مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 469-508
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة الثاني

صفحات 469-508
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عليه العامد؛ لأن الناسي معذور بالنسيان والعامد مختار للترك، فلا جمع ولا مناسبة ولا إحالة [بينهما؛ لأن العمد والنسيان ضدان، والضدان لا يصلح الجمع بينهما إنما يقاس الأشبه على الأشبه؛ لأن الشيء يأوي إلى شبيهه] 1 وينحو عن ضده، ولاسيما على القول بأن القضاء إنما يجب بأمر متجدد لا بأمر الأداء؛ فعلى هذا يكون العامد مأثومًا ولا يجزئه القضاء؛ لأن قصده إلى ترك الصلاة بغير عذر من أعظم المآثم كيمين الغموس التي هي أعظم من أن تُكَفَّر، والله الموفق للصواب.

المسألة السادسة فى السهو فى الصلاة

والسهو في الصلاة ينقسم [على] 1 قسمين: السهو عنها جملة، أو السهو عن بعضها.
فأما السهو عنها جملة: ففي المسألة التي فرغنا منها آنفًا.
وأما السهو عن بعضها، وفي أثنائها فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منها لا يجوز فيه سجود السهو؛ وهي الفرائض.
وقسم منها لا يجب فيه سجود السهو؛ وهي الفضائل.
وقسم منها يشرع فيه سجود السهو؛ وهي السنن.
وإن قوله عليه السلام [ق/ 36 جـ] "في كل سهو سجدتان" 2 ليس على عمومه، والصلاة تشتمل على أفعال وأقوال، فجميع أفعالها فرض [حاشا] 3 ثلاثة: رفع اليدين في الإحرام، والتيامن في السلام، والجلسة [الوسطى] 4، واختلف في الرابع، وهو الرفع من الركوع، قيل: إنه فرض، وقيل: إنه سنة.
وسبب الخلاف: ما قدمناه [في غير هذه المسألة] 5. وجميع أقوالها سنة وفضيلة [حاشا] 6 ثلاثة: الإحرام [في الصلاة

] 1 وقراءة أم القرآن، والسلام، وهذا على المشهور [والساهي لا يخلو من أن يكون إمامًا أو فذًا، فإن كان مأمومًا فهو يحمله عنه الإمام، وسهو الإمام يلزم من شهد معه ممن لم يسه معه] 2. وقد حَصَّل بعض المتأخرين القول في هذا الوجه بعبارة سديدة وَمَعَان مُفِيدة، وقال: كل ما يحمله الإمام عمن خلفه فسهوه عنه سهوًا لهم، وإن فعلوه، وكل ما [لا] 3 يحمله الإمام، فلا يكون سهوه سهوًا لهم إذا فعلوه إلا في النية وتكبيرة الإحرام؛ لأنهم إذا فارقوه في النية والإحرام لم يدخلوا معه في الصلاة.
فإن كان فذًا فلا يخلو سهوه من وجهين: أحدهما: أن يكون سهوًا يوقن به.
والثاني: أن يكون سهوًا يشك فيه.
فالذي يوقن به على وجهين: زيادة ونقصان، والذي يشك فيه أيضًا على وجهين: زيادة ونقصان، فهذه أربعة أوجه: وقد يجتمع في السهو اليقين بزيادة ونقصان في الصلاة الواحدة، وقد يشك فيهما جميعًا، وقد يشك في الزيادة ويوقن بالنقصان، وقد يشك في النقصان، ويوقن بالزيادة، فهذه أربعة أوجه أيضًا [فصارت المسألة] 4 ودارت على ثمانية أوجه: فالجواب عن الوجه الأول: وهو السهو بالزيادة: لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون في الأفعال.

والثانى: أن يكون في الأقوال.
فإن كان في الأفعال: فلا يخلو أيضًا من وجهين: إما أن يكون من جنس أفعال الصلاة، أو من غير جنسها.
فإن [كان] 1 من جنس أفعال الصلاة؛ مثل أن يزيد في [عدد] 2 ركعات [الصلاة] 3 فلا يخلو ما زاده من أن يكون مثل صلاته أو أقل.
فإن زاد مثل صلاته؛ مثل أن يصلي الظهر ثماني ركعات، أو صلى صلاة هي ركعتان أربعًا: فلا خلاف -أعلمه- في المذاهب أن صلاته باطلة، وأنه يعيدها, ولا يجزئ عنه السجود [وقد قيل: بجواز صلاته: وهي رواية مطرف عن مالك، ورواية عيسى عن ابن القاسم على ما ذكره الشيخ أبو الحسن اللخمي، والقاضي أبو الفضل واستقرأ بعض المتأخرين فيمن شفع وتره ساهيًا: أنه قال: يسجد بعد السلام، وهذا الاستقراء ذكره أبو الفضل] 4 [فإن] 5 زاد دون المثل؛ مثل أن يزيد ركعة على أربع، أو على ثلاث: فلا خلاف في المذهب أيضًا أنه يجزئه السجود.
واختلف فيمن صلى وزاد نصف صلاته، أو صلى المغرب خمس ركعات، هل يسجد أو يعيد؟ على قولين 6: أحدهما: أنه يعيد، وبه قال ابن كنانة، وابن نافع، وعبد الملك.

