كتاب الصلاة الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الرداء وغيره [من اللباس] 1 واحتج لذلك بما جاء في الحديث من: أنه كان رجال يصلون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على أعتاقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: [لا ترفعن رؤوسكن] 2 حتى يستوي الرجال جلوسًا 3.
ثم المصلون [ينقسمون] 4 [قسمين] 5؛ ذكرانًا وإناثًا.
فالذكران لا يخلو حالهم من خمسة أوجه:
أحدها: أن يجدوا ثيابًا طاهرة مما يجوز لهم لباسها عرفًا وشرعًا.
والثاني: أن يجدوا ثيابًا نجسة.
والثالث: أن يجدوا ثيابًا محرمة اللباس.
والرابع: أن يجدوا ثيابًا بخسة، وثيابًا محرمة من الحرير.
والخامس: ألا يجدوا ثيابًا أصلًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وجد المصلي ثيابًا طاهرة [مما] 6 يجوز لبسها عُرْفًا وشرعًا كسائر اللبالس [سوى] 7 الحرير: فإنه يتعين ستر عورته وجوبًا، أو ندبًا؛ على الخلاف الذي قدمناه أول المسألة، ثم يستر ما بقى من جسده بعد العورة على معنى الفضيلة والكمال.
واختلف في حَدّ ما يكون عورة من جسده الذي يتعين عليه ستره في
الصلاة على ثلاثة أقوال منصوصة في المذهب، قائمة من "المدونة".
أحدها: أن جميع جسده عورة، وهو قول [القاضي] 1 أبي الفرج، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النذور"؛ لأنه [قال] 2 إن كسا المساكين و [إن] 3 كن نساء فدرع وخمار.
وإن كانوا رجالًا: فثوب [واحد] 4، وذلك أدنى ما [تجزئ] 5 فيه الصلاة؛ لأن مالكًا لا يرى أن يجزئ المئزر المُكْفت، ويؤيد ذلك قوله عليه السلام: "لا يصل الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" 6.
لأن الزينة لا تقع على من صلى بمئزر في وسطه [لا غير ذلك] 7.
والقول الثاني: أن العورة التي يجب عليه سترها: من الصرة إلى الركبتين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلاة الأول" من "المدونة" 8 حيث قال فيمن صلى بالمئزر أو بالسراويل، وهو يقدر على الثياب فإن صلاته جائزة، فإن صلى عريانا وهو يقدر على الثياب: أعاد [ق/ 34 أ] أبدًا.
والثالث: أن العورة السوءتان خاصة، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وهو قول مالك في "كتاب الجنائز" من "المدونة" 9 [في ستر
عورة الميت أنها السوءتان خاصة] 1.
ويتخرج في المذهب قول رابع بالتفصيل بين البيوت والمساجد؛ إن صلى في المساجد سترها، وإن صلى في بيته فلا شيء عليه إذا لم يسترها.
ولا شك أن سترها عن المخلوقين وعن الملائكة [مستحب] 2.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار، من ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" 3.
ومنها: ما روى أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الفخذ عورة" 4.
ومنها: حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسر عن فخذه، وهو جالس مع أصحابه 5.
والأحاديث كلها ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - -فمن سلك مسلك الترجيح، رجح الحديث الأول: "لا يصلي الرجل في ثوب واحد"؛ [يقول] 6: الجسد كله عورة.
ومن رجح [الحديث الثاني] 7: "الفخذ عورة"، قال: العورة من الصرة إلى الركبتين.
ومن رجح حديث أنس، قال: العورة السوءتان خاصة، فإن كان معه
رداء وقميص، فإنه يستحب له أن يتجمل بهما في الصلاة، سواء صلى في بيته أو في المسجد، وهو الذي [اختاره] 1 بعض العلماء لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 2 -يريد الصلاة- على [معنى] 3 الاستحباب.
وأما الجواز فقد قدمنا ما تجوز به الصلاة.
وحديث أبي هريرة أيضًا [أنه قال] 4: لا أصلي في ثوب واحد، وإن ثيابي لعلى المشجب، وذلك في بيته.
وأما الصلاة في [المساجد] 5 فينبغي أن يخرج إليها على أحسن [ثيابه] 6، [حتى] 7 قال بعض العلماء: لا ينبغي للرجل أن يمشي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء كما لا ينبغي للإمام أن يصلي بغير رداء، [كأنه] 8 يرى ذلك من قلة المروءة.
والذي قاله يختلف باختلاف البلدان، فيصح ذلك في البلاد التي جرت العادة [بالأردية] 9 على الثياب؛ فيكون من خرج بغير رداء شهرة بين القوم.
وأما البلاد التي جرت عادته بترك الارتداء: فلا وصم في ذلك، والله
أعلم.
فإن لم [يجد] 1 إلا ثوبًا واحدًا: فلا يخلو من أن يكون قصيرًا أو طويلًا.
فإن كان قصيرًا: فإنه يأتزر به، وإن كان طويلًا: كيف يصنع في لبسه؟
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن اشتمال الصَّمَّاء 2.
وروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى في ثوب واحد متوشحًا 3.
