل وحوائل:
فالحوامل: هل يحلهن الوضع أو لابد مِن أقصى الأجلين؟ فالمذهب على قولين حكاهما أبو عبد الله المازرى في المذهب.
والمشهور أنَّ الوضع يحلهن.
وسبب الخلاف: تعارض العمومين:
عموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلهنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهنَّ﴾.
وعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234].
إلا أن حديث سبيعة الأسلمية عضَّد أحد العمومين، فرجَّح على الآخر به [على] 1 مشهور المذهب [والحوائل: حرائر وإماء] 2.
وأمَّا الحرائر فعلى ضربين: مدخولٌ بِهنَّ وغيرُ مدخولٍ بهنَّ:
فغيرُ المدخول بهنَّ عليهن [العدة] 3 أربعة أشهرٍ وعشرًا، على أيِّ صفةٍ كانت المعتدة منهنَّ، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية.
والإحداد على جميعهنَّ إلا الكتابية، ففيها قولان منصوصان في "المدوّنة":
أحدهما: [أن عليها الإحداد] 4، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّها لا إحداد عليها، وهو قولُ ابن نافع.
وسبب الخلاف: الكفار، هل هم مُخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
وينبنى الخلاف أيضًا على اختلافهم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحلَّ لامرأةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاث ليال إلا على زوج فإنَّها تحدَّ أربعة أشهر وعشرًا"، هل خرج ذلك مخرج الغالب أم هو مقصورٌ على المؤمنات دون المُشركات [و] 5 الكتابيات؟
فأمَّا المدخولُ بهنَّ: فلا يخلو حال المعتدة منهنَّ من ثلاثة أوجه:-
أحدها: أن يمر بها زمان حيضتها في عدتها [فحاضت] 6، فهذهِ لا
خلاف أنَّها تحلُّ بانقضاء أربعة أشهر [وعشرا] 1.
والثانى: أنْ تنقضى عدَّتها قبل أن يأتى [عليها] 2 زمان حيضتها، كالتى تحيض من خمسة أشهر إلى خمسة أشهر، فهل تُحلُّ بانقضاء العدّة أو تنتظر الحيضَة؟ قولان:
أحدهما: أنّها تحل ولا تنتظر الحيض، وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور وهو ظاهر المُدوّنة.
والثانى: أنَّها تنتظر الحيض ولا تحلُّ بها، وهو قولٌ ضعيف، عزاهُ أهل المذهب إلى ابن كنانة.
والوجه الثالث: أن يمر عليها زمان حيضتها، فرفعتها حيضتها [فلم تحض] 3، فلا يخلو من أن يكون لعذرٍ أو لغير عذر:
فإن كان ذلك لعُذر: فإنَّها تحلُّ بانقضاء العِدَّة مِن غير اعتبار بالحيضة إن كان الرفع لأجل [الاعتراض] 4 بالرضاع [بالاتفاق] 5.
أو لأجل المرض: على الخلاف.
فإن كان ارتفاعها لغير عُذرٍ، فالمذهب فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ عدتها أربعة أشهر وعشرًا، كانت مستبرأة أو مستحاضة.
والثانى: أنَّها تنتظر ستة أشهر.
والثالث: أنَّها تنتظر تسعة أشهر.
والرابع: التفصيل بين [المسترابة والمستحاضة] 1:
فالمرتابة: لابدّ لها من تسعة أشهر.
ومثارُ الخلاف: ما تقدَّم.
وأما الإماء: فلا يخلو مِن أن تعتد من وفاةِ زوج أوْ مِن وفاة سيد:
فإن كانت العدَّة من وفاة زوج: فعدتها شهران وخمس ليال مع الإحداد فإن كانت العدة مِن موت السيد: كأُم الولد، يموت عنها سيدها فالمذهب على أن عدّتها حيضة واحدة.
وهل عليها الإحداد أو لا إحداد عليها؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدونة":
قال في موضعٍ منها: لا تبيتُ إلا في بيت سيدها، ولها السُكنى على الورثة حتى تحل، وظاهر هذا [يعطى] 2 أنَّ عليها الإحداد.