والثاني: أن السجود يجزئه ولا يعيد، وهو قول مُطَرِّف، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وروى مثله عن ابن القاسم.
وسبب الخلاف: [هل] 1 الاعتبار بِقلة السّهو وكثرته، أو الاعتبار بعدد الركعات المُزَادَة؟ فمن رَاعَى اعتبار قِلَّة السَّهو وكثرته كان ينبغي له [أن لا] 2 يُفَرِّق بين زيادة الرّكعة ولا [الركعتين] 3؛ لأن زيادة الركعة على صلاة هي ركعتان سهو كثير [وزيادة ركعتين على صلاة هي أربعة سهو كثير] 4 وإلى هذا ذهب عبد الملك في "النوادر" 5. ومن اعتبر عدد الركعات المزادة، ورأى أن النصف في حيز الكثير، فلا فرق عنده بين [النصف] 6 [وغيره] 7؛ لأن ركعة من الصبح كركعتين من الظهر مثلًا؛ لأن اعتبار مجرد [الجزئية تقييد] 8 محض يفتقر إلى دليل، فلو أن الشَّارع قَيّد الزِّيادة بهذا القَدْر كان علينا الإذعان له سمعًا وطاعة؛ فكيف وهو من أقاويل العلماء المجردة عن المعاني الدالة على غرض [الشارع] 9 صاحب الشريعة [- صلى الله عليه وسلم -] 10 فإن كان ذلك من [غير] 11

جنس أفعال الصلاة: فلا يخلو أيضًا من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك كثيرًا.
والثاني: أن يكون يسيرًا.
فإن كان كثيرًا، مثل أن يأكل أو يخيط ثوبه، فيطول ذلك: فصلاته باطلة ولا يجزئه السجود.
فإن كان يسيرًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: [أحدها:] 1 أن يكون مما يجوز له فعله في الصلاة.
[والثاني: أن يكون] 2 مما يكره له فعله في الصلاة.
والثالث: أن يكون مما لا يجوز له فعله في الصلاة.
فالأول: مثل أن يَمُر بين يديه الحية والعقرب، فَيُرِيدَاه فيقتلهما وهو ناس أنه في الصلاة: فهذا لا سجود عليه، [وصلاته] 3 مجزئة.
والثاني: أن يمر بين يديه حية أو عقرب، وهما لا يريدانه، فهل يسجد أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يسجد.
والثاني: أن صلاته جائزة، ولا سجود عليه.
والثالث: مثل أن ينسى أنه في الصلاة فيأكل أو يشرب، ولا يطول ذلك: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن صلاته فاسدة ويعيدها.

[والثاني: أن صلاته جائزة، ويسجد بعد السلام] 1. [والقولان] 2 قائمان من "المدونة": [فإن] 3 كان في الأقوال: فلا يخلو من وجهين أيضًا: أحدهما: أن يكون من جنس أقوال الصلاة.
والثاني: أن يكون من غير جنسها.
فإن كان من جنس أقوالها: مثل أن يقرأ السورة مع [أم القرآن] 4 في الركعتين الأخيرتين، أو يذكر الله فيما بين السجدتين على معنى السهو، فهل يسجد أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 5: أحدهما: أن يسجد، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصلاة الثاني" من "المدونة": إذا قدم أُمّ القرآن على التكبير في صلاة العيدين.
والثاني: أنه لا سجود عليه، وهو ظاهر قوله في [كتاب] 6 الصلاة لأول: إذا قدم السورة على أم القرآن [ق/ 23 ب].
فإن كانت من غير جنسها سجد بعد السلام.
فهذا حكم الزيادة [في الصلاة] 7 على طريق السهو.

وأما الزيادة فيها على طريق العَمْد: فإن كانت من الأفعال التي هي من جنس أفعال الصلاة، أو في الأقوال التي ليست من جنس أقوال الصلاة، مثل أن يزيد في صلاته ركعة أو سجدة عامدًا، أو تكلم عامدًا بغير إصلاح صلاته: فصلاته باطلة بالاتفاق من غير اعتبار بالقلة أو بالكثرة.
ولو كانت في الأفعال التي ليست من جنس أفعال الصلاة؛ مثل أن يناول بيده شيئًا، أو دفعه عمدًا: فصلاته باطلة في الكثير دون القليل.
وإن كانت في الأقوال التي هي من جنس أقوال الصلاة؛ مثل أن يكبر أو يهلل أو يُسَبِّح في غير محله، فقيل: إن صلاته باطلة، وقيل: إنها جائزة.
وأما السهو في النقصان: فلا يخلو من أن يكون في الأقوال أو في الأفعال.
فإن كان في الأفعال، مثل نسيان الجلسة الأولى: فإنه يسجد [لها] 1 قبل السلام، وتجزئه صلاته.
فإن كل في الأقوال؛ كقراءة السورة التي مع أم القرآن، أو ثلاث تكبيرات فأكثر: فإنه يسجد [ق/ 47 أ] قبل السلام [أيضًا] 2. واختلف إذا نسى تكبيرة واحدة، أو سمع الله لمن حمده [مرة واحدة] 3 أو التشهد، هل يسجد أم لا؟ [فالمذهب 4 على قولين منصوصين في "المدونة" 5:

أحدهما: أنه يسجد.
والثاني: أنه لا يسجد، وتجزئه صلاته.
وسبب الخلاف: تكبيرات الصلاة، هل كل تكبيرة سنة على حالها، أو جملة [التكبير] (1) سنة واحدة؟ فمن رأى أن كل تكبيرة منها سنة قال: يسجد في الواحدة، وما كثر يعيد منه الصلاة؛ لكثرة السهو.
ومن رأى أن جملة التكبير سنة: لم ير السجود على من ترك تكبيرة واحدة.
فهذا حكم النقصان على طريق السهو.
وأما على طريق العمد: فلا يخلو من أن يترك سنة، أو سننًا.
فإن ترك سنة واحدة عامدًا، كالسورة التي مع أم القرآن، أو ترك الإقامة: فقيل: يستغفر الله، ولا شيء عليه، و [قيل] (2) يعيد أبدًا.
[وقيل: يسجد قبل وهذا القول نقله ابن الجلاب وهو غريب فى المذهب] (3). وسبب الخلاف: المتهاون بالسنن، هل هو كتارك الفرض أم لا؟ فإن كانت سننًا: فإنه يعيد الصلاة

