كتاب السَّلم الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها [إحدى عشرة] (1) مسألة.
المسألة الأولى في إقالة المريض
وإذا أسلم رجل إلى رجل مائة دينار في مائة أردب حنطة قيمتها مائة دينار، ولا مال له سواه، ثم تقايلا وأحدهما مريض: فلا يخلو من أن تكون الإقالة من البائع أو المشتري.
فإن كان البائع للطعام هو المريض [فأقال] 2 في مرضه:
فلا يخلو ما أقال منه من أن يكون محاباة أم لا.
فإن لم تكن فيه محاباة: فالإقالة فيه جائرة، قولًا واحدًا.
فإن كانت فيه محاباة؛ مثل أن يبيع مائة أردب إلى أجل بمائة دينار نقدًا على معنى السلم وهي تساوي خمسين دينارًا, ولا مال له غيرها: فإن الورثة مخيرون بأن يجيزوا ما فعل الميت، أو يشتروا لصاحب الطعام طعامه بخمسين، ويقطعوا له بتلك الخمسين من الباقية؛ لأن الوصايا إنما تكون في ثلث ما بقي من التركة بعد قضاء الدين.
فإن كانت الإقالة من المشتري وهو مريض: فلا يخلو من أن يكون في الطعام محاباة أم لا.
فإن لم يكن فيه محاباة: فالإقالة صحيحة، قولًا واحدًا في المذهب.1
فإن كانت فيه محاباة: فالمذهب في جواز الإقالة على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: جوازها، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: المنع، وهو قول سحنون، من غير التفات إلى الثلث على مذهبه، حمل ذلك الطعام أم لا، انتقد الثمن أم لا.
وسبب الخلاف: ما يوجبه الحكم هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا.
وسحنون - رضي الله عنه - بني مذهبه على أن ما يوجبه الحكم مثل ما يوجبه الشرط؛ وذلك أن الإقالة شرطها التناجز، لا يجوز فيها التأخير، وإقالة المريض الأمر فيها مصروف إلى الثلث، والنظر فيها مترقب إلى بعد الموت؛ فلهذا حملنا مذهبه على التساوي بين أن ينقد الثمن أم لا ينقد، وهذا المذهب أصح وأسلم من المطالبة.
وأما مذهب ابن القاسم في هذه المسألة فقد اضطرب اضطرابًا أوجب تشتت آراء الناس الشارحين، وتباين تأويل المتأولين حتى لم يلتق رأى واحد منهم مع الآخر على التنزيل، ولا اتفق توارد خاطرهم على التأويل، بل كل واحد ركب رأسه وركب قياسه وأوتر قوسه ويصوب تأويل نفسه ويقوي سهام الطعن نحو تأويل غيره فشف قبلهم ترى ما بينهم، فالذي تحصل عندي من تأويل حذاقهم أربعة أوجه:
تأويل ابن القابسي: أن معنى المسألة أنه أوصى أن يقال وليست بإقالة بثلث؛ ولذلك جوزها ابن القاسم، فيعلق في "الكتاب" بقوله: إن كان الثلث يحمل جميعه: جاز ذلك وتمت وصيته، وهذا تأويل باطل؛ بدليل قوله في "الكتاب": لو لم تكن فيه محاباة لجاز ذلك، فلو كانت وصية لكانت من الثلث كانت فيها محاباة أم لا، وإنما سماها وصية تجوزًا في
العبارة لما كان النظر فيها موقوفًا إلى بعد الموت؛ لأن أفعال المريض معروف، فأشبهت الوصايا من هذا الوجه.
والوجه الثاني: تأويل ابن اللباد أنها قالت بثلث لكنها فاتت بفوت الإقالة؛ فلذلك جوزها ابن القاسم، فلو عاش بعد الإقالة زمانًا لقسمت عنده كما يقول سحنون، فتعلق من "الكتاب" بقوله: ثم مات فقال هذا يشعر بأنه مات عقيب الإقالة، وهذا القول ضعيف من وجهين:
أحدهما: أن تضعيف ما استدل به من قوله: (ثم) التي هو موضوعه في اللغة للمهلة والتراخي، وإن كان يحتمل قوله: (ثم) أن يكون من قول سحنون ومن سياق نظمه من غير أن يقصد بذلك حالة المتبايعين كان بعد الإقالة بزمان.
والناس قد اختلفوا في الاصطلاح في استعمال ألفاظ العربية وحروفها على ما عودته ألسنتهم، وقد وقع له مثل هذا في "كتاب الظهار" فيما إذا قال لإحدى نسائه: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم قال للأخرى: أنت عليَّ مثلها، وكيف ما كان فالعقد وقع على التراخي من مبتدئه ومنشئه، فلا يؤثر في جواز ما وقع من المناجزة في الحال، أصل ذلك إذا وقع عقد الصرف على التأخير وقعت المناجزة في الحال أن الصرف فاسد؛ لوقوع العقد على التأخير.
والوجه الثالث من التأويل: ما تأوله أبو محمَّد بن أبي زيد أن الإقالة وقعت على البتل، وإنما جوزها ابن القاسم لكونهما لم يقصدا إلى التأخير -لا نصًا ولا ضمنًا- وإنما دخل على ما يوجبه الحكم في نص المجتهد في ترجيح الأقوال.
وقد اختلف قول مالك في معروف المريض إذا بتله وحمله ثلث ماله،
هل يحكم بإخراجه من ماله في الحال، أو يوقف إلى بعد الموت على ما بيناه في "كتاب العتق" بيانًا كافيًا.
وقد يرجح الناظر المجتهد القول [بالنفود] 1 في الحال إن حمله الثلث، وقد يرجح الإيقاف، فحصول أمرهما أنهما لم يقصدا إلى التأخير.
وهذا التأويل أقرب إلى السداد وأنهج إلى الرشاد.
والوجه الرابع: تأويل الشيخ أبي عمران الفاسي أن الإقالة وقعت على البتل، وأن المريض كانت له أموال مأمونة فعلا على المناجزة -على أحد أقوال مالك في اعتبار المال المأمون- وهذا أشبه أيضًا لولا ما وقع في "الكتاب" من أن المريض لا مال له سواه.
فانظر إلى توجيه الأقوال يتبين لك سبب الخلاف بينهم في التأويل.
وهل يجعل؟ في الثلث جميع الطعام، أو مقدار المحاباة؟:
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يجمع جميعه في الثلث، وهو تأويل الشيخ أبي القاسم ابن محرز على "المدونة"، وهو ظاهر قوله في أول ["كتاب] 2 السلم الثالث".
والثاني: أنه يجعل في الثلث مقدار المحاباة خاصة، وهو تأويل الشيخ أبي إسحاق التونسي، وهو ظاهر قوله في "كتاب العتق الأول" وغيره؛ حيث قال في محاباة المريض إنها تصرف إلى الثلث.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يوجبه الحكم هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا؟
فمن رأي أن ما يوجبه الحكم مثل ما يوجبه الشرط قال: يجعل جميع الطعام في الثلث؛ لأنه لو جعله فيه مقدار المحاباة لخرجت الإقالة عن وجهها، وكرت على أصلها بالبطلان؛ لأنه استرجع جميع المال بعد الغيبة عليه وبعض المسلم فيه فصار سلفًا جر منفعة مع ما فيه من بيع الطعام قبل قبضه.
