كتاب الصلاة الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بعد الوتر سائغ.
ومن جعل الأولى نافلة، والثانية فرضه، قال: لا يعيد؛ لأنه بين حالتين ممنوعتين؛ إما أن يعيد الوتر، وذلك [خلاف] 1 السنة، وقد قال الرسول عليه السلام: "لا وتران في ليلة" 2.
وإما ألا يعيد الوتر، وذلك خلاف السنة أيضًا في ترك الوتر عامدًا؛ إذ لا يعتد بالوتر الأول؛ لأنه بمنزلة من أوتر قبل أن يصلي العشاء.
واختلافهم هل يعيد الوتر إذا أعاد العشاء؟
على هذه الأسئلة ينبني، فاحفظه تَرشد إن شاء الله.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صلى في جماعة هل يعيد في جماعة أخرى؟
فلا يخلو من أن يصليها في جماعة في أحد المساجد الثلاثة أو [في] 3 غيرها.
فإن صلاها في أحد الثلاثة مساجد: فلا خلاف بين كل مخالف ومؤالف أنه لا يعيدها لحصول [الأجر] 4 المقصود وأضعافه.
فإذا كنا نقول: من صلاها في أحد الثلاثة مساجد فذًا أنه لا يعيدها في
جماعة غيرها.
فإذا صلاها في جماعة فأولى [وأحرى، فإن صلى في جماعة] 1 ثم أدرك تلك الصلاة في أحد المساجد الثلاثة فلا إشكال أيضًا أنه يعيدها؛ لأنا نأمره بالإعادة [في الجماعة] 2 ليتحصل له [الأجر خمسًا وعشرين جزءًا، فكيف لا نأمره بالإعادة ليتحصل له، 3 الأَلْف أو المئون، وهذا لا إشكال فيه.
فإن صلاها في جماعة، ثم أدركها في جماعة أخرى في غير المساجد الثلاثة: فهل يعيدها أم لا؟
فهذا مما اختلف فيه فقهاء الأمصار؛ فذهب مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما إلى أنه لا يعيد، وذهب أحمد بن حنبل، وداود إلى أنه يعيد.
وسبب الخلاف: في أصل المسألة وفي تفاصيلها: تعارض الأخبار، وتجاذب الاعتبار.
فمنها: قوله عليه السلام لأبي محجن الثقفي: "إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت" 4.
وهذا الحديث يفيد العموم من وجه، والتخصيص من وجه أفاد العموم في جميع الصلوات، وأفاد التخصيص [فمن] 5 صلى وحده، ولم يصل في جماعة [فله أن يعيدها في جماعة] 6 لقوله عليه السلام: "ما
منعك أن تصلي معنا؟ ألست برجل مسلم؟ " [قال: بلى، ولكن صليت في أهلي] 1 -يريد في بيته.
ومعلوم أن من صلى في بيته إنما يصلي وحده.
ومنها: ما رواه الأسود، قال: شهدت الصبح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بمسجد الخيف، فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا معه، فقال: "عليَّ بهما" فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: يا رسول الله كنا صلينا في رحالنا، قال: "لا تفعلا؛ إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد [الجماعة] 2 فصليا معهم؛ فإنها لكم نافلة" 3.
أي: زيادة على [الواجب] 4 الذي أتيتما به في رحالكما.
فيستفاد من هذا الحديث: أن من صلى في جماعة [أنه] 5 يعيد في جماعة أخرى.
وفيه [دليل] 6 أيضًا: أن الأولى فرضه، و [الأخرى] 7 نافلة.
ومنها: ما روى عنه - صلى الله عليه وسلم -:"لا تصل صلاة واحدة في يوم مرتين" 8.
ومنها: ما روى أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[ق/ 22 جـ]، ثم يذهب فيؤم قومه في تلك الصلاة 1.
فيه دليل على جواز من صلى في جماعة أنه يجوز أن يكون إمامًا لغيره.
فاختلف العلماء لاختلاف هذه الأحاديث؛ فمنهم من ذهب مذهب الجمع، ومنهم من ذهب مذهب الترجيح.
أما من ذهب مذهب الترجيح: فإنه أخذ بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصلي صلاة في يوم واحد مرتين" 2، ولم يستثن من ذلك إلا صلاة المفرد فقط لوقوع الاتفاق عليها.
وأما من ذهب مذهب الجمع: فقال إن معنى قوله عليه السلام: "لا تصلي صلاة واحدة في يوم مرتين" 3: ألا يصلي الرجل الصلاة [الواحدة] 4 بعينها [في يوم] 5 مرتين يعتقد في كل واحدة منها أنها فرضه [وقال قوم: بل معنى الحديث إنما هو للمنفرد يعني: ألا يصلي الرجل المنفرد صلاة واحدة مرتين في يوم] 6.
والذي رجح واستثنى صلاة المنفرد عمومًا لا خصوصًا أصح، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه؛ تمسكًا بعموم الخبر في جميع الصلاة.
ثم إليه مذهب من خصص الصبح، والعصر لتعارض العمومَيْن؛
الأمر بالإعادة، والنهي عن الصلاة بعد [هاتين] (1) الصلاتين.
وأضعف المذاهب [مذهب] (2) من خصص المغرب من [بين] (3) سائر الصلوات؛ إذ لا دليل على التخصيص إلا قياس الشبه [ق/ 30 أ].
وهو في نفسه ضعيف، والاستدلال به على المسألة أيضًا ضعيف من وجه آخر، وقد بيناه قبل هذا.
فصل
فإذا [أعاد] 4 في جماعة.
ثم ظهر له أن إحدى الصلاتين فاسدة؛ إما التي صلى وحده، وإما التي صلى مع [الإِمام] 5 فلا تخلو إعادته [في الجماعة] 6 من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعيدها بنية الفرض.
والثاني: أن يعيدها بنية النفل.
والثالث: أن [يكل] 7 الأمر فيها إلى الله عز وجل.
فإذا أعادها بنية الفرض، ثم تبين له فساد إحداهما؛ فإن تبين له فساد الأولى: فالثانية تجزئه بلا خلاف.
