مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 171-193
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السَّلم الثاني

صفحات 171-193
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فإن لم يقبضه: فلا يجوز للآمر الرضا بفعله، ويأخذ الطعام؛ لأن ذلك بيعه قبل قبضه من المتعدي؛ لأن الطعام قد ثبت له بتعديه مع فوات السلعة.
وهكذا الحكم إن كانت السلعة طعامًا، فباعه بعروض.
وإن كانت طعامًا فباعه بطعام من جنسه، أو من غير جنسه، فهل يجوز للآمر الرضا به وبفعله عوضًا عن طعامه؟ فهذا يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في الصرف في طعام الوديعة إذا تعدى عليه المودع فباعه بطعام من غير جنسه: فقد نص في الكتاب أنه يجوز لرب الطعام الرضا بذلك وأخذ الطعام الذي هو العوض، وأشهب يمنعه؛ لأنه طعام بطعام فيه خيار، وابن القاسم يمنعه من الدنانير إذا صرفها بالدراهم تعديًا، وقد بَيَّنَا بيانًا شافيًا، فلا نطول بإعادته مرة أخرى.
فإن كان ذلك التعدي في التأجيل؛ مثل أن يوكله على أن يبيع بالنقد فباع إلى أجل: فهو متعد، ويرد البيع مع قيام السلعة، ويأخذ الثمن عاجلًا مع فوات السلعة.
فأما إن وكله على أن يبيع إلى أجل فباع بالنقد: فقد قال في "المدونة": إنه متعد سمي له الثمن، أو رد ذلك إلى اجتهاده.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع له في هذه المسألة؛ فمنهم من يقول: معناه أنه باعها بأقل مما سمي له، أو بأقل مما تساوى إن لم يُسَم له الثمن، فلأجل ذلك ضمنه مالك -رحمه الله-.
وأما لو باعها بمثل ما يسمى له أو أكثر منه: للزوم الآمر، ولا مقال له لأنه لم يرد به إلا خيرًا، وهذا تأويل ابن أبي زيد.
ومنهم من قال: إن الضمان يلزمه على كل، ويضمن القيمة، إلا أن

تكون القيمة أقل مما باعها به المتعدي، فيكون الزائد لرب السلعة، وهذا تأويل أبي محمَّد بن التبان.
واختلافهما في التأويل يحتمل أن يرجع إلى اختلاف حال، ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال؛ فمن لفق بين التأويلين قال: يحتمل أن يكون الآمر أباح له البيع بما حد له من الثمن من غير أن يكون له غرض في الزيادة عليه، ولا أمر له بالاجتهاد في الزيادة، فيكون القول كما قال ابن أبي زيد.
ويحتمل أن يكون أمره أن يبيع له بما سمى على معنى التحديد لأقل من الثمن على أن يجتهد في الزيادة على التسمية -إما نطقًا، وإما ضمنًا- فإذا ترك الاجتهاد فقد أمره أن يبيع بنسيئة، فقد تعدى ووجب عليه غرم القيمة، فيكون كما قال ابن التبان.
فإذا حمل على هذا المعنى فيكون ذلك اختلافًا يرجع إلى حال، ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال ويعد أن الآمر بالبيع إلى أجل لغرض له في ذلك إما لجهله بالتسوق فيظن أن سلعته لا تساوي القدر الذي سمي إلا إذا باع بالنسيئة فلما باع بتلك التسمية نقدًا تبين أنه قد فرط في التماس الزيادة لما عرف بالعادة أن الذي تباع به السلعة إلى أجل أكثر مما تباع به [نقدًا] 1 إما لغرضه في بقاء الثمن في ذمة المشتري إلى الأجل مخافة أن يتلف الثمن ويفوت من يده، وربك أعلم.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا وكله على الشراء؛ مثل أن يوكله على أن يشتري له سلعة: فلا يخلو من أن يشتريها نقدًا، أو يسلم فيها إلى أجل.
فإن وكله على أن يشتريها نقدًا فاشتري خلاف ما أمر به: فهو متعد،