والتوشح: ضرب من الاشتمال، فالاشتمال عند العرب على ثلاثة [أوجه] 4:
[منها] 5 اشتمال الصَّمَّاء: وهو أن يلتوي في ثوبه، ولا يدع ليديه مخرجًا إلا من أسفله.
وهذه اللبسة التي نهى عنها مأخوذ من الصَّمَم؛ لأنه لا منفذ ليديه إلا من تحت الثوب، فإذا أخرجهما ورفعهما انكشف فرجه.
و [الضرب] 6 الثاني: الاضطباع: وهو أن يرتدي ويخرج الثوب من تحت يده اليمنى.
فقال ابن القاسم: هو من ناحية الصماء.
ولا خلاف أن اللبستين ممنوعتان مع عدم الإزار.
ومع وجود الإزار: الكراهة، والإجازة [بغير] 1 كراهة.
و [الضرب] 2 الثالث: التوشح المباح في الصلاة وغيرها؛ أن يأخذ ثوبه تحت يده اليمنى فوضعه على كتفه الأيسر، وأخذ الطرف الآخر من تحت يده اليسرى فوضعه على كتفه اليمنى.
فهذه صفة التوشح [المباح] 3، وهو تفسير [القاضي] 4 أبي الوليد الباجي [رضي الله عنه] 5.
والجواب عن الوجه الثاني:
[إن] 6 لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؛ فإنه يصلي به ولا يصلي عريانًا مع وجوده.
فإن وجد ثوبًا طاهرًا في الوقت، أو ما يغسله به، فإنه يعيد في الوقت.
واختلف في حد الوقت على قولين:
أحدهما: [أن آخر الوقت] 7 الاصفرار [في الظهر والعصر] 8 والمغرب، والعشاء: الليل كله؛ بمنزلة ما لو صلى به ناسيًا.
وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أن الوقت [فيه] 1 بغروب الشمس [في الظهر والعصر] 2 والليل كله إلى طلوع الفجر في المغرب والعشاء.
وهو قول ابن المواز في الغروب [ق/ 17 ب].
والفرق بين الليل [والنهار] 3 أن الإعادة في الوقت استحبابًا، فأشبهت التنفل، فكما لا يجوز التنفل إذا اصفرت الشمس، فكذلك لا يعيد به ما وجب فيه إعادته.
ولما جاز التنفل في الليل كله: جازت الإعادة [فيه] 4 والله أعلم.
و [أما] 5 الجواب عن الوجه الثالث: إذا لم يجد إلا ثوب حرير، هل يصلي به أم لا؟.
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يصلي [فيه] 6 ولا يصلي عريانًا.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 7؛ لأنه قال: يصلي بالحرير [أحب إليَّ] 8 مع وجود الثوب النجس.
والثانى: أنه يصلي عريانًا ولا يصلي به.
وهو قول أشهب في "الموازية" 1، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه.
فوجه القول إنه يصلي عريانًا؛ بناء على أن وجوده كالعدم على سواء؛ لنهيه عليه السلام [الذكور] 2 عن لباس الحرير.
ووجه [قول] 3 من [ق/26جـ]، جوز [الصلاة به] 4: بناء على أن النهي لما كان للسرف؛ فإن من اضطر إليه غير قاصد إلى السَّرَف: فيجوز له لبسه.
فكيف الصلاة فيه، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - لباسه لعبد الرحمن بن عوف لأجل الحَكَّة التي كانت ["به" 5] 6؟.
[واختلفوا] 7 فيمن صلى فيه [مختارا] 8 على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن صلاته جائزة ولا يعيد، وهو قول ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يعيد أبدًا، وهو قول ابن حبيب.
والثالث: أنه يعيد في الوقت، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ 9.
فمن رأى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، قال: يعيد أبدًا؛ لأنه ارتكب محظورًا في لبس ما حرم عليه لبسه، اتفاقًا في المذهب؛ فصار بمنزلة من صلى عريانًا مع [وجود] 1 القدرة على الثياب.
ومن رأى أنه لا يدل على الفساد، قال: لا يعيد الصلاة؛ لأنه ليس كالعريان.
والمرأة لو صَلّت فيه لجازت صلاتها، وإنما هو عَاصٍ في اللبس مُطِيعًا في الصلاة، كمن صلى بثوب مغصوب، فإن صلاته تجزئه.
والجواب عن الفصل الرابع:
إذا كان معه ثوبان؛ نجس وحرير [طاهر] 2، هل يصلى بالحرير أو بالنجس؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يصلي بالحرير ويعيد في الوقت إذا وجد ثوبًا طاهرًا أو ما يغسل به [النجس] 3 وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 4.
والثاني: أنه يصلي بالنجس، ولا يصلي بالحرير، فإن صلى بالنجس: أعاد في الوقت، وإن صلى بالحرير فلا [يعيد أصلًا] 5 وهو قول أصبغ = وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض المعتزلة.
الثالث: التفريق بين ما نهى عنه لعينه كالزنا، والسرقة، فهذا يقتضي الفساد.
وما نهى عنه لغيره كالبيع عند النداء فلا يقتضي الفساد.
وهذا المذهب منسوب لأبي حنيفة والشافعي.
الرابع: أن النهي عن الفعل يقتضي صحة المنهى عنه، وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن وكثير من الأحناف.