وأن حكم هذه الحيضة حُكم العدَّة، وقد نصَّ في "المُدوّنة" على أنَّ هذه الحيضة عِدة لها، لأنَّهُ قال: فيما إذا غاب سيدها ثُمَّ حاضت بعدهُ حيضًا كثيرًا ثُم مات، فقال: لابُدَّ لها مِن استئناف حيضة، لأنَّها لها عدة.
وقال في موضع آخر: لا إحداد عليها.
وسبب الخلاف: هل حُكم هذه الحيضة، حُكم العدَّة، أو حُكمها حكمُ الاستبراء؟ [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الرابعة
في أم الولد إذا مات زوجها وسيِّدها، [ولا يعلم أولهما موتًا]
قلتُ: أرأيت أم الولد إذا مات سيدها وزوجها، ولا يُعلم أولهما موتًا، ما عِدَّتها في قول مالك؟
قال ابن القاسم: عدّتُها أربعة أشهر [و] 3 عشرا، مع حيضة في ذلك لابدَّ منها.
قال سحنون: وهذا إذا كان بين الموتين أكثر مِن شهرين وخمسُ ليالِ، وأمَّا إن كان بين الموتين أقل مِن شهرين وخمسِ ليالٍ: اعتدَّت أربعة أشهرٍ وعشرًا [فقط] 4. فهذا نصُّ المسألة في "المُدونة".
وقد اضطربت آراء المتأخرين في تأويل هذه المسألة وتنزيلها على وِفق مذهب ابن القاسم، واختلافهم في الحيضة: هل تلزمها أو لا تلزمُها؟
فمنهم مَن قال: لا [تلزمها] 5 الحيضة أصلًا، كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ أو أقل، ويكفيهما في الأمرين: أربعة أشهر وعشرًا مِن آخرهما موتًا إلا أن تتأخر حيضتها في الأربعة الأشهر والعشر لغير عُذرٍ، فتُقيمُ إلى تسعةِ أشهر [من آخرهما موتًا في كلا الأمرين.
فإلم يأت وقت حيضتها حتى مضت لها أربعة أشهر وعشرا كفاها ذلك] 6،
على مذهب ابن القاسم.
وانتظرت [الحيضة] 1 على مذهب ابن كنانة حتى يأتى أو يمضي عليها تسعة أشهر.
وهذا تأويل الشيخ أبى إسحاق التُونسى [قال] 2:
وبيان ما قُلناهُ: أنَّهُ إذا كان بين الموتتين أقل مِن شهرين وخمسِ ليالٍ.
فإن قدَّرنا أنَّ الزوجَ مات أولًا: كان عليها شهران وخمسُ ليالٍ إنْ حاضت فيها، فإن لم تحض فثلاثة أشهر.
فإن لم يأت وقت حيضها في الثلاثة الأشهر: حلَّت، على قولٍ، وانتظرت تسعة أشهرٍ على قولٍ.
إلا أن تحيض قبلها، ثمَّ لا عِدة عليها من السيد؛ لأنَّها: لم تحل لهُ بعد.
فإن قَدَّرنا أنَّ السيِّد مات أولًا: فلا عِدَّة عليها منهُ، لموتهِ وهي تحت زوج، ثمَّ عليها عِدّة زوجها: أربعة أشهرٍ وعشرًا، عدَّة حُرَّة.
فإن لم يأت وقتُ حيضتها فيها: حلَّت عن ابن القاسم وانتظرت تسعة أشهرٍ عند غيرهِ.
فإن كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ:
فإن قدَّرنا أنَّ موت الزوج أولًا: فعدَّتُها شهران وخمسُ ليالٍ على ما تقدم، مِن أن تحيض أو تأخرت الحيضة، فلا تكرار.