ومن رأى أن ما يوجبه الحكم خلاف مما يوجبه الشرط قال: يجعل في الثلث مقدار المحاباة من الطعام؛ لأن مسألة الإقالة في المرض معترضة في غير ما وجه؛ لأن فيها تأخير رأس المال إلى أبعد النظر وغير ذلك من وجوه الاعتراضات.
وعلى القول بأنه يصرف جميعه إلى الثلث: فإن حمله كان، وإن لم يحمله: يخير الورثة بين أن يخيروا ذلك أو يقطعوا له إما بثلث ما عليه من الطعام وهو ظاهر "المدونة"، أو يقطع له بثلث طعام المحاباة خاصة وهو ظاهر "الكتاب" أيضًا.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
فهذا جملة الكلام من طريق تحصيل ما فيها من الخلاف والاضطراب.
وأما الكلام عليها من حيث الصورة؛ وذلك أنه اشترى مائة أردب حنطة بمائة دينار قيمتها مائتا دينار، ثم أقاله في مرضه: فلا إشكال أن مائة أردب تقسم بين المائتين من حيث المعنى؛ فيقابل كل مائة: خمسون أردبًا، فللمائة التي هي رأس المال منها خمسون وهو القدر الذي لا محاباة فيه، ويبقى للمائة مائة دينار رأس ماله الذي استرجعه للإقالة، ونصف الطعام الذي حابى فيه يساوي مائة أخرى، وجميع ذلك مائتان، ففيها تقع الوصية، فإن أجاز الورثة الوصية كان، وإن لم يجيزوها
المقال بثلث ما عليه، فهل يجمع له في الطعام الذي عليه، أو يقطع في الطعام الذي عليه أو يقطع في الثلث وفي الطعام بثلث؟
فهذا يتخرج على خلاف قول مالك في "كتاب الوصايا": إذا أوصى له بشئ بعينه.
وحمله الثلث.
وعلى القول بأنه يأخذ جميع ذلك في الطعام فإنه يأخذ ثلثي الخمسين التي بقيت بعد هي مقابلة الأصل المال، ويبقى عليه ثلث الخمسين؛ وهو سدس جميع الطعام يدفعه إلى ورثة المشتري مع المائة التي هي رأس المال.
والحمد لله وحده.
المسألة الثانية في الإقالة
ولا يخلو الثابت من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون طعامًا.
والثاني: أن يكون عرضًا.
والثالث: أن يكون عينًا.
والكلام في هذه الطعام والعرض، وأما العين فيأتي عليه الكلام في مسألة حمار ربيعة في "كتاب الآجال" إن شاء الله تعالى.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الثابت في الذمة طعامًا فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يقيله من جميع ما عليه من الطعام.
والثاني: أن يقيله من بعضه.
فإن أقاله من جميع ما عليه من الطعام فلا يخلو من أن يكون قبل قبض الطعام، أو بعد قبضه.
فإن كانت الإقالة قبل قبض الطعام، أو بعد قبضه وقبل الغيبة عليه: فالإقالة على عينه جائزة اتفاقًا هذه المناجزة فيما تناقداه من الثمن والمثمون إذا كان الثمن قائم الذات.
فإن وقع التأخير في قبض الثمن، أو الإقالة، هل تجوز، أو تفسخ؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن التأخير الكبير يبطل الإقالة، ويخرجها ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان قبل أن يقبض الطعام وفسخ الدين في الدين إن كان قبضه وهو قول ابن القاسم في المدونة إلا أن يكون تأخيرًا يسيرًا كدخول البيت والسوق كما قال في البيت والسوق.
والثاني: ولا تبطل الإقالة -يسيرة كانت أو كثيرة-، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، وهو مذهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الإقالة هل هي نقض بيع، أو بيع مبتدأ.
فمن رأي أن الإقالة نقض بيع قال: تجوز العقد السابق كأنه لم يكن إذ الفسخ عند العقد، وأنه لا يترتب عليه ما يترتب علي العقد من الأخذ بالشفعة، وذلك يشعر بمناقضته لسبب التمليك المقتضي بالعقد.
ومن رأي أن الإقالة بيع العقد فيما مضى منعوتًا باللزوم والإبرام على وجه ينافي الخبرة والاختيار وكيف يتصور أن يكون كأن لم يكن قلب الحقيقة، فإذا جعلها بيعًا من البيوع فإنه يعتبر فيها ما يعتبر [في] 1 عقود المعاوضات من وجوه إلى الفصل منها بيع الطعام قبل قبضه وفسخ الدين في الدين معينًا بآخر قبضه إن كانت الإقالة بعد الغيبة عليه، فإن فات الثمن بيد البائع: فلا يخلو جنس الثمن من أن يكون عينًا، أو عرضًا.
فإن كان غنيًا البتل جائزة، قولًا واحدًا في المذهب.
وإن كان عرضًا: فلا يخلو فواته من أن يكون فوات عين الذات أو فواتًا
يرجع إلى صفة.
فإن كان فواتًا يرجع إلى عين الذات وذهابها بالكلية فهل تجوز الإقالة على المثل؟
فعلى وجهين:
إما أن يكون ذلك العرض مما يرجع إلى القيمة، أو مما يرجع إلى المثل.
فإن كان ذلك مما يرجع إلى القيمة: فلا أعلم فيه نص خلاف أن الإقالة لا تجوز في الطعام بعد القيمة -انتقد أو لم ينتقد.
فإن كان مما يرجع إلى المثل؛ كالمكيل فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الإقالة على المثل لا تجوز، وإنما تجوز على عين رأس المال في غير العين وهو قول ابن القاسم في "المدونة":
والثاني: أن الإقالة على المثل جائزة، وهو مذهب أشهب.
وفرق ابن القاسم [...] بناء منه على أن العين غير مراد لنفسه بخلاف ما عداه من سائر العروض، وهذا إذا لم يبين له أنه قد فات وأنه إنما يقيله على مثله، وأما إذا بين له ورضي بذلك فلا إشكال في الجواز باتفاق من الجميع على هذا السلم؛ لأن ذلك بيع مبتدأ فيجوز بما تراضيا عليه أخيرًا وفي الطعام يكون بيعه قبل قبضه إذا فات رأس المال وهو عرض.
فإن كان فواتًا يرجع إلى صفة الذات: فلا يخلو من أن يكون له تأثير في الذات، أو لا تأثير له.
فإن كان لا تأثير لهذا الفوات في الذات كحوالة الأسواق بالزيادة أو بالنقصان: فإنه لا يفوت الإقالة.
فإن كان فواتًا يؤثر في الذات بالزيادة، أو بالنقصان كصغير يكبر، أو
الكبير يهرم، أو السمانة والهزالة في الدواب -بالاتفاق- وفي العبيد -على الخلاف- أو حالة الثمن أو المثمون في ذاته التي وجه يخالف الأول: فإن ذلك يفوت الإقالة.
فإن وقعت الإقالة على غير رأس المال، إلا أنه أقل من عدده أو أكثر منه: فلا تجوز الإقالة في الأكثر بالاتفاق.
وفي الأقل قولان:
المنع لابن القاسم، والجواز لأشهب؛ لبعد التهمة في دفع كثير في قليل، والباب باب الذريعة، وبعد التهمة يمنع تأثير الذريعة.
واختلف هل تنعقد بلفظها أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: أن الإقالة لا تنعقد إلا بلفظها، وهو المشهور.