والخيار فيما عدا الطعام للآمر، إن شاء أخذ ما اشتراه وأجاز فعله، وإن شاء ضمن له الثمن الذي دفع له إن كان قد دفع له الثمن أولًا.
وإن كان إنما أسلف له المأمور الثمن: فالخيار له في أخذ ما اشتراه أو تركه.
وإن كان المشتري طعامًا، فإن قبضه الأمور: كان الخيار للآمر أيضًا، فإن لم يقبضه: فإنه يتخرج على قولين، وقد قدمناهما في الوجه الأول.
فإن كان الشراء إلى أجل؛ مثل أن يوكله أن يسلم له في طعام أو غيره من السلع: فذلك على وجهين: إما أن يدفع له الثمن، أو أمره أن يسلف له.
فإن دفع له الثمن فتعدى فيما اشترى: فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن يكون في السلعة المأمور بشرائها أو في الثمن المبيع أمر بالشراء به.
فإن وقع التعدي في السلعة التي أمر باشترائها؛ مثل أن يأمره أن يسلم له في ثياب هروية فأسلم له في بساط شعر: فهو متعد ضامن لرأس المال، ولا خيار للآمر في أخذ ما اشترى؛ لأن ذلك فسخ دين في دين، ولكن ينظر إلى ما اشتراه المأمور، فإن كان مما يجوز بيعه قبل قبضه كالعروض: فإنه يباع بما يجوز أن يباع به الدين، فما كان فيه من ربح فللآمر، وما كان فيه من وضعية: فعلى المأمور.
وإن كان ذلك مما لا يباع إلا بعد القبض كالطعام: فإنه يؤخر حتى يحل الأجل فيستوفي ثم يباع، ثم يأخذ الآمر الربح إن كان فيه.
ثم لا يخلو من أن تكون دراهم الآمر قائمة بيد البائع، أو فائتة؛ فإن

كانت قائمة بيده فهل للآمر أن يأخذه بغير اختيار البائع أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: المنع، وهو قوله في "كتاب السلم الثاني" من المدونة؛ حيث قال: وليس للآمر على البائع قليل ولا كثير.
والثاني: الجواز، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصرف".
وسبب الخلاف: الدراهم هل تراد لأغراضها، أو تراد لأعيانها.
وعلى القول بأن للآمر أخذها من البائع فعلى المأمور له بدلها, ولا ينتقض السلم بينهما باستحقاق رأس المال إذا كان عينًا، وهذا إذا كان له مال.
وإن لم يكن له مال وكان المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه: فإنه يباع ويستوفي منه البائع رأس المال الذي باع.
وإن كان مما لا يباع حتى يستوفي: فالبيع بينهما منتقض؛ لأن ذلك دين بدين.
فإن فاتت الدراهم بيد البائع: فلا رجوع للآمر على البائع اتفاقًا.
فأما إذا أسلفه المأمور الثمن: فله الخيار في هذا الوجه بين الرضا بتعديه وأخذ ما اشتراه له، أو يسلمه، ثم لا شيء له عليه؛ إذ لا علة تبقى فيه.
وهذا كله إذا تعدى في المثمون.
وأما إذا تعدى من الثمن؛ مثل أن يوكله على أن يسلف له دنانير في طعام فصرفها بدرهم، ثم اشترى بالدراهم طعامًا.
فقد فصل في "الكتاب" بين أن يصرفها على معنى المصلحة والرفق أم لا، فإن صرفها على معنى