وإن تبين له فساد الثانية هل [يجتزئ] 8 بالأولى أو يعيد؟
فالمذهب على قولين.
وسبب الخلاف: [الصلاة] 9 الأولى هل ترتفض بالنية أم لا؟123
فمن رأى أنها ترتفض بالنية يقول: لابد من الإعادة.
ومن رأى أنها لا ترتفض يقول: لا يعيد.
وأما إذا أعادها بنية النفل، فإن فسدت الآخرة فلا يعيدها بالاتفاق.
فإن فسدت الأولى هل يعيدها، أو تجزئ الثانية، وتنوب مناب الفرض؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النفل لا يجزئ عن الفرض، ويعيد الأولى على كل حال وهو مشهور المذهب [ق/ 15ب].
والثاني: أن النفل ينوب عن الفرض، ويجتزئ بالثانية عن الأولى.
وهو منصوص في المذهب عن مالك رضي الله عنه وهو ظاهر قوله في "كتاب الحج" 1: فيمن نسى طواف الإفاضة [حتى] 2 قدم إلى بلده فقال: إنه يرجع ويطوف ويهدي إلا أن يكون طاف بمكة طواف التطوع، فيجزئ عن طواف الإفاضة.
وينبني الخلاف: على الخلاف في النفل هل يجزئه عن الفرض أم لا؟
على الخلاف في إمامة المفترض خلف المتنفل هل تجزئ أم لا؟ مثل الإمامة بالصبي، ومثل صلاة معاذ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -[ثم] 3 قدم إلي بلده فقال: إنه يرجع ويطوف ويهدي يأتي فيؤم قومه في تلك الصلاة.
وإن كان مالك رحمه الله قال: إن صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -كانت نفلًا، وصلاته مع قومه كانت فرضًا، وغيره يقول: لا، بل صلاته مع النبي
- صلى الله عليه وسلم - كانت فرضًا، وصلاته بقومه على وجه النفل.
وهذا هو الأليق بحرص معاذ رضي الله عنه، وأما أن يجعل صلاته مع النبي - صلى الله عليه وسلم -[نفلًا] 1 في مسجده [وهي] 2 أَلْف، فيقصد إلى النفل، وطفف نفسه هذا القدر الجسيم، والأجر العظيم؛ فلا يليق ذلك بأحد من الصحابة رضوان الله عليهم [فكيف بمعاذ مع جلالته وعلو قدره، بل لو عرف ذلك منه أو من غيره بعد ذلك نقص في حقه، وحط عن رتبته، ومعلوم من عادة الصحابة رضوان الله عليهم] 3 مهاجريهم وأنصارهم، متقدمهم ومتأخرهم، إلا [المبادرة] 4 إلى خير الأعمال، والمسابقة إلى غاية الكمال، والحرص على اكتساب الخير من جميع وجوهه بالأفعال والأقوال؛ فعليهم سلام الله ورضوانه ما طلع هلال، وسُمع إهلال.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يَكِل الأمر [إلى الله تعالى] 5 فيهما لم تكن عليه إعادة لواحدة منهما، وسواء كانت الأولى فاسدة أو [الثانية] 6. وهذا قول مالك في "المدونة" 7: في الذي يصلي في بيته، ثم أتى المسجد، فأقيمت تلك الصلاة: فلا يتقدمهم فيها، فإن فعل: أعاد من خلفه؛ لأنه لا يدري أيتهما صلاته، وإنما ذلك إلى الله عز وجل.
وقد اختلف [فيها] 8 قول مالك رحمه الله؛ فمرة يقول: إن الأُولى
صلاته، ومرة يقول: ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء صلاته، والقولان في "المدونة" 1.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أعادها فيما هو مختلف فيه، هل يحكم له بحكم الجماعة أم لا؟
ولا خلاف في المذهب في الإِمام الراتب إذا صلى وحده أو [صلى] 2 مع رجل واحد بالغ عاقل: أنه لا يعيد واحدة منهما [إلا على قول ابن حبيب الذي يرى فضل الجماعة يختلف، وأنه كلما كثرت الجماعة كان أعظم في الأجر على ما نقله الشيخ أبو الحسن اللخمي في باب فضل الصلاة في كتابه، وهو ظاهر قول مالك في ثمانية أبي زيد] 3 أما المأموم فلكونه صلى في جماعة؛ والاثنان وما فوقهما جماعة.
وكذلك إذا صلى رجل وحده فلا يعيد مع رجل واحد، إلا أن يكون هذا الرجل الواحد هو الإِمام الراتب فيعيد معه.
وأما الإِمام: فلكونه هو وحده جماعة؛ إذ للشرع إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتقريب البعيد، وتبعيد القريب، ,وإعداد المتحد واتحاد المتعدد.
فأما إيجاد المعدوم: فمثل الجنين، فإن الشرع [أعطى] 4 له حكم الموجود [معنىً] 5 وإن كان معدومًا حسًا.
وكالذِّمة؛ فالشرع أوجدها معنى، وجعلها محلًا للإلزام والالتزام
شرعًا، وإن كانت معدومة حسًا، وكالأعراض على اصطلاح المتكلمين، فإنها صفات للجواهر وقائمة بها، ومع ذلك فليس لها معان قائمة تدرك بالحواس.
وأما إعدام الموجود: فهو أن يكون الشيء موجودًا حِسًا، ومع ذلك صار معدومًا في نظر الشرع.
و [هذا] 1 نقيض [الأول] 2 كأفعال المكره على مذهب من أعذره بالإكراه، فإن [الشرع] 3 أعذره، وألغاها، وجعلها في خير العدم، وإن كانت مشاهدة بالحس والعيان؛ لكونها لا [تجلب] 4 حكمًا.
وهذا كالقاتل عمدًا؛ فإن الشارع حكم فيه بحكم العدم؛ فورث من لا يرث مع وجوده.
وهذا حكم العدم وفائدته.
