كتاب الشفعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان عشرة مسألة:
المسألة الأولى في [شفعة] (1) أهل الذمة
والذي نبدأ به: اشتقاق هذا اللفظ وتسميته:
فالشفْعة بسكون الفاء، وقد اختلف في تسميته بذلك على أربعة أقوال:
قيل: مأخوذ من الشفع، وهو ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضم هذا المشفوع فيه إلى ماله، فتصير الحصة حصتين والمال مالين.
وقيل: هو من الزيادة؛ لأنه يجمع مال ذلك إلى ماله، ويضيفه إليه ويزيده له، والشفعة: الزيادة؛ قال تعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ 2، قيل: يزيد عملًا صالحًا إلى عمله، وهو قريب من المعنى الأول.
وقيل: هو من الشفاعة؛ لأنه شفع بنصيبه إلى نصيب صاحبه، وقيل: بل كانوا في الجاهلية إذا باع الرجل حصته أو أملاكه أتى المجاور مشافعًا إلى المشتري ليوليه إياه ليصله بماله، ويخلص له الملك.
فإذا ثبت ذلك: فلا يخلو الشفيع من أن يكون مسلمًا، أو ذميًا.
فإن كان مسلمًا: فلا خلاف في وجوب الشفعة على المشتري -كان مسلمًا أو ذميًا- ثم لا يخلو الثمن الذي اشترى به المشتري إن كان ذميًا أن1
يكون مما يجوز تملكه والمعاملة به أم لا.
فإن كان مما يجوز تملكه، والمعاملة به: فحكمه حكم ما لو كان مسلمًا, ولا إشكال في ذلك.
فإن كان مما لا يجوز تملكه، والمعاوضة [به] 1 عليه كالخمر، والخنزير، فبماذا يستشفع؟
فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يستشفع بقيمة الشقص لا بقيمة الخمر، وهو قول أشهب في "العتبية".
والثاني: أنه يستشفع بقيمة الخمر، وهو قول يحيى بن عمر، وابن عبد الحكم في "العتبية".
ويقومها من يعرف قيمتها من المسلمين، أو من هو قريب العهد بالإِسلام كما قيل في ذلك.
وينبني الخلاف: على الخلاف فيمن استهلك لذمي خمرًا، هل يغرم قيمتها أم لا؟
فعلى القول بأنه يغرم القيمة، كما به قال ابن القاسم في المدونة، قال: يستشفع بقيمة الخمر.
وعلى القول بأنه لا قيمة عليه، كما به قال عبد الملك، قال: يستشفع بقيمة الشقص؛ لأن الخمر إذا لم تكن لها قيمة بالتعدي، فبأن لا يكون له قيمة إذا دفعها بالطوع أولى.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الشفيع ذميًا: فلا يخلو المتبايعان من أن يكونا مسلمين، أو ذميين، أو أحدهما مسلم، والآخر ذمي.
فأما إذا كانا مسلمين: فلا خلاف في وجوب الشفعة للذمي؛ لأنه حكم بين مسلمين [وذمي] 1، وكذلك إذا كان المشتري مسلمًا، فإن كانا ذميين، أو كان المشتري ذميًا.
فأما إن كانا ذميين: فلا يخلو من أن يتحاكموا إلينا أم لا، فإن لم يتحاكموا إلينا فلا خلاف في أنه لا شفعة له.
فإن تحاكموا إلينا، هل يحكم بينهما بالشفع أم لا؟
فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في كتاب تضمين الصناع، ونصه في المدونة في أول كتاب الشفعة.
وإن كان البائع مسلمًا، والمشتري فهل تجب الشفعة أم لا؟
على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن له الشفعة لما كانت بسبب مسلم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسمة"، ونقلها أبو سعيد في "التهذيب" في كتاب الشفعة.
والثاني: أنه لا يحكم له بالشفعة؛ لأنه حكم بين ذميين، وهي رواية يحيى بن عمر عن ابن القاسم في "العتبية"، وقال أشهب: إذا كان أحد الثلاثة مسلمًا بائعًا، أو [متبايعًا] 2 أو شفيعًا، ففي ذلك الشفعة، وهو قوله في "المجموعة" [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الثانية في تشافع الورثة [والشركاء]
1
فلا تخلو المسألة من أربعة أوجه:
أحدهما: أن يكونوا أهل سهم.
والثاني: أن يكونوا عصبة [و] 2 ذوي سهم.
والثالث: أن يكونوا في حكم العصبة.
والرابع: أن يكونوا موصى لهم.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا ذوي سهم: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكونوا [ذوي سهم واحد، أو يكون معهم موصى له أو يكون معهم شريكًا، فإن كان] 3 معهم ذو سهم غيرهم، فلا يخلو من أن يكونوا مما هو في حكم السهم [الواحد] 4 أو كان سهامًا مختلفة.
فأما إن كان هو في حكم السهم الواحد كأخوات مع البنات، فباع أحد البنات، هل تكون الشفعة لبقية البنات، أو لجميع الأخوات والبنات؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الشفعة للجميع.
والثاني: أن الشفعة للبنات خاصة.
والقولان حكاهما اللخمي.
فعلى القول بأنهن كأهل سهم [واحد يكون من حق البنات أن تقسم الدار أثلاثًا، وعلى القول بأنهن كأهل سهم] 1 مختلفة، هل يكون من حق الأخوات أن تقسم أولًا أتْسَاعًا.
فأما إن كانت سهامًا مختلفة كالزوجات أو الجدات، والإخوة للأم، فباع أحد الزوجات: فالشفعة لبقية الزوجات.
وهل يدخل معهن أحد من ذوي السهام الباقية والعصبة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يدخل معهن أحد في الشفعة، لا ذوي السهام ولا العصبة، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن العصبة وبقية ذوي السهام يدخلون معهن في الشفعة، وبه قال المغيرة على ما نقله الحفيد في كتاب النهاية.
وعلى القول بأنهم لا يدخلون معهن، فإن أسلمن الشفعة كانت لبقية ذوي الفرائض والعصبة إن كانوا، فإن سلموها كانت لبقية الأشراك إن كانوا هناك.
فإن كان معهم موصى له بالثلث، هل يدخل معهم مع ذوي السهام في الشفعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يدخل معهم، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه يدخل معهم على مذهب المغيرة الذي يقول: إن ذوي السهام يدخل بعضهم على بعض في الشفعة.
فإن كان معهم شريك، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الشفعة لبقية الورثة دون أشراكهم، وهو مذهب المدونة،
وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن الأشراك بالملك يدخلون معهم في الشفعة، وهذا يتخرج على قول المغيرة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان مع ذوي السهام عصبة، وباع بعض العصبة، فهل يدخل معهم بقية ذوي السهام في الشفعة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يدخل ذوو السهام على العصبة، [ولا] 1 العصبة على ذوي السهام، وهو مذهب الكوفيين، وبه قال أشهب -من الأصحاب.