والثاني: أنها تنعقد بغير لفظها، وهذا القول قائم من "المدونة" في "كتاب الصرف" و"كتاب السلم الأول" و"كتاب السلم الثاني"، وغيرها من كتب المدونة، وقد قال في "كتاب السلم الثالث" فيما إذا دفع الذي عليه الطعام للذي له الطعام رأس ماله، فقال له: اشتر به طعامك؛ حيث قال: إن كان مثل الثمن الذي دفع إليه في عدده ووزنه: فلا بأس بذلك، فإن كان كثيرًا: فلا يجوز، وذلك حرام.
فجوَّزه إن كان مثل الثمن؛ لأنه بمعنى الإقالة.
وقال أيضًا في الكتاب المذكور: وإذا أسلم إلى رجل في طعام إلى أجل ثم قال له بعد ذلك: وليتني الطعام الذي لك عليّ، فقال: ليس ذلك بتولية، وإنما هي إقالة، وإنما التولية لغير البائع.
فجعل الإقالة في هذه المواضع تنعقد بغير لفظها، وإن كان أبو القاسم ابن محرز يعتذر عن هذا السؤال الآخر، قال: ليس هذا من باب الإقالة
بغير لفظها، وإنما منعت الإقالة بلفظ البيع.
وأما بلفظ التولية: فلا؛ لأنه لفظ رخصة، والإقالة رخصة؛ فيجوز أن يعبر بأحد اللفظين عن الآخر.
والوجه الثاني: إذا أقاله من بعض ما عليه من بيع الطعام: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الغيبة على رأس المال، أو بعد الغيبة عليه.
فإن كان ذلك قبل الغيبة عليه: فلا إشكال في الجواز؛ إذ لا علة تبقى.
فإن كان ذلك بعد الغيبة عليه: فلا يخلو من أن يكون رأس المال مما يعرف بعد الغيبة: جاز أيضًا.
وإن كان مما لا يعرف بعد الغيبة عليه: فلا تجوز الإقالة لأن ذلك بيع وسلف؛ ما استرجع فهو سلف، وما بقي فهو بيع، مع ما في ذلك من بيع الطعام قبل قبضه لاحتمال أن يكون الذي استرجعه هو مثل رأس المال، لا عينه.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الثابت في الذمة عرضًا ثم أقال منه: فلا شك ولا إشكال أن الإقالة في العروض تقابل الإقالة في الطعام في بعض الوجوه، وتخالفها في بعض الوجوه؛ ويطابقها في محل التناجز، وفي وجوب تخليصها من بيع وسلف، دون ما عدا ذلك من اشتراط عين رأس المال أو ملازمته من التقابض والزوائد الكائنة إذا بين ذلك، وكذلك في نقصان العدد فلا يطابقها فيه.
وأما زيادته: ففيه تفصيل؛ فإن رجع إليه رأس ماله ومعه زيادة: فلا بأس به -كانت الزيادة من صنف رأس المال أو من غير صنفه- إلا أن تكون نصف ما عليه: فلا يجوز تقديمها على الأجل؛ لأن ذلك بيع وسلف؛ والسلف ما عجله يستوفيه من نفسه إذا حلَّ الأجل، والبيع ما عوضه منه من المسلم فيه في مقابلة رأس ماله الذي
هو مردود إليه.
فإن أخر بعض رأس ماله عن بعض المسلم، وأبقى البقية في الذمة: فلا يخلو أن يكون ذلك عند الحلول، أو قبله.
فإن كان ذلك عند الحلول: فلا إشكال في الجواز؛ لأنه يجوز له أن يشتريه منه بالأقل أو بالأكثر إذا كان ما بقي في الذمة على الحلول.
فإن كان ذلك قبل الحلول: فلا يخلو من أن يأخذ معه بقية سلمه أو يبقيه في ذمته إلى أجله.
فإن أخذ بعض رأس ماله في بعض المسلم فيه، وأخذ معه البقية من سلمه، أو آخره بالبقية إلى أبعد من أجله: فذلك حرام باتفاق المذهب؛ لأن ذلك بيع وسلف من المقدم أو المؤخر، وهي مسألة البرذون بعينها، والكلام عليها يأتي في "كتاب الآجال" إن شاء الله.
فإن أخذ رأس ماله في بعض سلمه قبل الأجل على أن يبقى الباقي في ذمة الذي عليه: فلا إشكال في الجواز أيضًا؛ لأنه يجوز أن يشتريه منه قبل الأجل بما شاء من الأثمان مما يجوز أن يجعل رأس المال للسلم الذي في ذمته.
وقولنا: أن يجعل رأس المال للسلم الذي في ذمته: مخافة أن يكون ما دفع آخرًا هو رأس المال، فيكون ذلك سلم الشيء في مثله إلى أجل، وذلك حرام.
فافهم هذا الأسلوب فإنه يغنيك عن فهم أسئلة الإقالة إن شاء الله تعالى.
والحمد لله وحده.
المسألة الثالثة إذا اشترى سلعة فأشرك فيها أحدًا
ولا يخلو ذلك المشتري من وجهين:
إما أن يكون معينًا، أو مضمونًا.
فإن كان معينًا: فلا يخلو من أن يشتريه نقدًا، أو إلى أجل.
فإن اشتراه بالنقد ثم أشرك فيه غيره: فلا يخلو من أن يشركه بعد قبض الشيء المشترى، أو قبل قبضه.
فإن أشركه بعد ما قبضه: فالشركة جائزة لازمة والحكم يوجب النقد على المشترك فيما يجب عليه من الثمن -كان المشترك فيه عرضًا أو طعامًا، اشتراه الذي أشركه فيه كيلًا أو جزافًا- إلا أن يكون المشتري إنما أشركه لينقد عنه جميع الثمن سلفًا لحقه من الثمن فلا يجوز؛ لأن ذلك بيع وسلف.
واختلف في عهدة المشترك على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة".
أحدها: أن عهدته على البائع الأول -كانت الشركة عند عقد البيع أو بعده- وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثالث"؛ حيث جعل الضمان منهما معًا إذا ضاع الطعام بعد الشركة وقبل كيل المشترك إياه.
والثاني: أن عهدة المشترك على المشترك المشتري الذي يقرب البيع وبعدت عنه، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في الذي اشترى سلعة بثمن إلى أجل قبضهما فأشرك فيها رجلًا واشترط عليه النقد؛ حيث قال: لا بأس بذلك، ولو كانت عهدته على البائع الأول ما كان يلزمه النقد إلا إلى الأجل الذي اشترى إليه المشتري.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يشركه بحضرة البيع فتكون عهدته على الذي أشركه إلا أن يشترطها على البائع.
وإن كان أشركه بعد تراخ عن العقد: فالعهدة على الذي أشركه دون البائع، وهو قول أصبغ في "العتبية".
والقول الرابع: إن أشركه بحضرة البيع وقبل الافتراق فالعهدة على البائع بغير شرط، وهو قول ابن المواز.
وسبب الخلاف: الشريك المشرك هل حكمه حكم الأصلي ويعد كأن العقد على ذمتها، أو حكمه حكم الدخيل بعد الانبرام؟
وأما إذا أشركه قبل القبض والشراء على النقد: فإن الشركة بينهما جائزة إذا أنقد المشرك مثل ما نقد الذي أشركه.
فإن نقد خلاف ما نقد الذي أشركه قدرًا أو صفة أو جنسًا، أو نقد جميع الثمن عنه وعن الذي أشركه: فلا يجوز ذلك، وهو بيع الطعام قبل قبضه، مع ما فيه من بيع وسلف.
وكذلك إن أشركه على ألا ينقد حصته إلا إلى أجل: فلا يجوز أيضًا؛ لأن ذلك بيع مستأنف، وهو بيعه قبل قبضه لخروج الرخصة عن وجهها.