المصلحة والرفق؛ مثل أن يكون الشراء بالدرهم أيسر، وكان ذلك أرفق للمأمور به: فذلك لازم للآمر، والمأمور غير متعد.
وإن صرفها على غير هذا الوجه: فالمأمور ضامن للدنانير، وللآمر الرضا بالطعام المشترى، ويأخذه إن قبضه المأمور وهذا قوله في "الكتاب".
فتأمل هذا التفصيل الذي فصل، وكيف جوز للآمر أخذ الطعام إن قبضه المأمور، وأخذه أجازه للصرف الواقع من المأمور على نعت التعدى وهو صرف منعقد على خيار، وهذا التفصيل أيضًا لا يجلى فائدة؛ لأن التعدي موجود في الوجهين؛ لأنه إنما وكله على أن يشتري بدنانير، لا على بيعها, ولا فرق بين أن يكون صرفها نظرًا للآمر أم لا؛ لأنه لم يأمره بذلك، ولا وكله عليه، وهو متعد على كل حال.
أصل ذلك: لو وجد ذلك المأمور سلعة نفيسة القدر يكون شراؤها فرصة ونظرًا للآمر ثم اشتراها المأمور: كان متعديًا فكذلك صرف الدنانير دراهم، فإذا نظرنا إلى محض التعدي ووجوده فالمأمور متعد في الوجهين.
وإن نظرنا إلى أن العلة الموجبة للضمان، وهو ما تضمنه [التعدي] 1 لا نفسه قلنا: إنه غير متعد، وصرف الدنانير بالدراهم ليس فيه إلا محض [التعدى] 2؛ إذ لا يعود تعديه بالضرر على الأمر في شيء، ولاسيما إذا بنينا على أن الخيار الحكمي ليس كالخيار الشرطي، بخلاف ما إذا اشتراها عروضًا ثم أسلم تلك العروض في طعام: فإنه ضامن في هذا الوجه باتفاق؛ لأن تعديه يعود بالضرر على الآمر إذا استحقت من يد الذى قبضها

في طعام أن العهدة على الآمر في ذلك، وذلك لا يبقي في العين في غالب الأحوال.
والحمد لله وحده.

المسألة العاشرة في مصالحة الكفيل عن دين الكفالة

ولا يخلو هذا الدين من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الدين عينًا.
والثاني: أن يكون عرضًا.
والثالث: أن يكون طعامًا.
وكل قسم من هذه الأقسام ينتج ثلاثة أوجه: إما أن يكون الصلح من جنس دين الكفالة، أو نوعه، أو من عينه.
فصارت المسألة إذا دارت إلى تسعة أوجه.
وللكفيل في جميع ذلك حالتان: إما أن يصالح عن نفسه، أو عن الغريم.
ونحن لكل ذلك -بعون الله- موضحون.
فالجواب عن القسم الأول: إذا كان الدين عينًا، فصالح من غير جنسه، كالعروض ونحوها: فلا يخلو من أن يكون صالح عن نفسه، أو عن الغريم.
فإن صالح عن نفسه: فلا يخلو من أن يكون الدين من قرض، أو من بيع.
فإن كان الدين قرضًا، أو ثمن بيع مما لا ربا فيه بينه وبين المصالح به، وكان ذلك شراء لنفسه: فإن ذلك جائز، وهل يفتقر ذلك إلى حضور الغريم، أو معرفة يسره من عسره، وثبوت الدين إن كان عينًا أم لا؟

فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يفتقر إلى حضوره وثبوت الدين ببينة في غيبته.
والثاني: أنه لا يفتقر إلى حضوره، ولا إلى بينة على أصل الدين بخلاف شراء الأجنبيين.
وسبب الخلاف: ذمة الكفيل، هل هي كذمة الأصيل أم لا؟ فمن رأي أن ذمة الكفيل غير مشغولة بما على الأصيل لاتحاده واستحالة قيام المتحد بالمحلين فحاكى الكفيل الأجنبي، وإن كانت الكفالة اقتضت توسيع المطالبة وتفسيخ المؤاخذة لا حقيقة المحلين قال: لابد من إحضار الأصيل عند شراء الكفيل، وثبوت الدين ببينة في غيبته.
ومن رأي أن الضمان من التضمين، أو من التضميم لذمته إلى ذمة [الأصيل] 1 قال: لا يفتقر إلى حضوره، ولا إلى قيام البينة؛ لأنه قد تقرر بين ذمة الكفيل وذمة الأصيل مضاهاة تمنع مساواته للأجنبي؛ لأنه كأنه اشتراه من نفسه لنفسه.
وعلى هذا ينبني اختلاف قول مالك في كتاب الكفالة هل الطالب على التخيير، أو على الترتيب؛ فمرة رأى أن ذمة الكفيل والأصيل واحدة فقال بتخيير الطالب.
ومرة رأى أن الكفيل كالأجنبي فقال: إن الطلب على الترتيب، ولا يتبع الكفيل إلا بعد عدم الأصيل.
وإن كان الدين من ثمن بيع ما فيه الربا مثل ألا يجوز سلم ما بيع بهذا الدين فيما صولح به: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه سلم الشيء في مثله إلى أجل، وذلك حرام.