والثاني: أن ذوي السهام يدخل على العصبة، ويدخل العصبة على ذوي السهام، وبه قال المغيرة المخزومي -من أصحابنا- وهو أحد قولي الشافعي [رحمه الله] 2.
والثالث: أن ذوي السهام يدخل على العصبة، ولا يدخل العصبة على ذوي السهام، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وسبب الخلاف بين القولين المتقابلين: معارضة قياس الشبه لعموم الخبر، وقد قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة بين الأشراك، ولم يخصص ذوي السِّهَام من غيرهم، ويعارضه قياس الشبه، فخصص به [ذوي] 3 السِّهَام من العصبات، ويقال: لما كانت الشركة مختلفة الأسباب -أعني [بين] 4 - ذوي السِّهام وبين العصبات -وجب ألا يدخل
بعضهم على بعض في الشفعة قياسًا للشركة المختلفة الأسباب [على الشركات] 1 إذا تميز محالها الذي هو المال بالقسمة.
وأما من أدخل ذوي السِّهام على العصبة، ولم يدخل العصبة على ذوي السِّهام، فهو استحسان على غير قياس، ووجهه: أنه رأى ذوي السِّهام أقعد من [العصبان] 2.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كانوا في حكم العصبة؛ مثل أن يموت رجل عن ثلاثة بنين، ثم مات أحدهم قبل القسمة [عن] 3 ثلاث من الولد: فإنه إن باع أحد الأعمام نصيبه كانت الشفعة لأخويه ولبني أخيه، ولا خلاف -أعلمه- في هذا الوجه.
وإن باع أحد من بني الأخ، هل تكون الشفعة لهم دون الأعمام أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الشفعة لبقية بني الأخ دون أعمامهم، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة.
والثاني: أن بقية الأعمام يدخلون معهم.
والقولان حكاهما ابن القصار عن مالك في "كتاب عيون الأدلة".
وتلخيص القول في ذلك أن نقول: لا تخلو الدار الموروثة عن الميت الأول من ثلاثة أقسام:
إما أن تنقسم أتْسَاعًا، وإما أن تنقسم أثلاثًا، وإما ألا تنقسم بحال.
فأما إن كانت تنقسم أتساعًا: كان الجواب على ما قاله في المدونة؛
لأن الدار تنقسم قسمين [أو أثلاثًا] 1 فإذا صار إلى بني الابن ثلثهم: قسموه أثلاثًا كدار قائمة بنفسها، فبعضهم أحق بدفع الضرر ممن لا يصير [له] 2 في ذلك الثلث شرك.
فأما إن كانت الدار لا تنقسم أثلاثًا ولا أتساعًا: كانت الشفعة [لجميع من] 3 له فيها شرك بوراثة أو غيرها، وعلى القول بأن الشفعة فيما لا ينقسم؛ لأن الأصل الذي جعلت له الشفعة فيما لا ينقسم خوفًا من أن يدعو المشتري إلى البيع، فتخرج الدار من أملاكهم، ومضرة خروج الملك أشد من مضرة المقاسمة.
فأما إن كانت الدار تنقسم أثلاثًا خاصة، فباع أحد الأعمام: كانت الشفعة لجميعهم؛ لأن بني الأخ شركتهم مع أعمامهم فيما ينقسم، وإن باع [أحد بني] 4 الإخوة كان فيها قولان:
فعلى أحد قولي مالك: أن الشفعة فيما لا ينقسم يتشافعون دون أعمامهم.
وعلى قولًا أن لَّا شفعة فيما لا ينقسم: تكون الشفعة للأعمام دون بني الإخوة؛ لأن الأعمام يقولون: نحن نشفع فيما [يحمل] 5 القسم ولا شفعة لبعضكم على بعض؛ لأن نصيبكم لا يحمل القسم.
وتحصيل ذلك: أن كل موضع يكون للمشتري أن يدعو إلى القسم،
فله أن يستشفع منه، وكل موضع لا يكون له أن يدعو إلى القسمة، وله أن يدعو إلى البيع؛ فإنه يختلف في وجوب الشفعة فيه على قولين، وكل موضع ليس له أن يدعو إلى القسم، ولا إلى البيع: فلا شفعة له، قولًا واحدًا في المذهب؛ مثل أن تكون دارًا لا تنقسم، وإن باع هذا نصيبه على الانفراد لم ينقص عن بيع الجملة.
والجواب عن الوجه الرابع من أصل التقسيم: إذا كان موصىً لهم، هل هم كالعصبة، أو هم كأهل سهم واحد؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم كالعصبة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم كأهل سهم واحد، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الموصى [له] 1 جماعة، أو واحد؛ فإن كانوا جماعة: فإنهم لا يدخلون على الورثة في الشفعة، وإن كان واحدًا: دخل معهم، وهو ظاهر قول ابن المواز في كتابه حيث قال: وإذا أوصى أحد ولد الميت لرجل واحد، فباع إخوة الموصى [البيت] 2: أن الموصى له يدخل معهم، وقال محمَّد: لأنه رجل واحد، فظاهر قوله: أنهم لو كانوا جماعة ما دخلوا [مع] 3 الورثة؛ لأنهم يتشافعون فيما بينهم دون الورثة؛ فعلى هذا أن من كان يتشافع [مع صاحبه لا يدخل] 4 [مع] 5 الورثة، وإن كان لا أصحاب له يشافعهم دخل على الورثة،
وما قاله ضعيف جدًا؛ لأن أهل السهم الواحد يتشافعون فيما بينهم، ولا يمنعهم ذلك من الدخول على بقية الورثة [الذين لا يشافعونهم] 1 [والحمد لله وحده] 2.
المسألة السادسة *
في الشفعة إذا وجبت هل هي على عدد الرؤوس أو على عدد الأنصباء؟
ولا يخلو ما يستشفع فيه من أن يكون مما ينقسم، أو مما لا ينقسم.
فإن كان مما ينقسم، هل تنقسم الشفعة فيه على عدد الرؤوس، أو على قدر الأنصباء؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن الشفعة على قدر الأنصباء، وهذا هو [القول] 1 المعروف من المذهب، وهو نص قوله في المدونة.
والثاني: أنها على عدد الرؤوس، وهذا القول حكاه ابن الجهم عن بعض أصحاب مالك، على ما نقله أبو الفضل، وخرجه اللخمى من قول عبد الملك في تقويم العبد المعتق بعضه إذا أعتق بعض الأشراك حصته في مرة واحدة؛ وكانوا جماعة وكلهم مياسير: أن التقويم عليهم بالسواء على عدد رؤوسهم؛ لأنه لو كان [الكثير] 2 النصيب معسرًا لقوم جميع العبد على القليل النصيب، وعلى هذا تكون الشفعة على العدد؛ لأن القليل النصيب لو انفرد لكان [له] 3 جميع الشفعة، وقد خرجه غيره من المدونة من كتاب الأقضية حيث قال: أجرة القسام على عدد الرؤوس.
وأما لا ينقسم إذا حكم فيه بالشفعة على عدد الرؤوس؛ لأن القصد
فيه رفع الضرر عند البيع، وذلك يستوي فيه القليل النصيب والكثير، وإلى هذا ذهب اللخمي -رحمه الله.
المسألة الرابعة في معرفة ما تجب فيه الشفعة مما لا تجب فيه
والشفعة سلطانية حكمية وقضية شرعية أثبتها الشرع للأصيل على الدخل درءًا [للإضرار] 1 وقطعًا لمادة الاختيار، وهي متعلقة بالعقار، وما يتصل بها من الأشجار، وهي للشريك دون الجار خلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: إنها للجار.
فإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء في وجوب الشفعة على الجملة على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وجوبها في كل [شيء] 2 جملة بلا تفصيل، قاله: بعض أهل مكة.
والثاني: أن الشفعة غير واجبة جملة بلا تفصيل، وإليه ذهب من لا يرى بيع الشقص المشاع، وهو مذهب الأصم على ما نقله ابن حارث.
والثالث: أن وجوبها وثبوتها في الدور، والأرضين، والعقار، وهو مذهب فقهاء الأمصار على تفصيل، وتحصيل لبعضهم في ذلك.
ولا يخفى على من له أدنى فهم ضعف ما ذهب إليه الأصم، وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بالشفعة.
وأما من ذهب إلى أنها [واجبة] 3 في كل شيء، فيشهد له الأثر، والنظر؛ فأما الأثر: ما خرجه الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: "الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء" 1، وهذا نص لا يحتمل التأويل إن صح الحديث، وقد طعن بعض العلماء في سنده.
وأما المعنى والنظر: فضرر الشركة موجود في كل شيء.
وأما فقهاء الأمصار فقد تمسكوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشفعة فيما لا ينقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" 2، فكأنه قال: الشفعة فيما لم تكن فيه القسمة ما دام لم تقسم، فدل على أن الشفعة فيما ينقسم؛ لأن ما لا ينقسم لا يقال يثبت فيه حكم كذا، وكذا ما لم ينقسم لما كانت القسمة لا تأتي فيه، وإن كان هذا من باب الاستدلال بدليل الخطاب، وهو أصل مختلف فيه، إلا أن فقهاء الأمصار أجمعوا على الاستدلال به في هذا الموضع، والأمر الموجب لاجتماعهم ما فهموه من صيغة لفظه - صلى الله عليه وسلم -.
وأما مذهب مالك: فتحصيله أن الشفعة في ثلاثة أنواع:
أحدها: مقصود، وهو العقار من الدور، والحوانيت، والبساتين.
والثاني: ما تعلق بالعقار مما هو ثابت، ولا ينقل كالبئر، وفحل النخل.
والثالث: ما يتعلق بالأصول كالثمار.
وأما الدُّور، والأرضون، والبساتين: فلا يخلو ذلك من أن يكون مما ينقسم، أو مما لا ينقسم؛ فإن كان مما ينقسم على غير ضرر: فلا خلاف في مذهب مالك في وجوب الشفعة فيه.
فإن كان لا ينقسم إلا على ضرر أو لا ينقسم جملة، فهل تجب فيه الشفعة للشريك أم لا؟ فعلى القولين:
أحدهما: أنه لا شفعة فيه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: وجوب الشفعة فيه، وهو أحد قولي مالك في المدونة أن الشفعة مشروعة في القليل والكثير من الرِّياع، والعقار، وهو أحد قوليه أيضًا في المذهب فيما لا ينقسم جملة، ومن هذا المعنى اختلافهم في الحمام، والبيت الصغير, والدُّكان في السوق مما لا ينقسم إلا على ضرر مثل منصب الرَّحَى، أو مما لا ينقسم كالشجرة الواحدة، والنخلة الواحدة، والماجل، والبئر الواحدة إذا لم يكن معها أصل، ولا أرض، وغير ذلك من الرياع والأصول مما لا ينقسم إلا على ضرر، أو لا ينقسم أصلًا: فقد اختلف في جميع ذلك على قولين: وجوب الشفعة وإسقاطها في النخلة الواحدة، والشجرة الواحدة، قال مالك وابن القاسم: لا شفعة فيهما، وبه قال محمَّد.
وقال أشهب، وعبد الملك، وأصبغ: [الشفعة فيهما] 1 في "الواضحة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الضرر المعتبر في الشفعة، هل هو ضرر الشركة، أو ضرر القسمة؟ فمن اعتبر ضرر الشركة؛ لكون الأصيل يستضر بالدخيل لما يخاف من ناحيته من السرقة، والخيانة، وأن يدخل عليه أمرًا لم يألفه من شريكه البائع مما كان عليه من حسن الطوية، وجميل المعاشرة معه، وربما كان يكفيه مؤنة بعض العمل، ويسامح له في أخذ بعض الأشياء، والدخيل على خلاف هذه الصفة، قال بوجوب الشفعة فيما ينقسم، وفيما لا ينقسم.
ومن اعتبر ضرر القسمة: قال بوجوب الشفعة، فيما ينقسم خاصة؛ لأن القسمة تضيق الواسع، وخراب العامر؛ وذلك أن كل واحد من الشريكين كان يجول في جميع الحائط مثلًا، وكان يتصرف في جميع تصرف المالك الواحد، فإذا قسم اقتصر تصرفه على سهمه خاصة، ويعود ضيقًا بعدما كان واسعًا، وعادت يده مقيدة بعدما كانت مطلقة.
وأما كونها خراب العامر؛ مثل أن يكون الذي لم يبع ضعيف التصرف، قليل المعرفة، وشريكه عنده من النجابة، والدراية، وجميل العشرة ما يتولى له خدمة جميع الحائط، أو يحتمل على نفسه أكثر [مؤنة العمل] 1 فيما بينهما من الشركة، ولا يؤاخذ بذلك شريكه؛ بل يسامحه ولا يناقشه، وقد يكون الدخيل على غير هذه الصفة، وربما يدعوه إلى القسمة، فيستضر بذلك الأصيل؛ إما لكونه إذا قسم الشيء المشترك بينهما انتقصت قيمته، وقل ثمنه، وإما لما يحتاج إليه من النفقة في استحداث المرافق في نصيبه، فليزمه في ذلك مؤنة كباب يحدثه، أو ما يلزمه من المؤن، والآخر الذي يختص بقسمة الأصول؛ إذ ليس كل واحد يحسن قسمتها، فلابد في أغلب الحال أن يستأجر على قسمتها من يختص بمعرفة ذلك، وهي علة صحيحة يشهد بصحتها اطرادها وانعكاسها، ألا ترى أن العروض التي تنقسم بالكيل، والوزن لا شفعة فيها؛ إذ لا [مؤنة] 2 في قسمتها.
وأما ما هو متعلق بالعقار مما هو ثابت لا [ينقل] 3 ولا يتحول كالبئر، وفحل النخل ما دام الأصول فيهما على صفة
تجب فيه الشفعة: فإن الشفعة فيما بيع منهما من بئر، أو فحل، أو غيره، وهو أن يكون الأصل الذي هو الأرض مشاعًا بينه، وبين شريكه غير مقسوم، فكانت الشفعة إنما تجب في البئر، والفحل، والشرب في الماء إذا باع أحد الأشراك شربه لأجل اشتراكهما في الأصل الذي هو الأرض، فإذا باع أحدهم حصته من الأرض، وبقى شربه في الماء [أو في البئر أو في الفحل فسلم إذا باع أحد الأشراك فسلم أصحابه بالشفعة إن استشفعوا ثم باع أحدهم حصته من الماء] 1 بعد ذلك: كانت الشفعة لمن بقى سهمه في الأصل والماء، ولا يدخل معهم فيها من باع سهمه في الأصل بسبب ما بقى له في الماء؛ لأنه في حيز التبع، والشفعة في البئر، والشجرة الواحدة لأجل الأرض، و [هو] 2 قول مالك في المدونة في "كتاب الشفعة" و "القسمة"، وفي "كتاب حريم الآبار".
وأما ما يتعلق بالأصول: فلا يخلو قيام الشفيع من أن يكون قبل يبس الثمرة، أو بعده؛ فإن كان قيامه بعد يبس الثمرة، وقد اشترى المشتري الثمرة دون الأصل، هل للشريك فيها الشفعة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الشفعة للشريك في الثمرة كان الأصل لهما أو لم يكن لهما غير الثمن، وهو قول أشهب في "الموازية"، وقول مالك في "المدونة"؛ لأنه قال: وكان الأصل لهم أو بأيديهم حبس أو مساقاة.
والثاني: أن الشفعة في الثمار إذا -كان الأصل بينهما [وهو قول محمَّد بن المواز.
[والثالث: أنه لا شفعة في الثمار أصلًا كان الأصل لهما] 1 أو لم يكن [لهما] 2 إلا الثمرة، وهو قول عبد الملك في "الموازية".
ولأشهب في موضع آخر مثل قول محمَّد: أن الشفعة في الثمرة إذا كان الأصل بينهما؛ لأنه قال: إذا اقتسما الأصل دون الثمرة، ثم باع أحدهما حظه من الثمرة بعد الطياب، فلا شفعة فيها بعد قسمة الأصل، قال: والثمرة -هاهنا- كالبئر.
والشفعة في الثمرة من المسائل التي انفرد بها مالك -رحمه الله-، وقال: ما علمت أحدًا قاله قبلي.
وأما إن قام [الشفيع] 3 بعد يبس الثمرة، وكان بيع الشريك ساعتئذ: فلا شفعة له، قولًا واحدًا؛ لأنها كالثمرة المجذوذة؛ إذ لا منفعة لها في تعلقها بالأصول.
ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين النخل، والعنب، وسائر ما يبس من الثمار إذا بيعت بعد طيبها [وقبل] 4 يبسها.
وأما ما عدا هذه الأنواع الثلاثة من جميع [الأنواع] 5: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب -عندنا- أنه لا شفعة فيها.
واختلف فيما يتعلق منها بالذمة، هل تكون فيه الشفعة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه لا شفعة في الدين أصلًا، وهو قول ابن القاسم، وهو
مشهور المذهب في النقل.
والثاني: أن الشفعة في الدين، وبه قال أشهب.
ومعنى ذلك: إذا كان دينًا على رجل، ثم باعه مولاه أن الذي عليه الدين أولى بما بيع به، وقد قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في الدين.
ولم يختلف في المذهب -فيما علمت- في إيجاب الشفعة في الكتابة بحق العتق، وإن المكاتب أحق بما بيعت [به] 1 كتابته.
واختلف في بيع المنافع، هل هو كبيع الأعيان، أو لا، على قولين: فقيل: إن الكراء كالبيع، وقيل: ليس كالبيع، وكذلك الصدقة والهبة بغير عوض، وقيل: فيها الشفعة بقيمة الشقص، وقيل: لا شفعة فيها، وهو المنصوص في المدونة، وهو الصحيح إن شاء الله، والحمد لله وحده.
المسألة الخامسة في الشفعة في المناقلة
وهي المبادلة؛ مثل أن يبادله شقصًا بشقص آخر، ولا يخلو المتبادلان من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتركا في الطرفين.
والثاني: أن يشتركا من أحد الطرفين خاصة.
والثالث: ألا يكون بينهما شركة في الطرفين جميعًا.
فأما الوجه الأول: إذا اشتركا في الطرفين جميعًا؛ مثل أن يكون له شقص في موضع من المواضع، وللآخر معه شقص في موضع آخر، فتبادلا على أن يخرج كل واحد منهما لصاحبه من ذلك الموضع لينقل له ملكه، ويتوسع في حظه، وربما كان معهما شريك آخر في الطرفين جميعًا أو في أحدهما، هل تكون الشفعة لذلك الشريك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له الشفعة، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك.
والثاني: أنه لا شفعة له في ذلك؛ لأنهما لم يقصدا إلى البيع، وإنما أراد كل واحد منهما التوسع في حظه بما صار إليه من حظ شريكه، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وهو أحد أقاويل مالك أيضًا، وهو الأظهر.
فأما إن كانت الشركة من أحد الطرفين خاصة؛ مثل أن تكون الدار بين ثلاثة أشراك، فبادل أحدهما صاحبه شقصه على أن يعوضه بشقص له في
دار أخرى لا [شرك] 1 للذي انتقل إليها [فيها] 2 هل لأشراكه الشفعة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: [أن] 3 الشفعة في الطرفين جميعًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا شفعة في ذلك حتى تكون الناقلة من الطرفين، وهو أحد قولي مالك أيضًا، وعليه بني بعض المتأخرين.
ويتخرج [فيه] 4 قول ثالث بوجوب الشفعة للشريك في الطرف [الذي ليس للمنتقل إليه فيه شرك؛ لأن ذلك بيع، ولا شفعة في الطرف الآخر الذي للمنتقل إليه فيه شرك؛ لأنه أراد أن يتوسع، وأما إذا لم تكن بين المتناقلين الشركة في الطرفين] 5 جميعًا؛ مثل أن تكون دار بين رجلين، فناقل أحدهما رجلًا أجنبيًا شقصه في هذه الدار على أن يأخذ سهم ذلك الأجنبي في دار [أخرى] 6 لم يكن للذي ناقله فيها شرك، فهل تجب فيها الشفعة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وجوب الشفعة في الناقلة على الجملة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وهذا [القول] 7 قائم من المدونة من مسألة الصالح من دعوى في سدس دار على الإنكار بشقص من دار أخرى.
والثاني: أنه لا شفعة في المناقلة جملة، وهو أحد أقوال المذهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المناقلة، هل هي كالبيع، أم لا؛ فمن جعلها كالبيع [قال بوجوب الشفعة، ومن لم يجعلها كالبيع] 1 قال: لا شفعة، والحمد لله وحده.
المسألة السادسة في الشفعة في النقض إذا كانت العَرْصَة (1) لغير بائع النقض
وقد ذكر في الكتاب مسألة الذي أذن لرجلين أن يبنيا في عَرْصَة له، فبنيا، ثم باع أحدهما نصيبه من النقض، وقال: إن رب العَرْصَة مقدم على الشريك في النقض بالأخذ في الشفعة، ثم قال: ليس ذلك من باب الأخذ بالشفعة، وإنما هو من باب دفع الضرر؛ لقوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار" 2 ثم استدل عليها بمسألة الشركاء الذين بنوا في الحبس، فباع بعضهم حصته من البعض أن الشفعة لبقية الورثة.
وقد اختلف قول ابن القاسم في مسألة الحبس، فقال في "كتاب الشفعة": إن البناد موروث عن الباني، ويجوز فيه البيع لورثته، وتكون فيه الشفعة لبقية الأشراك، وقال في كتاب الحبس: إن ذلك لا يورث، وهو حبس لا يباع إلا أن يوصي الميت بذلك لورثته، فيورث عنه على معنى الملك.
وقال المغيرة: لا يكون [من] 3 ذلك صدقة محرمة إلا الشيء اليسير كالميزاب أو خشبة أدخلها في الحائط، وأما ماله بال وقدر: فإنه يورث عنه على معنى الملك، وقول المغيرة -هاهنا- كقول ابن القاسم في "كتاب الشفعة".1
وقد ذهب [بعض المتأخرين] 1 إلى التلفيق بين ما وقع في الكتابين بما لا خفاء به على من طالع كتب الشرح.
وأما مسألة العَرْصَة: إذا باع أحد الشريكين حصته من النقض، وإن رب العَرْصَة مُقَدَّم في الأخذ على الشريك، هل يجوز هذا البيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن البيع في ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن البيع لا يجوز؛ لأن ذلك غرر وخطر؛ إذ لا يدري [المشتري] 2 ما الذي يصح له إن كان النقض أو القيمة أو الثمن الذي دفع، وهو قول أشهب، وسحنون.
وعلى القول بجواز البيع وصحته ممن يأخذ رب العرصة، هل من البائع أو [من] 3 المشتري؟
فالمذهب على قولين؛ قيل: من البائع، وقيل: من المشتري.
وعلى القول بأنه يأخذه من البائع: فقد اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يأخذه بالأقل من القيمة أو الثمن قائمًا.
والثاني: [أنه] 4 يأخذه بالثمن فقط.
والثالث: أنه يأخذه بقيمته مقلوعًا، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في اشتراء النقض والشريك غائب، حيث قال: يعطيه قيمة بنيانه، ولا يأخذ الثمن الذي اشتراه به.
والأقوال كلها متأولة على المدونة.
وعلى القول بأنه يأخذه من البائع أو بالأقل: فإن [البيع] 1 بينه وبين المشتري، ويرجع عليه المشتري بما دفع له.
وعلى القول بأنه يرجع على المشتري فيأخذه، فبماذا يأخذه؟ هل بالثمن أم بالقيمة أم بالأقل؟
فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها.
وسبب الخلاف: هل ذلك من باب الأخذ بالشفعة، أو ذلك من باب دفع الضرر؟
وإن كان الأخذ بالشفعة في أصله من باب دفع الضرر، فمن رأى أن ذلك من باب الأخذ بالشفعة [حقيقة وحكمًا قال: يأخذ من المشتري بالثمن إلا أن كونه من باب الشفعة] 2 بعيد عن مذهب المدونة ومشهور المذهب؛ وذلك أنا [قررنا] 3 أن الشفعة إنما تجب للشريك في عين المبيع الذي عليه في قسمته ضرر، ورب العَرْصَة لا شركة له في الأنقاض، فبأي شيء يستوجب الشفعة، وقد قال في "الكتاب" في الذي باع نقض دار على أن يقلعه المشتري، فجاء رجل فاستحق القاعة، وأراد أن يأخذ النقض: أنه يأخذه من المشتري بقيمته منقوضًا , ولا يأخذه بالثمن؛ إذ لا شركة له في النقض، وكيف يصح أن يستشفع في النقض بسبب ملكه، وقد منع ذلك في هذه الصورة، وذلك منه اختلاف قول.
وقال بعض المتأخرين: كان الأشبه ألا يأخذه بالثمن، ولعلهم إنما سامحوا في هذا؛ لأن ثم من يأخذ بالشفعة، وهو الشريك في النقض فكان هذا لما كان مقدمًا عليه حل محله، وعلى هذا الاعتلال لو لم يكن
معه شريك في النقض، وكان واحدًا هو البائع لنقضه لم يأخذ ذلك رب الأرض إلا بقيمته كما قال في الذي استحق [القاعة] 1، وقد باع نقضها من كانت بيده على القلع أنه لا يأخذ النقض إلا بقيمته مقلوعًا.
المسألة السابعة في الحد الذي تنقطع إليه الشفعة
ولا يخلو الشفيع من أن يكون حاضرًا، أو غائبًا.
فإن كان غائبًا: فلا يخلو من أن تكون غيبته قريبة أو بعيدة.
فإن كانت بعيدة: فهو على شفعته -علم بالبيع أو لم يعلم طال الزمان أو قصر- إلا أن يطول الزمان جدًا مما يجهل في مثله أصل البيع، ويموت الشهود: فإن ذلك يقطع شفعته، وهو قول مالك في كتاب محمَّد.
فإن كانت قريبة مما لا ضرر فيه على الشفيع في الشخوص للحضور، ولا كلفة مؤنة فيعد كالحاضر، وللإمام أن يكتب إلى قاضي البلدة التي هو فيها فيوقفه، إما أن يأخذ وإما أن يترك.
وإن كان حاضرًا: فلا يخلو من أن يكون عالمًا بالبيع، أو غير عالم به.
فإن كان غير عالم: فهو على شفعته، ويصدق أنه لم يعلم ما لم يطل ذلك.
واختلف إذا قام بعد أربع سنين، وقال: لم أعلم بالبيع، هل يصدق ويمكن من أخذ الشفعة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يصدق، ولو بعد أربع سنين، وهو قول ابن عبد الحكم في "الموازية".
والثاني: أنه لا يصدق في الزائد على أربع سنين، وهو قول ابن المواز.
وإن كان عالمًا بالبيع: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون له عذر.
والثاني: ألَّا عذر له.
فإن كان له عذر كالمرض [والصغر.
فأما المريض فهو على شفعته حتى يصح أو يموت، فإن صح كان له الأخذ بالشفعة] 1، وهل يكون الأخذ فيه على الفور، ويستأنف له الأجل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له من الأجل بعد برئه ما للحاضر، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن المريض كالصحيح فيما تنقضي فيه الشفعة، إلا أن يشهد في مرضه قبل مضي وقت الشفعة أنه على شفعته، وهو قول أصبغ في الكتاب المذكور.
وأما الصغير العاجز غير البالغ، أو البكر البالغ، والغائب يقدم، هل يبتدأ لهم أمد الشفعة من يومئذ، أو يكون [وقفهم] 2 في الحال إما سلموا، وإما أخذوا؟
أما الصبي الصغير، والبكر البالغ: فلا يخلو من أن يولَّى عليهما، أو [لم] 3 يولَّى عليهما.
فإن ولى عليهما بأب، أو وصي، فسلم الأب أو الوصي الشفعة، أو كانا مهملين، فسلمها عليهم السلطان: فلا شفعة لواحد منهما إذا بلغ مبلغ الأخذ [بالشفعة] 4 بنفسه، وهو نص المدونة.
فإن أهملوا الأمر، ولم يأخذوا, ولا صرحوا بالترك إلى أن بلغ الصبي؛ أما ترك الأب الأخذ بالشفعة: فإنه كترك الولد، فلا قيام له بعد بلوغه ورشده، وأما غير الأب من سائر الأولياء؛ كالوصي، والمُقَدَّم من جهة الحاكم، أو الحاكم نفسه إذا ترك الأخذ بالشفعة، وأهمل النظر فيها إلى بلوغ الصبي: فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا قيام للصبي، بعد [بلوغه] 1 ولا شفعة له، وإن كان ذلك منهم تضييع، وتفريط كما لو فطر هو في الأخذ حتى انقضى الأمد، وهو بالغ رشيد، وهو قول مالك، وابن القاسم، وأشهب في "المجموعة".
ويتخرج فيها قول آخر [أن] 2: له القيام بها بعد البلوغ.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الأخذ بالشفعة، هل طريقها طريق البيع، أو طريقها طريق الاستحقاق؟.
فمن قاسها على البيع قال: لا قيام له بعد البلوغ، ومن قاسها على الاستحقاق قال: له القيام.
فإن لم يولَّى عليه بأب، ولا وصي، وكان بموضع لا سلطان فيه: فله القيام بشفعته إذا بلغ، وهل يبتدأ له الأجل أجل الشفعة من يومئذ، أو يوقف من ساعته؟ فيتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه من يومئذ يصير كالحاضر الرشيد العاقل يكون له أجل الشفعة من يومئذ، وهو قول أشهب، وعبد الملك، ومطرف في "الواضحة" وهو قائم من المدونة من "كتاب الإيلاء" في الذي آلي من
صبية صغيرة لا يوطأ مثلها: فإنه لا يؤجل حتى يمكن [من] 1 وطئها، فمن يومئذ يضرب له أجل المولى.
والثاني: أنه لا يؤجل، ويوقف من ساعته، فإما أخذ وإلا ترك، وهو قول يستقرأ من المدونة من غير ما موضع.
والغائب إذا قُدِّم كالصغير إذا بلغ.
فإن كان الشفيع لا عذر له، وكان عالمًا بالبيع: فلا يخلو من أن يوقفه السلطان على الأخذ أو الترك، أو لم يوقفه.
فإن أوقفه السلطان فصرح بالأخذ أو الترك، فلا إشكال، فإن صرح بالترك: فلا قيام له بعد ذلك، ولا خلاف في ذلك.
وإن صرح بالأخذ: فلا رجوع له عنه بعد ذلك أيضًا، فإن كان له مال: أخذ منه الثمن، وإن لم يكن له مال: بيع عليه حظه الذي استشفع به، والشقص الذي استشفع فيه حتى يتم المشتري جميع الثمن، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
فإن كان أوقفه السلطان، فطلب منه التأخير حتى يرتئي وينظر، هل يمكن من ذلك وَيَتَلَوَّم له أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يتلوم [ويوقفه] 2 في الحال إما أخذ، وإما ترك، وهو قوله في "كتاب ابن المواز"، وهو قول أشهب في "المجموعة" أيضًا.
والثاني: أنه يؤخره الإِمام اليومين والثلاثة لينظر ويستشير، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم": فأما إن قال: أنا آخذ، وطلب التأخير بالثمن اليومين والثلاثة: فذلك له، قاله مالك في "العتبية"،
و"الموازية" وغيرها.
فأما إذا لم يوقفه السلطان، ولا تعرض له، فأي أمد ينقضي إليه الأخذ بالشفعة، وإلى أيّ مرد؟ فقد اختلف المذهب في ذلك على سبعة أقوال:
أحدها: أنه على شفعته أبدًا, ولا تنقطع حتى [يوقف] 1 أو يصرح بتركها، وهو قول عبد الملك بن الماجشون عن مالك، وهو مذهب الشافعي.
والثاني: الأخذ بالشفعة على الفور، فإذا علم بالبيع، وترك القيام فلا شفعة له بعد ذلك، وهو قول ابن وهب، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: أن أمد الشفعة سنة، فإذا غربت الشمس من آخر تمام السنة، فلا شفعة له بعد ذلك، وهو قول أشهب في "العتبية" و"المجموعة".
والرابع: أن السنة في حيز القليل، ولا تنقطع الشفعة إلا بالزيادة على السنة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية"، وقال في "الوثائق": مثل الشهر والشهرين، وحكى الصديني مثل ثلاثة أشهر، وهو موافق لقول ابن القاسم في الكتاب: وأن ما قرب الشيء فله حكمه، كما قال في كتاب الزكاة: إذا قدمها قبل الحول، وكما قال في كتاب الرضاع من المدونة.
والخامس: أنّ أَمَد الشفعة لا ينقطع إلا بعد [أربع سنين] 2 وهو قول ابن الماجشون على ما حكاه ابن المعدل، ومثله لأصبغ في "الواضحة".
والسادس: أن شفعته لا تنقطع إلى عشر سنين، اعتبارًا بالحيازة.
والسابع: أنه على شفعته ما لم يوقفه السلطان على الأخذ أو الترك، أو يصرح بتركها طوعًا منه، ويشهد بذلك على نفسه، أو يمضي من الزمان ما يدل على أنه تارك لها، أو يحدث فيها المبتاع بناء، أو غرسًا، أو هدمًا، أو تغييرًا وهو حاضر: فتنقطع شفعته إلا أن يقوم بحدثان ذلك، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة" وأنكر أن يكون مالك حد سنة، وقالا: سمعناه، وقد سئل عن شفيع حاضر قام على شفعته بعد خمس سنين، وربما قيل له أكثر من ذلك، فقال: في هذه لا أراه طولًا ما لم يحدث المشتري بنيانًا، أو تغييرًا بينًا وهو حاضر، فإن أجله أقصر من أجل الذي لم يحدث عليه، وإن كان قبل السنة، وهي رواية أصبغ عن أشهب في "العتبية" إذا بني أو غرس أنها تنقطع قبل السنة.
والقولان المتقابلان هما الجاريان، وما عداهما من الأقاويل، فلا وجه له في طريق القياس [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الثامنة في الذي ابتاع دارًا فهدمها أو باع النقض ثم استحق رجل نصفها، فهل يضمن الهادم للمستحق شيئًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يضمن له؛ لأنه هدم بوجه شبهة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يضمن، وهو ظاهر ما وقع في "كتاب محمَّد" في الثوب إذا قطعه بوجه شبهة، فقد قال محمَّد: إنه يضمن الثوب، وظاهر "المدونة" لا يضمن في الثوب إذا قطعه.
وما فرق [فيه] 1 محمَّد من أن الثوب يرجع إلى هيئته، والدار لا ترجع إلى هيئتها ليس بين، وقد يقال: إن المشتري إذا وجب أن يضمن جناية الخطأ في العبد إذا اشتراه في أحد القولين: جاز أن يضمن الهدم والقطع.
وعلى القول بأنه لا يضمن: فلا يخلو المستحق من وجهين: إما أن يجيز البيع، أو لا يجيزه؛ فإن أجاز البيع على أن يأخذ نصف الثمن: فلا إشكال، وإن أبى أن يجيز البيع في نصيبه: فلا يخلو قيام المستحق من أن يكون قبل فوات النقض من يد المشتري، أو بعد فواته.
فإن كان قبل فواته: فإن المستحق يأخذ نصف العرصة، ونصف النقض، ويأخذ النصف الآخر بنقضه مهدومًا بالشفعة بنصف جميع الثمن إن شاء، ولا يحط عنه للهدم شيء.
فإن قام بعد فوات النقض من يده فلا يخلو من أن يكون فواته بسبب سماوي، أو ببيع، أو هبة.
فإن فات بأمر من الله تعالى: لم يكن على المشتري في النصف المستحق شيء، [وإن أراد أخذ النصف الباقي بالشفعة أخذه بجميع الثمن، ولا يحط عنه لتلف النقض شيء كما لو بيت المساكين ثم جاء الشفيع، وكذلك إن تلف] 1 بيد الموهوب له بأمر من الله تعالى: لم يضمن الواهب، ولا الموهوب له شيء.
فإن كان فواته ببيع، أو هبة: فلا يخلو من أن يكون قائمًا بيد المشتري، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: هل ينتقض فيه البيع، أو يأخذ المستحق ثمنه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النقض ينتقض فيه البيع، ويأخذ المستحق نصفه مع نصف العرصة بالاستحقاق، ويأخذ النصف الباقي من العرصة، والنقض بالشفعة إن شاء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية".
والثاني: أنه يأخذ الثمن الذي بيع به النقض مع القاعة من مشتري الدَّار يعطيه ثمن الذي به اشترى، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن عبدوس" ولأشهب مثله في "كتاب ابن المواز" على ما حكاه عنه محمَّد وسحنون: أنه يأخذ [نصف] 2 النقض ويقاصص به المشتري فيما له عليه من ثمن نصف العرَصَة والنقض؛ مثل أن يباع النقض بخمسين ومائة، وكان شراؤه لجيمع الدار بمائة: فإن المستحق يأخذ نصف القاعة بالاستحقاق، ويأخذ النصف الآخر بالشفعة بخمسين دينارًا , وله في ثمن النقض خمسة
وسبعون دينارًا أو به ويتقاصا معه في خمسين، ويأخذ خمسة وعشرين، وأنكر هذا سحنون، وابن المواز؛ قال ابن المواز: هذا وهم، ولم يقله أحد من الناس.
قالا: وقد أجمعوا على أن من ابتاع شقصًا له فيه شفيع، ثم باعه قبل أن يأخذه الشفيع بالشفعة، ثم قال الشفيع: أنا أجيز البيع، وآخذ الثمن، وأدفع إلى المشتري ما أشتري به: لم يكن له ذلك، قال سحنون: وهذا خلاف الاستحقاق؛ لأن المستحق إنما يبيع معه ملكه، والشفيع إنما يبيع ملك غيره، وهذا من باب ربح ما لم يضمن.
فإن رضي المستحق بأخذ العرصة بما ينوبها من الثمن مع وجود النقض، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه صار آخذًا للعَرْصَة بثمن مجهول، لما كان قادرًا على أخذ النقض، وهو المشهور.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو أحد قولي ابن القاسم في جميع السلعتين في البيع، وعلى ذلك [الخلاف] 1 ينبني الخلاف [على الخلاف] 2 في هذه المسألة.
فإن عرف ما ينوب النقض من الثمن وعرف ما ينوب العَرْصَة: فإن ذلك لا يلزم بائع النقض إلا برضاه؛ لأنه يقول: إنما رضيت ببيع النقض برخص من الثمن رغبة في بقاء الأصل في يدي، فإن أخذ الأصل من يدي فلا أرضى بثمن النقض، فإذا رضي بذلك جاز؛ لأنه كمن راضاه على أن
يأخذ بعض ما له فيه الشفعة ويسلم بعضه.
فإن كان النقض فائتًا عند مشتريه: فلا يخلو تلفه وهلاكه من أن يكون بأمر من الله، أو بسبب آدمي.
فإن كان بسبب آدمي: فإن المستحق يأخذ نصف العَرْصَة، ونصف ثمن النقض من بائع النقض، فإن أراد الأخذ بالشفعة في النصف الباقي: فإن الثمن نقض على قيمة القاعة يوم وقع البيع، وعلى قيمته منقوضًا، فيحط من ذلك ما قابل الأنقاض في النصف المستشفع، ويأخذ القاعة بما ينوبها من الثمن.
وهل يستشفع بما ينوبها من الثمن [فأبلغ أو إنما يستشفع بالأقل مما أخذ من ثمن الأنقاص؟ على قولين:
أحدهما: أنه يستشفع بما ينوبها من الثمن] 1 قلَّ أو كثر؟ وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
[والثاني] 2: أنه يستشفع بالأقل مما أخذ من ثمن الأنقاض أو ما ينوب ذلك من الثمن، وهو قول ابن المواز.
فإن فاتت بأمر من الله تعالى، فبماذا يستشفع؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستشفع في العَرْصَة بقدر ما ينوبها من الثمن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يستشفع بالأقل، وهو قول محمَّد.
والثالث: أنه يستشفع بجميع الثمن، ولا يوضع عنه مما يقابل الأنقاض
شيئًا؛ لأن [ثمن] 1 الأنقاض يؤخذ بالشفعة مع العرصة لما كانت في حكم التبع.
فإذا هلكت بأمر من الله تعالى كان على الشفيع إذا أخذ أن يأخذ بجميع الثمن، وهو قول أشهب.
فإن بناها بعدما هدمها ثم استحق رجل نصفها: فإنه [لا يأخذ] 2 النصف المستحق، وقيل له: ادفع إليه قيمة البناء قائمًا، فإن أبى، قيل للمشتري: ادفع إليه نصف قيمة القاعة، فإن فعل فأراد أن يأخذ النصف الثاني بالشفعة، هل يمكن من الأخذ أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يمكن [من الأخذ] 3 بالشفعة؛ لأن الشقص الذي به يستشفع قد باعه، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه يمكن من الأخذ] 4 ويفضل الثمن على قيمة الأنقاض منقوضة، وقيمة العَرْصَة يوم وقع البيع، يأخذ بذلك وبنصف قيمة البناء قائمًا.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الشقص الذي به يستشفع إذا باعه بعد وجوب الشفعة، هل يجوز [له] 5 الأخذ بالشفعة أم لا؟
والخلاف في ذلك في المذهب معلوم، وهذا كله إذا هدمها المشتري.
وأما إذا هدمها رجل أجنبي بتعدٍ منه، فترك له المشتري القيمة أو لم
يتركها له، ثم جاء رجل فاستحق نصف الدار، والهادم غائب، ولم يقدر عليه: فإن المستحق يأخذ نصف القاعة باستحقاقه، ويتبع الهادم بنصف [قيمة] 1 ما هدم، فإن أراد أخذ النصف الباقي بالشفعة فض الثمن على قيمة الأنقاض منقوضة، وعلى قيمة العرصة، فيأخذ الشفيع بما ينوبه من ذلك، ويتبع المشتري الهادم بقيمة ذلك قائمًا إن كان ما ترك له قيمة الهدم، وهو قول ابن المواز في كتابه، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الشفعة" [والحمد لله وحده] 2.
المسألة التاسعة في الشفعة فيما بيع بيعًا فاسدًا من الرياع والعقار
ولا يخلو ما بيع بيعًا فاسدًا من أن يكون قائمًا بيد المشتري أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فلا شفعة للشفيع مع علمه، فإن لم يعلم بفساد البيع وأخذ الشفعة: فإنه يرد إلا أن يفوت عند الأخذ بالشفعة بما يفوت به البيع الفاسد، فيكون عليه الأقل من قيمته يوم قبضه هو أو القيمة التي وجبت على المشتري؛ لأنه لا يقدر على رده لفواته عنده.
فإن كان فائتًا: فلا يخلو من أن يكون فواته ببيع، أو بتغيير الذات؛ فإن فوته ببيع: فلا يخلو من أن يبيعه بيعًا صحيحًا، أو فاسدًا.
فإن باعه بيعًا صحيحًا: فذلك فوت للبيع الفاسد، قولًا واحدًا إذا لم يعلم بفساد البيع الأول، فأما إذا علم بفساده وقصد ببيع الثاني تفويته البيع الفاسد: فالبيع الأول والثاني مردود، فإذا قلنا: بأن البيع الصحيح يفيت البيع الفاسد إذا لم يقصد بذلك الحيلة: فللشفيع أن يأخذ بالشفعة بالبيع الصحيح، وليس له أن يأخذ بالبيع الفاسد؛ لأنه إن أخذ به كان ذلك نقضًا للبيع الصحيح الذي به أمضى البيع الفاسد، وهو قوله في "المدونة" في رواية ابن وضاح.
فإن باعه بيعًا فاسدًا: فلا يخلو من أن يكون قد فات، أو لم يفت.
فإن لم يفت عند واحد منهما: فإنه يفسخ البيعتان جميعًا الأولى، والثانية.
فإن فات عند المشتري الأول، ثم باع للآخر بيعًا فاسدًا، ثم قام الشفيع قبل أن يفوت عند الآخر: فبيع الآخر مفسوخ، وللشفيع الشفعة
بالبيع الأول.
فإن فات عند الآخر: فللشفيع أخذها من أيهما شاء بالقيمة التي لزمته بعد علمه.
فإن باعها للثاني من الثالث بيعًا صحيحًا: فذلك فوت للبياعات الفاسدة، وللشفيع أن يأخذ بأي صفقة شاء؛ فإن أخذها من الأول: فبالقيمة [لأنه] 1 قبضها، ويرجع كل واحد من الباقين بما دفع.
وإن أخذ من الثاني: فبالقيمة يوم بيعه وقبضه بعد علمه بذلك كله.
وإن أخذ من الثالث: فبالثمن وعهدته على من يأخذ منه، وإن أخذ من الأول زالت العهدة عن الباقين، ولا يأخذ من الأول، ومن الثاني حتى يتراجعا القيمة ويعرف، ولو فعل ذلك قبل ذلك لنقض البيع الصحيح وما قبله، وزالت الشفعة، أخذها من الأول أو من الثاني، وهذا كله قول أشهب في "الموازية" , و"المجموعة"، وهو مذهب "المدونة".
فأما إذا كان فواته بتغيير الذات؛ مثل أن يبنى فيه المشتري أو يهدم، أو يغرس، أو يقلع الغرس، وأما البنيان العظيم مثل البيوت، والقصور يبنيها المشتري، أو غرس يغرسه، أو بنيان يهدمه: فلا خلاف فيه [في المذهب] 2 أن ذلك فوت، وللشفيع أن يأخذ بالشفعة بالقيمة مع قيمة ما أنفق المشتري في العمارة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وفي الهدم يأخذ بقيمتها يوم القبض، ولا يوضع عن الشفيع للهدم شيء، ويقال له: خذ بجميع القيمة التي لزمت المشتري أو دع.