فصل

وأما إذا اجتمعت عليه الزيادة والنقصان: فلا خلاف أن أحد السهوين داخل في الآخر.123

وإنما الخلاف [فيمن] 1 يغلب هل قبل أو بعد؟ [فالمذهب] 2 على قولين [قائمين] 3 من المدونة: أحدهما: أنه يسجد قبل السلام، وهو المشهور من المذهب، وهو قوله في "المدونة" 4 فيمن سها فصلى نافلة [أربع ركعات] 5 قال: يسجد قبل السلام؛ لأنه زاد ونقص؛ والزيادة: الركعتان، والنقصان: هو الجلوس على ركعتين.
والثاني: أنه يسجد بعد السلام، وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة فيمن سها فصلى نافلة خمس ركعات، [فقال] 6 ابن القاسم: يسجد بعد السلام.
والقولان منصوصان عن مالك فى "العتيبة" 7. وينبني الخلاف: على الخلاف في أصل سجود السهو، هل السجود كله قبل السلام -وهو مذهب الشافعي 8 - أو السجود كله بعد السلام -وهو مذهب أبي حنيفة 9 - أو التفصيل بين الزيادة: فيسجد فيه بعد السلام، وفي النقصان: فيسجد فيه قبل السلام -وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله.
ولأحمد بن حنبل [رحمه الله] 10 وأهل الظاهر فيها كلام غير هذا

وتغالى عبد العزيز بن أبي سلمة حتى قال: يسجد سجودين؛ للنقص سجدتان، وللزيادة سجدتان، والذي قاله مخالف للنقل، وموافق لدليل العقل.
وأصح المذاهب في ذلك مذهب مالك رحمه الله؛ لأنه استعمل جميع أحاديث السهو، واستعمال الأحاديث مهما أمكن أولى [من الطرح] 1؛ لأن الطرح فيما لم يثبت فيه نسخ يؤدي إلى تعطيل كلام صاحب الشريعة، ولا يفترق اليقين بالسهو مع الشك فيه إلا في موضعين: أحدهما: إن شك في [الزيادة الكثيرة في أفعال الصلاة] 2 فإنه يجزئ فيه [السجود] 3 باتفاق.
بخلاف الذي يوقن بالزيادة الكثيرة، وقد قدمنا البيان في ذلك في أول المسألة.
والموضع الثاني: أن الذي يكثر عليه السهو في الصلاة بخلاف [من] 4 يكثر عليه الشك في السهو؛ لأن الذي يكثر عليه السهو لابد له من الإصلاح.
وإنما اختلف المذهب في [سجود] 5 السهو عليه، فقيل: يسجد، وقيل: لا يسجد.
والذي يكثر عليه الشك في السهو يلهى عنه، [ولا ينبني] 6 على

يقين، ويسجد للسهو قبل أو بعد على حسب اختلاف [أحوال] 1 السهو من زيادة أو نقصان.
فهذا تحصيل المذهب في مسائل السهو على الجملة، ونحن نقتفي مسائل الكتاب مسألة بعد مسألة إن شاء الله تعالى.

المسألة السابعة إن نسي السجود من الأولى والركوع من الثانية، أو نسي السجود من الأولى وذكره وهو في الثانية

فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يذكر وهو قائم في الثانية.
والثاني: أن يذكر وقد رفع من ركوعها.
فإن ذكر، وهو قائم في الثانية: فلا خلاف أنه يرجع إلى إصلاح الأولى.
فإن ذكر وقد رفع من ركوعها: فلا خلاف أيضًا أن الأولى باطلة، وعادت الثانية أول صلاته.
فإن ذكر وهو راكع [ق/ 37 جـ] في الثانية هل يرجع إلى إصلاح الأولى، أو تكون الأولى فاسدة؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 1: أحدهما: أن الأولى باطلة، والثانية أول صلاته.
والثاني: أنه يرجع إلى إصلاح الأولى ويبنى عليها.
والقولان عن مالك.
قال ابن المواز 2: المصلي مخير بين أن يمضي على التي هو فيها، أو

[يعود] 1 إلى إصلاح الأولى.
ويعد هذا القول قول ثالث في المسألة؛ فيتحصل فيها ثلاثة أقوال؛ القولان الأولان مبنيان، والثالث تردد.
وسبب الخلاف: عقد الركعة هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها؟ وعلى القول بأنه يرجع إلى إصلاح الأولى ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية، فهذا لا يخلو من أن ينسى سجدة واحدة أو سجدتين.
فإن كان نسى سجدتين فهل يخر ساجدًا من الركوع أو يرفع حتى يستوي قائمًا ثم ينحط إلى السجود؟ فالمذهب على القولين: [أحدهما: أنه يخر ساجدًا من الركوع.
والثاني: أنه لا ينحط إلى السجود وحتى يستوي قائمًا] 2. وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان، هل هي لازمة أو غير لازمة؟ فإن نسي سجدة واحدة: فإنه لا يعود إلى القيام؛ لأنه قد كان انحط إلى السجود من قيام، هكذا قال أبو الحسن اللخمي وغيره من متأخري المذهب؛ فكأنه يرى أن الرجوع إلى القيام بعد الركن زيادة مستغنى عنها، فلا يجوز له التعمد إليها.
واختلف هل ينحط إلى السجود أو يجلس ثم يسجد؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":

أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد السجدة [التي بقيت عليه] 1، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الصلاة الثاني" 2 في [الذي] 3 ترك [السجدة] 4 من الركعة، وقد قرأ أو ركع، ولم يرفع من الركعة التي تليها، قال: يرجع فيسجد السجدة التي نسى.
قال بعض الشيوخ: هذا يدل على أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد من جلوس.
والثاني: أنه يخر ساجدًا ولا يرجع إلى الجلوس، وهو ظاهر قوله في "المدونة": فيمن ركع في الثانية، وقد نسى السجدة من الأولى، قال: يترك ركوعه الذي هو فيه، ويخر ساجدًا لسجدته التي نسى.
وسبب الخلاف: الأصل الذي قدمناه -وهو الحركة إلى الأركان- هل هي لازمة أم لا؟ وأما إذا نسى السجود من الأولى، والركوع من الثانية وأتى بسجودها، هل يضيف سجود الثانية إلى الأولى، وتكون ركعة كاملة يبنى عليها أم لا؟ فعلى قولين قائمين من "المدونة" 5: أحدهما: أنه لا يضيف سجود الثانية إلى الأولى؛ وعَلَّل بأن نيته في