فأما إذا كان الشراء إلى أجل، وكان للمشتري عروضًا أو طعامًا، ثم أشرك فيها رجلًا قبل الأجل وقبل قبض الثمن: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يشرط عليه النقد في الحال، وإما أن لا ينقد حتى يحل الأجل.
فإن كان على ألا ينقد المشترك في الحال لأن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك بيع وسلف وبيع الطعام قبل قبضه إن كان طعامًا واشترى على الكيل.
فإن كان على ألا ينقد حتى يحل الأجل، هل تجوز الشركة أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة".
والثاني: المنع، وهو نص قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد" وابن حبيب؛ لاختلاف الذمم في العدم، والملاعنة عند حلول الأمد.
وسبب الخلاف: اختلافهم في عهدة الدخيل على من تكون؛ فعلى القول بأنه كالأصيل وأن عهدتهما جميعًا على البائع: فلا تجوز الشركة؛ لأن البائع لا يدري على أيّ الذمتين يرجع عند حلول الأجل، وقد يعسر المشرك فيأخذ الدخيل بجميع الثمن فيؤدي ذلك إلى البيع والسلف.
وعلى القول بأن عهدة الدخيل على المشتري: فتجوز الشركة ولا عذر إذ ذاك ولا سلف.
فإن هلكت السلعة المشترك فيها قبل أن يقبضها المشتري هل يكون الضمان منهما جميعًا أم لا؟
فلا تخلو تلك السلعة أن تكون مما يتعلق بها حق التوفية أم لا.
فإن بقي فيها حق التوفية: فلا يخلو المشترك من ثلاثة أوجه:
إما أن يعاين كيل المشتري ويحضره قبل الشركة أو لم يحضره إلا أنه صدقه على الكيل.
أو لم يحضره، ولا صدقه.
فإن حضر الكيل وعاينه، ثم شركه على ما عاين: فلا خلاف أن الضمان منهما.
فإن صدقه في الكيل: فالضمان منهما إن ضاع، فإن لم يتلف إلا أنه وجد النقص أو الزيادة، فإن كان ذلك من متعارض الكيل: فالزيادة
والنقصان لهما وعليهما.
فإن زاد على المتعارف: كانت الزيادة للمشتري الأول، ويرد على المشترك من الثمن ما يقابل النقص إن كان المشتري فلا ينقد منه الثمن.
فإن لم ينقده وضاع عنه ذلك القدر عند النقد، فإن لم يحضر الكيل ولا صدقه فيه حتى ضاع هل يكون الضمان منهما جميعًا، أو المشتري وحده.
فالمذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الضمان منهما جميعًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الثالث" من مسألة السفينة، إن حملت على ظاهرها؛ لأنه قال فيمن اشترى طعامًا فاكتاله في سفينته، فقال له رجل: أشركني فيه، ففعل، ثم غرقت السفينة: إن هلاكها منهما جميعًا, ولم يفصل بين أن يصدقه أو لم يصدقه.
والثاني: أن ضمانه من المشتري دون المشرك، وهو قول سحنون؛ لأنه أنكر جواب ابن القاسم في هذه المسألة، وبقول سحنون قال فضل بن سلمة وقاسها على التولية، وقال: إن الضمان في التولية من المولى حتى يكتاله المولى.
وقال الشيخ أبو عمران الفاسي: ولا يعرف هذا إلا من قول فضل، بل إن مذهب ابن القاسم أنه من المولى؛ لأن بنفس التولية صار في ضمانه كمشتري الصبرة جزافًا.
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون الهلاك ببينة فيكون الضمان منهما جميعًا، أو يكون بغير بينة فيكون من المشتري، وهذا تأويل بعض المتأخرين على "المدونة" على ما حكاه القاضي أبو الفضل.
والقول الرابع: بالتفصيل بين أن ينقد المشرك ما ينوبه من الثمن: فيكون الضمان منهما جميعًا، وتلف الطعام قبل أن ينقد: فيتخرج على الخلاف في المحبوسة في الثمن، وهذا القول أيضًا متأول على المدونة؛ لأنه قال في الكتاب: إذا تلف الطعام فإن المشتري يرجع على صاحبه -يعني الشريك- بنصف الثمن الذي نقد في الطعام.
فقال القاضي أو الفضل: وذلك دليل منه على أن الضمان من الشريك -نقد أو لم ينقد- وأنه يخالف المحبوسة في الثمن لما كانت الشركة معروفًا من المعارف، وإلى هذا ذهب بعضهم وقول القاضي - رضي الله عنه - "وإلى هذا ذهب بعضهم" يرى أن من علمائنا من يذهب إلى غير ذلك، وليس إلا التفريق بين أن ينقد أو لم ينقد، وهو أليق بظاهر كلامه، وهو قول له وجه في النظر.
وسبب الخلاف: اختلافهم في أجرة الكيل على من تكون؟
فمن رأى أنه داخل في ملك المشتري بنفس الشراء يقول: الأجرة على المشتري، والضمان منهما جميعًا.
ومن رأي أنه لا يدخل في ملكه إلا بعد الكيل يقول: الأجرة عليهما جميعًا، والضمان على المشتري وحده.
وسبب الخلاف أيضًا: على الخلاف في عهدة المشرك على من تكون، هل على البائع أم على المشتري؟
وللخلاف في هذه المسألة مطلع آخر وهو: هل تغلب شائبة البيع، أو تغلب شائبة المعروف؟
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان المشتري مضمونًا إلى أجل؛ مثل أن يسلم في طعام أو عروض إلى أجل، ثم أشرك فيهما
رجلًا قبل القبض وقبل الحلول، فإن كان على أن لا ينقد حتى يحل الأجل ويقبض السلعة: فلا تجوز الشركة باتفاق المذهب؛ لخروجها عن وجه الرخصة إلى بيع الدين بالدين إن كان المسلم فيه عروضًا، وإن كان طعامًا دخله بيع الطعام قبل قبضه.
ورخص في الشركة، والتولية والإقالة، وقد حكم مالك - رضي الله عنه - في المدونة في الإقالة بحكم البيع في ثلاث مسائل؛ حيث قال: إن الإقالة يحلها ما يحل البيع، ويحرمها ما يحرم البيع، ثم قال في "كتاب الشفعة" فيمن اشترى شقصًا ثم أقال منه: إن للشفيع الشفعة وطلب الإقالة، وليس له أخذها بعهدة الإقالة.
وقال ابن القاسم: والإقالة عند مالك بيع حادث في كل شيء، إلا في هذا، فجعلها في هذه المسألة نقض بيع.
وقال في كتاب المرابحة فيمن ابتاع سلعة بعشرين دينارًا، ثم باعها بثلاثين دينارًا، ثم أقال منها: لم يبع مرابحة إلا على عشرين؛ لأن البيع لم يتم بينهما حين استقاله فجعلها في هذه المسألة نقض بيع أيضًا.
فتبين لك أن الإقالة في هذه المسائل نقض بيع؛ لأنا لو جعلناها في الطعام بيعًا مبتدءًا لكان ذلك بيعه قبل قبضه.
واستخرج الشيخ أبو عمران الفاسي من "المدونة" مسألتين من "كتاب السلم الثاني" مما جعل ابن القاسم فيهما الإقالة نقض بيع وأضافهما إلى الثلاثة المتقدمة؛ منها قوله: إذا أسلم ثوبًا في طعام فهلك الثوب عند البائع؛ حيث قال: لم تجز الإقالة؛ إذ لا تجوز الإقالة على قيمة ولا على ثوب مثله.