والجواب عن الوجه الثاني من القسم الأول: إذا صالحه من نوع دينه وكان الصلح لنفسه؛ مثل أن يكون دنانير والصلح بدراهم، أو كان ذلك ومشقيه، والدين هاشمية: فذلك حرام؛ لأنه صرف مستأخر.
والجواب عن الوجه الثالث من القسم الأول: إذا صالحه لنفسه من عين الدين: فإنه يجوز بالمثل في الصفة والمقدار، ويعود ذلك قضاءً، ولا يجوز بالأقل؛ لأن ذلك ربا بلا إشكال؛ لأنه دفع الأقل ليأخذ الأكثر ويدخله فيما بينه وبين الطالب "ضع وتعجل".
فإن صالح عن الأصيل من غير جنس الدين: فلا عبرة بحضوره، ثم ينظر في الصلح هل وقع بما يرجع إلى القيمة، أو بما يرجع إلى المثل.
فإن صالح عنه بما يرجع إلى القيمة فهل يجوز أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: الجواز، وهو مشهور المذهب، وهو نص "المدونة" ثم يرجع عليه الكفيل بالأقل من الدين أو القيمة.
والثاني: المنع؛ لأنه مما يرجع إلى خيار الغريم، إن شاء دفع ما عليه، أو قيمة ما دفع عنه، وذلك غرر وخطر، وهذا القول تؤول على "المدونة".
وسبب الخلاف: الكفالة هل هي من باب المعروف، أو من باب المعاوضات؟ فمن رأى أنها من باب المعاوضات قال: لا يجوز لأن الكفيل ليس على بصيرة فيما يرجع به على الأصيل إذا حلَّ الأجل.
ومن قال إن ذلك جائز: يرى أن الكفالة أصل منقطع عن عقود الأغرار والأحظار، وملتحق بعقود النحلات والوصلات؛ ولذلك جوزنا بدين لا يدري كميته ولا حقيقة وصفه.

فإن كان المصالح به مما يرجع إلى المثل: فعن مالك في ذلك قولان منصوصان في "المدونة" في "كتاب السلم الثاني"، و"كتاب الكفالة".
فوجه القول بالإجزاء: أن الكفالة معروف لا يعتبر فيه الغرر والخطر.
ووجه القول بالمنع لأنه غرر؛ لتردده بين البيع والسلف إن كان أعطى الغريم ما عليه: كان بيعًا، وإن أعطاه ما به وقع الصلح: كان سلفًا.
فإنه صالحه منه من نوع الدين: فلا يخلو من أن يكون من نوعه جنسًا، أو من نوعه سكة.
فإن كان من نوعه جنسًا؛ مثل أن يصالحه عنه بالدمشقية عن الهاشمية، أو بالعكس فالمذهب الجواز، وهو نص "المدونة" وإن كان أحد النوعين أفضل من الآخر، ويرجع على الغريم ما أدى، وإن كان فيه غرر يسير فمغتفر في عمل المعروف، واستخف لما اتحدت العرضية.
فإن كان من نوعه عينًا وسكة؛ مثل أن يصالح عنه بالدنانير عن الدراهم، أو بالعكس فعن مالك في ذلك قولان منصوصان في "كتاب الوكالة".
وسبب الخلاف: ما أشرنا إليه من كون الكفالة يجاذبها أصلان متنافران؛ معروف، ومعاوضة، فمن مُحصَّ النظر إلى أحد الأصلين: ضاق عليه طلق المقال فيها.
وإن صالحه عليه من عين الدين، فإن كان مثله صفة وقدرًا: جاز، ويكون قضاء.
وإن صالح بالأقل أو بالأكثر، فإن حلَّ: جاز، وهو بالزيادة متطوع.
فإن كان قبل الحلول: منع بالأقل، وجاز في الأكثر؛ لأنه في الأقل