السجود إنما كانت للركعة الثانية، وهو نص ابن القاسم [في المدونة] 1. والثاني: أنه يضيف سجود الثانية إلى الأولى، وتصح له ركعة يبنى عليها.
وهو قول محمد بن مسلمة فيمن سهى عن سجود [الرابعة] 2 وأتى بسجدتين من سهو دخل عليه في صلاته قبل السلام، ثم ذكر أنه [لم] 3 يسجد في الرابعة أن سجدتي السهو تجزآنه عن سجود الرابعة، فإذا كانت تجتزئ بسجدتي السهو عن سجدتي الركعة الواجبة كان سجود الثانية أحرى أن يجزئ عن سجود الأولى؛ لأنه فرض عن فرض، [وذلك] 4 نفل عن فرض.
وسبب الخلاف: هل يفتقر المصلي إلى تجديد النية لكل رُكن من أركان الصلاة، أو النية [الأولى] 5 [منسحبة] 6 على جميع أركان الصلاة؟ فمرة رأى مالك أن المصلي يفتقر إلى تجديد النية لكل ركن.
وهو قوله في هذه المسألة؛ لأن نيته إنما كانت للركعة الثانية.
ومرة أخرى أن النية [الواحدة] 7 [مُنْسَحِبَة] 8 على جميع [أفعال] 9 الصلاة.

وهو قوله في "باب قصر الصلاة" 1 في المسافر إذا افتتح على الإتمام، ثم بدا له فَسَلّم من ركعتين: لم تجزئه صلاته؛ لأن صلاته على أول نيته، وهذا ظاهر لا إشكال فيه على من شد طرفًا من معاني المدونة.
فعلى القول بأنه لا يضيف سجود الثانية إلى الأولى: فإنه يسجد سجدتين يُحيى بهما الركعة الأولى، ويسجد بعد السلام؛ لأنه لم يحل بينه وبين إصلاحها عمل.
فإن قرأ وسجد ونسى الركوع، أو ركع وسهى عن الرفع من الركوع، وانحط للسجود، فإن نسى [الركوع] 2 وذكر وهو ساجد: فإنه يرجع إلى الركوع.
واختلف في كيفية الرجوع على قولين: أحدهما: أنه يرجع قائمًا ثم يركع.
وهي رواية أشهب عن مالك.
والثاني: أنه يرجع [محدوبًا] فيطمئن راكعًا، ثم يرجع، وتجزئه.
وأما إن ركع وسهى عن الرفع من الركوع، وانحط للسجود: فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: جواز الصلاة، ولا يكلف الرجوع إلى القيام، وهو قول مالك [في العتبية] 3؛ بناء على أن الرفع سنة.
والثاني: أنه يرجع إلى القيام معتدلًا كالرافع من الركوع، وهو قول ابن حبيب.

والثالث: أنه لا يرجع ويتمادى على صلاته ويعيد، وهو قول مالك مرة أخرى، مراعاة للخلاف ولعدم الترجيح.
وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا؟ [والحمد لله وحده] 1.

المسألة الثامنة فى الإمام إذا سها فصلى خامسة

فلا يخلو من معه من ثلاثة أوجه: إما أن يتبعوه كلهم.
أو يجلسوا كلهم، ولم يتبعه أحد منهم.
أو يتبعه قوم وجلس قوم.
فإن تبعوه كلهم: فلا يخلو حالهم من ثلاثة أوجه: حالة يتساوون معه في السهو.
وحالة يكونون فيها على يقين من تمام الصلاة كلهم.
وحالة يسهو بعضهم كسهوه، وبعضهم على يقين من تمام صلاتهم.
فإن سهوا كلهم سهوه [ق/48 أ] فاتبعوه: فلا إشكال في صحة الصلاة وجوازها، وأنهم فعلوا ما يجب عليهم.
فإن تمادوا على اتباعه بعد علمهم بتمام صلاتهم: فلا يخلو من أحد وجهين: أحدهما: أن يتبعوه [عمدًا] 1 على معنى التأويل، أو [على] 2 غير تأويل.
فإن اتبعوه على غير تأويل: فلا خلاف في بطلان صلاتهم وصحة

صلاة الإمام.
فإنهم متأولون في اتباعه أن عليهم اتباع الإمام: فالمذهب على قولين: [أحدهما] 1: أن صلاتهم جائزة، ويعذرون بالتأويل، وهو قول سحنون 2. والثاني: أن صلاتهم فاسدة، ولا يعذرون بالتأويل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" وهو أحد أقاويل سحنون أيضًا.
فإن اختلفت أحوالهم؛ فبعضهم سهى لسهوه، وبعضهم اتبعوه عمدًا: فصلاة الساهين جائزة، وصلاة العامدين باطلة -على الخلاف الذي قدمناه في التأويل إذا تأولوا.
فإن جلسوا ولم يتبعه أحد منهم: فلا يخلوا جلوسهم من أن يكون على يقين منهم [في تمام] 3 الصلاة، أو على شك.
فإن [كان] 4 على يقين: فلا خلاف في [صحة صلاتهم] 5 وأنه لا يجوز لهم الرجوع إلى يقين الإمام [ويتركوا يقينهم.
واختلف في الإمام] 6 هل يترك يقينه ويرجع إلى يقين القوم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه [يبنى على] 7 يقين نفسه، ولا يرجع إلى يقين القوم،