فإن قدّرنا أنها قد حلَّت للسيد بعد موت الزوج بحيضة حاضتها في الثلاثة الأشهر أو تمضى ثلاثة أشهر، ولم يأت وقت حيضتها على قول ابن القاسم، ثُمَّ مات السيد بعدَ أن حلَّت له: فإنَّها تجبُ عليها [حيضتان.
فإن لم تحض فثلاثة أشهر.
فإذا جعلنا عليها من يوم مات الآخر أربعة
أشهر وعشرا من الحيضة التي تجب عليها] 1 لموت السيِّد بعد أن حلَّت لهُ، إذ تأخير الحيض إنما يجب عليها ثلاثة أشهر فقط.
فإن قدرنا أن السيد مات أولًا: فلا شيء عليها مِن عِدَّة السيِّد، لأنَّهُ مات وهي تحت زوجٍ.
فإن مات الزوج بعد ذلك: فعليها عِدَّة الحُرَّة أربعة أشهر وعشرًا.
ومنهم من سلك مسلك التقسيم، فقال: لا يخلو [أمر] 2 هذهِ [الأمة] 3 مِن أن تكون عادتها، أن ترى الحيض في مقدار هذه الأشهر أو لا تراهُ إلا بعدها:
فإن كانت مِمن لا ترى [الحيض] 4 إلا بعد الأشهر: فلابد لها مِن الحيضة بعد أن تعتد بالأربعة الأشهر والعشر مِن يوم مات الآخر منهما، إذا لم يُعلم متى مات الزوج.
وإن كانت ممن ترى الحيض في مقدار تلك الأشهر التي تعتدُّ بها:
فإن رأتها فيها: أجزأت عنها.
فإن لم ترها فيها: بلغت إلى تسعة أشهرٍ، عِدَّة [المُسترابة] 5 من آخرهما موتًا، وناب لها ذلك عن الأمرين جميعًا، لأنَّها مسترابة مِن نكاح، والتسعة أشهر تنوب عن استبراء الملك.
فلو كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ، وادّعت أنَّها لم
تحض في تلك المُدَّة، أرادت أن تُسقط عن نفسها العدَّة مِن سيدها، لأنها تكون بزعمها: إذا لم تحض، لم تحل للسيد: فإن سُمع ذلك منها في حياة سيِّدها صُدِّقت الآن وإلا لم تُصدَّق، لأنّها تُتهم إذا لم يُسمع ذلك منها، أنْ تُسقط عن نفسها ما لزمها مِن الاعتداد للسيِّد في حق الحُكم الظاهر لغالب العادة: اعتبارًا بما قالهُ مالك فيمن طلَّق زوجتهُ فأقامت مدة طويلة، فزعمت أنَّها لم تحض إلا حيضة واحدة، وقد مات الزوج، فقال مالك: إن كانت تذكر [ذلك] 1 في حياتهِ صُدِّقت وإلا لم تُصدق، فاتهمها على طلب الميراث، لمَّا كان الظاهر مِن أمرها أنَّها قد بانت قبل موتهِ.
ومنهم مَن قال: يتخرج ما قاله في هذه المسألة على رواية ابن وهب عن مالك في كتاب [الاستبراء] 2 في التي ارتفع دمُها مِن الإماء أنَّ عليها تسعة أشهرٍ إذا بيعت.
وأمَّا على قول ابن القاسم الذي يُبرئها بثلاثة أشهر: فلا حيضة عليها.
وإن كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ: وذلك أنَّهُ إذا كان موتُ الزوج أولًا: فتكونُ الحيضة عليها بعد موت السيد إذ موتُهُ بعد الشهرين وخمسِ ليالٍ: فهي [من] 3 آخر الموتتين تستقبل أربعة أشهرٍ وعشرًا كما بيناهُ.
فهذه الأربعة الأشهر والعشر التي تستقبلها، إنْ عدمت فيها الحيضة فقد زادت [على ثلاثة أشهر التي تبرئها عند ابن القاسم إذا لم تر الحيضة فتستغنى عن الحيضة على قوله وصريح مذهبه وأما الجواب الذي أجابه