كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إذا عُطِفَا على واحد، فالمراد بذلك اثنين، كقوله: اليوم ونحوه، والبريد ونحوه؛ إذ لا يصلح أن يريد المتكلم بذلك بعض يوم.
وإن [عُطِفَا] 1 على الجُملة، فإنه لا يُحمل على أن المراد به عدد المعطوف عليه، وإنما أراد الزيادة عليه ما لم يكون عدد [مثل] 2 عدد المعطوف [عليه] 3 أو [نصفه] 4.
وغاية ما قال فيه بعض الأشياخ: الثلث، وهكذا ذكر القاضي أبو الفضل رحمه الله.
إلا أن الذي قاله يحتاج إلى [عرف لغوي] 5 أو عُرف شرعى فإن عري عنهما كان تحكمًا، فظاهر قوله: الخمسة، وما [قرب] 6 والذي [قرب] 7 من الخمسة 8: اثنان؛ فتكون سبعة، مثل الذي نص عليه في "كتاب الوضوء"، وظاهره أن الثمانية في خير الكثير، وهذا وجه استقراء الشيخ رضي الله عنه.
والقول الثاني: أن أقله عشرة أيام، وهي رواية الأندلسيين عن مالك، ورواية أصبغ عن ابن القاسم.
[والرابع] 9: وهو قول محمَّد بن مسلمة أن أقله خمسة عشر يومًا، وهذا القول [أظهر] 10 في النظر وموافق للأثر؛ لأن الله تعالى جعل
عدة الحرائر ذوات الأقراء في الطلاق: ثلاثة قروء بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 1.
وجعل عدة اليائسة [من] 2 ثلاثة أشهر فقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 3، فجعل بإزاء كل شهر قرء، ولا تصح هذه الموازاة والمقابلة إلا على القول بأن [أقل] 4 الطهر خمسة عشر يومًا؛ لأن أكثر ما قيل في أقل الطهر [خمسة عشر يومًا] 5، وأكثر ما قيل في أكثر الحيض خمسة عشر يومًا فجاءت القسمة على [الموازاة] 6 في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن إحداكن تمكث نصف عمرها أو شطر عمرها لا تصلي" 7 وما عداه من الأقوال لا حظ لها في النظر، ولا ارتباط لها بالأثر، [والتوفيق بالله] 8.
والجواب عن الفصل الرابع: في أقل الحيض.
والذي يتحصل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن دم الحيض لا أقل له، وأن الدفعة واللمعة تسمى حيضًا، وهو [قول] 9 ابن القاسم، وأن المرأة [متى] 10 رأت ذلك، فإنها
تدع الصلاة والصيام، ولا يأتيها زوجها إذا رأته بعد طهر فاصل.
فإن انقطع الدم عن ساعتها: اغتسلت وصلت، وحلَّ لزوجها أن يطأها.
فإن عاودها الدم بعد ذلك، فإنها تدع الصلاة.
وإنما أُمرت بالاغتسال إذا انقطع عنها؛ إذ لعله لا يعود إليها، هكذا يكون حكمها حتى تستكمل أيامها المعتادة، فتلفق أيام ما تحيض، وتلغى أيام الطهر.
[ويجيء] 1 من هذا [وجه] 2 مشكل، وهو:
إذا انقطع الدم عنها بإثر أمدها، فأمرت بالاغتسال فتصوم وتصلي؛ فيكون لها حكم الطاهر، فإن عاودها الدم رجعت إلى حال [الحائض] 3.
ووجه الإشكال فيه: [الحكم في] 4 الصوم الذي صامته في اليوم الذي رأت فيه الطهر، إن كان رمضان هل [يقع] 5 موقع الإجزاء وتبرأ منه الذمة؛ لأنه مفعول في زمان أمرت به بالغسل، وتوجه عليها فعل العبادة -وهذا هو ظاهر المذهب- أو نقول: إنها لما عاودها الدَّم قَبل انقضاء [زمان] 6 و [ما] 7 يسمى طُهْرًا، وأن حُكْمَ [الحيض] 8 مُسترسل عليها فيما رأت فيه الدم، وما لم تره كان صومها غير واقع موقع الإجزاء، والذَّمة [به [ق/ 15 أ، مَعْمُورة] 9، وغاية شأنها أنها لم تكن بذلك
حائضًا مع جريان الدم.