وأما تقريب البعيد: فهو مثل توريث الأبعد مع وجود الأقرب لا يحجب عن الميراث من سواه؛ كالأب إذا قتل ابنه عمدًا لما كان ممنوعًا من الميراث من أجل القتل.
وورث الشارع من كان لا يرث مع وجود الأب كالأخ، والعم، ومن سواهما كان البعيد أقرب الأقرباء معنى، والأقرب أبعد الأبعدين معنى؛ حكمة شرعية وسنة متبعة.
وأما تبعيد القريب فكذلك أيضًا، وصورتهما واحدة، فلا نطيل بالتكرار بغير فائدة.
وأما إعداد المتحد: فكالإمام، فإنه متحد في رأي العين، لكن [الشرع] 1 عدده، وأقامه مقام العدد والجماعة، إذا صلى وحده، فإنه لا يعيد تلك الصلاة في جماعة [ولا تعاد تلك الصلاة في] 2 ذلك المسجد بعد صلاته مرة أخرى.
و [أما] 3 اتحاد المتعدد: كالجماعة إذا تمالوا 4 على قتل رجل واحد، فإنهم يقتلون [فيه] 5، ولو كانوا ألفًا؛ فجعلهم الشرع في هذه الحالة كالرجل الواحد، وحكم [فيهم] 6 بمثل ما يحكم به في المتحد.
وأما المختلف فيه: هل يحكم له بحكم الجماعة الذي هو مقصود الكلام مثل: من صلى مع صبي يعقل الصلاة، أو صلى بامرأته ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة:
فالمذهب على قولين في الوجهين:
فالمشهور: أن من صلى بامرأته أنه لا يعيد.
والمشهور: أن من صلى مع صبي [أنه] 7 يعيد.
وظاهر المسألة لا فرق بين أن يكون الصبي إمامًا أو مأمومًا.
وسبب الخلاف: الإناث هل يندرجن تحت خطاب الذكران أم لا؟
فإن قلنا: إن الإناث يدخلن تحت خطاب الذكران: فلا يعيد من صلى
بامرأته في جماعة، وأقل الجمع اثنان -على رأي بعض أهل الأصول 1. وإن قلنا: إن الإناث لا يندرجن تحت خطاب الذكران إلا بقرينة أو بدليل: فإنه يعيد في جماعة؛ لأنه بمنزلة من صلى وحده [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الثامنة
[فيمن] (1) أقيمت عليه الصلاة، وهو في تلك الصلاة، أو في غيرها.
فإن كان في تلك الصلاة التي أقيمت عليه بعينها، فلا يخلو من وجهين:
إما أن تقام عليه الصلاة بعد إحرامه، وقبل عقد الركعة، أو [يكون] 2 بعد عقد الركعة.
فإن كان ذلك بعد الإحرام وقبل عقد الركعة: فلا يخلو من أن يخشى أن يفوته الإِمام بركعة أم لا.
فإن خشى فوات الركعة: فإنه يسلّم، ويدخل مع الإِمام بلا خلاف.
وإن لم يخش فوات الركعة: فالذي يتخرج [في المذهب] 3 في هذه المسألة أربعة أقوال: كلها قائمة من "المدونة" 4:
أحدها: أنه يقطع بسلام، ويدخل مع الإِمام جملة [بغير] 5 تفصيل.
وهو قوله في الكتاب في صلاة الرباعيات والمغرب.
والثاني: التفصيل بين النافلة والفرض؛ ففي النافلة يأتي بالركعتين إن1
كان ممن يخفف 1، والفريضة يقطع بسلام ويدخل.
والثالث: [التفصيل بين المغرب وغيرها، فالمغرب يقطع ولا يتمادى إلى ركعتين.
وغيرها من الصلوات يأتي بركعتين، وهو ظاهر قوله في الكتاب.
والرابع] 2: أنه يتمادى إلى تمام ركعتين ويسلم، ويدخل مع الإِمام [جملة] 3 بلا تفصيل بين الفرض والنفل، ولا بين المغرب وغيرها.
ووجه من قال: يقطع جملة؛ فللنهي عن صلاتين معًا.
ووجه [من جوَّز الإتيان] 4 بالركعتين: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ 5.
ووجه من فرق بين الفرض والنفل [قال] 6: لأن النفل إن قطعها لا تلزمه العودة إليها بعد فراغه من صلاة الإِمام، فلهذا أُبِيح له التمادي ليحصل له أجرها.
والفرض يعيدها [بعد سلام] 7 الإِمام؛ فإنه إن أبطل هذه الفريضة [أتى بها] 8 مع الإِمام على أحسن ما كان يصليها وحده؛ فلهذا فرق بينهما [والله أعلم] 9.
ووجه من فرق بين المغرب وغيرها [من الصلوات] 1: لأنا إن أمرناه أن يصلي ركعتين ثم يسلم: فلا خلاف أن هاتين الركعتين نفل، والنفل قبل صلاة المغرب ممنوع؛ فتقابل ممنوعان:
أحدهما: إبطال العمل.
والثاني: التنفل قبل المغرب، فرجح أحد الممنوعين على الآخر.
وسبب الخلاف: تعارض العمومَيْن؛ عموم الكتاب، وعموم السنة.
فعموم الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلا تبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ 2.
وعموم السنة: نهيه عليه السلام عن صلاتين معًا 3.
فمن رجح عموم الكتاب: قال بالتمادي إلى تمام ركعتين في الجميع.
ومن رجح عموم [ق/ 23جـ] السنة: قال بالقطع في الجميع.
ومن فرق: فقد بينا وجه قوله.
وللخلاف [فيه] 4 سبب آخر، وهو: الإحرام، هل هو ركن أو ليس بركن؟
فمن جعله ركنًا فيقول: [يبنى] 5.
وينبني [ق/ 31 أ] الخلاف: على الخلاف في العمومين المذكورين.
ومن لم يجعله ركنًا قال: يقطع؛ لأن الإحرام ليس بركن يخشى بطلانه.
فإن كان ذلك بعد ركعة: فهاهنا يفرق بين المغرب وغيرها من الصلوات.
فغير المغرب: يشفعها بركعة أخرى، ويسلم ويدخل مع الإِمام كانت فرضًا أو نفلًا.