في "كتاب محمَّد" 1.
وسبب الخلاف: تعارض العمومين، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحرير محرم على ذكور أمتي" 2.
[فظاهره] 3 العموم في الصلاة وفي غيرها، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
والثاني: عموم قوله تعالى: ﴿[يَا بَنِي آدَمَ] 4 خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 5.
ويعضده الإجماع [على] 6 أن ستر العورة واجب جملة في الصلاة، وفي غير الصلاة، وأن المساجد المرادة في الآية هي الصلاة.
والإجماع أيضًا على أن من تعمد الصلاة بثوب نجس مع القدرة على ثوب طاهر يجوز [له] 7 لبسه: لا تجوز [الصلاة فيه] 8 [فنهى] 9 النبي عليه السلام عن لباس الحرير يقتضي ألا تجوز الصلاة به عمومًا أصلًا.
وانعقاد الإجماع يقتضي أيضًا ألا يصلي بثوب نجس عامدًا عمومًا.
ولا شك [ولا خفاء] 1 أن الضرورة لها تسليط على [تخصيص] 2 العمومين على البدل؛ إذ [يجوز] 3 له [لباس] 4 الحرير إذا اضطر إليه كما يصلي بالثوب النجس إذا اضطر إليه.
[فكل ما] 5 جاز لبسه على الضرورة جاز أن يصلي به؛ فإذا وجد ثوبًا نجسًا، وثوبًا حريرًا طاهرًا [هل يصلي بالنجس استصحابًا للحال أو يصلي بالحرير؛ لأنه ثوب طاهر حلال لبسه للذكران على وجه قياسًا على ما لو وجد ثوبًا طاهرًا] 6 يباح له على كل الأحوال، [والحمد لله وحده] 7.
والجواب عن الوجه الخامس:
إذا لم يجد المصلي ثوبًا أصلًا [ومن لم يجد ثوبًا يصلي به] 8: فإنه يصلي عريانًا لا يسعه ترك الصلاة، بخلاف العادم للماء والتراب، ولا إعادة عليه إن وجد الثوب في الوقت.
واختلف إن طلع عليه رجل بثوب [طاهر] 9 وهو في الصلاة [هل يقطع أم لا] 10 على قولين:
أحدهما: أنه يقطع.
وهو قول [سحنون] 1.
والثاني: أنه يتمادى ويعيد في الوقت [بالثوب] 2 وهو قول ابن القاسم.
فجعله ابن القاسم كالمتيمم طلع عليه رجل بالماء وهو في الصلاة.
وفرق سحنون بينهما، والفرق أظهر.
وإن كان بعض المتأخرين استحسن قول ابن القاسم.
والفرق بينهما -على قول [سحنون] 3 - أن المتيمم دخل الصلاة بإحدى الطهارتين؛ فلذلك لا ينقض صلاته طروء الماء عليه، والعريان دخل في الصلاة بغير بدل ولا أصل، فكان ينبغي أن يقطع الصلاة إذا وجد ثيابًا بالمعنيين:
أحدهما: عام، وهو ستر العورة.
والثاني: خاص و [هو] 4 الصلاة بثوب.
فإن كانوا جماعة، فإنهم يصلون [أفذاذًا] 5 قيامًا متباعدين حيث لا ينظر بعضهم إلى [عورة] 6 بعض.
فهل لهم أن يتجمعوا جماعة في إحدى صلاتي النهار؟
فالمذهب على قولين 7:
أحدهما: [أنهم يصلون] 1 أفذاذًا ولا يجتمعون، وهو ظاهر [المدونة] 2.
والثاني: أنهم يجتمعون جماعة ويكونون صفًا واحدًا، وإمامهم في الصف.
وهو قول عبد الملك [بن الماشجون] 3 في كتاب ابن حبيب.
[وإن] 4 كانوا في ليل مظلم [فلا خلاف في المذهب] 5 أن لهم أن يصلوا جماعة، ويتقدمهم [ق/ 35 أ] إمامهم.
ثم إن طلع عليهم القمر في أثناء الصلاة، فإن الإِمام يرجع إلى الصف، ويتم بهم [صلاتهم] 6.
وإن كانت مع أحدهم ثوب، فإنهم يصلون به أفذاذًا، وهو أولى من أن يؤمهم أحد؛ لأن ستر العورة في الصلاة فرض أو سنة على الأعيان، وصلاة الجماعة سنة على الكفاية.
وهو اختيار [القاضي أبي الحسن اللخمي] 7، وما قاله صحيح.
فإن كان الثوب مِلكًا لأحدهم، فإنه لا يُجْبَر على أن يُعَرّى منه ليُصَلُّوا به.
فإن كان الثوب فاضلًا: وجب أن يجبر على أن يمكنهم من الصلاة به؛ لأن ذلك من باب المواساة، وقد ورد الحديث في الأمر بالمواساة في أمر
الدنيا، وهو فيما يتعلق [بالدِّين] 1 أولى.
والجواب عن القسم الثاني [من أصل التقسيم] 2 في الإناث:
[وقد قلنا: إن المصلين ينقسمون إلى ذكران وإناث، وتكلمنا على الذكران، والكلام هاهنا على الإناث] 3.
وهن ينقسمن على قسمين، حرائر، وإماء.