ولو لم يهلك الثوب جازت الإقالة إذا قبض الثوب مكانه ولم يتأخر.
فلو هلك الثوب بعد الإقالة لانفسخت الإقالة وبقي السلم بحاله، ولا يجوز أخذ ثوب مثله قبل أن يفترقا.
والثانية: قوله: ولو قبضت الطعام بعد محله ثم أقلت منه فتلف عندك بعد الإقالة قبل أن يدفعه: فهو منك وتنفسخ الإقالة.
فهاتان مسألتان.
والثالثة: قوله: في أول "كتاب السلم الثالث" فيمن أسلم عينًا في طعام فأقاله وأخذ برأس ماله عرضًا بعد الإقالة؛ حيث قال: لم تجز لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه وذكر الإقالة لغو.
وهذه المسألة قد استخرجها بعض المتأخرين أيضًا، فيتحصل من "المدونة" على هذا التخريج ست مسائل فافهم ترشد.
والحمد لله وحده.
المسألة الرابعة في بيع المشتريات قبل قبضها
اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز بيع المشتريات قبل قبضها على ثمانية أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز في كل شيء، وهو مذهب الشافعي، وبه قال الثوري.
والثاني: أنه لا يجوز في شىء إلا ما لا ينقل ولا يزول كالرياع والعقار، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون دون ما عداهما، وهو مذهب إسحاق بن راهويه وأبي عبيد.
والرابع: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون والمعدود وهو مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزادوا مع الكيل والوزن المعدود، وهو اختيار ابن حبيب -من أصحابنا.
والخامس: أن ذلك لا يجوز في المكيل والموزون من الطعام خاصة، وهو مذهب أحمد، وأبي ثور.
والسادس: أن ذلك لا يجوز في الطعام على الإطلاق، وهو أحد أقاويل المذهب عندنا، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
والسابع: أن ذلك يجوز في كل شيء، وهو مذهب عثمان البنا.
والثامن: أنه لا يجوز في الطعام الربوي خاصة، وهو مذهب مالك - رضي الله عنه - وعن جميع العلماء.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار؛ فمنها ما خرجه مالك في موطئه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه" 1.
ومنها ما خرجه مالك عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "كنا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبتاع الطعام فيبعث إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي اتبعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه" 2.
هكذا رواه مالك وجماعة، وزاد في صحيح البخاري 3: "كذا نبتاع الطعام جزافا".
وبهذه الأحاديث يستدل من قال: لا يجوز في الطعام عمومًا لا خصوصًا، وبه يستدل أيضًا أن ذلك لا يجوز لا في المكيل ولا في الموزون.
ومنها ما خرجه الدارقطني من طريق عتاب بن أسيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ولاه مكة نهاه عن بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن 4.
ومن طريق آخر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن.
ومن طريق آخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام ما لم يقبض وربح ما لم يضمن.
ومن طريق آخر: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل بيع وسلف، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" 5.
ومن طريق ابن عباس - رضي الله عنه -: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" 1 قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله.
ومن ذلك حديث حكيم بن حزام: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعًا فما يحل لي وما يحرم؟ فقال: "يا ابن أخي إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه" 2.
وبهذه الأحاديث استدل الشافعي أن ذلك لا يجوز في كل بيع -مكيلًا كان أو جزافًا- وأما تخصيص أبي حنيفة ما لا ينقل ولا يزول؛ إذا لا يتمكن فيه القبض إذا لا يحول ولا يزول؛ ولذلك لا يضمن في الغضب.
وأما عمدة مالك - رضي الله عنه - فدليل الخطاب من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ابتاع طعامًا"، فمفهومه: أن ما عدا الطعام لا يشترط فيه القبض.
وأما تخصيص المال الربوي من الطعام دون ما عداه من الأطعمة والأشربة فهو تخصيص بعرف اللغة؛ لأن الطعام عندهم عبارة عن الحنطة، فيقاس عليه ما عداه من سائر الأطعمة الربوية.
وأما عمدة من اعتبر الكيل والوزن دون ما عداه من سائر المبيعات فمعتبر من سياق الظاهر في قوله: "حتى يكتاله"، فنبه على الكيل، فيغلب على الظن أنه مناط الحكم.
وهذا الكلام على الجملة، وأما التفصيل فنقول:
العقود تنقسم إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة، وقسم يكون بغير معاوضة؛ كالهبات والصدقات.
والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: [ما] 1 يختص بقصد المغابنة والمكايسة.
والثاني: ما يكون على جهة الرفق.
والثالث: ما يصح أن يقع على الوجهتين جميعًا.
فأما القسم الأول: فهو ما يقصد به المغابنة والمكايسة؛ كالبيوع، والإجارة، والمهور، والصلح، والمال المضمون بالتعدي: فلا يخلو من أن يكون طعامًا، أو غيره.
فإن كان غير الطعام من سائر العروض: فلا خلاف في المذهب في جواز بيعه قبل قبضه.
فإن كان طعامًا: فلا يخلو من أن يكون اشتراه كيلًا، أو جزافًا.
فإن اشتراه على الكيل: فلا يخلو من أن يكون طعامًا ربويًا، أو غير ربوي.
فإن كان طعامًا ربويًا: فقد ادعى أهل المذهب في ذلك الإجماع أن ذلك لا يجوز بيعه قبل قبضه، ويستقرأ من المدونة جواز بيعه قبل قبضه من موضعين:
أحدهما: ما وقع في "كتاب النكاح الثاني" في الرجل إذا كان له عند زوجته دين فطلبته بما يجب عليه من النفقة وتوابعها، فأراد أن يقاصصها بقيمة ذلك بما له عليها من دين؛ حيث قال: إن كانت موسرة فلا بأس بذلك، ومعلوم أن من جملة ما يجب لها على زوجها في مؤونتها طعامًا وزيتًا، وقيمة توابع ذلك، فجواز مقاصصتها إياه بقيمة ذلك يؤدي إلى بيع
الطعام قبل قبضه، ولا مراء في ذلك.
والثاني: ما وقع له في "كتاب المرابحة" إذا نقد خلاف ما عليه عقد فباع على ما نقد؛ حيث قال: إن ذلك جائز إذا بين، فأكثر أصحاب مالك يقولون: إن ذلك جائز وإن لم يتبين، وعليه حمل فضل بن سلمة مذهبه في "المدونة"، ولم يفصل بين أن يكون عقد على طعام أو غيره، بل ساوي بين الجميع.
وهو إذا عقد على طعام مكيل ثم نقد غيره: فقد باعه قبل قبضه -أعني البائع الأول الذي وجب له الطعام بالعقد عليه- ولهذا قال محمَّد بن مسلمة -من أصحاب مالك- لا يجوز له أن ينقد عن الطعام غيره؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه.
ويمكن أن ينبني الخلاف على الخلاف في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه هل هي شريعة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؛ فذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب، وأبو الفرج، وغيرهما من البغداديين إلى أن النهي معلل بالعينة، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ؛ لأنه بوب على العينة ثم أدرج هذا الخبر في سياق مقتضى الترجمة، وهو صعود إلى طريق [ال] الشاذة المخالفة لفقهاء الأمصار، والصحيح أنها شريعة غير معقولة المعنى ولا مفهومة المغزى، بل هو شرع محض وتعبد صرف، ولو كانت العلة العينة لجاز من بائعه بأقل من الثمن، ومن غير بائعه بكل الأثمان، وهذا فيما كان العلة فيه العينة، وتساوى فيه بين الطعام والعروض.
وإن كان المشتري طعامًا غير ربوي ما يجوز التفاضل في جنسه فعلى قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه كالربوي على سواء؛ لعموم الخبر: "من ابتاع طعامًا" 1، ولم يفرق، وهذا هو المشهور المعروف من قول مالك.
والثاني: أن ما لا ربا فيه يجوز بيعه قبل قبضه، وهي رواية ابن وهب عن مالك -رضي الله عنهما.
واختلف فيما ليس بمقتات إلا أنه مصلح للقوت؛ كالتوابل والكسبرى والفلفل والقرنباد والشونيز والقرفة، وسائر الأبزار هل يجوز بيعها قبل قبضها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: المنع، وهو قوله في المدونة.
والثاني: الجواز، وهو قوله في "مختصر ما ليس في المختصر".
وأما الماء فقد اختلف المذهب في جريان الربا فيه وفي بيعه قبل قبضه على قولين:
أحدهما: أن التفاضل فيه جائز، وأنه يجوز واحد منهم باثنين إلى أجل وبيعه قبل قبضه، وهذا هو المشهور في المذهب، وهو قول مالك في "كتاب السلم الثالث" من "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز فيما يتجانس منه ويستوي في العذوبة والملوحة، ولا يجوز فيه واحد باثنين، لا نقدًا ولا إلى أجل، ولا يجوز بيعه قبل قبضه، وهو قول ابن نافع.
ووجه القول المشهور: أن الماء مما يقع التسامح فيه، ويعدم فيه التشاحح، وأن الناس يتسامحون به دون طلب البدل في أغلب الأحوال؛
لأنه أذل موجود وأعز مفقود، والربا شرع لحراسة الأموال التي يستضر وتكثر فيها الرغبة، ويقع التنافس في مستقر العادة عليها دون ما عداها.
ووجه القول الثاني: أن الحاجة إلى الماء آكد، والضرورة إليه أشد؛ إذ لا عوض له عند الحاجة إليه؛ إذ الطعام له عوض يجتزئ به الجائع، ويسد به رمقه، ويكسر به كلب الجوع عن نفسه؛ كسيرة أهل البوادي والأرياف في اقتياتهم بالغاسول وزريعة السلق وغير ذلك مما جرت عادتهم باستعماله في زمان الشدائد -نسأل الله السلامة والعافية- والماء لا عوض له في الشرب عند شدة العطش من جميع الأشربة، مع شدة ضرر العطش على ضرر الجوع لقلة الصبر عنه، فما كان هذا سبيله وجب أن يكون بالمنع أولى.
وأما إذا اشتراه على الجزاف، هل يجوز أن يبيعه قبل قبضه أم لا؟
المذهب على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز جملة بلا تفصيل، وهو ظاهر "المدونة" وهو مشهور المذهب.
والثاني: المنع جملة بلا تفصيل حتى ينتقل من مكانه، وهو قول مالك في "العتبية"؛ لعموم الخبر.
والثالث: بالتفصيل بين الجزاف الذي هو في ضمان البائع، وبين الجزاف الذي هو في ضمان المشتري بالعقد.
والذي في ضمان البائع: فلا يجوز له بيعه قبل قبضه؛ مثل أن يشتري لبن غنم بأعيانها بغير كيل شهرًا، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد"، وأجاز ذلك أشهب.
وإن كان في ضمان المشتري بالعقد: فإنه يجوز بيعه قبل قبضه.
والرابع: بالتفصيل بين أن يبيعه بالدين فيمنع، أو يبيعه بالنقد فيجوز، وهو قول مالك في تفسير ابن مزين.
ويتخرج في المسألة قول خامس: بالتفصيل أيضًا بين أن يبيعه من الذي عليه فيجوز ويكون إقالة، وبين أن يبيعه من غيره فيمنع.
وسبب الخلاف: اختلاف في زيادة العدل الثقة المشهور بالحفظ والإتقان في الخبر، هل تقبل أو لا تقبل؟
وذلك أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قد زاد لفظ: "الجزاف" في الحديث.
وأما اعتبار ما في ضمان البائع مع اعتبار البيع بالدين: فينبني الخلاف على الخلاف في بيع الدين بالدين هل هو في المعين والمضمون، أو لا يكون إلا في المضمونين جميعًا؟ والقولان قائمان من المدونة، وسنوضحهما في مكانهما إن شاء الله تعالى.
وأما الطعام المضمون بالتعدي: فله بيعه قبل قبضه باتفاق الذهب.
وأما القسم الثاني: وهو ما كان على جهة الرفق؛ كالقرض: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يقرضه من طعام في ملكه وتحت يده.
والثاني: أن يقرضه من طعام له في ذمة غيره لمعاوضة؛ كالسلم والإجارة وغيرهما مما لا يجوز بيعه قبل قبضه.
فأما الوجه الأول: إذا أقرضه من طعام في ملكه وتحت يده: فلا خلاف في المذهب أنه يجوز بيعه قبل قبضه للمقرض والمستقرض.
وأما الوجه الثاني: إذا أقرضه طعامًا له من سلم في ذمة غيره وأحاله عليه: فلا يجوز للمقرض أن يبيعه قبل قبضه؛ لأن يده كيد رب السلم.
فإذا قبضه ودار في ملكه: فلا خلاف إن لم يبعه بعد ذلك.
واختلف في المقرض هل يجوز له بيعه بقبض المستقرض قبل أن يقبضه؟ وهو على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة بلا تفصيل، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: الجواز جملة، وهو اختيار اللخمي؛ لأن الحديث لم يتناوله لأنه قد قبض بكيل البيع أولًا، قال: وما وقع في "المدونة" فحماية أن يكون باعه قبل قبضه من المسلم إليه وأظهر أنه إنما أقرضه.
والقول الثالث: التفصيل بين القليل والكثير؛ فإن كان يسيرًا: جاز بيعه من المقرض قبل قبضه.
وإن كان كثيرًا منع.
وهذا أحد قولي مالك في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: حماية الحماية هل تحمي أو لا تحمي؛ وذلك أن بيعه قبل قبضه إنما منع من سلف بزيادة الذي قدمناه من تعليل النهي، وكونه مقبوضًا وصار في ضمان المقرض يجب أن يجوز للذي له السلم بيعه بقبض المقرض، كما قاله اللخمي والحماية قد حميت ولم يبق إلا حماية الحماية.
وأما القسم الثالث: فيما يصح أن يقع على الوجهتين جميعًا -أعني على قصد المعاينة وعلى قصد الرفق- كالشركة والإقالة والتولية؛ فإن وقعت بزيادة أو نقصان فهي كالمعاوضة التي يقصد بها المكايسة: فيمنع اتفاقًا.
فإن وقعت بغير زيادة ولا نقصان: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده.
وخرجه الشافعي وأبو حنيفة - رضي الله عنهما - بين الشركة والإقالة
والتولية؛ فجوزا الإقالة قبل القبض؛ لأنها عندهما فسخ بيع، لا بيع، ومنع الشركة والتولية قبل القبض لأنهما بيعه قبل قبضه.
واستثنى مالك التولية والإقالة والشركة من بيع الطعام قبل قبضه؛ للأثر والنظر.
فأما الأثر: فمرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة" 1.
وأما المعنى: فإن هذه الأشياء إنما يراد بها الرفق للمغابنة إذا لم يدخلها لا زيادة ولا نقصان.
فرع: وقد اختلف المذهب فيمن باع ثمر حائطه، واستثنى منه كيلًا هل يجوز له بيعه ذلك قبل قبضه أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة" وكلاهما لابن القاسم:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المستثني هل هو مشتري أو مبقي؛ فمن رأي أنه مشتري قال: لا يجوز البيع حتى يقضي.
ومن رأي أنه مبقي قال: يجوز البيع؛ لأن ذلك العذر باق في ملكه.
فإذا ثبت أن بيع الطعام قبل القبض لا يجوز، فإن نزل ووقع فلا يخلو المبتاع من أن يكون حاضرًا، أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا: فإن الطعام يؤخذ منه، ويفسخ البيع.
فإن غاب المشتري ولم يقدر عليه ليرد الطعام فإنه يؤخذ من البائع فيبتاع
به طعامًا مثله ويقبضه، فإن نقص عن مقدار طعامه فله اتباع الغائب بما نقص، فإن فضل شيء من الثمن أوقف للغائب يأخذه إذا جاء، وإن كان كفافًا برئ بعضهما من بعض.
والحمد لله وحده.
المسألة الخامسة في العينة
وقد فسرها في "المدونة" وهو أن يبيع الرجل السلعة إلى أجل، ثم يبيعها هذا المشتري الآخر من البائع الأول نقدًا بأقل مما اشتراها به.
وسميت عينه لدخول العين فيها بنقد المشتري الأول، ثم باعها بالتأخير.
والعينة على أربعة أسئلة:
أحدها: حرام.
والثاني: مكروه.
والثالث: جائز.
والرابع: مختلف فيه.
فأما السؤال الأول: الذي هو ربا حرام المحرم بالاتفاق، وهو أن يراوض الرجل على ثمن السلعة التي يساومه فيها ليبيعها منه ثم على ثمنه الذي يشتريها منه بعد ذلك نقدًا، أو يراوضه على ربع السلعة التي يشتريها له من غيره، فيقول له: اشترها منه على أن أربحك فيها كذا، أو للعشرة كذا، قال ابن حبيب: فهذا حرام.
قال: وكذلك لو قال له: اشترها وأنا أربحك، وإن لم يسم ثمنها، قال: وذلك كله ربا، ويفسخ، وليس فيه إلا رأس المال.
وأما السؤال الثاني: وهو المكروه؛ مثل أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا، وأنا أربحك فيها، من غير مراوضة ولا تسمية ربح، أو لا يصرح
بذلك ولكن يعرض به.
قال ابن حبيب: فهذا يكره.
قال ابن نافع عن مالك: ولا أبلغ به الفسخ.
وقال فضل بن سلمة وهذا على قول ابن القاسم: والذى يجب أن يفسخ شراء الأمر.
وكذلك كرهوا أن يقول له: لا يحل لي أن أعطيك ثمانين في مائة.
وأما السؤال الثالث: وهو الجائز؛ مثل ألا يتواعد معه على شيء، لا يفاوض مع المشتري فيه، كالرجل يقول للرجل: أعندك سلعة كذا؟ فيقول: لا، فينقلب منه على غير مواعدة فيشتريها التاجر، ثم يبقي صاحبه تلك السلعة: فهذا جائز له أن يبيعها منه بما شاء وبه قال مطرف.
قال ابن حبيب: ما لم يكن عن مواعدة أو تعريض أو عادة، قال: وكذلك ما اشتراه الرجل لنفسه لمن شاركه منه بنقد أو كال من غير أن يواعد في ذلك أحدًا يشتريه عنه ولا يبيعه.
وكذلك الرجل يشتري السلعة لنفسه وحاجته، ثم يبدو له فيبيعها أو يبيع دار سكناه ثم يشق عليه النقلة منها فيشتريها، أو كانت جارية فيبيعها: فهؤلاء ما استقالوا منه أو زادوا فيه فلا بأس به، وقال مطرف عن مالك.
وأما السؤال الرابع: المختلف فيه؛ وهو ما اشتراه المبتاع بثمن بعضه معجل وبعضه مؤجل: فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهر المذهب.
والثاني: التفصيل بين أهل العينة وغيرهم؛ فيجوز لغير أهل العينة، ويكره لأهل العينة، وهذا قول مالك في "العتبية".
وقال ابن حبيب: مثل أن يشتري طعامًا أو غيره على أن ينقد بعض ثمنه ويؤجر بعضه إلى أجل، فكأنه باعه بعشرة نقدًا وعشرة إلى أجل، فقال:
خذ وبع منه بما تريد أن تنقده، وما بقي فهو لك ببقية الثمن إلى أجل فلا يعمل ذلك إلا أهل العينة، قال: وهذا قول مالك، وقد روجع به غير مرة، وقال: أنا قلته، وقاله ربيعة قبلي.
والحمد لله وحده.
المسألة السادسة فيمن ابتاع طعامًا فهلك قبل أن يقبضه، ومن اشترى صبرة طعام فهلكت قبل أن يقبضها
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يشتريها على الكيل.
والثاني: أن يشتريها على الجزاف.
فإن اشتراها على الكيل: فلا يخلو هلاكها من خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون من سبب البائع.
والثاني: أن يكون من سبب الأجنبي.
والثالث: أن يكون من سبب سماوي.
والرابع: أن يكون من سبب المشتري.
والخامس: أن يجهل السبب.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا هلكت بسبب البائع؛ مثل أن يبيعه، أو وهبه، أو كان قد أكله، أو استهلكها بوجه ما: فإنه يلزم البائع أن يأتي بمثل ذلك الطعام ليستوفي منه المشتري حقه إن علم كيله فإن جهل: فإنه يتحرى قدر ذلك فيعرفه، ولا يكون المشتري عليه بالخيار بين أن يلزمه مثل الطعام أو يأخذ ثمنه؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه، وكذلك لا يجوز له الرضا لجواز بيعه إن كان باعه أو يأخذ الثمن لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه لأنه بمنزلة من استهلك طعامًا فإنما عليه مثله.
والاعتراض وارد على هذه المسألة من جهة أن الاعتراض يتعلق بعين الطعام لخصائص صفاته كما تقدم في غير
ما موضع.
فإذا ألزمنا المشتري البيع، ولزمنا البائع الإتيان بمثله ويتناقدان غير ما عليه تعاقدا: فلا خيرة للمشتري، كان ذلك مناقضًا لأهل المذهب، والأصول موضوعة عندنا على أن البيع مهما وقع علي غير معين، ثم تعذر استيفاؤه: فإن البيع بينهما منسوخ، إلا أن يتراضيا على أمر يجوز.
وهذا الاعتراض لازم، وما رأيت لأهل المذهب انفصالًا إلا مراعاة التهمة، فإنهم قالوا: إن البائع يتهم في فسخ البيع عن نفسه، فلذلك أتلف الطعام قبل أن يستوفيه المشتري، فعوقب بنقيض مقصوده، وكلف أن يأتي بطعام مثله لئلا يصل بتعديه إلى ما يريده، وهذا غاية ما ينفصل به، وذلك كما ترى.
والجواب عن الثاني: إذا هلكت بسبب الأجنبي فلا يخلو من وجهين: إما أن يعرف مكيلها، أو جهلت.
فإن جهلت المكيلة: فإنه يجب على المتعدي القيمة يغرمها.
وهل يفسخ البيع، أو يشتري بالقيمة طعامًا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البيع جائز، ويشتري بالقيمة للمشتري طعامًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن البيع مفسوخ بينهما ويغرم المتعدي القيمة للبائع، وليس للمشتري إلا ثمنه، وهو قول أشهب.
فإن عدمت القيمة ببينة، أو بإقرار المتعدي.
لأن إقراره بالعدد مقبول على ما نص عليه في الصبرة في "كتاب
الغضب" -فالمذهب على [ثلاثة أقوال] 1:
أحدها: أن البيع مفسوخ بينهما، وتكون القيمة للبائع ويغرم الثمن للمشتري.
والثالث: أن الخيار للمشتري بين ثلاثة أشياء؛ إن شاء أخذ الملكية التي أقر بها المتعدي، وإن شاء [أخذ] 2 القبمة فيشتري لها بها طعامًا، وإن شاء فسخ البيع عن نفسه.
والقولان لأشهب في "الموَّازية".
وسبب الخلاف: اختلافهم في العروض هل هي مرادة لأعيانها، أو مرادة لأغراضها، وقول ابن القاسم أنها تراد لأغراضها، وهذا أحد أقاويل المذهب، إلا أنه قول شاذ.
وقول أشهب على أصل المذهب: أنها مرادة لأعيانها.
وعقد المذهب أن جميع العروض والحيوان الناطق، والصامت، والطعام -وإن كان اسم العروض يشمل الجميع على اصطلاح الفقهاء- مرادة لأعيانها، إلا خلاف شاذ، وأن الدنانير والدراهم مرادة لأغراضها إلا خلاف شاذ.
فعلى القول بأن البيع صحيح لازم للمشتري، وأن القيمة تؤخذ: فلا يخلو المتعدي من أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان معسرًا ولم يوجد أصلًا: فلا يلزم المشتري الصبر إلى موجوده أو يسره، قولًا واحدًا؛ لما يلحقه من الضرر والتربص، والخيار له في ذلك.
فإن كان موسرًا وعرفت الملكية: فإن المتعدي يغرمها ويكتال المشتري،
فإن جهلت المكيلة: فإنه يغرم قيمتها على التحري.
واختلفت فيمن تولى الشراء بها على قولين قائمين من "المدونة"، على اختلاف الروايات في الضبط:
أحدهما: أن كلفة الشراء على المتعدي، وينقل ذلك الطعام إلى موضع تعدي عليه، ثم يكيله البائع للمشتري، وهو اختيار بعض المتأخرين.
والظالم أحق أن يحمل عليه، وهو قوله في "الكتاب"؛ حيث قال في أول المسألة: يشتري بالقيمة طعامًا للبائع.
وكذلك جاء في اللفظ الآخر عند تكرار المسألة حيث قال: فلما لم يعرف كيلها، وأخذ مكان الطعام القيمة اشترى له طعامًا بتلك القيمة.
والثاني: أن كلفة الشراء على البائع، ولا يلزم المتعدي أكثر من غرم القيمة، وهو اختيار ابن أبي زمنين؛ لأنه قال: لم يبين لنا في المسألة من الذي يتولى شراء الطعام.
ولفظ الكتاب يدل على أنه هو البائع، وأراده أشار إلى قوله في بعض النسخ: وأري أن يشتري بالقيمة طعام على ما لم يسم فاعله، وعلى هذا اللفظ احتقرها أبو محمَّد.
وعلى القول بأنه يشتري بالقيمة طعام، وكان البائع المتعدي هو المتولي للشراء: فلا يخلو من أن يشتري بجميع القيمة مثل الطعام أو أقل، أو يشتري ببعض القيمة جميع الطعام.
فإن اشترى بجميع القيمة مثل الطعام، أو أنقص بيسير مما لو استحق لم يلزم المشتري فيه رد البقية: لزمه ذلك، ويرجع على البائع بما ينوب النقص من الثمن.
وإن كان النقص كثيرًا؛ مثل ما لو استحق من الجملة لكان للمشتري أن
يرد الباقي كالثلث أو النصف: كان له أن يرد الطعام إن شاء، ويرجع على البائع بالثمن لانتقاص أكثر صفقته.
فإن اشترى ببعض القيمة جميع الطعام، أو فضلت منها: كانت تلك الفضلة للبائع؛ لأن المشتري ليست له إلا الملكية التي اشتراها.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان التلف بسبب سماوي: فإن البيع بينهما مفسوخ إذا ثبت ذلك، قال في "الكتاب": ولا يجوز للمشتري أن يكلف البائع الإتيان بمثل ذلك الطعام ولا يلزم المشتري؛ فقوله: إن أتاه البائع إلا أن يشاء، ويكون ذلك بيعًا مبتدءًا يفتقر إلى تراض منهما وتشاور، ولا خلاف في ذلك -أعلمه- في المذهب.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان التلف من المشتري: كان ذلك قبضًا، وعليه أن يغرم قيمتها إن عرفت المكيلة، وإن لم تعرف المكيلة: بالقدر الذي يقال إنه كان فيها، فإن قيل: ففي غرم قيمتها.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا جهل: فلا يخلو من أن يعلم الهلال ويجهل السبب، أو يجهلا جميعًا.
فإن علم الهلاك وجهل السبب: فالبيع بينهما مفسوخ، وينبغي ألا يخالف في هذا الوجه.
فإن جهل الهلاك والسبب معًا, ولم يعلم ذلك إلا من قول البائع، فهل يصدق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يصدق وعليه أن يوفي الكيل الذي باع، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن القول قوله، ويحلف أنه هلك ولم يكتمه، ويفسخ البيع،
وهو ظاهر قوله في "كتاب السلم الأول" من "المدونة" إذا اختلفا قبل القبض؛ حيث قال: القول قول البائع ويحلف.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا اشتراها على الجزاف: فإن الضمان فيها من المشتري بالعقد، ومن تعدى عليها فعليه قيمتها -كن بائعًا أو أجنبيًا.
والحمد لله وحده.
المسألة السابعة إذا تبايعا على أن يتقابضا الثمن أو المثمون ببلد آخر
فأما التناقد في الثمن؛ مثل أن يبيع له سلعة بثمن إلى أجل على أن يوفيه الثمن بلد آخر: فلا يخلو الثمن من أن يكون عينًا، أو عرضًا.
فإن كان الثمن عينًا: فله إذا حلَّ الأجل أن يأخذه بالثمن حيث ما لقيه من البلاد؛ إذ لا فائدة لاختلاف البلدان.
فإن طلب المشتري بدفع الثمن: جبر على الدفع، قولًا واحدًا إذا كان الثمن في الذمة.
فإن كان معينًا في بلد: فيتخرج على قولين في النقود هل تتعين عند العقود أم لا.
فإن طلب البائع بالقبض هل يجبر عليه أم لا؟ فلا يخلو الطريق من أن يكون آمنًا، أو مخوفًا.
فإن كان الطريق آمنًا: فإنه يجبر على القبض إذا حلَّ الأجل في أي بلد كان؛ إذ لا فائدة لتعيينه البلد للقبض.
فإن كان الطريق مخوفًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجبر على القبض كما لو كان الطريق آمنًا، وهو ظاهر "المدونة" في الذي أسلف دنانير على أن يقبضها ببلد آخر.
والثاني: أنه لا يجبر على القبض وله شرطه؛ لأنه اشترط شرطًا يفيد، فيوفي له به لأنه قصد صيانة ما له في ذمة المشتري من خطر الطريق وغرره، مع ما في ذلك من صيانة المال.