ولا خلاف في المذهب في هذا الوجه، ويدخل فيه الخلاف بالمعنى وسببه الأصل الذي قدمناه من تعارض العمومين.
فأما المغرب فهل يسلم على ركعة، ويدخل مع الإِمام، أو يشفعها؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 1:
أحدهما: أنه يسلم على ركعة [ويدخل مع الإِمام] 2 وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يشفعها بركعة ويسلم، وهو نص ابن حبيب فيما إذا أقيمت عليه بعد الإحرام، وقبل أن يصلي شيئًا، فقال: يأتي بركعتين ويسلم؛ فمن باب أولى [وأحرى] 3 إذا أقيمت عليه بعد أن صلى منها ركعة.
وهو ظاهر قوله في المدونة في صلاة النافلة، وهو نص قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة" 4.
وقد اختلف قول ابن القاسم [فيها] 5.
[وأما إذا] 6 أقيمت بعد أن صلى منها ركعتين هل يقطع أو يأتي
بثلاث فيسلم؟
فالمذهب على قولين 1:
أحدهما: أنه يأتي بثلاث ويسلم ويخرج.
وهو قول ابن القاسم في بعض روايات "المدونة"، وهي رواية أحمد ابن سليمان، وعليها اختصرها أكثر المختصرين.
والثاني: أنه يُسَلِّم ما لم يركع في الثالثة، فإنه يتمها ويسلم ويخرج.
وهذا كله إذا لم يخش فوات الركعة كما قدمناه في التقسيم، فإن كان غيرها مثل أن يدخل في صلاة الظهر، ثم أقيمت عليه صلاة العصر، هل يعتبر فيها فوات الركعة، أو فوات جميع الصلاة؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتمادى ما لم يخش فوات الركعة، فإذا خشى قطع على وتر، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 2 [وغيرها] 3.
والثاني: [أن المعتبر] 4 فوات جميع الصلاة؛ فليتمادى ما لم يخش أن يسلم الإِمام من صلاته، وتفوت جميع الصلاة.
وهو قول مالك، وابن القاسم في "العتبية" 5.
والثالث: أنه يتمادى على صلاته، ويخفف حتى يتمها، فإذا أدرك شيئًا مع الإِمام دخل معه وصلى، فإن لم يدرك شيئًا صلى لنفسه.
وهو قول ابن عبد الحكم
وسبب الخلاف: تعارض المحظورين وتقابل المكروهين، وذلك أن ترتيب الصلوات واجب مع الذكر، فلا يجوز تقديم العصر على الظهر [مع] 1 الاختيار، ومخالفة الإِمام كذلك أيضًا [فإنه] 2 لا يجوز أن يُحْرم في فريضة في المسجد [والإمام] 3 في تلك الفريضة أو في غيرها من الصلوات [المفروضة] 4؛ لما في ذلك من المخالفة المنهي عنها في الشرع.
وهذا يُسْلك فيه مَسَالك الترجيح.
والحمد لله وحده.
المسألة التاسعة في الموضع الذي تجوز فيه الصلاة، وما تكره فيه الصلوات
والمصلي مأمور بأن يتقرب إلى الله بقلب طاهر [وبدن طاهر] 1 و [ثياب طاهرة] 2، وبقعة طاهرة.
أما طهارة القلب: فمن الكفر، والنفاق، والرياء، والسمعة، وطلب [الغيلة] 3 وغير ذلك من الكبائر [الموبقات] 4 التي لا تكتسب إلا بالقلب.
فمن كانت فيه إحدى هذه الخصال فإن صلاته لا تزيده من الله إلا بعدًا.
وكذلك طهارة البدن والثياب: ولا خلاف عندنا أن من صلى بثوب نجس، [أو ببدن نجس] 5 عامدًا أنه يعيد أبدًا.
وإنما الخلاف عندنا فيمن صلى بذلك ناسيًا، هل يعيد أبدًا، أو [يعيد] 6 في الوقت؟ على ما لا يخفى [على] 7 من طالع المذهب.
وأما طهارة البقعة: فكذلك [أيضًا] 8؛ فقد ثبت نهى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في سبعة مواضع 1 [منها] 2:
المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، ومحجة الطريق، وفي الحمام، و [معاطن] 3 الإبل، و [على] 4 ظهر بيت الله الحرام.
وأما نهيه عليه السلام عن الصلاة في المزبلة؛ فلنجاستها، ولأنها في موضع يقصد فيه إلقاء الأقذار.
والمجزرة كذلك؛ فإنها نجسة، وكونها موضع الشيطان أيضًا.
وأما المقبرة: فلا تخلو من أن تكون مقبرة للمسلمين أو مقبرة للمشركين.
فأما مقبرة المسلمين: فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز جملة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 5، وإن كانت القبور بين يديه.
والثاني: أن الصلاة فيها مكروهة على الجملة.
والقول الثالث: التفصيل بين أن تكون جديدة أو داثرة، فإن كانت جديدة: كرهت الصلاة فيها.
ووجهه: مخافة أن يتفجر منها شيء فيظهر خارجًا، وإن كانت دائرة ولم يكن فيها بشر [جازت الصلاة، وإن لم يكن فيها بشر] 1: لم تجز.
وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في نهيه عليه السلام عن الصلاة في المقبرة، هل هو على عمومه في مقابر المسلمين والمشركين، أو خرج عن العموم، والمراد به مقابر المشركين.
وأما مقابر المشركين: فاتفقوا على أن الصلاة فيها مكروهة جملة من غير تفصيل.
فإن صلى فيها: فقيل: إن الصلاة جائزة إذا لم تظهر [النجاسة] 2 قاله أبو الحسن اللخمي.
وقيل: التفصيل بين القديمة والجديدة؛ فإن كانت جديدة:
أعاد أبدًا، سواء صلى فيها عمدًا أو [جهلًا] 3.
فإن كانت قديمة: فصلاته جائزة، وهو قول ابن حبيب.