وهو المشهور.
والثاني: أنه يرجع إلى يقين القوم إذا [كانوا] 1 عددًا كثيرًا، وحكاه ابن الجلاب.
والأصح أنه لا يرجع إلى يقينهم، إلا أن يُخَالجه رَيْب فيجب عليه الرجوع إلى يقين القوم؛ لأن السهو والغلط من الجماعة أبعد [عنهم] 2 من الواحد؛ ولذلك رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يقين القوم [في حديث ذي اليدين لما أخبروه بصحة ما قال ذو اليدين، فَخَالَجَه رَيْبٌ في يقينه فرجع إلى يقين القوم] 3. فإذا [كان] 4 كل واحد منهم على [بصيرة] 5 من أمره [حقيق] 6 من شأنه: وجب على كل واحد منهم أن يعمل على ما في يقينه، ولا يجوز لواحد منهم أن يرجع إلى ترك يقينه، والرجوع إلى يقين غيره، ويترك يقينه، وهذا هو الأصل الذي عليه الاعتماد، وهكذا ذكر الشيخ ابن أبي زيد في ["النوادر" 7] 8. وإليه يرجع ما في المدونة إذا اعتبرته.
فإن جلسوا على شك من تمام صلاتهم: فصلاتهم باطلة باتفاق المذهب.

فإن جلس قوم، واتبعه قوم: فصلاة الجالسين جائزة إن جلسوا على يقين، وصلاة من اتبعه باطلة إن اتبعوه على طريق العمد.
فلو أنه لما فرغ من الخامسة، وسلم قال: إنما كنتُ تركتُ سجدة من الأولى: أما من جلس: فإن [جلسوا] 1 على يقين: فصلاتهم جائزة، وإن داخلهم الشك بعد ذلك فصلاتهم فاسدة.
وأما الذين اتبعوه [وسهوا بسهوه فصلاتهم جائزة؛ لأنهم اتبعوا في ذلك: حكم الإمام وأما الذين اتبعوه] 2 على طريق العمد: إن أيقنوا بتمام الصلاة: فصلاتهم فاسدة [إلا أن يتأولوا] 3 على الخلاف في التأويل.
ولو صلى خامسة فأتبعه من بقيت عليه ركعة: فإن علم أنها خامسة: بطلت صلاته، ويبتدئها من أولها.
وإن لم يعلم فإنه يقضي ركعة ويسجد بعد السلام إذا فرغ من القضاء كما يسجد إمامه.
ولو قال الإمام كنتُ أسقطت سجدة من الأولى لأجزأت من اتبعه ممن فاته ركعة، وهذا قول مالك في "كتاب ابن المواز" 4 [والحمد لله وحده] 5.

المسألة التاسعة فيمن ذكر سجود السهو

فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يذكر ذلك في غير الصلاة.
والثاني: أن [يذكرها] 1 وهو في الصلاة.
فإن [ذكر ذلك] 2 في غير الصلاة، وكان السجود قبل السلام أو بعده إذا كان مما لا تعاد منه الصلاة إن نسيه حتى [عاد] 3 بعد السلام، فهل يفتقر إلى إحرام أم لا؟ فالمذهب على [ثلاثة أقوال] 4: [أحدها] 5: أنه يحرم [لهما] 6 كانتا [من] 7 قبل أو بعد في الأصل، وهو قول مالك، وبه قال ابن الجلاب.
والثاني: أنه لا إحرام لهما جملة، وهو قول مالك في كتاب محمد.
والثالث: التفصيل بين ما كان [قبل أو بعد] 8؛ فما كان بعد في

الأصل فيحرم [لما كان عن قبل، ولا يحرم لما كان بعد] 1، وهو قول ابن المواز.
وهكذا السلام [منها] 2 يبنى على الإحرام؛ لأن السلام تحليل، [والتحليل] 3 يفتقر إلى سابقة التحريم.
واختلف أيضًا في التشهد لهما؛ فقيل: يتشهد لهما قبل أو بعد، وهو قول ابن القاسم.
وقيل: يتشهد فيما [كان] 4 بعد، ولا يتشهد فيما [كان] 5 قبل.
وهو قول عبد الملك [وقيل: يجب التشهد فيما كان بعد ويستحب فيما كان قبل، وهو قول ابن عبد الحكم] 6. وسبب الخلاف: مفهوم أحاديث السهو؛ كحديث [أبي] 7 جحيفة، وحديث ذي اليدين، فظاهر الأحاديث [ومفهومها] 8 أنه لم يتشهد، ولم يكبر؛ لأنه لم يذكره في الحديث.
ولا خلاف أنهما يفتقران إلى الطهارة.
وهذا الخلاف أيضًا يتخرج على الخلاف في سجود السهو، هل هو فرض أو سنة؛ فالشافعي يرى أنه سنة، وأبو حنيفة يرى أنه فرض خارج

عن شروط صحة الصلاة، وفرق مالك بين سجود السهو للأقوال وسجود السهو للأفعال، وبين الزيادة والنقصان من الأفعال والأقوال.
أما سجود السهو الذي بعد السلام: فإنه أصل بلا خلاف في [مذهب] 1 مالك [رحمه الله] 2 أنه مندوب إليه.
[وأما سجود السهو] 3 الذي قبل السلام فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سنة واجبة، وأنه إن ترك السجود لهما حتى تطاول: أعاد الصلاة سواء كانت عن فعل أو عن قول، وهو ظاهر قول مالك فى المدونة [وهو نص قول ابن القاسم في كتاب ابن الجلاب ولا خلاف] 4 فيمن سهى عن ركعة أو سجدة أو عن سجدتي السهو قبل السلام [فطال] 5 ذلك فليعد الصلاة.
فساوى بين من نسى سجدتي السهو أو ركعة، ولم يفصل من أي شيء كان سجوده.
والثاني: أنهما غير واجبتين ولا إعادة عليه في تركهما -كانتا من قول أو من فعل- وهو قول ابن عبد الحكم.
والثالث [ق/ 38 جـ]: التفصيل بين أن يترك الجلوس على ركعتين أو ترك قراءة أم القرآن من ركعة واحدة: فتبطل صلاته.
وإن كانتا من غير هاتين: فلا تبطل صلاته، وهو قول مالك في كتاب