وهذه مسألة لم أجد فيها نصًا في المذهب، والذي يقتضيه النظر [أن الصوم في ذمتها] 1 مُتيقن، فلا تبرأ إلا بيقين.
والقول الثاني: أن الحيض ثلاثة أيام في العِدّة والاسْتِبْرَاء، وما دونها يكون حيضًا يمنع الوطء والصيام من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع [من] 2 الصلاة ويسقط وجوبها، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
ومعنى قوله: تُمنع من [فعل] 3 الصلاة من غير أن يسقط وجوبه إلى وجوب القضاء؛ إذ لا خلاف أن الحائض تقضي الصيام، وإنما [وقع] 4 الخلاف بين الأصوليين، هل القضاء عليه بالخطاب الأول أو الخطاب الجديد 5.
والقول الثالث: أن أقل الحيض في العِدَّة والاسْتِبرَاء خمسة أيام، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وزاد أبو إسحاق [ق/ 9 جـ] بلياليها.
و [معنى] 6 قوله: يمنع الصلاة ويسقط وجوبها يعني أنه لا قضاء عليها لقول عائشة رضي الله عنها: "كنا نؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر
بقضاء الصلاة" 1.
وسبب الخلاف: الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء، أو [بأواخرها] 2.
والجواب عن الفصل الخامس: في أكثر الحيض.
والسادس: في حكم الاستظهار.
ولا شك ولا خفاء أن ما تراه المرأة من الدم، وتمادى بها أن المنع مِنْ فِعْل العبادات البدنِيّة، والعادات الاسْتِمْتَاعِيَّة يُسْتصحب مع وجود الدّم إذا كانت ممن تحيض، أو كانت في سِن مَنْ تَحيض، اتصل ذلك [الدم] 3 أو انفصل.
إذا كان [ذلك] 4 الانفصال يحكم له بحكم الاتصال.
فإن تمادى بها الدم أيامًا فلا يخلو حالها من أحد وجهين:
أن تكون مبتدأة، أو معتادة.
فإن كانت مبتدأة: فالذهب [في حكمها] 5 على قولين:
أحدهما: أنها تنتظر إلى خمسة عشر يومًا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 6 في كتاب الوضوء.
والثاني: أنها تقعد أيام لداتها 7 وهي رواية [علي] 8 بن زياد عن
مالك في الكتاب [المذكور] 1.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في المعتادة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
وعلى القول أنها تقعد إلى خمسة عشر يومًا، هل تستظهر أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تستظهر بشيء، وقد تَبَيَّن أنها مستحاضة، وأنا ما بها من الدم عِلّة وفَسَاد، وهو قول ابن القاسم [وهو مشهور المذهب] 2.
والثاني.
أنها تستظهر بيوم أو يومين، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز 3.
والثالث: أنها تستظهر بثلاثة أيام، وهو قول ابن نافع في كتاب ابن سحنون.
وسبب الخلاف: النادر الشاذ: هل يعطى [له] 4 حكم نفسه أو يعطي له حكم غالب [جنسه] 5؛ وذلك أن الغالب فيما يعرف بالتجابر أن المرأة لا يتمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يومًا؛ إلا أن تكون مستحاضة؛ ولهذا وقع الاتفاق من الجمهور أنها لا تزيد على ذلك القَدْر لا بالاستظهار [ق/ 8 ب] ولا بغيره.
فإن اتفق في العالم أن يكون في امرأة تحيض أكثر من خمسة عشر يومًا كان حكمها حكم الأكثر ولا يُنْظَر إلى شُذُوذها ونُذُورها.
ومن يقول: أنها تستظهر بثلاثة أيام، وتقعد ثمانية عشر يومًا، قال: إن النادر يعطى له حكم نفسه؛ لأن الاقتصار على خمسة عشر يومًا ليس بحد، ولا يقضي [بمنع] 1 الزيادة عليه.
ومن قال: تستظهر بيومين ولا تزيد عليها.
يقول: الأصل ألا تجوز الزيادة على ما علم بالتجربة في أكثر عوائد النسوان إلا أنني وجدت نساء ابن الماجشون يحضن سبعة عشر يومًا, ولهذا زدت [اليومين] 2، وعلى القول أنها تقعد أيام لداتها هل تستظهر عليها بثلاثة أيام أم لا؟
قولان في "المدونة" 3: خلاف ماله فيها، والثاني: أنها تستظهر؛ وهو قول ابن القاسم في الكتاب، وهو قول ابن نافع في غير المدونة.