ووجه من جوز الصلاة بعد وقوعها كون البقعة طاهرة، والنهي محمول على الكراهية.
ووجه من منع [قال] 4: لأنها حفرة من حفر النار؛ ولأن البقعة نجسة لنجاسة أقدامهم [التي تطول فيها تلك البقعة] 5 في ترددهم إلى
زيارة تلك القبور.
وَمَنْ فَصّل فقد حَصّل.
وأما محجة الطريق 1: فالنهي [فيها] 2 محمول على الكراهة أيضًا؛ لأن محجة الطريق وقارعته لا تخلو في غالب [الأحوال] 3 من أرواث الدواب وأبوالها، فيستحب له أن يتنحى عن ذلك قليلًا في حالة الاختيار.
وأما حالة الاضطرار: فالصلاة فيها جائزة.
وهو قوله في كتاب الصلاة الثاني في صلاة الجمعة [إذا ضاق المسجد بأهله فقال [لا بأس] 4 بالصلاة في الطريق الملاصقة بالمسجد، وإن كانت فيها أرواث الدواب، وأبوالها -يريد ما لم يكن للنجاسة عين قائمة] 5.
وأما الحمام: [فإنه] 6 نهى عن الصلاة فيه [لنجاسته] 7 أيضًا، إلا أن يكون فيه موضع يوقن طهارته فيصلى فيه.
فهذا يصح إذا كان فيه موضع محجوز لا يدخله إلا طاهر، وإلا فالحمام [الأصل فيه] 8 النجاسة؛ لما عُلم بالعادة أن الناس لا يتحفظون فيه من البول ولا النجاسات.
وعلى هذا يحمل عرق الحمامات التي تستعمل في الاغتسال؛ فمنها مياه الحياض النجسة؛ لأنه منعقد الرطوبات التي تصعد مع البخار المتولد من الماء النجس المستعمل في الاغتسال مع ما انضاف إليه من الأبوال.
والأنجاس التي لا يتحفظ [منها] 1 في الحمام كثير ممن يدخله.
ولا شك أن النجاسة ودخانها بعض أجزائها، وإلى هذا ذهب القاضي أبو الفضل.
فلو كان المستعمل فيه طاهر، و [أن] 2 الناس يتحفظون فيه من البول [والنجاسة] 3 لكان العرق الذي يقطر [فيه] 4 طاهرًا.
وإن أضرم تحته بنجاسة؛ لأن رطوبة النجاسة لا تصعد إلى ذلك العرق؛ ولأن أرض الحمام حائل بينها وبين العرق ودخانها يخرج خارجًا، وإلى هذا ذهب أبو عمران الفارسي، وأما نهيه عليه السلام عن الصلوات في أعطان الإبل: فاختلف في علته:
فمنهم من قال: النهي غير معلل، وهو [ظاهر] 5 قول مالك في "المجموعة" حيث قال: لا خبر في الصلاة في أعطان الإبل، وإن بسط عليها ثوبا [طاهرًا] 6 فلا يصلي فيها.
ومنهم من عَلّل بِعِلل كلها لا تَسْلَم من الاعتراض، وأظهر ما فيها أن الناس كانوا يستترون فيها [للذهاب] 7.
وهذا في المناهل.
وأما [المدينة] 1 فلا بأس.
وهذا التعليل باطل لمن بسط عليها ثوبًا طاهرًا، ولا خلاف عندنا أن من بسط ثوبه على موضع نجس، والنجاسة يابسة وصلى: أن صلاته جائزة.
وهم يقولون في هذه الصورة: إن بسط عليها ثوبًا طاهرًا، وصلى أعاد أبدًا في العمد والجهل.
ومنهم من علَّل بأن الفَّحْل يحتلم، والناقة تحيض، وهذا يرجع إلى التعليل الأول.
ومنهم من علَّل وقال: إنها خلقت من جان؛ فكأنها تشغلهم عن الصلاة.
كما نهى [عليه السلام] 2 عن الصلاة في الوادي فقال: "إن هذا وادٍ به شيطان" 3.
وهذه [العلة] 4 أيضًا باطلة؛ لأن ذلك لا يُعلم [بالقياس] 5، وإنما يُدْرَكُ بالتّوقيف من صاحب الشريعة، ولا توقيف.
ومنهم من قال: إن نفورها جناية، فيخشى أن تنفر عليه، وهو في الصلاة فتصدمه، وهذا أيضًا باطل بما لو سُرِّحَت، وبقى المنهل خاليًا.
فثبت بما ذكرناه أن النهي غير معلّل.
وأما الصلاة على ظهر بيت الله الحرام: وهي هذه [التي سنشرع فيها] 1 [ق/32].
المسألة العاشرة في الصلاة إلى الكعبة أو فيها أو عليها
واستقبال القبلة [فريضة] 1 من فرائض الصلاة لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 2.
وهي تنقسم على ثلاثة أقسام:
قبلة عيان، وقبلة قطع [ويقين] 3، وقبلة اجتهاد.
فأما قبلة عيان: فهي قبلة أهل مكة؛ [فهذه] 4 لا يجوز فيها الاجتهاد أصلًا؛ لأن المصلي بمكة إن صلى [في المسجد] 5 أو على شرف مما حولها كالصلاة على أبي قبيس وقعيقعان، فقد شهدها وشافعهها مشافهة العيان، وصلاته صلاة إلى القبلة [بالاتفاق] 6 إلا على تأويل من تأول أن الصلاة إنما كرهت على أبي القبيس [وقعيقعان] 7، لكونه صلى إلى الهواء ورد الكعبة إلى أسفل منه، وهذا باطل.
وإن صلى في بيته بمكة، وحيث خفي عليه [عينها] 8 كان عليه التوجه إليها على وجه القطع لا على وجه الاجتهاد؛ لأنه كان قادرًا على
أن يحقق [الصوب الذي يؤدي إليه] 1؛ لأنه إذا كان في بيته كان مصليًا إليها بأن يطلع موضعًا مرتفعًا يرى منه [بيته] 2 والكعبة حتى يحقق الصوب الذي يؤديها إليه إذا هو في بيته [والاجتهاد فيها] 3 مع القدرة على ما وصفناه كالاجتهاد في الحكم في نازلة مع وجود النص فيها، وذلك ممنوع بالاتفاق.