ابن المواز.
وسبب الخلاف: سجود السهو قبل السلام، أو كان بعد السلام هل يجبر بهما الشيء، [أو] 1 إنما هو ترغيم للشيطان؟.
فمن رأى أنه جبر صلاته قال بوجوبها وتعاد الصلاة بتركها إذا كانتا قبل السلام.
ومن رأى أنهما ترغيم للشيطان قال: لا تبطل الصلاة بتركهما، وهو اختيار اللخمي رضي الله عنه.
وأما إن ترك سجود السهو وهو في الصلاة: فلا يخلو من أن يكون قبل السلام أو بعد السلام، فإن كان بعد السلام: فإنه يتمادى على صلاته، ولا تأثير للذكر فيها، كانت فرضًا أو نفلًا، كان السجود من فرض أو نفل.
وإن كان قبل السلام: فلا يخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون قبل السلام من فريضة، فذكره وهو في فريضة.
أو ولا يكون من نافلة [فذكره] 2 وهو في نافلة أخرى.
أو من فريضة وهو في نافلة.
أو من نافلة وهو في فريضة.
والأقسام كلها في المدونة.
وأما الوجه الأول: وهو أن يكون قبل السلام من فريضة [فذكره] 3 وهو في فريضة أخرى: فلا يخلو من وجهين:

أحدهما: أن يذكر ذلك قبل الطول.
والثاني: أن يذكره بعد الطول.
فإن كان قبل الطول: فهل يرجع إلى إصلاح صلاته الأولى، أو يتمادى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن يرجع إلى إصلاح الأولى، وينقض ما كان فيه بغير سلام.
وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" 1. والثانى: أن الأولى باطلة بنفس الإحرام في الثانية، ويقطع ما هو فيه، ويرجع إلى إعادة الأولى، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" [فيمن] 2 سهى عن شيء من فروض صلاته، ولا فرق بين أن يسهى عن ركعة أو عن سجدتي السهو.
وقد قال في المدونة فيمن سهى عن ركعة أو عن سجدة أو عن سجدتي السهو، وقد قال في المدونة قبل السلام، فطال ذلك فإنه يعيد، فساوى بين الركعة أو سجدتي السهو.
والثالث: أنه يتمادى على الثانية، ولا تبطل الأولى، فإذا فرغ منها سجد للسهو قبل السلام وهو قول ابن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: سجود السهو قبل السلام، هل هو فرض أو سنة؟ فمن رأى أنه [فرض أو أنه] 3 ركن كالركعة والسجدة: فقال يرجع

إلى إصلاح صلاته [الأولى] 1 ما لم يطل.
ومن رأى أنه سنة لا تأثير له في بطلان الصلاة: يقول: يتمادى على الثانية.
ومن قال: لا يرجع إلى إصلاح [الصلاة] 2 وإن لم يطل، بل يقطع ويرجع إلى الإعادة يرى أن الإحرام ركن كالركعة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الوضوء" في "الرعاف".
وإن كان ذلك بعد الطول في القراءة، أو ركع فهل يتمادى على الثانية [كما قال ابن عبد الحكم] 3 أو تفسد عليه الأولى، والثانية، وهو قول ابن القاسم.
أما فساد الأولى: فلأجل الطول الحائل بينه وبين إصلاحها.
وأما فساد الثانية: فلذكر الصلاة فيها.
فإن [ذكر] 4 ذلك بعد ما صلى ركعة فهل [ق/ 24 ب] يتمادى إن كانت نفلًا أو يشفعها إن كانت فرضًا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يقطع، وهو نص قول مالك في النافلة في "كتاب الصلاة "الأول"] 5. والظاهر من قوله في الفرض فيمن افتتح صلاة الظهر، فذكر صبح

يومه: أن صلاته فاسدة، فإذا كانت فاسدة فلا يؤمر بأن يشفع إذا كان على وتر منها 1. والثاني: أنه يتمها إن كانت نفلًا، ويشفعها إن كانت فرضًا، وهو استحباب من ابن القاسم في كتاب الصلاة الثاني من المدونة.
وقول ابن القاسم: يشفعها أحب إلىّ، إشارة إلى الخلاف.
وأنه يجوز [له] 2 القطع على ركعة واحدة.
فإن [كان] 3 بعد ركعتين: فإنه يقطع بسلام -على قول- ويتمادى على قول.
وإن كان بعد ثلاث ركعات هل يتمها أربعًا، أو يقطع بعد ثلاث؟ قولان منصوصان في "كتاب الصلاة [الثاني من المدونة وإلى المساواة بين هذه المسألة ومسالة "كتاب الصلاة الأول"] 4 فيمن ذكر صلاة في صلاة 5. ذهب أكثر شيوخ المذهب إلى أن ذلك اضطراب من القول؛ لأن قوله في [ق/ 49 أ] أحد السؤالين يلزم في الآخر، وهذا هو المشهور.
وبعضهم يحمل ما في [الكتابين] 6 على اختلاف السؤال، وقالوا: لا ينبغي أن يختلف قوله [بعد] 7 ركعة في الفرض والنفل، ولا بعد