"ضع وتعجل".
والجواب عن القسم الثاني من أصل التقسيم: وهو إذا كان الدين عرضًا، وكان ما صالحه به من غير جنس الدين: فلا يخلو من أن يصالح لنفسه، أو عن الغريم.
فإن صالح لنفسه على عروض تخالف ما عليه مما يجوز [أن] 1 يسلم بعضها في بعض، أو صالح بذهب أو فضة: فلا إشكال في الجواز.
وهل الكفيل كالأجنبي في حضور الذي عليه الدين، أو ليس كهو لأنه أحد الغريمين: فهذا مما أسلفنا توجيهه وكفينا مؤونته.
فإن صالحه من غير رأس مال السلم قدرًا وصفة جاز، وبالأقل أو الأكثر: قولان: وسبب الخلاف: ما تقدم في الكفالة هل هي من باب السلم، أو من باب المعروف، أو من باب المعاوضة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صالحه من نوع الدين مما لا يجوز سلمه فيه: فلا يجوز ذلك؛ لأن النساء مع اتحاد الجنسية يعم عامة المتمولات.
والجواب عن الوجه الثالث من القسم الثاني: إذا صالحه لنفسه من عين الدين مقدارًا وصفة: فكذلك كالقضاء وإن صالح بالأقل أو الأكثر، أو بالأبخس، أو بالأحسن، أو بالعكس: فذلك ربا؛ لأنه بالأحسن زيادة على ضمان الأبخس وفي الأبخس سلف بنفع زيادة الأحسن.
فلو كان ذلك بعد حلول الأجل، وتناقدا: لم يكن بذلك بأس.
وأما إن صالحه عن الغريم من غير جنس الدين عينًا أو غيره من ذوات

القيمة: فعلى الخلاف الذي قدمناه إذا صالح عن الغريم بما فيه التخيير، فقد تقدم الكلام عليه.
وأما إن صالحه عنه من ذلك النوع الذي في الذمة مما لا يجوز سلمه فيه، أو صالحه عنه أيضًا من عين الدين، فإن كان المقدار في ذلك واحدًا والصفة واحدة: فذلك كالقضاء، بل هو هو.
وأما الأقل والأكثر والأبخس والأحسن: فلا يجوز؛ لأنه في الأبخس "ضع وتعجل"، وفي الأحسن "حط عني الضمان وأزيدك".
وإن كان ذلك بعد حلول الأجل: فلا حرج، ويكون بالزيادة متطوعًا.
فهذان الوجهان قد استوفينا الكلام فيهما على الكمال والتمام.
والجواب عن الوجه الثالث من أصل التقسيم: [وهو] 1 إذا كان الدين طعامًا: فلا يخلو من أن يكون من دين، أو قرض.
فإن كان ذلك من قرض وصالحه لنفسه: فله حكم العروض في الأوجه الثلاثة، فلا فائدة لإعادتها مرة أخرى، غير أنه تعتبر السلامة من الربا بوجهيه -ربا النقد وربا النساء.
وهكذا إن صالح عن الغريم: فله في كل ما يصالح به حكم العروض في جريان الخلاف؛ لأن الغريم عليه بالخيار.
ولم يجوز ابن القاسم في ذلك من "المدونة" إلا فصلًا واحدًا؛ وهو أن يصالح عن الغريم بعد حلول الأجل عن سمر السمراء، أو عن محمولة المحمولة أحسن أو أبخس، مع تساوي الكيل، ويرجع الكفيل بالأقل، ولم