وأما القسم الثاني -وهو قِبلَة أهل المدينة- فلا شك أيضًا قبلة [قطعية] 4؛ لأن جبريل عليه السلام أقامها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقطع له بها مع أنه لا يَبْعُد في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تُطْوَى له الأرض من المدينة إلى مكة، ويكشف له عنها حتى يراها مشافهة ويستقبلها في مسجده.
وإن كنت لم أر هذا في حديث صحيح، لكني رأيت من أشار إليه من أهل التواريخ.
و [يظهر] 5 من معجزاته عليه السلام [ق/24جـ] ما يدل على هذا وأكثر منه.
فلا يجوز لمن كان في مسجد النبي عليه السلام، ومن كان في مدينته أن يجتهد أيضًا كما لا يجوز ذلك لمن بمكة.
وأما القسم الثالث -وهو القبلة [الاجتهادية] 6 وهي قبلة أهل الآفاق و [أهل] 7 البلاد النائية عن مكة [والمدينة] 8 جنوبًا وشمالًا،
ووجهًا ودبورًا، فإن وظيفتهم الاجتهاد؛ إذ لا قدرة لهم على أكثر من ذلك، إلا أن الاجتهاد لا يكون مع عدم الدلائل المنصوبة على القبلة.
وقد روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بين المشرق إلى المغرب قبلة" 1.
وذكر مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال فيه إذا توجه قِبَل البيت 2، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهة التي تطلب فيها القبلة.
وقال أحمد بن خالد: إنما ذلك لأهل المدينة، ومن كان مثلهم ممن كانت قبلتهم بين المشرق والمغرب.
وهذا الذي قاله صحيح؛ رضي الله عنه.
وقول عمر رضي الله عنه: إذا توجه قِبَل [الكعبة] 3 يريد أنه لا اجتهاد له في ذلك، وإنما الاجتهاد في تعيين جهة القبلة في هذه الجملة دون سائر الجهات.
ثم لا يخلو المصلي من وجهين؛ إما أن يكون من أهل الاجتهاد، أو من أهل التقليد.
فإن كان من أهل الاجتهاد، فلا يخلو من وجهين [ق/ 16 ب].
أحدهما: أن تكون [العلامة] 4 الدَّالة على القبلة لائحة، والأعلام ظاهرة واضحة.
أو تكون الآثار مُنْطَمِسَة، والأعلام مُنْدَرِسَة.
فإن لاحت الدّلالات، وظهرت العلامات: فيفرض المجتهد حينئذ الطلب في الجهة التي ذكرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهل هو في السَّمْة أو في الجهة؟
على قولين:
أحدهما: أن المطلوب الجهة لا العين.
وهذا قول أبي محمَّد عبد الوهاب 1، وأكثر المتأخرين استدلوا على ذلك بقوله عز وجل: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 2.
والشّطر: [النحو] 3، [والجهة] 4.
والثاني: أن المطلوب بالاجتهاد العين؛ فإن لم يلزمنا إصابته فقد لزمنا إصابة الجهة، [والسَّمْت] 5.
وهو اختيار الباجي.
وسبب الخلاف: هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؛ لأن هناك عين مطلوبة و ["الدلائل عليه منصوبة" 6] 7.
[فإن] 1 قلنا: إن كل مجتهد مصيب: فالجهة هي المطلوبة.
وإن قلنا: المصيب واحد: فالمطلوب العين.
ولكن لا يعلم المصيب من المخطئ إلا الله تعالى.
و [الدلائل] 2 المنصوبة أمارة على معرفة القبلة.
قال الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن أبي زيد 3 [في النوادر] 4: رأيت لبعض أصحابنا أن الدليل في النهار على رَسْمِ القبلة إلى انتهاء آخر نقصان الظل، وهو أن يأخذ في الزيادة، فإن الظل حينئذ قِبَالَة رَسْم القبلة، وذلك قبل أن يأخذ في الزيادة فيعرض إلى المشرق.
واعترض بعض المتأخرين على الاستدلال، وقال: إنما يصح هذا في زمان الصّيف خاصة حيث تطلع الشمس من المشرق، وأما زمان الشتاء الذي تطلع فيه قريب من القبلة فلا.
[والذي] 5 قاله صحيح، والله أعلم.
و [المعترض] 6 أبو عبد الله محمَّد بن يونس، ويستدل عليها في الميل بالقطب الذي تدور عليه بنات نعش؛ فاجعله على [ناحية] 7 كتفك الأيسر، واستقبل الجنوب فما لقى بصرك فهو القبلة.
= وهذا هو مذهب أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبى الهذيل، وغيرهم.
[والذي] 1 قاله صحيح مُجَرَّب، وقد جَرَّبْنَاه واعتبرناه عند البيت الحرام المطهر [شرفه] 2 الله ورزقنا العودة إليه، فجعلنا النجم المذكور على الكتف الأيسر، وقابل الوجه من البيت الحجر، وبعض جدار الكعبة على الخرط.
ولم يقابل الوجه الميزاب على الحقيقة، بل عزفت عنه إلى [ركن الشام] 3 قليلًا؛ فهذا الذي رأيناه وجربناه.
قال الشيخ: والقطب: نجم خفي وسط السمكة التي تدور عليه بنات نعش الصغرى والكبرى وراء السمكة أحد الفردقين وذنبها الجدي.
فإذا ثبت أن وظيفة الاجتهاد [أنه] 4 لا قدرة له على غيرها، فإذا أتى بالاجتهاد على وجهه، وجدَّ في النظر على صوبه حتى استفرغ [منزع] 5 اجتهاده، ثم انزاح الغطاء واتضح الخطأ، فهل تصح صلاته أم لا؟
فذلك على ثلاث صور:
الصورة الأولى: إذا انطمست الدنيا وتغيمت السماء، وكانت السماء في الآثار منطمسة، والأعلام مندرسة،، و [لم] 6 يمكنه الوقوف على [الآثار] 7 الموضوعة، والأعلام الهادية إلى المطلوب في غالب ظنه.