والحرائر ينقسمن إلى قسمين: بوالغ وغير بوالغ.
فالحرائر البوالغ: [لا] 4 تصلي [امرأة منهن] 5 إلا بدرع سابغ يستر جميع جسدها، وخمار تتقنع به، وذلك أدنى ما تجزئها به الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت المحيض إلا بدرع وخمار" 6، واختلف هل جميع ذلك منها عورة، ويكون ستره فرض أو بعضه فرض وبعضه سنة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها إن صلت عريانة أعادت أبدًا، وإن انكشف صدرها أو رأسها أو ظهور قدميها أعادت في الوقت، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن جميع ذلك سنة، وإن صلت عريانة أعادت في الوقت، وهو قول أشهب في [الرجل] 1.
والثالث: التفصيل بين السوأتين وغيرهما.
والخلاف فيها كالخلاف في [الذكور] 2 سواء؛ لأن المرأة مساوية للرجل في [ستر] 3 السوأتين، ثم لا يكون بقية جسدها أخفض رتبة في السوأة من سوأة الرجل.
ولا تنتقب [في الصلاة] 4 ولا تتلثم، فإن فعلت لم تعد.
وهذا في الحرائر البوالغ.
وأما الحرائر غير البوالغ: فلا تخلو من أن تكون مراهقة أو غير مراهقة.
فإن كانت مراهقة فصلت بغير قناع، أو كان الصبي [فصلى] 5 عريانًا، هل [عليهما] 6 الإعادة في الوقت أم لا؟ قولان:
أحدهما: أن عليهما الإعادة في الوقت، وهو قول أشهب.
والثاني: ترك الإعادة، وهو قول سحنون.
وأما من كان منهن دون حد الإرهاق كبنت ثمان سنين: فلا خلاف في المذهب بأنها تستر نفسها بما تستر الحرة البالغة.
ولا إعادة عليها إن صلت مكشوفة الرأس أو بادية الصدر.
وأما الإماء: فينقسمن إلى من لها حرمة الفراش ومن ليس لها تلك الحرمة.
فأما من ليس لها تلك الحرمة، فهل حكمها حكم الرجل في الستر، أو حكم [الحرة] 1 في الستر؟.
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لها حكم الحرائر، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "المجموعة" قال: ولا تصلي المرأة في إزار وعمامة على عاتقها -يريد بالإزار: المئزر-.
قال ابن القاسم 2: وليكن على جسدها ثوب يسترها.
و [القول] 3 الثاني: أن الأمة تستر [في الصلاة] 4 ما يستره الرجل.
وهو قول أصبغ، غير أنه يقول: إن صلت الأمة مكشوفة الفخذ أعادت في الوقت، وإن صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد.
وهذا [القول] 5 الذي قاله مبني على الاحتياط.
وأما من لها تلك الحرمة كأم الولد: فلا خلاف في المذهب أنها تؤمر بما تؤمر به الحرة البالغة من الاستتار، وأنها إن صلت بادية الصدر، أو مكشوفة الرأس: فإنها تعيد في الوقت.
غير أن إعادتها دون إعادة الحرة في الاستحباب؛ ولذلك قال في "المدونة" 1: ولا أوجبه عليها كوجوبه على الحرة.
وأما الأمة تُعتق وهي الصلاة: فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقطع ولا تتمادى، وهي مكشوفة الرأس، وهو قول سحنون.
والثاني: أنها تتمادى، ولا تقطع، ولا تعيد، وهو قول أصبغ.
والثالث: التفصيل بين أن تقدر على الاستتار في الصلاة فاستترت [وهي في الصلاة] 2 فتجزئها صلاتها، [أو أمكنها الاستتار] 3 فلم تفعل: أعادت في الوقت.
وهو قول ابن القاسم: و [عبد الملك] 4.
وسبب الخلاف الحكم هل ينتقل بانتقال الحال أم [لا] 5؟
وهذا الأصل متداع في كثير من فروع الشريعة [والحمد لله وحده] 6.
المسألة الثانية عشر في قضاء المأموم ما سبقه به الإِمام
ثم لا يخلو المدرك لصلاة الإِمام من وجهين:
إما أن يدركه في موضع جلوس له: [والثاني: أن يدركه في غير موضع جلوس] 1 فإن أدركه في موضع جلوس له كدرك ركعتين من صلاة هي أربع، أو بدرك ركعتين من صلاة هي ثلاث كالمغرب، فإذا سلم الإِمام قام المأموم بالتكبير؛ إذ لو كان وحده لقام بالتكبير.
فإن أدركه في غير موضع جلوس كمدرك ركعة واحدة من صلاة الرباعية وغيرها من سائر الصلوات، هل يقوم بتكبير أو بغير تكبير؟
فالمذهب على قولين قائمين في "المدونة" 2:
أحدهما: أنه يقوم بغير تكبير، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يقوم بتكبير، وهو قول ابن نافع وعبد الملك في "النوادر" 3.
وفيه قول ابن القاسم أنه يقوم بغير تكبير؛ لأن ذلك زيادة التكبير عمدًا، والتكبير التي [يرفع] 4 منها من السجود هي التي بجب عليه أن يقوم بها إلى القضاء، إلا أن الإِمام حَبَسَه في الجلوس موافقة له، وإن كان
ليس بموضع جلوس له؛ إذ لا يسوغ له القضاء إلا بعد [سلام] 1 الإمام.