يجز ذلك قبل الأجل لأنه في الأبخس "ضع وتعجل"، وفي الأحسن كذلك، ولإمكان أن يكون للأبخس عند الخليقة مزية تشوف على الأحسن، وذلك أن المقاصد ترتبط بأعيانه لخصائص صفاته بخلاف العين لاتحاده في العرضية، وهذا كتجويزه اقتضاء المحمدية عن اليزيدية قبل الأجل، ويمنع من مشهور مذهبه اقتضاء السمراء عن المحمولة لما تقدم.
وأما الطعام من بيعك فلا يجوز، سواء صالح عن نفسه، أو عن الغريم، إلا ثلاثة أوجه: أحدها: ما كان قضاء؛ وذلك أن يدفع عين ما به تكفل، وأما الأقل أو الأكثر، والأحسن أو الأبخس: فممنوع قبل الأجل وبعده خلاف الدمشقية عن الهاشمية، ولأنه في الطعام يخاف فيه بيعه قبل قبضه، ولاسيما إن لاحظنا في الكفيل ثبوت الأجنبية، وكيف ما كان فالخوف في الطعام أكثر وأحذر.
والثاني: ما كان تولية؛ وذلك بأن يصالح لنفسه بمثل رأس المال قدرًا وصفة، ثم يجمع بينه وبين الغريم ويحمله عليه.
والثالث: ما كان إقالة بإذن الغريم، فيصر كأن الكفيل أسلفه الثمن المقال به، كما يجوز للأجنبي أن يعطيك ذهبك على أن يقيل البائع بإذنه.
فإن فعلا ذلك بغير إذنه: لم تجز الإقالة؛ لأن الغريم عليهما بالخيار بأن يعطي لهما ما أعطيا وما عليه، فتخرج الإقالة عن وجهها وتعود مفسدة.
واعلم أن الأجنبي في دفع العين مفارق للكفيل في الأقسام الثلاثة -على ما نصف- مثل أن يعطي الأجنبي للطالب مثل دينه، ثم يحيله على

غريمه، ولا يخلو من أن يكون قبل الحلول، أو بعد الحلول.
فإن كان ذلك بعد الحلول وكان قدرًا وصفة: جاز في العين والعروض قولًا واحدًا، وفي الطعام قولان: الجواز لأشهب، والمنع لابن القاسم.
وسبب الخلاف: هل تغلَّب في ذلك شائبة العوضية على شائبة المعروف فيمنع، أو تغلَّب شائبة المعروف على شائبة العوضية فيجوز، وفي العين والعروض وطعام القرض محض معروف صنعه بالذي عليه الحق؛ ولذلك جاز اتفاقًا.
فإن كان قبل الحلول: فلا يخلو من أن يكون الدين عرضًا، أو طعامًا، أو عينًا.
فإن كان الدين عرضًا فصالحه بمثل دينه قدرًا وصفة: فلا يخلو من أن تكون المنفعة في ذلك للمعطي، أو للمعطى له.
فإن كانت المنفعة للمعطي: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف جر منفعة.
فإن كانت المنفعة للمعطي له: جاز اتفاقًا.
فإن كان الدين عينًا أو طعامًا، فأعطي له مثل ذهبه أو طعامه، فإن كان النفع للمعطي: فلا يجوز ذلك قولًا واحدًا، وإن كان النفع للمعطى له: فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز، وسواء كان الدين من بيع أو من قرض، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك جائز في العين والطعام، وهما كالعروض، وهو قول أشهب وسحنون؛ لأنه قرض معنوي.

ووجه قول ابن القاسم: في التفرقة بين العروض والطعام والعين قبل الأجل؛ لأن الطعام والعين مال ربوي حقيقة، والحوالة فيه مصنوعة لأنها شعبة من المعاوضة، وأما العروض: فلا مقال للربا فيها إلا حرام الزيادة، أو النفع في السلف، فإذا ارتفع ذلك يكون النفع للمعطى له، وارتفع النهي.
والحمد لله وحده.

المسألة الحادية عشرة إذا أخذ برأس المال كفيلًا

فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الكفالة في عقد البيع.
والثاني: أن تكون بعد عقد البيع.
فإن كانت الكفالة في العقد؛ مثل أن يسلم في طعام واحد برأس المال كفيلًا: فلا يخلو من وجهين: إما أن يرد إليه الكفيل برأس المال؛ مثل الطعام الذي أسلم منه.
[وإما أن يتكفل له برأس المال على أن يشتري له به طعامه إذا عدم الذي عليه السلم] 1. فأما الوجه الأول: إذا أخذ منه برأس المال كفيلًا يرده إليه عند عدم المسلم إليه: فالبيع فاسد في هذا الوجه، قولًا واحدًا؛ لأنه متردد بين البيع والسلف.
وهل يبرأ الكفيل من الكفالة لفساد العقد وهو مطالب لما أخرج بها من ماله؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب الحمالة".
أحدهما: أنه لا يلزم الحميل شيء؛ لأن الحمالة مهما وقع أصلها فاسدًا لم يلزم الكفيل غرم ما أخرج من نسيها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الكفيل لا يبرأ ويلزمه ما أخرج من يد المشتري وهو رأس