والظنون فيما يتصور على وجوه؛ مثل أن يرى ضوءًا في قطر [يظن
أنه ضوء صبح] 1 فيستدل به على القبلة، أو يتحقق مواضع الغروب، فيستدل به على القبلة، فيتضح له الخطأ بعد الفراغ من الصلاة.
الصورة الثانية: أن تكون الأعلام ظاهرة، واضحة الإمارات الدّالة على القبلة، بينةً، فاجتهد وصلى، ثم تبين له الخطأ بعد الصلاة.
فهاتان الصورتان الجواب فيهما واحد، [والمذهب على قولين] 2؛ الجواز، والمنع [والإجزاء أشهر] 3.
وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟
فإن قلنا: إنه [يعذر باجتهاده] 4: فصلاته مجزئة.
وإن قلنا: [إنه] 5 غير معذور: فصلاته باطلة؛ فيؤمر بالإعادة في الوقت على طريق الاستحباب.
والصورة الثالثة: أن [يصلى] 6 في بيت مظلم من غير أن يخرج إلى صحن الدار، فينظر إلى الأعلام والآثار الدالة على القبلة -وهو متمكن من الخروج- فلا خلاف في هذه الصورة [على] 7 وجوب الإعادة إذا تبين الخطأ؛ إذ لو خرج لأصاب، فلما لم يفعل وغُرّ [وفرط] 8 كان وَبَالَ الغُرور عليه.
فأما إن كان من أهل التَقْلِيد الذي هو حكم البَّرية: فوظيفته أن يُقَلِّد
غيره، ويصلي أبدًا مأمومًا.
غير أن تقليده ينقسم [إلى] 1 قسمين:
أحدهما: أن يُقَلِّد من كان عنده العلْم بالقِبْلَة، ويصلي خلفه، أو يصلى إلى الجهة التي أشار له إليها أن فيها القبلة.
فهذا لا إشكال في جواز صلاته إذا كان المقلد ممن يقتدى به [وهو عالم] 2.
والقسم الثاني: أن يُقَلِّد المساجد والأطلال المُنْدَرسة، وفيها محاريب، فلا تخلو [المساجد] 3 من أن تكون في الصحاري، أو الحواضر، والبوادي.
فإن كان ذلك في الصحاري، مثل هذه المحاريب التي يحدثها الناس في الطرقات، وينصبونها على قوارع [المسالك] 4: فلا إشكال أن الصلاة في هذه المساجد ممنوعة لوجوه:
منها: أنها [نصبت] 5 على قارعة الطريق، وقد نهى عليه السلام عن الصلاة على قارعة الطريق 6.
ومنها: أنه ينصبها من لا يعرف القبلة، والصلاة إلى غير القبلة عامدًا تبطل بالاتفاق.
ومنها: أنا تُنْصَبُ في أرض لم يأذن [له] 1 فيها أصحابها، [فيشبه بالصلاة] 2 في أرض مغصوبة.
وبين العلماء فيها خلاف؛ حتى نسبوا إلى مالك رضي الله عنه أن من صلى فيها أعاد [الصلاة] 3.
غير أن شيوخ المذهب أنكروا هذه الرواية المعزية إلى مالك، وقالوا: إنها إفك وزور، وأن مالكًا [رحمه الله] 4 برىء منها.
فإن كان في الحواضر وأُمْهَات البلاد: فإنه يجوز للمُقَلِّد تَقْلِيد ما فيها من المساجد؛ لأن الغالب فيها أن قبلتها مستقيمة؛ إذ لو كانت على خلاف الاستقامة لما وسع من كان فيها من العلماء [ق/ 33 أ] السكوت والتمادي على ترك الإنكار، ووجب عليهم التكاثر، والتظاهر على هدمها، ونقض [بنيانها] 5 حتى يُحَوِّلُوا قبلتها إلى القبلة المحمدية، وهذا إذا لم تمكنهم إقامة القبلة على وجهها مع قيام حيطانها وبنيانها؛ لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك واجب عليهم، ولاسيما إذا كان ذلك مما يؤدي إلى إضلال الأمة قرنًا بعد قرن.
فإن لم يتهيأ لهم [فعل] 6؛ إما لما يخافون من هيجان الفتنة وفساد الأمة، حتى [تستباح] 7 المحارم، وتفسد الأموال، وتسفك الدماء،
وتضطرب الدهماء.
أو يكون المسجد المذكور في حظ ذوي ولاية، ومن له يد قاهرة، وسطوة ظاهرة، يخشى الاصطلاء بناره، ولا تؤمن بوادره.
سقط عنهم [فرض] 1 الفعل، وتعين عليهم الإنكار باللسان والبيان لعامة المسلمين.
ولما لم يُسمع في تلك البلدة [تكبير] 2، ولا يعلم أن فيها مسجدًا على غير الاستقامة: كان للمقلد الصلاة فيها؛ لأن الأمصار الكبار لا تخلو كل زمان وعصر من العلماء والصالحين، ولو كان منهم إنكار في بعض المساجد لسُمع [وانتشر] 3 واشتُهر؛ لأنه مما تُوفّر الدَّواعي على نَقْلِه.
[فإن] 4 كان ذلك في مساجد البوادي هل [يقلد أهلها بقبلتهم أو ماذا يفعل أما إن كان من أهل الاجتهاد فلا خلاف أنه لا] 5 يجوز له [تقليد أهلها] 6 بل الواجب عليه أن يَعْرِضْهَا على أَدِلّة القبلة، فإن وافقتها، وإلا صلى إلى الجهة التي أَدّاه إليها اجتهاده؛ لأن الذي بناها لا يخلو من أن يكون من أهل الاجتهاد أو لا.
فإن كان من أهل الاجتهاد: فالظاهر من مذاهب الأصوليين أنه لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما لا يخشى فواته قبل نظره.