[ومثار] 4 الخلاف [يأتي] 5 بيانه في فصل المعتادة إن شاء الله.
فإن كانت معتادة؛ وهي التي لها أيام معلومة لا تكاد تجاوزها إلا وقد طهرت.
فإذا تمادى بها الدم على أكثر أيامها المعتادة: فقد اختلف في المذهب [في هذه المسألة] 6 على خمسة أقوال:
أحدها: أنها تنتظر إلى خمسة عشر يومًا، وهل تستظهر عليها أم لا؟
قولان؛ وقد بيناهما في الوجه الأول.
والثاني: أنها تنتظر قدر [أيامها] 1 المعتادة، ولا تستظهر.
والثالث: أنها تقعد أيامها المعتادة، وتستظهر، وهو [ظاهر] 2 قول ابن القاسم في كتاب الحج 3، وقال: المرأة إذا حاضت قبل طواف الإفاضة إن كريهًا يحبس عليها قدر أيامها المعتادة مع ثلاثة أيام الاستظهار.
فظاهره: أنه إذا مضى هذا [العذر] 4 فلتغتسل، وتطوف، وتصلي، وتكون مستحاضة.
والرابع: أنها تقعد أيامها المعتادة.
ثم تغتسل، ويكون لها حكم الطاهر في العبادات دون العادات؛ فتصلي وتصوم على معنى الاستحباب، ويجتنبها زوجها على معنى [الاحتياط] 5، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة 6؛ حيث قال: وقد كان يقال إن المرأة لا تكون حائضًا أكثر من خمسة عشر يومًا، ثم نظرت في ذلك فرأيت أن ذلك احتياطًا [لها] 7؛ فتصلي وليست عليها أحب إليّ من أن تترك الصلاة، وهي عليها.
والقول الخامس: أنها تنتظر أيامها المعتادة.
ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم.
فإن تمادى بها الدم خمسة عشر يومًا: علم أنها مستحاضة، وأن ما مضى من الصلاة، والصيام، وقع موقع الإجزاء في موضعه، ولم يضرها
امتناعه من الوطء.
فإن انقطع عنها دون خمسة عشر يومًا: علم أنها حيضة [انتقلت] 1، ولا يضرها ما حلت وصامت، وتغتسل عند انقطاعه.
وسبب الخلاف: بين من قال: تننظر خمسة عشر يومًا وبين من قال: تقعد أيامها المعتادة: معارضة الغالب للأثر؛ فالغالب: أن دم الحيض لا يجاوز خمسة عشر يومًا إلا إذا كانت الحائض مستحاضة؛ فالغالب عندهم أن دم الحيض يمتد أمره إلى هذا القدر؛ فوجب بهذا الغالب أن تتنظر إلى خمسة عشر يومًا.
ويُقَابله ما خرّجه مالك في "موطئه" 2 أن امرأة كانت تهراق الدماء [في] 3 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:] 4 "لتنظر إلى عدة الليالي، والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها [الدم] 5 الذي أصابها؛ فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل.
ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلي".
والعجب من قال بنسخ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -[بالعادات، والعادات] 6 لا يُعدَدُ بها النَّسْخ، ولا يُقَدّم الحكم بها على أخبار الآحاد بالاتفاق.
وإنما وقع الخلاف بين الأصوليين في العموم: هل يخصص بالعادات أم لا؟
وأما أن يقع النسخ به، فلم يَصِر إليه أحد من العلماء، فهذا مما يحتاج الناظر إلى إمعان [النظر] (1) فيه.
وأما رواية ابن وهب فهي مبنية على الاحتياط للعبادة؛ لأن العبادة تجب عليها على قول من يقول: تقعد أيامها المعتادة، وساقط على قول من يقول: تقعد إلى خمسة عشر يومًا، فتوسط بينهما على طريق الاستحباب.
وأما الاستظهار فهو مشهور في المذهب، ضعيف في الحديث، والأصحاب اعتمدوا في ذلك [أثرًا ونظرًا] (2).