المال إذا علم الذي عليه السلم.
وأما الوجه الثاني من الوجه الأول: إذا تكفل له برأس المال على أن يشتري له به طعامه إذا عدم الذي عليه السلم: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أن ذلك جائز إذا وقعت الكفالة على أن الذي عليه الطعام إن عدم كان على الكفيل أن يخرج مثل رأس المال يشتري به من طعام على حسب منتهى سعر ذلك، وإن كان اشتراؤه مثل القدر الذي أسلم فيه أو أقل أو أكثر، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي وغيره تأويلًا على "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز وإن وقعت على هذا الوجه؛ لأن ذلك غرر وخطر لا يدري الذي له الطعام كم يحصل له منه إن كان كله أو بعضه أو أكثر منه لاختلاف الذمم والأسعار عند الحلول.
وقد اختلفوا في الحمالة المقارنة للبيع؛ مثل أن يبيع بشرط أن يتحمل له فلان بالثمن إلى قدوم زيد، أو ما دام حيا أن ذلك لا يجوز على خلاف لهم في ذلك.
وسبب الخلاف: الغرر المضاف إلى أصل جائز هل يؤثر في فساد ذلك الأصل، أو لا تأثير له فيه، ويكون الحكم للصحة، لا للغرر.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كانت الكفالة بعد العقد هل يجوز العقد والحمالة، أو يجوز العقد وتبطل الحمالة؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن العقد صحيح، والحمالة باطلة، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أن العقد جائز، والحمالة فيه لازمة، وهو مشهور المذهب.

وقال أبو إسحاق التونسي: يحتمل قول سحنون أن يريد: أنه لا يأخذ إلا رأس المال دون الطعام، فإذا لم يصح له ذلك: بطلت الحمالة؛ لأنه كأنه لم يرض أن يتحمل بعد العقد إلا بشرط إقالة رب الطعام المتحمل عنه، فإذا بطل أن يكون ذلك في الشرع: سقطت الحمالة عنه.
والحمد لله وحده.

المسألة الثانية عشرة في قبض الكفيل الطعام من الذي عليه السلم

ولا يخلو قبضه إياه من خمسة أوجه: أحدها: أن يقبضه على معنى الرسالة.
والثاني: أن يقبضه على معنى الكفالة.
والثالث: أن يقبضه على معنى الاقتضاء.
والرابع: أن يختلفا.
والخامس: إذا أبهم الأمر علي ماذا يحمل؟ والجواب عن الوجه الأول: إذا قبضه على معنى الرسالة فلا يخلو من أن يكون ذلك الطعام قائمًا بيده، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالخيار للطالب، إن شاء اتبع الكفيل، وإن شاء اتبع الأصيل، ولا خلاف في ذلك.
فإن فات الطعام: فلا يخلو من أن يكون بتلف، أو بإتلاف.
فإن كان بتلف من السماء: فهو مصدق، ولا ضمان عليه ويبقى عليه الطلب بطريق الكفالة خاصة، ثم يجري على الخلاف المعهود في الحمالة؛ هل المطالبة على التبدئة، أو على التخيير.
فإن كان بإتلاف من الكفيل: فهو ضامن للأصيل بمثل ذلك الطعام، فإن غرم الكفيل الطعام للطالب فلا تراجع بينه وبين الأصيل.
فإن غرمه الأصيل: فإنه يرجع على الكفيل بمثل طعامه، أو أخذ ثمنه إن باعه، ولا خلاف في هذا الوجه أيضًا.