فإن لم يكن من أهل الاجتهاد: فلا خلاف أنه لا يجوز تقليده، فإذا جهل [أمره] 1: أعاد إن صلى فيها أبدًا كما قدمناه.
وأما العَامِّي: فإنه يُؤْمَر بالصّلاة في مساجد البوادي وتقليد أهلها في ذلك، فهو أولى من أن يصلي إلى جهة يختارها؛ لأن ذلك وظيفته إذا كان وحده في غير [المسجد] 2.
وقد اتفق المذهب أنه يصلي إلى جهة يغلب على ظنه أن القبلة فيها.
وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: لو قيل إنه يصلي إلى الجهات الأربع لكان مذهبنا قياسًا على الأواني المختلطة.
فإذا صلى في مساجد البادية كان ذلك أصح من اجتهاد؛ لأن العامي لابد له من بعض الاجتهاد كيف ما كان، فالخطأ يقرب إلى الواحد أكثر من الجماعة.
وهذا الذي ذكرته إنما حَكَكْتُه على مَحَكّ النَّظَر واعتبرته، غير أن الشرح تجده صحيحًا لا وصم فيه، ولعل قائلًا يقول: أطْنَبْتَ في هذه المسألة وخَرَجْتَ فيها عن مقصود الكتاب، ولعمري إنه لقليل في جنب ما يحتاج إليه من الشرح والبيان، وهذا حكم الصلاة إلى الكعبة.
وأما الصلاة [في الكعبة] 3: فاختلف المذهب فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تجوز في الفرض والنفل و [السنن] 4، وهو قوله في "المدونة" 5.
والثاني: أنها جائزة في الفرض و [السنن] 1، وهو قول ابن المواز 2.
والثالث: [التفصيل] 3 بين الفرض و [السنن] 4؛ فيجوز في السنن، ولا يجوز في [الفرائض] 5، وهو قوله في "النوادر" 6.
وعلى القول بأنه لا يجوز فيها الصلاة -أعني الفرض- فهل يعيد أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يعيد [أبدًا] 7 وهو قول أصبغ في "النوادر" 8.
والثاني: أنه لا يعيد أصلًا، وهو قول [ق/ 25 جـ] ابن المواز.
والثالث: الإعادة في الوقت، وهو قوله في "المدونة" 9.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار.
أما الآثار: فقد روى في ذلك حديثان متعارضان، كلاهما ثابتان:
أحدهما: حديث ابن عباس، قال: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت دعى في نواحيها كلها، ولم يصل حتى خرج فلما خرج ركع ركعتن في [قبال] 10
الكعبة، وقال: "هذه القبلة" 1.
والثاني: حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة هو وأسامة ابن زيد، وعثمان بن طلحة [وبلال] 2 فأغلقها عليه فمكث فيها، فسألت بلالًا حين خرج: ماذا صنع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه فصلى 3.
فمن [ذهب مذهب] 4 الترجيح، إما [منع] 5 الصلاة مطلقًا إن رجح حديث ابن عباس، وإما جوزها مطلقًا إن رجح حديث ابن عمر.
ومن [ذهب مذهب] 6 الجمع بينهما حمل حديث ابن عباس في المنع على الفّرْض، وحديث ابن عمر على النَّفْل.
فالجمع بينهما عَسِير؛ لأن الركعتين اللتين صلاهما النبي - صلى الله عليه وسلم - خارج الكعبة نفل، والقول بالإعادة مراعاة [للخلاف] 7.
ومن طريق المعنى أنه استقبل بعض القبلة واستدبر بعضها.
وأما الصلاة فوقها: فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال 8:
أحدها: [أنها لا تجوز في الفرض] 9 وأنه يعيد أبدًا إن صلى وهو قول مالك في "المختصر".
والثاني: أنه يعيد في الوقت [وهو قول أشهب] 1.
والثالث: أن الصلاة جائزة، وهو قول [محمَّد] 2 بن المواز.
وسبب الخلاف: [هل] 3 المقصود في استقبال العين، والبناء، [أو] 4 السمة والهواء.
فمن رأى أن المقصود العين والبناء فقال: يعيد أبدًا.
ومن رأى أن المقصود السمة والهواء فقال: لا إعادة عليه.
والقولان بين المتأخرين في المذهب.
اللهم إلا أن يكون بين يديه من بنائها [فوقها] 5 ما يكون سُترة؛ فيكون الحكم في الصلاة فوقها كالحكم في الصلاة فيها [والحمد لله وحده] 6.
المسألة الحادية عشرة في اللباس في الصلاة
والأصل فيه على الجملة، قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 1.
قال مالك في "العتبية" 2: ذلك في الصلاة في المساجد، وقال في "شرح الموطأ لابن مزين" في الآية: الزِّينَة: الأَرْدِيَة، والمساجد: الصلوات.
ولا خلاف بين الأمة أن ستر العورة فرض على الجملة، وإنما وقع الخلاف بينهم هل هي فرض من فروض الصلاة أم لا؟
فالذي [يُنتخل] 3 من المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنه] 4 فرض من فروض الصلاة، وهو قول القاضي أبي الفرج في "الحاوي".
والثاني: [أنه] 5 من سنن الصلاة، وهو قول [القاضي] 6 أبي إسحاق بن شعبان، وابن بكير، وأبي بكر الأبهري.
ويتخرج في المذهب قول ثالث: [أنه] 7 فرض مع الذكر، ساقط مع
النسيان [والعذر] 1 كزوال النجاسة من الثوب والبدن.
وفائدة الخلاف وثمرته: أنَّا إذا قلنا: إنها من فروض الصلاة بطلت إذا [صلى] 2 وعورته بادية.
وإذا قلنا: إنها سنة: [فقد] 3 أثم التارك ولم تبطل الصلاة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 4.
هل الأمر بذلك على الوجوب [أو] 5 على الندب؟
فمن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة، واحتج لذلك بأن سبب نزول [هذه] 6 الآية: أن امرأة كانت تطوف بالبيت، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا [أحله] 7
فنزلت هذه الآية.
وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يطوف بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان 8.
ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة؛ [مثل] 9