فالأثر ضعيف، والنظر لطيف، وهو قياس الاستظهار على المصرات؛ لأن الشارع جعل هناك أن الثلاثة مما يجعل به التمييز بين اللبن المخزون في الضرع، وبين الحلاب المتم على طبع البهيمة وعادتها في غزارة اللبن، فكذلك ينبغي اعتبار الثلاثة الأيام في حق الحائض حتى يحصل لنا به التمييز بين دم الحيض و [دم] (3) الاستحاضة، ويتبين لنا هل ذلك عادة منتقلة أم لا.
وهو قيام الشبه، وهو [في نفسه] (4) ضعيف عند الأصوليين.
فصل
وقد قدمنا أن دم الحيض لا يصح فعل العبادة معه، بل المرأة عاصية بفعلها.
وهل ذلك في كل عبادة أو [في] 5 بعضها دون بعض؟1234
ولا خلاف فيما عدا قراءة القرآن من العبادات البدنية أن الحائض لا تفعلها.
واختلف في قراءة القرآن [ظاهرًا] 1 على قولين؛ والمشهور جوازها.
واختلف فيما إذا كانت حائضًا جنبًا: هل يبقى حكم الجنابة [مع] 2 الحيض، أو الحكم للحيض دون الجنابة.
وفائدة هذا وثمرته: إذا اغتسلت ناوية لإحداهما [و] 3 ناسية للأخرى، وأرادت أن تغتسل لرفع [الجنابة] 4 [عن نفسها] 5، إذ المشهور من مذهب مالك: أن الجنب لا يقرأ القرآن بيد أن أهل المذهب اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يقرأ القرآن جملة، وهو المشهور.
والثاني: أنه [يقرأ القرآن] 6 جملة.
والثالث: التفصيل بين [اليسير] 7 والكثير؛ فيقرأ اليسير، ولا يقرأ الكثير، وهذا الخلاف نقله [الشيخ أبو الحسن] 8 اللخمي [ق/ 16 أ] و [هو] 9 الصحيح عن مالك أيضًا أنه قال: حَرصْتُ [على] 10 أن أجد رخصة للجنب في قراءة القرآن فلم أجدها, ولا بأس أن يقرأ اليسير
منه 1.
وأما إذا اغتسلت لأحدهما ناسية للآخر، [هل يجزئ عنهما]؟ 2.
فإن اغتسلت للحيض ناسية للجنابة: [فذلك] 3 يجزئ عنهما جميعًا، ويتخرج في المذهب قول [ثان] 4 بأنه لا يجزئ عن الجنابة.
ويجري الخلاف [على الخلاف فيما] 5 إذا اتحد المُوجَب وتعدد المُوجِب، هل النظر إلى اختلاف المُوجِب [أو النظر إلى] 6 اتفاق المُوجَب؟
ولا شك، ولا خفاء أن الجنابة والحيض كل واحد منهما لو انفرد كان موجبًا للغسل على صفة واحدة، فينبغي إذا اجتمعا أن ينوب أحدهما [عن] 7 الآخر [مثله] 8 البول والغائط.
وهذا الذي يقتضيه النظر الصحيح.
فإن اغتسلت للجنابة ناسية للحيض: هل يجزئها عن الحيض؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة 9:
أحدهما: أنه لا يجزئها، وهو ظاهر قوله في المدونة.
والثاني: أنه يجزئها غسل الجنابة عن غسل الحيض، وهو قول أبي
الفرج، ومحمد بن الحكم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" 1 أيضًا في مسألة الشجة إذا كانت في موضع الوضوء، إن غسلها بنية [الوضوء] 2 يجزئ عن غسل الجنابة.
وقال [القاضي أبو الحسن] 3 بن القصار: إن الأحداث إذا كان موجبها واحدًا واجتمعت تداخل حكمها.
وسبب الخلاف: ما قدمناه، وله مطلع آخر: هل الحيض أصل, والجنابة في [حكم] 4 التبع، أو كل واحد منهما أصل في نفسه؛ اعتبارًا بحالة الانفراد؟
فإن أرادت أن تغتسل قبل ارتفاع [دم] 5 الحيض لترفع عن نفسها حدث الجنابة لتقرأ القرآن: هل يفيدها ذلك [الغسل] 6 شيئًا ويجزئها أم لا؟ فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يطرأ الحيض على الجنابة.
والثاني: أن تطرأ الجنابة على الحيض.
فأما طروء الحيض على الجنابة: فهل يجزئها أن تغتسل وتقرأ القرآن، ويزول عنها [حدث] 7 الجنابة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تغتسل وتقرأ القرآن، وهو ظاهر "المدونة" 1؛ حيث قال: لا غسل عليها حتى تطهر من حيضتها إن أحبت.