فإن غرم الكفيل الطعام للطالب بعد أن باع ما أخذ من الأصيل، فأراد الأصيل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعم فيقبض منه الثمن: فليس له ذلك.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا قبضه على معنى الوكالة من الذي له الطعام، فإن قبضه برئت ذمة الأصيل، قولًا واحدًا، فإن الطالب يجوز له بيعه لقبض الكفيل.
فإن تعدى عليه الكفيل بعد صحة قبضه من الأصيل: فالعدي على الطالب وقع بلا إشكال.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا قبضه على معنى الاقتضاء: إما بحكم حاكم على وجه يصح القضاء بذلك؛ كما إذا غاب وحلَّ الأجل وخاف الكفيل إعدام الأصيل وإحداث الفلس، وبهذا تأول ما وقع في المدونة من قوله: قبضه بحكم قاض.
أو يكون قبضه برضا الذي عليه الطعام من غير حكم: فالكفيل في هذا الوجه ضامن بوضع اليد على الطعام، وذمته به، أو بمثله عامرة حتى يوصله إلى الطالب.
وللطالب مطالبة من شاء منهما اتفاقًا مع قيام الطعام بيد الكفيل أو فواته.
فإن عدم الأصيل: كان له الرجوع على الكفيل بطعامه أو مثله إن استهلكه، أو بثمنه إن [باعه] 1 إن شاء أخذ الثمن.
ولا يجوز للطالب أن يبيعه بذلك القبض إن كان قائمًا، وإلا أخذ

الثمن منه إن باعه؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه.
فإن أخذ منه الطالب مثل طعامه بعد أن باع ما اقتضاه: كان الثمن سائغًا له، فإن أراد الأصيل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعام ويأخذ منه الثمن: فليس له ذلك.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا اختلفا في صفة القبض، فالكفيل يدعي أنه قبضه على معنى الرسالة، والأصيل يقول: بلى على معنى الاقتضاء: فقد اختلف فيه المذهب على قولين من "المدونة".
أحدهما: أن القول قول الأصيل، وهو قول مالك في "كتاب القراض" من "المدونة"؛ حيث قال: إذا قال القابض: قبضته على معنى الوديعة، وقال رب المال: قرضًا، أو قراضًا: فإن القول قول رب المال.
والثاني: أن القول قول القابض، وهو قول أشهب وغيره، وهو ظاهر "المدونة" في غير ما موضع.
وسبب الخلاف: تعارض الأصلين كل واحد منهما ينفي ما يثبته الآخر أحد الأصلين لاسيما قد اتفقا أن المال المقبوض للدافع، ولا شيء فيه للقابض، وهو أقر بقبضه ثم ادعى ما يسقط عنه الضمان فكان الأصل ألا يقبل منه إلا بدليل، والأصول موضوعة على أن وضع اليد في مال الغير بغير شبهة يوجب الضمان؛ وبهذا قلنا: إن القول قول الدافع الذي هو الأصيل والأصل الثاني يوجب أن يكون القول قول القابض الكفيل، وذلك أن الأصل في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أن يغلب حكم الحظر، والكفيل -هاهنا- قد ادعى قبضًا صحيحًا، والأصيل قد ادعى قبضًا فاسدًا: فوجب أن يكون القول قول القابض الذي هو الكفيل؛ لأن قوله قد أشبه، وقد ادعى أمرًا مباحًا، وهو قوله في "كتاب السَّلم الثاني" إذا

اختلفا في صحة السلم وفساده؛ حيث قال: القول قول من ادعى الصحة، والأصيل في هذا الوجه قد ادعى الفساد؛ لأن الكفيل لا يجوز له قبض الطعام عن المكفول وأن عليه مطالبته ليدفع إلى الطالب كي يبرأ هو من الكفالة.
فإذا ادعى عليه أنه قبضه منه على الاقتضاء: فقد ادعى أمرًا محظورًا فوجب ألا يصدق عليه.
فلأجل تعارض الأصلين تعارض الجوابان.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا أبهم الأمر، وعري القبض عن القرائن، وقد مات الكفيل أو الأصيل هل يحمل على الرسالة حتى يثبت أنه قبضه على الاقتضاء، أو يحمل الاقتضاء حتى يتبين أنه على الرسالة؟ فهذا مما يتخرج فيه قولان من آخر الكتاب، وهذه مسألة تأتي في "كتاب السلم الثالث" إن شاء الله تعالى.

كتاب السلم الثالث

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل