كتاب الصلاة الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ومن رأى أن الرفع ليس بواجب [يقول] 1: عقدها وضع اليدين على الركبتين.
وسبب الخلاف: بين من قال: يتبعه ما لم يرفع رأسه من السجود، وبين من قال: يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية: اختلافهم في القضاء الذي لا يجوز في حكم الإمام ويعد [مخالفًا] 2.
هل المراد بذلك [قضاء] 3 ما سبقه به الإمام قبل أن يدخل معه في الصلاة دون ما سبقه به الإمام بعد الدخول في الصلاة لأجل الغفلة [أو] 4 النعاس، [و] 5 ذلك عام في الجميع؛ لأنه [يسمى] 6 قاضيًا؛ إذ القضاء عبارة عن فعل ما سُبق به، وهذا كله إذا نعس في الركوع.
وأما إذا نعس في السجود بعد أن عقد مع الإمام الركعة: فلا خلاف أنه يتبعه ما لم يعقد عليه الركعة التي تليها إما بوضع اليدين على الركبتين، [أو] 7 بالرفع منها، على الخلاف [الذي قدمناه] 8.
والغافل كالناسي في جميع ما ذكرناه.
والمزحوم [إذا زوحم عن] 9 السجود: حكمه حكم الناعس بلا إشكال.
وإذا زوحم عن الركوع، فالمذهب على قولين [قائمين من المدونة] 1:
أحدهما: أنه يتبعه قياسًا على الناعس [وهو ظاهر المدونة] 2.
والثاني: أنه لا يتبعه، ويلغي تلك الركعة، وتكون أول صلاته الركعة التي أدرك فيها الإمام، وهو أيضًا ظاهر "المدونة" 3.
وينبني الخلاف على الخلاف في المزحوم، هل هو معذور بالزحام كما يعذر الناعس بالنعاس على مشهور المذهب [أم لا] 4؟
فمن ساوى بينهما في العذر لكونهما مغلوبين، بل المزحوم أبين عذرًا؛ لأنه غير مفرط: قال يتبع المزحوم كما يتبع الناعس، وهو نص [قول] 5 عبد الملك في كتاب محمَّد.
ومن فرق بينهما -وهو قول ابن القاسم 6 - يقول: الناعس معذور بالنوم؛ إذ لا يملك الإنسان دفعه عن نفسه، ولا التحرز عنه؛ لأنه خصم ألد أو خطب لا يُرد [فيجوز له الاتباع] 7، بخلاف المزحوم؛ لأنه مفرط؛ إما [في] 8 المسابقة [إلى السجود] 9 حتى يأخذ مكانًا واسعًا، وإما لكونه قادرًا على الدفع عن نفسه حتى يجد [مكانًا] 10 متسعًا؛
لأن ذلك من جنس مقدوره، وكان التفريط من جهته أظهر من الناعس والغافل [والله أعلم والحمد لله وحده] 1.
المسألة السادسة
الإمامة في الصلاة
وفيها سبعة أسئلة:
الأول: معرفة أحكام الإمامة، ومن هو أولى بها؟
والثاني: إمامة المريض.
والثالث: إمامة الفاسق.
والرابع: إمامة الأَلْكَن [ومن يلحن] 1.
والخامس: إمامة الصبي.
والسادس: إمام العبد.
والسابع: إمامة المرأة.
والجواب عن السؤال الأول: [في معرفة أحكام الإمامة] 2 وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" 3 الحديث.
فمن أحكام الإمامة: الاقتداء بأفعال الإمام، وأقواله ومتابعته [ق/ 13 ب] فيما يفعله ويقوله من غير أن يتقدم عليه، ولا أن يتأخر عنه.
وأن يكون الاقتداء حسًا ومعنىً، سرًا وعلانية، ظاهرًا وباطنًا.
فإذا فعل ذلك: فقد جعل الاقتداء المأمور به من غير خلاف.
فإن خالفه في الأفعال أو في الأقوال: هل تبطل صلاته أو تصح؟
فقد تقدم الكلام عليه.
فإن حصل الاقتداء في الظاهر، وخالفه في الباطن، مثل أن ينوي المأموم صلاة، والإمام في غيرها: فهل [تجزئه] 1 أم لا؟
فالمذهب على [ثلاثة أقوال كلها قائمة] 2 من المدونة:
أحدها: أنها تجزئه جملة، سواء كانت إحداهما بدلًا من الأخرى كالظهر [مع] 3 الجمعة، أو كانت مستقلة بنفسها كالظهر والعصر [وهو نقل أبي الحسن اللخمي في الظهر والعصر؛ لأنه قال: يعيد في الوقت استحسانًا] 4.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" 5؛ لأنه قال: من أتى [المسجد] 6 يوم الخميس يظنه يوم الجمعة، فصلى مع الإمام [ق/ 26 أ] [ظهرًا] 7 أربعًا: قال: صلاته جائزة.
فقد جوز الصلاة هاهنا مع اختلاف نية الإمام والمأموم.
وأي اختلاف أشد ممن دخل على ركعتين، والإمام في صلاة هي أربع؟
فقال: إن صلاته تجزئه عنه، فكذلك ينبغي إذا أتى يوم جمعة يظنه يوم خميس أن تكون صلاته مجزئة عنه [وهو قوله في السليمانية] 8 خلاف ما قاله في الكتاب، وعلل فيه بأن الجمعة لا تكون إلا بنية.
وهذا التعليل الذي علل به ابن القاسم في الجمعة موجود في غيرها؛ إذ لا تجوز الصلاة إلا بنية باتفاق العلماء.
وكيف تختص الجمعة عن غيرها بأنها تفتقر إلى النية؟
ويعد ذلك من ابن القاسم اضطرابًا من القول.
والثاني: [أنها] 1 لا تجزئه صلاته جملة، وهو قول أشهب 2.
[والثالث: التفصيل بين الصلاتين المختلطي الوقت فلا تجوز، وهذا في الصلاتين، إحداهما: بدل من الأخرى، فيجزئ المأموم على المشهور من المذهب، وصلاة الإمام جائزة اتفاقًا] 3.
وينبني الخلاف: على الخلاف في صلاة المأموم هل هي مرتبطة بصلاة الإمام أم لا؟
فإن قلنا بالارتباط: فلا ينبغي أن تخالف نية المأموم نية إمأمه؛ لا في الزمان، ولا في المقدار، وهو مشهور المذهب.
فإن قلنا [بعدم الارتباط] 4 فيجوز مخالفة نية المأموم نية إمامه في الزمان والمقدار.
وذلك موجود في أكثر مسائل المذهب، فمن اقتفاها ظهر له ما قلناه، ولاسيما في مسائل المحدث إذا صلى بالناس ناسيًا لحدثه، فقد قال بالإجزاء.
وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف في إمامة الصبي على ما يأتي [بيانه] 5
إن شاء الله تعالى.
وهو ظاهر لمن تأمله.
[فإن] 1 حصل الاقتداء في الباطن، و [أخل] 2 بصورته في الظاهر [و] 3 أخل بمعناه في الظاهر مثل أن يصلي أَمَامَ إمامه أو [صلى] 4 على ظهر المسجد بصلاة إمامه، [أو صلى في دور وراءه، وبينه وبين الإمام حائل.
فأما إذا صلى أمام إمامه، أو على ظهر المسجد بصلاة إمامه] 5: [فصلاته جائزة] 6 مع الكراهة في ذلك إذا كانت في غير الجمعة.
ووجه [الكراهة] 7 في ذلك: أن اقتداءه بأقوال الإمام وأفعاله ليس على يقين، وإنما هو على الحرز والتخمين.
وأما إذا حال بينه، وبين الإمام حائل من ورائه: فلا يخلو [ذلك] 8 من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يرى أفعال الإمام ويسمع أقواله.
والثاني: أن [يغيب] 9 عنه أفعال الإمام ولا يسمع أقواله.
والثالث: أن يغيب عنه أفعاله، ويسمع أقواله.
فإن كان [شاهدًا] 1 للأمرين؛ يرى [الأفعال] 2 ويسمع [الأقوال] 3: فالصلاة جائزة باتفاق، كان الموضع الذي صلى فيه محجورًا عليه أو مأذونًا [له] 4 فيه، غير أنه لا ينبغي له التمادي على ذلك لما فيه من الرغبة عن إتيان المسجد و [تقاعد] 5 الهمة عن حصول الأجر الذي ندب الله تعالى إليه وحث عليه في الصف الأول.
فإن كان [بموضع] 6 لا يرى منه أفعال الإمام ولا يسمع أقواله: فالذي تقتضيه أصول المذهب أن تبطل صلاته [لعدم] 7 الاقتداء المقصود شرعًا؛ وقد يكون في السجود والإمام في الركوع، وقد يكون في ركعة، والإمام في أخرى غيرها، فهذه عين المخالفة التي نهى عنه [الشارع - صلى الله عليه وسلم -] 8.
فإن كان بموضع يرى [منه] 9 أفعال الإمام، ولا يسمع أقواله، أو يسمع أقواله، ولا يرى أفعاله: فصلاته جائزة مع [الكراهة] 10؛ لأنه مع الإمام في حرز و [تخمين] 11.
ولهذا كره مالك الصلاة على أبي قبيس 1 وقعيقعان 2 بصلاة الإمام في المسجد الحرام؛ لبعده عن أفعال الإمام.
وأما الذي هو أولى بالإمامة فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ويؤم القوم أقرؤهم" 3.
وفي حديث آخر: "يؤم القوم أفضلهم إذا كان أفقههم" 4.
وفي حديث آخر: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" 5.
ومن شرط الضامن أن يكون [عالمًا] 6، [بالمضمون فخرج] 7 من هذا أن إمامة الجاهل لا تجوز، وأنه لابد للإمام أن يكو عالمًا بما يصلح الصلاة و [ما] 8 يفسدها.
وقوله عليه السلام: "يؤم القوم أقرؤهم" 9:
[يريد] 10 أفقههم؛ لأن القراء هم الفقهاء [في ذلك الوقت] 11؛
لأنهم [كانوا] 1 يستنبطون الأحكام من كتاب الله تعالى.
وأما من يقرأ القرآن، ولا يعلم تأويله: فهو ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ 2.
ولهذا قال مالك 3 رحمه الله: قد يقرأ من لا [ق/ 19جـ] [يريد] 4 من لا خير فيه.
وقال في موضع آخر: من لا يرضى [حاله] 5 الناس.
فإذا اجتمعت جماعة للصلاة فلا تخلو حالتهم من أن تتفق أو تختلف.
فإن اتفقت حالاتهم في الصلاة، والعلم، والسِّن، والجمال، وسائر الأوصاف المعتبرة حتى لا ترجيح: فإنهم يقدمون لأنفسهم من يصلي بهم.
فإن وقع التنافس والحرص على الإمامة، وكل واحد يخطبها لنفسه: فإنهم يتقارعون، فمن خرج سهمه كان أحق بالإمامة دون سائرهم.
وهذا [دأب] 6 الشرع في كل ما يقع فيه التداعي وتساوت فيه الأقدام، [فبابه] 7 أن [يقترع] 8 فيه.
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول ثم
لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" 1.
وكما فعل في الغزو حين قرع بين نسائه 2.
فإن اختلفت حالاتهم في الصفات المحمودة، وبعضهم حائز لبعضها؛ فمن [حصلت فيه] 3 أكثر الأوصاف فهو أولى بالإمامة.
[والأصل] 4: الفقه، وصلاح الحال [فمن] 5 كان [عنده] 6 العلم والدين [والسن كان أولى بالاتفاق.
وإن كان عنده العلم والدين] 7 وغيره أسن منه، وهو دونه في العلم: فالفقيه مقدم على المشهور، فهذا مع التنافس والتناحر كما قدمنا.
وأما ما يرجع إلى الجواز فمهما قدموا من يصلي بهم، وهو عالم بما يصلح الصلاة وما يفسدها، وهو دونهم في الفقه، فصلاتهم جائزة بالاتفاق.
وليس من شرطه أن يستظهر [بالقرآن جميعه] 8، بل تجوز إمامته، وإن كان لا يقرأ إلا من سورة: ﴿والضحى﴾ إلى ﴿من الجنة والناس﴾، قاله بعض علمائنا إذا كان فقيهًا عالمًا في دينه.
والجواب عن السؤال الثاني: في إمامة الجالس: والمراد بالجالس هنا:
المريض الذي لا يقدر على القيام.
وأما الصحيح السَّوي: فلا خلاف أنه لا يجوز [له] 1 أن يصلي الفريضة، وهو جالس، فمهما صلاها جالسًا أعاد أبدًا، ثم لا يخلو [حال] 2 الإمام و [المأموم] 3 من أحد وجهين:
إما أن يتساووا معه في الحال، والعذر ويخالفوه، فإن تساووا في الحال، وعدم القدرة على القيام: فهل تجوز إمامة بعضهم لبعض أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في [كتاب] 4 النوادر 5: [و] 6 لا بأس بالمرضى والضعفاء والميداء 7 في السفينة أن [يؤمهم] 8 أحدهم في الفريضة إذا كانوا كلهم جلوسًا.
والثاني: أنه لا يؤمهم أحدهم [في الفريضة] 9 جالسًا، فإن أمهم أعادوا وأجزأت الإمام صلاته، وهو قول سحنون بن سعيد في الكتاب المذكور 10.
وذكر ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون مثل قول ابن القاسم 1.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار الواردة عن [النبي] 2 - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب:
فمن ذلك حديث أنس قال: ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسًا فصرع عنه فجحش 3 شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات قاعدًا، وصلينا وراءه قعودًا، فقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" 4.
ويعارضه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَؤُمَنَّ أحد بعدي جالسًا" 5.
فمن رجح حديث أنس [جوَّز] 6 إمامته، ومن رجح حديث الآخر منعها.
وأما إذا اختلفت [حالتهم وحال] 7 الإمام؛ فإن كان الإمام قادرًا على القيام، ووراءه مرضى لا يقدرون على القيام، فينبغي أن [تصح] 8 الإمامة في هذا الوجه بالاتفاق.
وإن كان الإمام مريضًا لا يقدر على القيام، والقوم أصحاء يقدرون على القيام، فهل تجوز لهم الصلاة خلفه [قائمين] 1.
فأما صلاتهم خلفه جلوسًا: فلا خلاف في المذهب أن صلاتهم فاسدة، ويُعيدُون أبدًا؛ لأنهم تركوا القيام والركوع مع القُدرة على الإتيان [بهما] 2 [وذهب] 3 أحمد والأوزاعي: أنهم يُصَلّون خلفه جُلُوسًا، وروى ذلك عن أبي هريرة، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين 4.
وأما صلاتهم خلفه قيامًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن صلاتهم وصلاته جائزة، وهو قول مُطَرِّف وابن المَاجِشُون 5.
والثاني: أنها جائزة للإمام، ويعيد من خلفه، وبه قال أشهب.
[وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك] 6، وقال أحمد بن المعذل: لا ينبغي ذلك؛ لأنهم إن جلسوا معه كانوا قد فعلوا خلاف ما فعله الناس خلف [النبي] 7 - صلى الله عليه وسلم - حين استخلف أبا بكر رضي الله عنه.
وسبب الخلاف: حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ثقل مرضه قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" -أو كما قال] 8 - ثم
وجد [من] 1 نفسه خفة، فأتى فجلس إلى جنب أبي بكر، فصلى جالسًا و [وأبو بكر] 2 والناس قيامًا 3.
فاختلف العلماء هل النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إمامًا، وأبو بكر يُسمع الناس، ويبلغ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كان أبو بكر [إمامًا] 4 والنبى - صلى الله عليه وسلم - هو المأموم؟
فمن ذهب إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إمامًا، وأبو بكر [يسمع الناس] 5 قال: تجوز إمامة الجالس، وأن فعله ناسخ لقوله: "لا يَؤمُنَّ أحد بعدي جالسًا .. " 6.
ومن ذهب إلى أن أبا بكر هو [الإمام] 7 يقول: إن إمامة الجالس لا تجوز؛ لقوله [عليه السلام] 8: "لا يَؤُمنَّ أحد بعدي جالسًا" 9 [ق 27 أ] أو ثبت عنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إمامًا، ويكون ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يتعدى إلا بدليل، ولاسيما على مذهب من يقول: إن الفعل لا عموم له.
ويندرج تحت هذا السؤال: إذا صلى الإمام على شيء أرفع مما عليه أصحابه، فلا يخلو من [أحد] 10 وجهين:
إما أن يستقل بذلك المكان و [يختص به دون] 1 سائر من خلفه، أو يشاركه فيه بعض القوم.
فإن اختص [به] 2 وحده: فلا يخلو ذلك المكان من أن يكون يسير الارتفاع أم لا.
فإن كان يسير الارتفاع مثل الشِّبْر أو عَظم الذِّرَاع: فصلاة الكل جائزة.
وإن كان كثير الارتفاع: فصلاة الكُل باطلة.
وعلَّل مالك في الكتاب بأنه يعبثون إلى الارتفاع 3.
ولا شك في فساد صلاة الإمام؛ لأنه قاصد إلى العبث والتَّجَبُّر والتَّكَبُّر، وذلك مُنَافٍ لمقصود الصلاة الذي هو الخشوع والخضوع [والخُنُوع] 4 لله تعالى.
ولذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الإمام على شيء ["أنْشَز" 5] 6 مما عليه أصحابه.
وأما فساد صلاة المأمومين؛ إما لكونهم قصدوا ذلك وتعمدوا [إلى] 7
الاقتداء [بهذا الإمام] 1 [وهو] 2 على تلك الحالة من غير حامل [حملهم] 3 على ذلك من جهة الإمام إلا حامل الهوى فلا خلاف أيضًا [في بطلان صلاتهم] 4.
وإن [حملهم] 5 على ذلك [داعي] 6 الخوف من جهة الإمام -فصلاتهم باطلة أيضًا من وجهين:
إما لفساد صلاة الإمام، وصلاة [المأمومين] 7 مرتبطة بصلاة [إمامهم] 8.
وإما لعدم القصد الكلي إلى أدائها لمشاركة ما كان من سبب داعية الإكراه.
فكلا الأمرين لهما تأثير في بُطْلان الصَّلاة على الانفراد.
فإن لم ينفرد الإمام بالمكان، بل شاركه فيه بعض القوم، ثم ضاق عن الباقين فصلوا في أسفل: فلا شك في هذا الوجه أن صلاة الإمام، ومن صلى معه فوق جائزة بالاتفاق لعدم العلة؛ لأنهم لم يقصدوا إلى العبث.
وصلاة الذين صلوا أسفل جائزة مع الكراهية؛ لأنهم غاب عنهم بعض أفعال الإمام، فكرهت لأجل ذلك، وربك أعلم.
والجواب عن السؤال الثالث: في إمامة الفاسق ومن كان في معناه.
والفسق في أصل اللغة 1: الخروج، تقول: فسقت الثمرة: إذا خرجت من غُلفها، وفسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها.
وسمى الفاسق فاسقًا لخروجه عن الصراط المستقيم الذي هو الكتاب والسنة، و [ارتكب] 2 الفجور، وإدْمَانِهِ على المعاصي، وأنه ضَيَّع أوامر الله ظاهرًا وباطنًا في العبادات والعادات، بل غَلَبَتْه شهواته وَاتَّبَع هواه، وكان أمره فُرُطًا.
واختلفت المذهب في إمامته على أربعة أقوال 3:
أحدها: أن إمامته جائزة، وتستحب الإعادة في الوقت.
والثاني: أنها لا تجزئ، ويعيد من ائتم به أبدًا.
والثالث: التفصيل بين أن يكون فسقه [بتأويل] 4 أو بإجماع؛ فإن كان فسقه بتأويل: أعاد في الوقت.
وإن كان بإجماع كمن ترك الطهارة عامدًا، أو شرب الخمر، أو زنا: أعاد أبدًا.
وهذا القول حكاه الشيخ [أبو بكر] 5 الأبهري عن القاضي أبي الحسن بن] 6 القصار ["رضي الله عنهما" 7] 8.
والرابع: التفصيل بين [أن يكون] 1 مما له تعلق بالصلاة أو يكون مما لا تعلق له بالصلاة.
فإن كان مما له تَعَلُق بالصلاة كترك الطهارة، أو تعمد الإخلال بأمر من فرائض الصلاة: فلا يُجزئهم [ويُعِيدُون] 2.
فإن كان مما لا تعلق له بالصلاة كالزنا وغَصْب الأموال، وقتل النفس: فصلاتهم جائزة.
وهو اختيار أبي الحسن اللخمى.
وسبب الخلاف في ذلك: أنه شيء مَسْكُوت عنه في الشَّرع، والقياس فيه متعارض:
فمن رأى أن صلاة المأموم مُرْتَبِطَة بصلاة إمامه يقول: إن صلاته فاسدة؛ لأنه يُتَّهَم أن يصلي صلاة فاسدة كما يُتَّهَم في الشّهادة أن يكذب.
ولهذا فَرَّقَ مَنْ فَرَّق بين أن يكون فِسْقه بتأويل أو بغير تأويل.
[ومن] 3 رأى أن صلاته غير مُرْتَبِطَه بصلاة إمامه، وأن فساد صلاة الإمام لا يَسْرِي إلى فساد صلاة المأموم، يقول: إن إمامته جائزة.
وهذا في المُجَاهِر بِفِسْقِه، المُعْلِن بارتكاب المعاصي، والفواحش , المُصِرُ على الكبائر، والصغائر.
وأما من اقتحم جريمة وارتكب كبيرة، ولم يكن ذلك منه عادة قبل؛ مثل أن يشرب خمرًا أو يقتل نفسًا، فإن شرب خمرًا، وتاب منها [وَطَهَّرَ جَوفه] 4: فلا خلاف في جواز إمامته.
فإن شربها وخرجت من جَوفه ولم يَتُب منها: فهو كالمصرّ، ومن شربها، ولم يَسْكَر فهل تجوز إمامته والخمر في جوفه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن إمامته لا تجوز، ويعيد من صلى خلفه أبدًا، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، قال: لأن [النجس] 1 في فيه وفي جوفه 2.
والثاني: أن صلاتهم خلفه جائزة، وهو قول ابن حبيب في الإِمام الذي تُؤَدَى إليه الطاعة [ولا فرق بين الإِمام الذي تؤدي إليه الطاعة] 3 وغيره؛ فإن عَلَّلْنَا [بالنجاسة أنه حامل لها] 4: فَالعلة شاملة ولا فرق بينهما.
وأما الذي يعصرها ويبيعها ولا يشربها: فقد نص سحنون في كتاب الصلاة [الثاني] 5 من "النوادر" 6 أنه لا ينبغي أن يُتخذ إمامًا [راتبًا] 7 وليُزِيلُوه إن قدروا.
وكذلك الذي يعمل بالرّبا.
وأما قاتل النفس عمدًا: [فمشهور مذهب مالك] 8 أن إمامته [لا تجوز] 9، وإن تاب.
وفي "المدونة" 1 قولةٌ ضعيفة أن توبته مقبولة.
وسبب الخلاف: معارضة آية النساء 2 لآية الفرقان 3؛ أيتهما ناسخة للأخرى؟
فمن رأى أن آية الفرقان ناسخة لآية النساء قال: مقبول التوبة [ق/ 20 جـ] على ما سنبينه بواضح الدليل في كتاب الديات.
والجواب عن السؤال الرابع: إمامة الألْكَن وَمَنْ يَلْحَن.
وأما الألكن: فقد روى مالك إجازة إمامته إذا كان عَدْلًا 4.
وأما إمامة مَنْ يَلْحَن [فقد] 5 اختلف فيها المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنها جائزة جملة 6.
والثاني: أنها ممنوعة جملة 7.
والثالث: أنه [إذا] 8 كان لحنه في أم القرآن لم [تجز] 9، وإن
كان في غيرها جازت 1.
والرابع: التفصيل بين أن يكون لحنه يغير المعنى: لم تجز إمامته، أو لا يغير المعنى فتجوز إمامته.
وإلى هذا التفصيل ذهب [القاضي أبو الحسن] 2، بن القصار.
وينبني الخلاف: على الخلاف في [أم القرآن] 3، هل هي ركن من أركان الصلاة [أم لا] 4؛ على حسب ما مضى شرحه.
وأما الأعجمي الذي لا يميز بين الضاد والطاء؛ فلا تجوز إمامته ابتداء مع وجود غيره، فإن فعل فصلاته وصلاة من خلفه جائزة؛ لأن لحنه لا يخرجه عن أن يكون قرآنًا.
والجواب عن السؤال الخامس: في إمامة الصبي.
ولا تخلو إمامة هذا الصبي من أحد وجهين:
إما أن يكون في حَد [من] 5 يَعْقِل القُرْبَة أو في حَدِ مَنْ لا يَعْقِلُها.
فإن كان في سِن من يعقلها ويُنْدَبُ إليها ويَعْرِفُ أنها تَنْفَع وَتَضُر.
فالمذهب في إمامته على ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنها] 6 لا تجوز في الفرض والنفل، وهو مذهب المدونة 7؛ لأنه قال في كتاب الصلاة الأول: لا يؤم الصبي في النافلة لا
للرجال ولا للنساء.
والثانى: أنها تجوز في الفرض والنفل، وهو قول أبي مصعب؛ لأنه قال: إن أمُّ في الفرض أجزت صلاة من ائتم به.
وقال مثله في إمام أحدث فاستخلف صبيًا صغيرًا [فأتم بالقوم] 1 فقال: إن عقل الصلاة وأمرها أجزته، وأعاد من خلفه في الوقت، والإعادة في الوقت استحبابًا.
والثالث: التفصيل بين النفل والفرض؛ فتجوز في النفل، ولا تجوز في الفرض.
وهو قول مالك في "المستخرجة" 2.
وربما استدل من قال [بجواز إمامته] 3 بحديث [أبي جميلة] 4: أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في إمامة المُتَنَفِّل بالمُفْتَرِض، وهذا الخلاف أيضًا له مَطْلَع آخر؛ و [هو] 5 صلاة المأموم هل هي مرتبطة بصلاة إمامه أم لا؟
وأما إذا كان الصبي في سن من لا يعقل القُرْبَة، [ولا يَعْرِف لها معنى] 6 مثل ابن خمس سنين، أو أربع: فإنه لا تجوز إمامته باتفاق المذهب؛ لأنه لا يُنْدَبُ إلى فعل [الصلاة] 7 ولا يُثَابُ عليها -لا هو ولا
وَلِيُّه.
والجواب عن السؤال السادس: في إمامة العبد.
وقد اختلف المذهب عندنا في إمامة العبد في الفرائض على ثلاثة أقوال، بعد اتفاق الجميع على جواز إمامته في النوافل التي لا أسباب لها كالتهجد بالليل، وقيام رمضان، فاتفقوا على أنه يجوز أن يكون فيها إمامًا راتبًا، فاتفق المذهب على هذا إن كان برضا السيد فَمُسْلَّم.
وإن كان بغير إذنه ورضاه، وكان قيامه بالليل يَضُر بالسَّيد في عمل النهار فمشكل.
[فإن] 1 كنا أسقطنا عن العبد حضور الجماعة في سائر الصلوات، ومنعناه من التَّأَوب إلى المساجد، وحرمناه من سبع وعشرين درجة، وأسقطنا عنه فرض الجمعة [وشهودها] 2 مع ورود الأمر على العموم؛ إكرامًا للسيد، وملاحظة لحقه؛ لما يلحقه من الضرر في تعطيل [أشغاله] 3 [لسبب ذلك] 4 في أضعاف ذلك، فكيف لا يمنع العبد فيما يجب عليه؟
وأحد تلك الأقوال: أنه لا تجوز [ق/ 28 أ] إمامته في الفرائض، ولا في السنن التي لا أسباب [ق/ 14 ب] لها [من قيام الليل وصيام النهار إذا دخل بذلك الضرر على سيده، وقد نص ابن القاسم في كتاب الحج الثالث في العبد المظاهر إذا أراد أن يكفر بالصوم، وكان ذلك يضر بسيده أن له أن يمنعه، وهذا فيما يجب على العبد، فكيف فيما لا يجب عليه، فأحد تلك الأقوال أن لا تجوز إمامته في الفرائض، ولا في السنن التي لا أسباب لها] 5 كالعيدين غيرهما، وبه قال ابن القاسم 6 أنه لا
يُتخذ فيها إمامًا راتبًا.
ولا فرق عنده بين الجمعة وغيرها في الابتداء.
فإن تقدم وصلى بهم، فلا يؤمر بالإعادة في غير الجمعة، وأما الجمعة فيعيد هو ويعيدون.
والثاني: أنه يجوز أن يُتخذ إمامًا راتبًا في سائر الصلوات المفروضات، والسنن، ولا يجوز أن يكون إمامًا في الجمعة، وهو قول عبد الملك 1.
والثالث: أن الإمامة جائزة في الجمعة، وسائر الصلوات، وهو قول أشهب 2.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في العبد، هل يدخل تحت خطاب الأحرار أم لا؟.
فمن [رأى] 3 أن العبد غير داخل تحت خطاب الأحرار إلا بدليل فقد أراح نفسه.
وذلك العبد [آدمي] 4 [صورةً] 5 وفرس معنىً لكونه مستغرق في خدمة سيده، [ومنهمكًا في شغل تولَّاه] 6 طول عمره؛ فكان شبيهًا بالحيوان [المسرحة في المراح] 7.
فمن هذه صفته كيف يتناوله الخطاب العام 1.
ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 2
لا يتناول [العبيد] 3.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ 4.
وما ذلك [إلا] 5 لعدم استيفاء شروط الخطاب، ولا امتثال بقول من يقول: إن ذلك لحق السيد؛ إذ لو أذن له السيد فحج [أن هذا الحج] 6 لا يجزئه عن فرضه إذا عُتق، والزكاة كذلك.
ثم قام الدليل القاطع [على] 7 أنه مخاطب بالصلاة والصيام، وهو الإجماع.
وبه يستدل على أن الخطاب [العام] 8 قد تناوله لا من نفس الخطاب [نعلم] 9 ذلك، بل بدليل آخر.
ومن ذهب إلى أن خطاب الأحرار يدخل تحته [العبد] 10 فيقول: لا إشكال أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيها الَذِينَ آمَنُوا اركعُوا وَاسْجُدً وا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ 11
وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكرِ اللهِ﴾ عام في الأحرار والعبيد إلا أن هذا العموم [خصص] 1 بالعرف، وذلك أن العادة الجارية، والسنة المطردة: أن السيد إنما بذل ماله في شراء العبد [طلبًا] 2 لمنافعه، [أداء] 3 لخدمته وامتثالًا لأوامره إذا أمره وإذا نهاه، فيستظهر عليه السيد لحق الربوبية، [ويستشعر] 4 العبد في نفسه ذل العبودية.
فلو أوجبنا على العبد شهود الجمعة والسعى إليها لأدى ذلك إلى الإخلال [بمراد] 5 السيد، وفوات لهذه المقاصد.
فلأجل ذلك مكنا السيد في المنع، وسلَّطنا هذا العرف على [عموم] 6 قوله جل وعز: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ 7.
فإذا أذن السيد لعبده بعد ذلك في شهود الجمعة هل يكون من أهلها، ويكمل العدد بحضوره، وينعقد الوجوب به أم لا؟
لأن ذلك نادر وقوعه من السادات لرغبتهم في الدنيا واستعدادهم [لجمعها] 8، ولا تكاد نفوسهم تسمح في أن تتعطل [أشغالهم] 9 ساعة من النهار، فكيف لو تعطل أكثر النهار أو كله، ولاسيما إذا كان [العبد ممن] 10 حِرفته المحراث والمسحاة -[وهي] 11 حرفة أكثرهم-
فلا يكون ذلك في أكثر الأوقات إلا خارج البلد.
حتى لو وجد من تطيب نفسه بذلك [فإنما يكون] 1 نادرًا والأحكام إنما تبنى على الغالب.
فإذا حضرها وصلى مع الناس: نَابَت له عن ظُهر يومه باتفاق المذهب.
ولأجل [هذا] 2 قال أشهب: إن إمامته [فيها] 3 جائزة؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها.
وابن القاسم يقول: لما كان مخيرًا بين أن يصلي الجمعة أو الظهر كان دخوله فيها [[بالتطوع] 4 يشبه المتنفل [والله أعلم]] 5.
والجواب عن السؤال السابع: في إمامة المرأة، ولا تخلو إمامتها من وجهين:
إما [أن تكون] 6، للرجال، وإما [أن تكون] 7 للنساء.
أما إمامتها للرجال: ففقهاء الأمصار مجموعون على منع إمامتها في الفرض والنفل 8.
وشذ أبو ثور، والطبري رضي الله عنهما فأجازوا إمامتها على
الإطلاق.
وإنما صار الجمهور إلى منع إمامتها للرجال؛ لأن الإمامة درجة شريفة، ومرتبة منيفة؛ فلا يتولاها إلا من كان كامل الدين والذات، والمرأة ناقصة الأمرين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " [إنكن] 1 ناقصات عقل ودين"، فقامت امرأة فقالت: يا رسول الله وما نقصان عقولنا؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أليست شهادتكن على النصف من شهادة الرجال؟ " فقالت: وما نقصان ديننا؟ فقال: "تمكث إحداكن شطر [عمرها] 2 لا تصلي" 3.
وأيضًا فإن الأصول مبنية على أن كل مَنْ تلبَّس بنقيصة دنية: فلا حظ له في المراتب العلية.
والإجماع على أن المرأة لا تتولى الإمامة الكبري التي قدمناها؛ فالإمامة الصغرى مقيسة عليها؛ ولقوله عليه السلام: "لا يفلح قوم تولى أمرهم امرأة" 4.
ولقوله عليه السلام: "أخروهن حيث أخرهن الله" 5.
وقال "أيضًا" 6: "خير صفوف الرجال أولها [وشرها آخرها]، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" 7.
ومن طريق المعنى أن المرأة لَمَّا كان صوتها عورة، وتأمل النظر فيها محظور إلا لضرورة: وجب ألا تجوز إمامتها؛ لأن بالمأمومين ضرورة إلى أن تجهر بصوتها ليسمع من خلفها قراءتها -فيما تجهر فيها بالقراءة- وتكبيرها [في الخفض] 1 والرفع.
وليس لمن خلفها مندوحة [عن] 2 النظر إليها [فهي قبلة لأبصارهم ومعرضًا لخواطرهم ولاسيما على القول بأن الإِمام سترة لمن خلفه، فمنتهى نظر المأموم إلى سترته] 3، وذلك غاية الفتنة، واستباحة ما حرم الله تعالى بالكتاب والسنة، فهذا [مما] 4 لا يحل لمسلم التدين به.
وأما إمامتها للنساء: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز، وهو مشهور المذهب 5.
والثاني: جوازها، وهي رواية ابن أيمن عن مالك، وهي من شذوذ المذهب، وهو قول الشافعي.
فمن منع إمامتها نظر إلى أن هذا من تفاصيل القواعد أن الذريعة إذا [حميت] 6 حمل الباب فيها [حملًا] 7 واحدًا.
وهذا هو المشهور في المذهب، إلا أنه ضعيف في النظر.
والأصح: جواز إمامتها للنساء، مع عدم من يؤمهن من الرجال.
وهو الذي يعضده النظر والأثر.
فالأثر: ما خرَّجه أبو داود من حديث أم ورقة: أن الرسول عليه السلام كان يزورها في بيتها، فجعل [لها] 1 مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها 2.
إلا أن ظاهر هذا الحديث يدل على أن إمامتها للرجال والنساء جائزة، إلا أن هذا الظاهر يخصصه [ما قدمناه] 3 [وأما النظر فهو عدم العلة التي قدمناها وجعلناها مقتضية للمنع، وهي معدومة في إمامتها للنساء، فلم يبق إلا الجواز] والله أعلم 4.
المسألة السابعة [في] (1) إعادة الصلاة [في جماعة]
2
[ولا] 3 يخلو [المصلي] 4 المأمور بالإعادة من [ثلاثة أوجه] 5: إما أن يصلي وحده، أو في [ق/ 21 جـ] جماعة.
أو [فيما] 6 هو مختلف فيه، هل يحكم له بحكم الجماعة أو بحكم الفذ؟
فالجواب عن [الوجه] 7 الأول: إذا صلى وحده فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن تكون صلاته فذًا في أحد المساجد الثلاثة؛ [مكة، والمدينة وإيليا] 8، أو [في] 9 غيرها من المساجد.
فإن كانت صلاته في أحد الثلاثة مساجد [مكة، والمدينة، وإيليا] 10، فلا يعيد في جماعة؛ لأن المقصود بالصلاة في الجماعة حصول1
الأجر المتضاعف لمن [صلى في جماعة] 1، وفضل من صلى في [أحد] 2 هذه الثلاثة مساجد يربو على الفضل الذي يحصل في صلاته في الجماعة في مسجد سواها بأضعاف مضاعفة؛ لأن الصلاة في مسجد الرسول [عليه السلام] 3 خير من ألف صلاة في غيره 4، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة 5.
واختلف في مسجد الحرام [شرفه] 6 الله:
فالمالكية [تقول] 7: بدون الأَلْف، والشافعية [تقول:] 8 بأكثر من ألف، [على حسب] 9 ما [تضمنته] 10 أدلة كل فريق، ولسنا [نذكرها] 11 الآن.
فإن كانت صلاته فَذَّا في غيرها من المساجد فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يمر بالمسجد ويسمع الإقامة.
والثاني: أن يقعد في المسجد حتى تقام الصلاة.
فإن مرَّ بالمسجد فسمع الإقامة: فلا خلاف [في المذهب] 1 نصًا أنه لا يلزمه الدخول في صلاة الإِمام، وهذا فيه نظر.
فإن بَنَيْنَا على تضاعف الأجر، وأنه مقصود الشارع بالأمر: فلا فرق بين من كان داخل المسجد أو من كان خارجه.
وإن كان ذلك مراعاة لحق الإِمام؛ لما يقدح في نفسه [ولا يحسن] 2 في خاطره ممن رآه خرج من المسجد [في] 3 حين الإقامة، فيظهر الفرق بين الحالتين، وهي العلة الظاهرة في المنع من أن يجمع صلاة في مسجد واحد [مرتين] 4، إلا أن متأخري المذهب [رضوان الله عليهم] 5 اعتمدوا [على] 6 حصول الثواب الجزيل الذي نص [عليه] 7 الرسول عليه السلام أن صلاة الجماعة تفضل [على] 8 صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة 9.
ولا جرم أن هذا الإلزام لازم لهم على كل حال، إلا أن يعتمدوا على [تجرد] 10 لفظ النبي عليه السلام في قوله: "إذا جئت فصل مع الناس،
وإن كنت قد صليت" 1.
وهذا الخطاب يتناول من كان قصده إلى المسجد، ودخل دون المار والعابر.
[فإن] 2 كان في المسجد ثم أقيمت عليه الصلاة التي صلاها في بيته، فهل يعيدها أم لا؟
أما الصبح، والظهر، والعصر، والعشاء: إذا لم يوتر فلا خلاف في المذهب نصًا أنه يعيدها، ويلزم فيها [ق/ 29 أ] [الخلاف] 3 في الصبح، والعصر بالمعنى على ما سنبينه إن شاء الله.
وأما المغرب: فلا يخلو من وجهين:
إما أن تُقَام تلك الصلاة وهو فيها، أو تقام عليه بعد الفراغ منها.
فإن أقيمت عليه وهو فيها: فلا يخلو هذا [من وجهين إما] 4 أن يكون قبل أن يعقد منها ركعة بسجدتيها، أو بعد ما صلاها.
فإن كان قبل أن يعقد منها ركعة: قطع بسلام، ودخل مع الإِمام.
فإن كان بعد ما صلى ركعة كاملة: هل يقطع بسلام أو يشفع؟
[ففي المذهب قولان قائمان] 5 من "المدونة" 6:
أحدهما: أنه يقطع بسلام، ويدخل مع الإِمام.
وهو قول ابن القاسم في كتاب الصلاة [الأول] 1 من "المدونة".
والثاني: أنه يشفعها بركعة أخرى، ويسلم ويدخل مع الإِمام، وهو قول ابن حبيب في هذا الوجه والذي قبله.
إذا أحرم ولم يركع: فابن حبيب يقول: يتم الركعتين أيضًا.
ويحتمل قولان في كل وجه.
والذي قاله ابن حبيب ظاهر "المدونة".
وابن القاسم إنما قال بالقطع على ركعة واحدة، ولم يجزئه أن يشفعها مخافة التنفل قبل صلاة المغرب.
وظاهر قوله في "صلاة الجنائز" 2 حيث جوز تقديم [صلاة الجنائز] 3 على صلاة المغرب: أن يشفعها.
وكذلك ما وقع له في "كتاب الحج" 4، حيث قال: أن يقدم ركعتي الطواف على المغرب.
وهو الذي يعضده قوله عليه السلام: "بين كل أذانين صلاة" 5] 6.
يريد الأذان والإقامة.
وإن أقيمت عليه وهو في [الثالثة] 1، فإن كان في الركوع قطع بسلام، ويدخل مع الإِمام.
وإن كان بعد الركوع فيها، وبعد الرفع عنه تمادى على تمامها ويسلم ويخرج.
وإن كان بعد الركوع وقبل الرفع [منه] 2: فقولان منصوصان في المذهب، قائمان من "المدونة" 3.
أحدهما: قول ابن القاسم؛ أنه [يتمها] 4.
والثاني: قول أشهب، أنه يرجع إلى الجلوس، ويسلم، ويدخل مع الإمام.
وسبب الخلاف: اختلافهم في عقد الركعة: هل هو وضع اليدين على الركبتين، أو الرفع منها؟.
فإن أقيمت [عليه] 5 تلك الصلاة بعد سلامه منها: هل يعيدها أم لا؟
فالمذهب على قولين 6:
أحدهما: أنه لا يعيد، وهو قول ابن القاسم [في الكتاب] 7.
والثاني: أنه يعيدها، وهو قول المغيرة.
وأما العشاء: فلا خلاف في المذهب أنه يعيدها إذا لم يوتر.
واختلف المذهب [فيما] 1 إذا أوتر هل يعيد أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه لا [يعيدها] 2، وهو قول [مالك] 3 في "العتبية".
والثاني: أنه يعيدها، وهو ظاهر قول المغيرة؛ مساواة بين المغرب والعشاء، والعلة واحدة.
وعلى القول بأنه يعيدها: هل يعيد الوتر أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يعيده، وهو قول سحنون في "المجموعة".
والثاني: أنه لا يعيده، وهو قول يحيى بن عمر.
واختلف أرباب المذهب في العلة التي من أجلها منع من إعادة المغرب مع الإِمام، وإعادة العشاء بعد الوتر.
أما المغرب: فبعضهم يقول: [إن] 4 العلة فيها أن [صلاة] 5 المغرب هي وتر؛ فلو أعيدت لأشبهت صلاة الوتر مع التي ليست بوتر؛ لأنها كانت تكون لجميع ذلك ست ركعات، فكأنها خرجت من جنسها إلى جنس صلاة أخرى، وذلك مبطل لها.
وذلك من باب تخصيص عموم قوله عليه السلام: "إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت" 6، وتخصيص العموم بالقياس جائز عند
الأصوليين [على] 1 الجملة، إلا أن هذا القياس الذي خصص به مالك رحمه الله قياس الشبه، وهو [في أصله] 2 ضعيف عند الأصوليين.
وهو مع ضعفه في [أصله] 3 في هذا الموضع ازداد وهنًا على وهن؛ وذلك أن السلام [فصل] 4 بين الأوتار، فكيف [يقال] 5 بإضافة أحد الوترين إلى الآخر.
ومنهم من سلك في طريق تخريج [المسألة] 6 طريق السّبْر [والتقسيم] 7، فيقول: لا تخلو [الصلاة] 8 من أن تكون الأولى التي صلى [أولًا] 9 وحده فرضًا، والثانية نفلًا، أو بالعكس [فأيهما] 10 قدر فقد مُنع؛ لأنه إن كانت الأولى هي الفرض فقد صارت الثانية نفلًا، والتنفل بثلاث ركعات ممنوع -على مذهبنا.
وإن كانت الثانية هي فرض، والأولى هي نفل: فقد اجتمع فيه المكروهان:
أحدهما: التنفل قبل المغرب.
والثاني: [التنفل] 11 بثلاث ركعات.
فخرج من مقتضى السبر [والتقسيم] 1 أن العلة التنفل بثلاث ركعات.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب"، حيث قال: فإن أعادها [مع الإِمام] 2 فليشفعها بركعة بعد سلام الإِمام، وتكون أربعًا 3.
قال الشيخ أبو الحسين اللخمى رضي الله عنه: يريد إذا أعادها بنية النَّفْل.
ولو نوى رفض الأولى لتكون هذه فرضه: لم يشفعها؛ لأن الاحتياط لفرضه أولى ليخرج من الخلاف.
فعلى التعليل الذي علل به ابن القاسم أن الآخرة نافلة [لتخرج] 4 الاعتراض [على القول] 5 بألَّا يعيد العصر والصبح أيضًا؛ لأن التنفل بعدها ممنوع، وهو قول عبد الله بن عمر في "الموطأ" 6 في صلاة الصبح.
وأما اختلافهم في إعادة العشاء إذا أوتر، واختلافهم [أيضًا] 7 في إعادة الوتر إذا أعيدت: فينبني الخلاف [على الخلاف في] أيتهما [فرضه] 8؟
فمن جعل الأولى فرضه، والثانية نفلًا قال: يعيد مع الإِمام، والتنفل