ووجه قول [من يقول: إنه يقوم بتكبير] 2؛ لأنه قام إلى ركن من أركان الصلاة، فيفتقر إلى التكبير.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" 3؛ إذا أدرك الجلسة الآخرة من صلاة الإِمام حيث قال ابن القاسم: فإنه يقوم بتكبير؛ لأن السنة التكبير في كل خفض ورفع، وهذا من ذلك.
فإذا قام إلى القضاء هل يكون ما أدرك هو أول صلاته أو هو آخرها؟
فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال 4:
أحدها: أن ما أدرك هو أول صلاته، وما فاته هو آخرها، وهو مذهب الشافعي 5.
والثاني: أن ما أدرك هو آخر صلاته، وما فاته هو أولها، وهو مذهب أبي حنيفة 6.
والقولان عن مالك.
والقول الثالث: الفرق بين الأقوال والأفعال؛ فقال: يقضي في الأقوال -يعني القراءة- ويبنى في الأفعال [ق/ 27 جـ]، يعني: الأداء-.
وهذا القول الثالث هو قوله في "المدونة"، وهذا هو الصحيح عن
مالك، والقولان الآخران حكاهما أبو محمَّد عبد الوهاب [في المذهب] 1 عن مالك، [وفائدة الخلاف] 2 هل حكم ما يأتي بعد سلام الإِمام حكم الأداء أو حكم القضاء؟.
وسبب الخلاف: اختلاف طريق الحديث الوارد عنه - صلى الله عليه وسلم -: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" 3 والإتمام يقتضي أن يكون ما أدرك هو أول صلاته.
وفي بعض طرق الحديث: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" 4.
[والقضاء يوجب] 5 أن ما أدرك هو آخر صلاته.
[فمن ذهب مذهب] 6 الجمع جعل القضاء في الأقوال، والأداء في الأفعال، وهذا ضعيف [في النظر] 7 أن يكون بعض الصلاة أداء وبعضها قضاء.
قال القاضي أبو الوليد بن رشد [والحفيد] 8: [مع اتفاقهم] 9 على وجوب الترتيب في [أجزاء] 10 الصلاة، وعلى أن تكبيرة الإحرام
هي افتتاح الصلاة، والسلام تحليلها دليل واضح أن ما أدرك هو أول صلاته.
لكن تختلف نية الإِمام والمأموم في الترتيب [في أجزاء الصلاة] 1 فتأمل هذا.
فيشبه أن يكن آخر ما راعاه من قال ما أدرك هو [آخر] 2 صلاته، انتهى قوله.
فإذا قلنا: إن الذي أدرك هو أول صلاته، فإنه إذا أدرك ركعتين من صلاة الإِمام، فإنه يقوم بتكبير؛ لأنه وسط صلاته، فجعل الذي أدرك أولها، ثم يأتي بركعتين متواليتين بأم القرآن في كل ركعة [دون السورة] 3 وهذا حكم البناء [وهكذا] 4 في المغرب [أيضا] 5 إذا أدرك منها ركعة، فإنه يقوم إذا سلم الإِمام يأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ثم يقوم بعد التشهد، فيأتي بالركعة الثانية بأم القرآن خاصة، ويجلس ويتشهد، ويسلم.
وعلى القول بأن ما أدرك هو آخر صلاته، فإنه إذا سلم الإِمام يقوم ويأتي بركعتين بأم القرآن وبسورة في كل ركعة من غير أن يجلس بينهما، وهذا حكم القضاء.
وعلى القول الثالث الذي يكون فيه بانيا في الأفعال قاضيًا في الأقوال، فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة، فيجلس ثم يقوم إلى الركعة [الباقية] 6 يقرأ فيها بأم القرآن وبسورة فيجلس.
وهذا الحكم فيما أدرك ركعة واحدة من صلاة هي أربع؛ فقد قال في "الكتاب" 7: يقوم ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم
ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم [ولا يجلس] 1 ويأتي بركعة يقرأ بأم القرآن خاصة، ويتشهد، ويسلم.
وهذا يتخرج على القول بأن الذي أدرك هو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته، كما نص في "المدونة" 2، وأما على القول بأن ما أدرك هو [آخر] 3 صلاته فيبنى في الأقوال والأفعال، فإنه يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن، وسورة فيجلس ثم يقوم ويأتي بركعتين متواليتين بأم القرآن خاصة في كل ركعة.
فهذا فائدة قولهم: ما أدرك هو أول صلاته، أو هو آخر صلاته.
وقد قال بعض المتأخرين: [إن] 4 ذلك اختلاف في عبارة لا ترجع إلى معنى، وهو قول أبي إسحاق التونسي وغيره، حتى أن الشيخ أبا محمَّد عبد الله بن أبي زيد حكى إجماع أهل المذهب في كتاب "النوادر" 5: أن القاضي إنما يفترق من الباني في القراءة [ق/ 36 أ] فقط، لا في قيام أو جلوس، وإن كل فذ أو إمام فبانٍ، وكل مأموم فقاضٍ.
فانظر ما حكاه [هذا] 6 الشيخ، وانظر [إلى] 7 الخلاف الذي [حكيناه] 8 في المذهب، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلًا.
وعلى هذا [اختلف] 9 ابن القاسم وأشهب في الفَّذ يسقط سجدة من
أول ركعة أو من الثانية.
قال ابن القاسم وغيره: يكون بانيًا، وفرق بينه وبن المأموم.
وقال أشهب وابن وهب: يكون قاضيًا، ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ويسجد بعد السلام.
وقد قدمنا مسائل البناء والقضاء في باب الرُّعاف [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثالثة عشر في صلاة الصبيان
قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وللصبي فيما دون الاحتلام حالتان:
[حال] 1 لا يَعْقِلُ فيه مَعْنَى القُربة.
و [حال] 2 يَعْقِلُ فيه مَعْنَى القُربة.
فأما [الحال] 3 التي لا يَعْقِل فيه مَعْنى القُربة: فهو فيها كالبهيمة والمجنون ليس بمخاطب بعبادة، ولا مندوب [إلى فعل طاعة] 4.
وأما [الحال] 5 التي يعقل فيه معنى القربة: فاختلف هل هو مندوب فيه إلى فعل الطاعة من الصلاة، والصيام، والصدقة، والوصية عند الممات، وما أشبه ذلك؟
فقيل: إنه مندوب إليه، وقيل: إنه ليس بمندوب إلى شيء من ذلك، وإن وليَّه هو المخاطب [بتدريبه] 6 وتعليمه، والمأجور على ذلك.
قال القاضي: والصواب عندي [أنهما جميعًا مندوبان إلى ذلك] 7 [مأجوران] 8 عليه، لقوله عليه السلام للمرأة التي أخذت بعضد صبي
فرفعته من المِحَفَّةِ 1 إليه، ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولك أجر" 2 انتهى قوله.
و [قال الشيخ] 3: ولا خلاف في [مذهب مالك رضي الله عنه] 4 أن الصبيان يؤمرون بالصلاة لسبع سنين -ذكرانًا وإناثًا- بدليل ما رواه ابن وهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" 5.
واختلف متى يفرق بينهم في المضاجع على قولين:
أحدهما: أنه يفرق بينهم في المضاجع لعشر سنين.
والثاني: أنه يفرق بينهم عند الإثغار، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وسبب الخلاف: اختلافهم في مفهوم قوله عليه السلام: "وفرقوا بينهم في المضاجع" 6، هل هو عائد على قوله: ["مُروا الصبيان
بالصلاة" أم على قوله:] 1 "واضربوهم عليها لعشر"؟.
وأما الضرب فإنما يضربون عليها لعشر على مشهور المذهب.
وقال أشهب: يؤدبوا عليها عند الإثغار.
وقال ابن حبيب: إذا بلغ عشر سنين، فلا يتجرد أحد بين أبويه وبين إخوته، ولا يجتمع [منهم] 2 اثنان في ثوب [واحد] 3 ذكرانًا كانوا أو إناثًا.
و [اختلف] 4 في الصيام، هل يؤمر به الصبيان قبل البلوغ كالصلاة أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنهم يؤمرون إذا أطاقوه وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] 5.
والثاني: أنهم لا يؤمرون بالصيام حتى يبلغوا، واتفقوا في الاحتلام في الذكران، والحيض أو الحمل في النسوان أنه حَدٌّ للتكليف.
و [اختلف] 6 في [الإنبات] 7 هل هو علامة للبلوغ أم لا؟
على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الإنبات لا يكون علامة للبلوغ.
وهو قول مالك في "كتاب القطع" في السرقة، [في] 1 كتاب الرجم والقذف.
قال ابن القاسم: وقد أصغى مالك إلى الاحتلام حين [كلمته في 2] 3 الإنبات.
والثاني: أنه يكون علامة للبلوغ.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتب المذكورة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الجهاد" من "المدونة" أيضًا.
والثالث: التفصيل بين ما كان لله تعالى، ولا خصم له فيه: فالمراعى فيه الاحتلام دون الإنبات.
وما له فيه خصم ومطالب: فيراعى فيه الإنبات؛ [لأنه] 4 [يتهم] 5 في نفي البلوغ أن يكون ملاذا لحق الغير.
وهذا قول يحيى بن عمر في "النوادر" وهو ظاهر قول مالك في "كتاب القذف والرجم" على تأويل بعض المتأخرين [من أصحاب مالك] 6.
وسبب الخلاف: معارضة الأثر لظاهر كتاب الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُغ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ 7، فظاهر كتاب الله
تعالى: أن الإنبات لا يكون دليلًا على البلوغ، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل ذراري المشركين، ثم أمر بقتل من جرت عليه المواسي [من الكفار] 1 إشارة إلى الإنبات -وكذلك قال أبو بصرة الغفاري، وعقبة بن [عامر] 2 الجهني صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغلام [الذي] 3 كادت الثائرة أن تكون بين الأنصار وبين ناس من قريش بسببه، ثم قالوا: تختلفون وفينا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوهما، فقالا لهم: انظروا إليه فإن أنبت الشعر أسهم له، فنظروا إليه فإذا هو قد أنبت الشعر فأسهموا له.