فظاهر قوله: "إن أحبت" [أنها إن أحبت] 2 أن تغتسل اغتسلت.
والثاني: أنها لا تقرأ القرآن، وإن اغتسلت، وأن غسلها لا ينوب عنها [ذلك المناب] 3.
وسبب الخلاف: طروء الحيض على الجنابة: هل يَهْدِمُ أمرها ويُزِيل حُكْمها أم لا؟
فمن رأى أن الحيض لا يزيل حكم الجنابة، يقول: لها أن تغتسل للجنابة لتقرأ القرآن على [القول] 4 المشهور أن الحائض تقرأ القرآن؛ لأنها مُفَرّطة بتأخير الاغتسال.
وإن لم تُفَرِّط أيضًا، فإن حكم الجنابة مُرَتب عليها قبل دخول الحيض عليها.
ثم لا سلطانة له في [إسقاط] 5 الحكم المُتَقَرِر بالشّرع.
أصل ذلك الصلاة التي زال وقتها و [قد] 6 تقرر قضاؤها في الذمّة، فإن طُروء الحيض لا يُؤثِّر في [إسقاطها] 7.
ومن رأى أن الحيض يَهْدِمُ أمر الجنابة ويُزيل حكمها، فيقول: إنها حائض فيجوز لها أن تقرأ القرآن، وإن لم تغتسل.
والقول بأنها لا تقرأ القرآن وإن اغتسلت: قول ثالث [في المسألة] 1 حكاه القاضي أبو بكر بن العربي، وهو قول لا وجه له، ولا دليل عليه، إلا إذا اعتبرنا حكم الحائض على الجملة؛ فقد قيل في أحد الأقوال فيها: أنها لا تقرأ القرآن، غير أنه أورده في محل التحصيل في الحائض الجنب.
وهذا مما يحتاج إلى التأمل والوقوف عليه.
وأما طُروء الجنابة على الحيض، كالحائض تحتلم، أو تتلذذ [بملامسة] 2 زوجها، أو مِن [جِمَاعِه إياها] 3 في موضع يجوز له:
وهذا لا خلاف فيه في المذهب نصًا أن الحكم للحيض [ق/10جـ] وأن الجنابة الطارئة لا حكم لها؛ لأن مانع الجنابة صادف محلًا مشغولًا بمانع هو [أقوى] 4 منه.
والدليل على أنه أقوى منه في القطع: اتفاقهم في الجنب أنه مخاطب بالعبادة مع بقاء [جدته] 5، واختلافهم في الحائض هل هي مخاطبة بالصلاة والصيام في زمان حيضها أم لا.
و [لا] 6 يتعد دخول الخلاف فيها بالمعنى أيضًا، حتى يقال: إن حكم الجنابة قائم، وأن [الحيض يمنع من قراءة القرآن لأجلها] 7، وأنها تفتقر إلى إحضارها في الذِكْر عند اغتسالها من حيضتها على ما قدمناه.
[والجواب عن الفصل السابع: في معرفة علامة الطهر.
وللطهر علامتان: الجفوف والقصة البيضاء.
واختلف في المذهب أيهما أنقى وأبر للرحم على ستة أقوال:
أحدها: أن القصة البيضاء أبرأ فلا تغتسل بالجفوف حتى تراها إلا أن يطول وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الجفوف أبرأ فلا تغتسل إذا رأت القصة حتى ترى الجفوف إلا أن يطول عنها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم.
والثالث: أنها تبرأ متى رأت أحدهما طهرت وهو قول ابن حبيب.
والرابع: التفصيل بين المبتدئة والمعتادة.
فالمبتدئة لا تطهر إلا بالجفوف ثم تعمل بعد ذلك على ما ظهر من أمرها، وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف.
والخامس: أنها إن كانت ممن ترى القصة فلا تطهر بالجفوف، وإن كانت ممن ترى الجفوف، فإنها تطهر بالقصة.
والسادس: بعكس ذلك، والقولان حكاهما اللخمي والحفيد في المذهب، والحمد لله وحده] 1.
...