ثلاث في الفرض أنه يشفع في مسألة السهو لاتساع الوقت فيها بخلاف الفائتة التي ذكرها في صلاة؛ لأن تلك قد ضاق وقتها، وهذا الذي قاله ليس بالبين، والأول أظهر [وأجرى] 1 على قانون الكتاب.
وهكذا الجواب في الوجه الآخر إذا ذكرها من فرض وهو في نفل.
والوجه الثالث: إذا ذكرها من نافلة وهو في نافلة، فإن كان قبل أن يتطاول أو ركع: قطع بغير سلام، ويرجع إلى الإصلاح على مذهب ابن القاسم 2. وإن كان بعد الطول، أو بعد الركوع، وبعد انعقاد الركعة قولان؛ هل يتمها أو يقطع؟ وبعد الركوع وقبل الرفع قولان.
وسبب الخلاف: عقد الركعة هل هو الرفع منها أو وضع اليدين على الركبتين؟، وهو أيضًا في الفرض والنفل.
واختلف الأشياخ في حكم الطول على ظاهر "المدونة" أعني طول القراءة -هل هو كما لو ركع؟ فيدخله الخلاف، هل يأتي بركعتين كما لو ذكر بعد ركعة أم لا؟ فذهب بعضهم إلى ظاهر "المدونة": أن الطول كالركوع من كل وجه مما تحتمله المسألة.
وبعضهم [يقول] 3: لا يتساويان من كل وجه في المسألة؛ وإنما يتساويان من حيث أن ذلك حائل يحول بينه وبين إصلاح الأولى خاصة،

وهذا أبعد عن ظاهر الكتاب [لمن تأمله] 1. وأما الوجه الرابع: إذا ذكر ذلك من نافلة، وهو في فريضة، هل يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقِصر ولا بالركوع أم لا؟ فالذي يتخرج في المسألة قولان: أحدهما: أنه يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقصر، وهو ظاهر قوله في المدونة: إن كان قريبًا رجع إلى صلاته إن كانت فريضة ونقض ما كان فيه.
ومفهومه: إن كانت نافلة لا يرجع إليها من الفريضة -قرب أو بعد؛ إذ لا يبطل الأعلى بالأدنى.
والثاني: أنه يفصل فيها بين القُرب والبُعد كما فصل في الفريضة، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" أيضًا حيث ساوى بين الركعة وسجدتي السهو، وهو نص ابن عبد الحكم في غير المدونة فيمن ذكر سجدة من نافلة [في صلاة الفرض] 2 بعد ركعة أو ركعتين: أنه يعود إليها فيصليها بسجدة ثم يتشهد ويُسَلِّم.
وقال القاضي [أبو الفضل] 3 في الفرق بين الفرض والنفل 4: وهذا مما لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى، والخلاف لازم [في] 5 المسألة التي أوردناها، والأمر كما ترى وربك أعلم [والحمد لله وحده] 6.

المسألة العاشرة إذا جهر فيما يُسرُّ فيه، أو أسر فيما يجهر به

فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون ناسيًا.
والثاني: أن يكون عامدًا.
فإن كان ناسيًا، وأسر فيما يجهر فيه: فقد نقل أبو الحسن اللخمي في المذهب قولين: أحدهما: أنه يسجد قبل السلام -وهو المعروف- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 1. والثاني: أنه يسجد بعد السلام، وهي رواية أشهب عن مالك فيما حكاه 2. وهذا القول غير معروف في النقل، ولا له وجه أيضًا، إلا أن يقال: إنه زاد الإسرار.
فإن جهر فيما يسر فيه ناسيًا: فقد قال في "المدونة" 3: فإن كان شيئًا يسيرًا مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، ونحوهما الآية: فلا سجود عليه.
وإن كان كثيرًا فإنه يسجد بعد السلام، وهو قوله في "المدونة".
فإن كان عامدًا: مثل أن يسر فيما يجهر فيه عامدًا، فهل يعيد أم لا؟

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يعيد، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" 1 فأطلق، وقال عيسى بن دينار: يعيد وإن ذهب الوقت.
والثاني: أنه يستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه.
وإن جهر فيما يسر فيه عامدًا: فعلى القولين: أحدهما: أنه يعيد، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم؛ لأن هذا عابث.
وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" 2، في الإمام إذا مَرَّ بقرية لا يجمع فيها لصغرها فجمع بهم الجمعة، حيث قال: فأما الإمام ومن معه من المسافرين، فإنهم يصلون ركعتين [فأمر لهم] 3 بالإعادة، وهم إنما يعيدونها ركعتين في الصلاة التي صلوها ركعتين، ولم [يذكر] 4 هناك شيء يوجب الإعادة سوى زيادة الجهر خاصة.
والثاني: أنه لا سجود عليه، ويستغفر الله، ولا شيء عليه، وهو ظاهر قول ابن نافع في المسألة التي استدللنا بها أنهم لا يعيدون؛ لا الإمام ولا المسافرون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تارك السنن [عامدًا] 5 هل يعاقب [بفساد العبادة التي هو فيها أم لا يعاقب] 6 بفسادها ويكون منه مأثومًا،

[أو] 1: يستغفر الله، ولا شيء عليه [والحمد لله وحده] 2.

المسألة الحادية عشر إذا قام من [اثنتين فى نافلة]

1 فإنه يرجع ما لم يركع في الركعة الثالثة، ويسجد بعد السلام [وإن ذكر وهو راكع في الثالثة فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنه يرجع إلى الجلوس، ويسجد بعد السلام.
والأخرى: أنه يتمادى إلى أربع.
وسبب الخلاف: ما تقدم في غير هذه المسألة] 2. فإن ذكر بعد أن [رفع رأسه] 3 صلى أربعًا ويسجد بعد السلام.
فإن سهى حتى صلى خامسة: [فإنه يرجع ولا يأتي] 4 بسادسة، ويسجد بعد السلام؛ لأن النافلة في قول بعض العلماء [أربع] 5 [وأما في] 6 قول مالك: فركعتان، وهذا نص المدونة.
وفي رواية [أخرى] 7: يسجد ولم يفسر لا قبل ولا بعد؛ فاختلف المفسرون والمتأولون في تأويل ما وقع في المدونة؛ فمنهم من جعله اختلاف أقوال، ومنهم من جعله اختلاف سؤال، ومنهم من جعله اختلاف أحوال، ومنهم من جعله أوهام وأغاليط، لِمَا أدخل على المذهب من