ولا يكون هذا إلا توقيفًا، فهل يخرج مخرج البيان لما ذكره الله تعالى في كتابه، أو [يخرج] 4 مخرج التخصيص، [أو مخرج النسخ] 5 فمن رأى أنه خرج مخرج البيان [ق/ 18 ب] وأن الله تعالى لم ينف أن يكون الإنبات علامة للبلوغ؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ 6، لا يقتضي الحصر، ولا يزيل ذكر الله تعالى بعض أمارات البلوغ.
فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الإنبات [علامة للحكم] 7، وأن الإنبات لا يكون علامة للبلوغ أصلًا، وإنما اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإنبات فيمن يقتل من الكفار، أو يسهم له من المسلمين، لأن الإنبات فطنة لوجود القوة على القتال، فكان المعتبر هو القوة على المجاهدة والمسابقة، فمن وجد ذلك المعنى فيه
أنيط به الحكم، أنبت أو لم ينبت.
وإنما قصد النبي - صلى الله عليه وسلم -[الفصل] 1 بين ما تمحض لله تعالى على العبد وبين ما للعبد فيه حق.
وأما النسخ فلم يصر إليه أحد من العلماء، وإنما ذكرناه في معرض [السبر] 2.
وكذلك إذا بلغ [سنًا] 3 لا يبلغه أحد إلا احتلم، فلا خلاف أنه يحكم له حكم البلوغ، وإنما اختلف في حد ذلك السن، ما هو؟ فقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: ست عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: ثماني عشرة سنة.
والفرق بين الصلاة والصيام -على الشهود-: أن الصلاة اشتملت على أقوال وأفعال، وفرائض، وسنن، وفضائل يفتقر تعليمها إلى أمد [طويل] 4، فاحتاج إلى التدرب بها قبل إتيان البلوغ؛ ليأتي عليه البلوغ، وقد أنس [بها] 5 وتمكن حبها في قلبه، وراض قلبه بفعلها، وعرف المراد بها ومكانها عند الله تعالى، وعرف فرائضها، ونوافلها.
فلو [أهمل إلى بلوغ] 6 حد التكليف لأدى ذلك إلى أن يضيع أكثر الصلوات؛ إما لنفوره عنها، والنفس عادتها النفور عما فيه نجاتها آجلًا،
والركون إلى ما فيه منفعتها عاجلًا، وإما لكون النفس منقادة إلى أن التعليم يصعب عليها لبُعد [فهمها] 1، فيؤدى ذلك إلى أن يمضي أكثر الأوقات لم [يقم] 2 فيها صلاته، ولا برئت بها ذمته، فيكون عاصيًا لله بتضييع تلك الصلوات.
والصيام بخلاف ذلك من باب الترك، وأوصاف منحصرة لا يتعذر معرفتها، ولا [ينبو] 3 [الفاهم] 4 عن تفهمها؛ لأنه يؤمر باعتقاد النية أول الليل، أو حيث [تيسر] 5 عليه في أجزاء الليل بأن يترك الأكل [والشرب] 6 [والجماع] 7 من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك يفهمه كل أعجمي، وإن كان كما جلب [من غاية] 8 فكيف من كان بين أظهر المسلمين، وهو بعد ذلك [يعلم] 9 فيما بينه وبين الله تعالى، إن قال -صمت وهو مفطر، وليس علينا مراقبته، ولهذا كان الصيام من السرائر التي تُبلى يوم القيامة، جعلنا الله وإياكم ممن كانت سريرته أفضل من علانيته.
ولأجل [ق/ 28 جـ] هذا [حث] 10 الشارع على الصيام،
[وقال: يقول الله] 1: "كل عمل ابن آدم فهو له إلا الصيام فهو لي" 2. على ما سنبينه في "كتاب الصيام" بيانًا شافيًا، إن شاء الله تعالى [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الرابعة عشر [فيما] (1) إذا سلم المصلي قبل تمام صلاته
[وذلك لا] 2 يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يسلم ساهيًا.
والثاني: أن يسلم شاكًا.
والثالث: أن يسلم متعمدًا.
فالجواب عن الوجه الأول:
إذا سَلَّم ساهيًا ولم يتعمد [إلى] 3 السلام: فلا خلاف في المذهب أن ذلك السلام لا يخرجه من صلاته، وأنه ينبني على صلاته من غير تكبير.
كان سَلَّم شَاكًا في [كمال] 4 الصلاة، و [لا] 5 يتيقن بالنقصان ولا بالتمام، [فهذا الذي] 6 لا ينبغي أن يسلم.
فإن فعل وسلم فصلاته [فاسدة] 7 مع تمادي الشك بالاتفاق.
[فإن سلم على شك، ثم تبين له أنه قد] 8 أتم صلاته فهل تجزئه أم لا؟1
فالمذهب على قولين:
أحدهما: جواز الصلاة وهو مذهب ابن حبيب.
والثاني: أنها فاسدة وهو المشهور.
وسبب الخلاف: الأمر إذا وقع موقع الفساد ثم انكشف عن السداد وهو يستصحب معه حالة الابتداء أو يستصحب حالة الانتهاء؟
فمن رأى أن صلاته جائزة قال باستصحاب حالة النهاية، ومن قال بفسادها قال باستصحاب حالة البداية.
وأما إذا سلم متعمدًا فلا يخلو من أن يتعمد السلام مع علمه بأن صلاته لم تتم بعد أو سلم على ما يغلب على ظنه أن صلاته قد تمت، فإن تعمد السلام مع علمه بأن صلاته لم تتم فإن صلاته باطلة باتفاق، وإن تعمد السلام لما يغلب على ظنه من تمام الصلاة، فهذا الذي يرجع إلى صلاته إن كان قريبًا، وإن تباعدا ابتدأ، وإن انتقض وضوءه على الاتفاق، وإن لم ينتقض فعلى الخلاف عن قول مالك على ما نقله اللخمي ثم لا يخلو هذا الباني من وجهين: إما أن يذكر وهو جالس في موضعه أو ذكره وهو واقف أو انصرف، فإن ذكره وهو جالس في موضعه، فهل يرجع بتكبير أو بغير تكبير؟ فالمذهب على قولين 1:
أحدهما: أنه يرجع بتكبير، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أنه يرجع بغير تكبير، وهو مذهب [أشهب] 2.
وسبب الخلاف: اختلافهم في السلام على طريق السهو هل يخرجه من الصلاة أم لا؟
فمن رأى أنه يخرجه من الصلاة، قال: يرجع بالتكبير.
ومن رأى أن السلام على طريق السهو لا يخرجه من الصلاة، قال: يرجع بغير تكبير.
فإن ذكر وهو قائم، أو بعد الانصراف ولم يتباعد: فإنه يرجع ويبنى على ما صلى.
واختلف هل يرجع إلى الجلوس أو يكبر وهو قائم فيدخل في صلاته؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس.
والثاني: أنه يشرع في صلاته، ولا يرجع إلى الجلوس، والقولان قائمان من "المدونة" 1.
وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا؟
فمن رأى أن الحركة لازمة [إلى الأركان] 2 قال: يرجع إلى الجلوس ليأتي بالحركة الواجبة عليه؛ وهي النهضة من الجلوس إلى القيام.
ومن رأى أن [ق/ 37 أ] الحركة غير واجبة، وإنما الواجب [عليه] 3 الإتيان بالقيام كيف تمكن له قال: يدخل في صلاته ولا يرجع إلى الجلوس؛ لأن القيام قد وجد، والرجوع إلى الجلوس زيادة مستغنى عنها في نفس الصلاة.
وقد قال مالك رحمه الله فيمن فاته بعض صلاة الإِمام، فَظَنَّ أن الإِمام
[قد] 1 سَلَّم فقام يقضى ثم سَلَّم عليه [الإِمام] 2 وهو قائم: أنه لا يرجع جالسًا، بل [يبتدئ القضاء] 3 قائمًا حين سلم الإِمام، ولا يَعْتّد بما [صلى أو قرأ] 4 قبل سلام الإِمام.
فإذا فرغ من القضاء هل يسجد أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يسجد، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أنه لا يسجد.
وعلى القول بأنه يسجد هل [يسجد] 5 قبل أو بعد؟
[قولان أيضًا] 6:
أحدهما: قبل، وهو نص "الكتاب".
والثاني: بعد، وهو في غير "المدونة".
والقول بأنه لا سجود عليه [أظهر] 7 لأن سهوه في حكم الإِمام يحمله عنه؛ ولأنه لو رجع إلى الجلوس قبل أن يسلم الإِمام لحمله عنه.
ثم إليه من قال يسجد قبل السلام؛ لأنه [نهض] 8 النهضة التي وجبت عليه [بعد سلام الإِمام] 9.
وأضعف الأقوال قول من قال يسجد بعد [السلام] 10.
وهكذا اختلفوا في مسألتنا إذا رجع إلى الجلوس على قول من [قال] 1 لا يرجع، وهو قول ابن نافع.
هل تفسد صلاته؛ لأنه زاد في صلاته عامدًا، وهو قول أشهب فيما إذا قام من اثنتين ثم استوى قائمًا، ثم يرجع جالسًا أو تصح صلاته، فيسجد قبل على قول ابن القاسم، أو بعد على قول غيره.
وعلى القول بأنه يرجع جالسًا، هل يكبر تكبيرة الرجوع قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فإذا استوى قائمًا كبر تكبيرة القيام إن كان سلامه في موضع جلوس، أو لا يكبر حتى يجلس ثم يكبر تكبيرة ينوي بها الرجوع إلى صلاته؟، على قولين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في [التكبيرة] 2 التي يرجع بها [إلى صلاته] 3 هل هي بمنزلة الإحرام، ثم يكون محلها القيام كتكبيرة الافتتاح، أو هي سنة على حالها فيرجع إلى حيث وقع السلام فيوقع فيها التكبير، ثم [يرجع] 4 بعدها [إلى] 5 القيام.
على الجملة، فإن مشروعية التكبير للبناء ضعيف لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث البناء، وسحنون يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بني على ما صلى بتكبير، والحمد لله وحده [تم كتاب الصلاة الأول بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على نبينا محمَّد] 6.
كتاب الصلاة الثاني