المسألة الرابعة عشر
في الحامل: هل تحيض أم لا؟
[فقد] 1 اختلف فيما تراه الحامل من الدَّم، هل هو دَم عِلَّة وفَسَاد أو دم [صِحّة] 2 وجِبِلّة أو أنها تحيض؟ فذهب مالك 3 رحمه الله إلى أنها تحيض، وهو أحد أقاويل الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تحيض، وبه قال أحمد والثوري [وهذا ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "محمَّد" في المعتدة تعتبد بثلاث حيض ثم ظهر بها حمل حيث قال: لو علم أن الأول حيض مستقيم لرجمتها، فنفى عن الحامل الحيض] 4. وسبب الخلاف: تعذر الوقوف على ذلك بالتجربة، [واختلاف] 5 الأمرين، فإنه مرة يكون الدم الذي تراه الحامل دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة، والجنين [ضعيف] 6. ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل [دم علة وفساد] 7 لضعف الجنين ومرضه التابع لمرضها، وضعفها [في الأكثر] 8 فيكون دَم عِلّة وفَسَاد.
فهذا مَثَار الخلاف بين العلماء.
ومذهب من يقول: أن الحامل تحيض، ضعيف جدًا؛ لأنه يكر على أصله بالبطلان؛ وذلك أنا نعتقد أن الحيض دليل على براءة الرّحم في غالب الأمر، وتحصل به النُّقية بذلك، وتتزوج المطلقة إذا حاضت ثلاث قُروء، ويأمر للسيد [بالوطء] 1 إذا استبرأت بحيضة.
فإذا قلنا أن الحامل تحيض، فذلك يهدم تلك القاعدة، ويسقط النُّقية بحصول براءة الأرحام بالحيض، وهذا معضل، والكلام في هذه المسألة في موضعين:
[أحدهما: الحامل إذا ولدت ولدًا، وبقى في بطنها آخر.
والثاني: إذا حاضت هل حالها حال الحامل أم حال النفساء.
فالجواب عن الموضع الأول] 2: الحامل إذا ولدت ولدًا، وبقى في بطنها آخر، هل [حكمها حكم] 3 الحامل، أو [حال] 4 النفساء؟
[فالمذهب [فيها] 5 على قولين منصوصين في "المدونة" 6:
أحدهما: أن حالها حال النفساء، ولزوجها عليها الرجعة ما لم ينقطع الدم عنها، أو يمضي [عليها] 7 زمان لا تكون نفساء إلى ذلك الأمد
[كشهرين] 1 على قول، أو الرجوع إلى عادة [النساء] 2 في الغالب [على قول] 3.
والثاني: أن حالها حال الحامل؛ ترى الدم على حملها على [الاختلاف] 4 في ذلك على ما سيأتي بيانه عقيب هذا إن شاء الله.
ولا خلاف أنها إذا جلست [بعد وضع] 5 الأول أقصى ما يمسك [النفساء] 6 النفاس على [حسب] 7 اختلاف قول مالك ثم ولدت.
الثاني: أنها تجلس له ابتداء مثل ذلك.
واختلف إذا ولدت الثاني قبل استيفاء [أكثر] 8 ما يجلس النساء، هل تبتدئ له أَمَد [النّفاس] 9 أو تبنى على ما مضى؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 10:
أحدهما: أنها تستأنف، وهو الأظهر، وإليه ذهب أبو إسحاق.
والثاني: أنها تبنى على ما مضى [من الأول] 11، وإليه ذهب الشيخ أبو محمَّد، وأبو سعيد البراذعي.
وسبب الخلاف: [كون الحامل] 1 تجاذبها وصفان، أيهما يغلب.
والجواب عن الموضع الثاني: في الحامل إذا حاضت هل حكمها حكم الحائل أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" 2:
أحدهما: أن حكمها حكم الحائل، وهو قول أشهب.
والثاني: أن حكمها حكم الحامل الحائض؛ لأن الحيض عند ابن القاسم ينقسمن إلى: حوامل و [إلى] 3 حوائل.
فالحوائل: قد تقدم الكلام [على حالهن] 4، [والكلام هاهنا] 5 في الحوامل، [والحامل] 6 إذا حاضت [هل] 7 يكون لها حكم نفسها، فعلى قول أشهب -الذي يقول: أنها كالحائل تحيض- هل تستظهر على عادتها أم لا؟
[فاختلف فيه] 8 على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة" 9:
أحدها: أنها تستظهر، وهو ظاهر قوله في الكتاب حيث قال: "هي كغيرها من النساء".
والثاني: أنها لا تستظهر، وهو [ظاهر] 1 قوله في الكتاب أيضًا في آخر [الباب] 2: "تقعد حيضة واحدة".
قال سحنون في غير المدونة: معناه عدد أيامها المعتادة، وظاهره بغير استظهار.
والثالث: التفصيل بين أن تستريب أو لا.
فإن استرابت فلا تستظهر، وإن لم تسترب فلتستظهر.
وهذا يتخرج على الرواية الصحيحة في الكتاب، إلا أن تكون [استرابت] 3 من حيضتها شيئًا من أول ما حملت هي على حيضتها 4، معناه أن الحمل لم يؤثر في زيادة الدم، ولا نقصانه، بل عادتها مستمرة على [عادتها] 5 قبل الحمل.
[فهذا [هو] 6 الذي] 7 يقول [فيه] 8 أشهب: أنها تستظهر.
واختلف الأشياخ هل يخالفه ابن القاسم في هذا الوجه أم لا؟
فذهب أبو عبد الله التونسي إلى أن ابن القاسم لا يخالف أشهب في ذلك [وذهب التونسي إلى أنه] 9 خلاف لقول ابن القاسم، وأنها لا تستظهر عند ابن القاسم، وهو الصحيح؛ لانر الناس اختلفوا فيما تراه
الحامل: هل هو حيض أم لا؟ وكان أمر الاستظهار في الحيض الذي لا شك فيه: مختلف فيه؛ ففي الحامل أضعف، فلا تستظهر.
وأما الرواية: إلا أن تكون [استرابت] 1 من حيضتها [شيئًا] 2 من أول ما حملت، فقالوا: إنها رواية فاسدة؛ لأنها عكس النظر وضد الصواب.
وهو كلام متناقض في نفسه، وعلى قول ابن القاسم الذي يقول: إن حكمها حكم الحامل تحيض.
والحامل عنده منفردة بحكمها، وحكمها في الحيض، وحكم الحائل متغايران؛ فقد اختلف المذهب في حكمها على أربعة أقوال 3:
أحدها: أنها إن رأت ذلك في شهرين تركت الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها.
وإن رأت ذلك في ثلاثة أشهر، فكذلك أيضًا.
وهو قول ابن اللباد.
والثاني: أنها [إن] 4 رأته في ثلاثة أشهر تركت [ق/ 17 أ] الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها.
فإن رأته في أربعة أشهر تركت الصلاة عشرين يومًا.
وهذا قول ابن القاسم في الكتاب.
والثالث: أنها تضاعف الأيام تجلس في أول [شهور الحمل] 5 أيامها
وتستظهر، وفي الثاني: تُثنَى أيامها، وفي الثالث: تُثَلّثها، وفي الرابع: تَرَبْعها [بلا استظهار] 1 حتى تبلغ ستين يومًا ثم لا تزيد.
وهذا كأنه يَرى الدّم لَمَّا لَمْ يأت صار كأنه شيء أُحبس، فإذا اندفع حُكم [له] 2 بالقَدْر الذي كان يجب أن يأتي به في كل شهر؛ لأنه دم أحتبس ثم خرج، وهو قول [ابن وهب] 3.
القول الرابع: أن تترك الصلاة الأيام التي كانت تحيض قبل الحمل من أول ما بلغت.
وهذا القول حكاه ابن لبابة من رواية أصبغ عن مالك.
واختلف في السّنة الأشهر: هل حكمها حكم الثلاثة الأشهر [أم لا] 4؟
على قولين:
أحدهما: أن حكمها حكم الثلاثة الأشهر، وهو قول أبي القاسم [بن شبلون] 5.
والثاني: أن حكم الستة أشهر حكم ما بعدها.
وسبب الخلاف: بين قول ابن القاسم وأشهب في أصل المسألة: النادر هل يعطي له حكم نفسه، أويعطي له [حكم] 6 غالب جنسه [فأشهب يقول: يعطي له حكم غالب جنسه] 7.
وابن القاسم [يقول: يعطي له] 1 حكم نفسه.
وأما اختلافهم في [التفرقة] 2 بين أول الحمل وآخره، وكونها تضاعف العدد: إنما هو استحسان جار على غير قياس [تم كتاب الوضوء بحمد الله] 3.
...
كتاب الصلاة الأول
[بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على محمَّد وآله وسلم] (1).