الإشكال.
[فأما] من جعله اختلاف أقوال: فيحمل عنده على اختلاف من قول مالك في السهو إذا اجتمعت فيه الزيادة [والنقصان] 1 على ما له في "العتبية" من القولين: أحدهما: أنه يسجد قبل.
والثاني: أنه يسجد بعد.
وهي رواية زيادة عنه أيضًا، وبيانه: أن ذلك اختلاف قول أن الزيادة والنقصان في الكتابين؛ لأنه إذا صلى نافلة أربعًا بتسليمة واحدة نقص السلام وزاد ركعتين؛ إذ الواجب عليه أن يسلم على كل شفع.
وربما استدل قائل هذا بقول ابن القاسم في الكتاب، وكان يفرق بين الفريضة في هذا والنافلة؟ قال: نعم 2. ولا يتبين الفرق بين الفريضة والنافلة في القائم إلى خامسة، وانتهى إلا في نقص السلام [ق/ 39 جـ] خاصة؛ [لأنه في] 3 الفريضة معه زيادة محضة، ومعه في النافلة زيادة ونقص وهو السلام من اثنتين.
ولو كان لأجل نقص الجلوس -كما قال بعضهم- لما افترقت الفريضة والنافلة، وإلى هذا التأويل ذهب أبو محمد بن أبي زيد في "رسالته" 4، وابن شبلون، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
وأما القائلون بأنه اختلاف سؤال: فحملوا على أنه جواب على مذهب

من يرى النافلة أربعًا؛ فحمل قوله: إنه يسجد قبل السلام، إذا صلى أربعًا على أنه ترك الجلوس على الركعتين الأوليين؛ لأنه نقص.
وفي السؤال الثاني زاد ركعة، وجلس على ركعتين، فاختلف الجواب لاختلاف السؤال.
واحتج لتأويله هذا بقوله في الكتاب؛ لأن النافلة إنما هي أربع من قول بعض العلماء، وإلى هذا التأويل أشار ابن أبي زمنين.
قال بعض المتأخرين: هذا التأويل لا يصح؛ إذ لا [يصح] 1 لأحد أن يفتي على مذهب غيره، وإنما يفتي على مذهب نفسه، أو على الاحتياط بمراعاة [خلاف] 2 غيره عند عدم الترجيح، أو خاف فوات النازلة.
وأما أن يترك مذهب نفسه، ويفتي بمذهب غيره المضاد لمذهبه، فهذا لا يسوغ.
ولو أفتى على مجرد قول المخالف في المسألة لما ألزمه سجود السهو في الخامسة، ولا الرجوع عن السادسة؛ إذ قال الشافعي وغيره: يجوز له التنفل بما شاء من العدد شفعًا ووترًا، وإن كان يستحب له مثنى مثنى، وأما الاحتجاج بقوله: "لأن النافلة أربع في قول بعض العلماء" 3، وإنما هو حجة للتفرقة بين المسألتين في الإتمام والرجوع، فجعله يتم أربعًا إذا قام [إلى] 4 الثالثة؛ لأن من أهل العلم من يرى ذلك اختيارًا، وإن كان مالك لا يراه ولم ير له أن يتم ستًا إذا قام لخامسة؛ لأنه لا يقول به

من قال بالأربعة ولا يستحسنه، وإن جاز له فعله إذا وقع، [وهكذا ينبني] 1 الاحتجاج به، والله أعلم.
وأما من جعله اختلاف أحوال فيقول: إن القائم إلى خامسة لم ينقص غير السلام، وقد أتى به [بعد] 2 ذلك، وقد جلس على الاثنتين، وليس معه إلا الزيادة المحضة؛ فلذلك [قال:] 3 يسجد بعد السلام والمصلي أربعًا، لم يجلس على ركعتين فمعه نقص، وإلى هذا [ذهب] 4 إسماعيل القاضي، وأبو الحسن القابس، وابن الكاتب، وابن أبي زمنين.
وأما من حمله على الأوهام والأغاليط قال: معنى قوله: يسلم ثم يسجد: وهم وغلط، صوابه: ويسجد ثم يسلم، وهو تأويل أبي محمد اللواتي.
وهذا كله على الرواية المشهورة أنه يسلم ثم يسجد.
وأما الرواية الأخرى: أنه يسجد لسهوه، ولم يفسر، فلا تفريع عليها، وإنما تحمل على الرواية المفسرة، والله أعلم [والحمد لله وحده] 5.

المسألة الثانية عشرة فى السلام من الصلاة

والكلام فيه في أربعة مواضع: الأول: ما حكمه؛ هل هو فرض أو سنة؟ والثاني: في تعيين لفظه.
والثالث: في عدده.
والرابع: في صفة وقوعه.
فأما الأول: هل السلام فرض أو سنة؟ فقد اختلف فيه المذهب -عندنا- على قولين: أحدهما: أنه فرض لا يخرج المصلي من الصلاة إلا به، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه ليس بفرض، وأنه يخرج من الصلاة بالحدث وغيره، وهو قول [ق/ 50 أ] ابن القاسم في "العتبية"، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الوضوء" 1 أيضًا.
وقد قال في المأموم إذا رعف بعد التشهد، وقبل سلام الإمام: أنه يخرج فيغسل الدم، ثم يرجع فيسلم.
فإن رعف بعد سلام الإمام، وقبل أن يسلم هو: فإنه يسلم، وصلاته تامة فأباح له أن يسلم وهو حامل للنجاسة.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار.

فأما تعارض [الأخبار] 1: فمنها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" 2. ويعارضه حديث عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، أن عبد الرحمن بن نافع، وبكير بن سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته" 3. فمن رجح حديث علي رضي الله عنه قال بوجوب السلام، ولا تصح الصلاة إلا به، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، ولاسيما أن أبا عمر ابن عبد البر ضعَّف حديث الإفريقي، قال: هو عند أهل [النقل] 4 ضعيف؛ لأنه شيء انفرد به 5. وأما من جهة الاعتبار: [فلما كان] 6 الاتفاق [بين] 7 المالكي

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل