مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 299-314
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة الأول

صفحات 299-314
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وجده مراعاة لرواية ابن نافع الذي يقول: هو لمن وجده على كل حال.
وأما الوجه الثالث: إذا وجده في أرض الصلح: فإنه يكَون لأهل الصلح دون من وجده على الخلاف الذي قدمناه لابن نافع في أرض العنوة.
فإن وجده في دار أحدهم: فلا يخلو [واجده] 1 من أن يكون [هو رب الدار أو غيره.
فإن كان هو رب الدار، فإنه يفوز به، وإن كان غير رب الدار فلا يخلو واجده من أن يكون] 2 من أهل أرض الصلح، أو من غيرهم.
فإن كان من غيرهم: فهو لأهل الصلح على المشهور، ولا خمس عليهم فيه.
فإن كان الذي وجده من أهل الصلح: فلا يخلو من أن يكون هو رب الدار، أو غيره.
فان كان هو رب الدار: فإنه يكون له.
فإن كان غير رب الدار: فالرواية أنه لا يكون لأهل الصلح، ولا يختص به من وجده إذا وجده غيره، وهذا كلام متناقض، والذي يقتضيه قوله في المدونة أن ما في داخل الأرض بمنزلة ما في خارجها أن يكون الذي له الدار يوم الصلح لا يشاركه فيه من صالح معه، وهو قوله في كتاب محمَّد أنه لرب الدار، ولم يفصل.
وسبب الخلاف: من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ وعلى هذا اختلفوا فيمن باع [أرضًا] 3 فوجد فيها المشتري كنزًا أو

أعمدة أو ألوية، هل تكون للبائع أو للمشتري؟ فابن القاسم يقول: إنها للمشتري.
ومالك يقول: إنها للبائع.
وفي المدونة ما يدل على القولين جميعًا، وقد نبهنا عليه قبل هذا.
وكذلك اختلفوا أيضًا فيمن استأجر أجيرًا يحفر له في داره.
ثم وجد كنزًا: فمالك يقول: إنه لصاحب الدار، وابن نافع يقول: إنه للحافر، وهذا كله مبني على هذا الأصل.
واختلف قول مالك في الركاز إذا كان ليس بعين كالجوهر، والنحاس، والرصاص، وسائر العروض؛ فمرة يقول: فيه الخمس، ومرة يقول: لا خمس فيه، وبالقول بوجوب الخمس أخذ ابن القاسم.
وسبب الخلاف: عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "في الركاز الخمس" 1 هل هو عموم أريد به العموم، أو هو عموم أريد به الخصوص [والحمد لله وحده] 2.

المسألة التاسعة عشر في الأصناف الذين تصرف إليهم الزكاة

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ 1. فهذه ثمانية أصناف يجوز وضع الصدقات فيها، ولا يجوز وضعها في غيرهم؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) 2، فأتى بلفظة الحصر، وهذا يقتضي نفي إعطاء الزكاة لغيرهم.
فأما الفقراء والمساكين: فاختلف العلماء [فيهم] 3؛ فقال مالك: [إن المسكين أحوج من الفقير] 4 لأن الفقير من له البلغة من العيش لا تقوم به.
[والمسكين] 5: الذي لا شيء له.
ولمالك في "العتبية" أيضًا من رواية ابن وهب أن الفقير: الذي يتعفف عن المسألة مع حاجته، والمسكين: الذي يسأل على الأبواب والطرقات فخرج من ذلك أن المسكين أحوج من الفقير، وأنهما اسمان متغايران، ومنه قول الشاعر 6: أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال [فلم] 7 يترك له سبد

والدليل أيضًا لقول مالك في "العتبية": أن الفقير المتعفف الذي لا يسأل؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 1. معناه: أنه لا يفطن لهم، فيتصدق عليهم.
إلا أن بعض العلماء قال: ليس في هذه الآية دليل على نفي السؤال [جملة لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 2 مفهومه أنه يسأل سؤالًا دون الإلحاح، والإلحاح: المبالغة في السؤال.
وذهب الشافعي إلى أن الفقير أحوج من المسكين، وربما استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ 3؛ سماهم مساكين، ولهم سفينة، وقد قرئت: "لمسَّاكين" بالتشديد للسين 4، وهم [ملاحو السفينة] 5. وعلى القراءة المشهورة يمكن أن يتأول إطلاق المسكنة عليهم لعدم القدرة، لا لعدم المال؛ لأنهم لا يقدرون أن يخلصوا أنفسهم من الملك الذي أمامهم، وما أمنوا من أخذ سفينتهم غصبًا، فسماهم مساكين مجازًا واتساعًا.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن الفقير أحوج من المسكين.
والثاني: أن المسكين أحوج.

والثالث: أن الفقر والمسكنة عبارتان عن معنى واحد.
والصحيح من ذلك ما اختاره مالك من أن المسكين أحوج من الفقير؛ لأن كل واحد منهما مأخوذ من اسمه، ومشتق من رسمه؛ والفقير مأخوذ من كسر الفقار، وهو سنمة الظهر.
والذي يسكن ولا يتحرك أشد ضعفًا من المكسور؛ لأن المكسور يتحرك.
واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ 1، هل هو على عمومه، أو على عموم مخصوص، والمشهور من مذاهب العلماء: أنه مخصوص بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحل الصدقة لآل محمَّد، إنما هي أوساخ الناس" 2. بيد أن أرباب المذهب عندنا اختلفوا في فقراء آل محمَّد، هل تحل لهم الصدقة أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أن [الصدقات] 3 كلها -فرضها وتطوعها- محرمة عليهم.
وهذا القول رواه ابن حبيب في شرح الموطأ عن مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ.
والثاني: أن الصدقات كلها -فرضها ونفلها- حلال لهم، وهذا القول حكاه الشيخ [القاضي أبو الحسن بن القصار] 4 عن أبي بكر الأبهري.
والثالث: أنها تحل لهم صدقات التطوع، ولا تحل لهم صدقات

الفرض.
والرابع: أنها تحل لهم صدقات الفرض، ولا تحل لهم صدقات التطوع؛ لأن المنة تقع فيها.
والقولان الآخران حكاهما القاضي أبو الحسن بن القصار عن المذهب.
وسبب الخلاف: ما قدمناه.
واختلف في ذوي القربى الذين لا تحل لهم الصدقة على ثلاثة أقوال، كلها مذهبية: أحدها: أنهم بنو هاشم، وهو مذهب ابن القاسم، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه استثنى [بنى] 1 أبي لهب.
والثاني: هم عشيرته الأقربون الذين ناداهم حين أُمر، وهم: آل عبد المطلب [وآل هاشم] 2، وآل عبد مناف، وآل قصي، وبنو غالب، وهو قول أصبغ.
والثالث: أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
والأظهر: قول ابن القاسم؛ لأن الآل إذا وقع على الأقارب، فإنما يتناول الآدنين.
واختلف في الموالي، هل يدخلون في النهي أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الموالي لا يدخلون [في النهي] 3، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يدخلون فيهم، وهو قول مطرف، وابن الماجشون،

وابن نافع، وأصبغ؛ على ما حكاه عنهم ابن حبيب في "واضحته".
وسبب الخلاف: اختلافهم في معنى قوله عليه السلام: "موالى القوم منهم" 1. فمن حمله على ظاهره قال: إن الصدقات لا تحل للموالي.
ومن حمل ذلك على البر والإكرام والحرمة قال: تحل لهم؛ كقوله عليه السلام [: "أنت ومالك لأبيك"، يريد به] 2 في البِّر والإكرام والطاعة، لا في القضاء واللزوم.
فإذا ثبت ذلك، فالقدر الذي يعطي للفقير من الزكاة يختلف باختلاف أحواله وصفاته؛ فإن كان فقيرًا متعففًا عن السؤال، مشتهرًا بحال ذوي العيال والأهل: فإنه يؤثره على غيره من غير إشكال.
واختلف هل يعطي له [من الزكاة نصابًا أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يعطى نصابًا.
والثاني: أنه يعطى على قدر حاله] 3. وإن كان أكثر من النصاب [وهو أبين] 4. وهذا الخلاف مبني على الخلاف فيمن له نصاب من المال، ووجبت عليه [فيه] 5 الزكاة، هل يعطى من الزكاة أم لا؟

وحكى ابن المواز عن مالك أنه يعطى من الزكاة من له أربعون دينارًا إذا كان كثير العيال.
وروى المغيرة عن مالك أن من له دار يفصل في ثمنها عشرون دينارًا أنه لا يعطى من الزكاة.
وسبب الخلاف: هل المعتبر النصاب، أو كثرة العيال، وما عرفت لقول من قال لا يبلغ له في العلماء نصابًا وجهًا، ويؤثر الضعيف في بدنه على الصحيح في جسمه.
وما روى عنه - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحل صدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" 1 ليس على ظاهره.
ويقدم الفقير المصلي على غير المصلي [ويؤثر عليه] 2، وقد قال المغيرة: يؤثر الفقير لحسن حاله، ولا يُحرم لسوء حاله.
ولم يجز ابن حبيب أن يعطى لتارك الصلاة؛ وقال: إن ذلك لا يجزئ من فَعله، وهذا القول انفرد به، وحكاه عنه أبو محمَّد عبد الله ابن أبي زيد في "النوادر" 3: ولا يعطى منها لعبد ولا لذمي، وإن كانا فقيرين [فمن] 4 أعطاهما غامدًا: [فلا خلاف أنها لا تجزئه] 5.

وإن أخرج زكاته ثم تبين له أن الذي أخذها منه غني أو [عبد] 1، أو ذمي: فلا يخلو من أن تكون قائمة بأيديهم أو استهلكوها.
فإن كانت قائمة بأيديهم: فلا خلاف أنه يستردها [منهم] 2 ويصرفها إلى مستحقيها.
فإن استهلكوها: فإن كانوا مياسير: ضمنوها، وإن كانوا معاسير، فهل يجزئ المزكي أو يعيد؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: الجواز.
والثاني: المنع [والقولان لابن القاسم.
والمنع في المدونة وله الإجزاء في الأسدية على ما نقله الباجي في المنتقى] 3. وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟ والفقراء في أخذ الزكاة على وجهين: أجانب للمزكي، وأقارب.
فأما الأجانب: فلا خلاف في جواز دفع الزكاة إليهم، وأما الأقارب: فعلى ضربين: ضرب يلزم المزكى [الإنفاق عليهم] 4، وضرب لا يلزمه ذلك عليهم.
وأما من يلزم [رب المال] 5 الإنفاق عليهم في أصل الشرع، فلا

[يجوز] 1 دفع الزكاة إليهم بالاتفاق؛ لأنهم أغنياء بما يستحقونه من النفقة عليهم.
وأما من لا يلزمه الإنفاق عليهم: فلا يخلو من أن يكونوا في عياله أم لا.
فإن كانوا في عياله: فلا ينبغي له أن يفعل، فإن فعل فقد أساء، ثم لا يخلو من أن يكون قد قطع بذلك الإنفاق [عن نفسه أم لا: فإن قطع ذلك الإنفاق] 2 عن نفسه فلا يجزئه.
ووجهه: أنه قد انتفع بزكاة ماله حين قطع بها ما التزم من الإنفاق عليهم [والقيام بهم] 3. فإن لم يقطع بذلك الإنفاق [عليهم] 4: فلا يضمنها، وروى ذلك مطرف عن مالك، وقال ابن حبيب، فإن لم يكونوا في عياله: فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون هو الذي يتولى [الصرف] 5 إليهم أو غيره.
فإن تولى الدفع إليهم غيره: فلا خلاف في الجواز.
وإن كان هو الذي تولى الدفع إليهم: فعن مالك قولان: أحدهما: الجواز مع الكراهة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة".

والثاني: الجواز من غير كراهة، وهي رواية مطرف عنه [وذكر] 1 أن مالكًا كان يعطي قرابته صدقة ماله.
ووجه قول ابن القاسم: أنه يقصد بذلك المحمدة والثناء، وصرف مذمتهم عنه.
ووجه قول مطرف: أن إخراج الزكاة مبني على صرفها إلى من يختص لمن يخرجها ما لم تلزمه نفقته، ولذلك اختصت بأهل البلد.
وأما العاملون عليها؛ وهم جباتها، ولا يجوز أن يستعمل عليها عبد أو ذمي؛ لأن الجابي حاكم بين الفقراء والأغنياء، والعبد والذمي لا يجوز حكمهما، ولا ينفذ أمرهما.
ويجوز استعمال الغنى عليها، وأجرته على قدر عنائه في قرب البلاد وبعدها، وكثرة الزكاة وقلتها, وليس لذلك حد معلوم.
وأما المؤلفة قلوبهم: فقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المؤلفة قلوبهم [قوم] 2 من أعيان المشركين ورؤسائهم، أسلموا فيرشوا ليجلبوا غيرهم إلى الإِسلام، وهذا القول [أمثل] 3 الأقوال، كأبي سفيان وغيره.
والثاني: أن المؤلفة قلوبهم قوم ضعفاء دخلوا في الإِسلام، فيرشوا ليثبتوا في الإِسلام [وليتمكن في] 4 قلوبهم.
والثالث: أن المؤلفة قلوبهم [قوم] 5 من الكفار يعطون ليدخلوا في

الإِسلام.
واختلف المذهب عندنا في سهمهم؛ هل هو باق ويُرد إليهم إن احتيج إليهم، أو هو ساقط إلى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قد [أغنانا بالمسلمين عنهم] 1 وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ 2. في "المدونة" 3 عن مالك: عبيد يشتريهم الإِمام من الزكاة فيعتقهم، ويكون ولاؤهم لجميع المسلمين.
واختلف هل يُفَك بها مكاتب ليحصل له العتق أم لا على قولين: أحدهما: المنع، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 4، وقال أصبغ في غير "المدونة" 5: فإن فعل فليعد أحب إليَّ.
واختلف إذا اشترى عبدًا من زكاة ماله، فيعتقه عن نفسه على قولين: أحدهما: أنه لا يجزئه، وعليه أن يخرجها ثانية، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تجزئه، وولاؤه للمسلمين كمن أمر أن يعتق عنه عبده، أو يذبح عنه أضحيته، ففعل ذلك عن نفسه، وهو قول أشهب.
وكذلك اختلفوا في الأسير، هل يفدى من الزكاة أم لا، على قولين: أحدهما: أنه لا يفدى من الزكاة، وأنه إن فعل أعاد وهو قول أصبغ.
والثانى: أنه يجزئه؛ لأنها رقبة قد ملكت بملك الرق، وهي تخرج

رق إلى عتق؛ بل ذلك أحق وأولى من فك الرقاب التي بأيدينا وأما الغارمون، فقد قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الغارمون: الذين لا يجدون لهم وفاءً لديونهم، ويكون لهم أموال بإزاء ديونهم، فيعطوا من الزكاة ما يقضون به ديونهم، وفي قوله نظر؛ لأنه قد يكون دينهم مائة دينار، وفي أيديهم مائة، فليس يقضى دينه.
إن بقى في يده مائة دينار، والغارم يعطى من الزكاة بأربعة شروط: ألا يكون عنده ما يقضي من دينه.
وأن يكون الدين لآدمي، وأن يكون فيما يحبس فيه، وألا تكون تلك المداينة في فساد.
فقولنا: أن يكون الدين للآدمي احترازًا مما هو لله، مثل كفارة الظهار وقتل النفس.
فالذي لا يعطى منها؛ لأن ذمته غير عامرة بشيء يتخذ على اليقين.
وقولنا: أن يكون الدين مما يحبس فيه احترازًا من نفقة الوالدين على الاتفاق أو الولد على الخلاف؛ لأن نفقة الوالدين لا يحبس فيها حتى يستبرؤوا أمره إذا ادعى العسرة، وإنما تجب مع اليسر الظاهر.
وقد اختلف المذهب عندنا فيمن فرط فيها فلم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله، فهل يعطى من الزكاة ما يؤدي به ما عليه من الزكاة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يعطي منها لأنه ممن يأخذه السلطان، ويحكم بها عليه ثم يردها إلى مواضع الزكاة، وقد برئت ذمته.
والثاني: أنه لا يعطى ولا يقضى من الزكاة دين زكاة؛ لأن هذه غصب، والمغصوب لا يقضى من الزكاة.
وهذا مخالف لمسألة كفارة الظهار، وقتل النفس؛ لأن الذمة هاهنا عمرت بشيء بعينه فأشبهت ديون المعاملة من وجه.

واختلف أيضًا في دين الميت، هل يقضى منها أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يقضى منها، وهو قول محمَّد بن المواز.
والثاني: أنه يقضى منها، وهو قول ابن حبيب.
وقولنا: ألا تكون تلك المداينة في فساد، قد اختلفوا في مداينة الفساد، هل تقضي من الزكاة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يقضي منها، لأن ذلك إعانة له على الفساد.
والثاني: أنه يعطى منها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وذلك إذا حسنت حالته؛ لأنه دين يلزم ذمته، وهو من جملة الغارمين، وهو دين يحاص به غرماؤه؛ إذ لا تخلو الجناية من أن تكون عمدًا أو خطأ، فإن كانت الجناية خطأ، وهي دون الثلث قضى عنه، وإن كانت أكثر من الثلث لم يعطى؛ لأن العاقلة تحملها عنه، وإن كانت الجناية عمدًا بنيت على الخلاف الذي قدمناه إذا كانت المداينة في فساد؛ لأن ذلك داعية إلى العودة إلا أن تعلم منه توبة وخير.
فإن كان ذلك رزق لزوجته، فلا يخلو من أن يكون عن مدة مضت أو لا تستقبل.
فإن كانت عن مدة قد مضت، فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، فهو من الغارمين.
وإن كان معسرًا لم يكن منهم؛ لأن النفقة ساقطة عنه في حال عسره، وإن كانت لما تستقبل فليس من الغارمين لأن ذمته غير عامرة بشيء، والحميل إذا كان المحتمل عنه معسرًا أُعطى قولًا واحدًا.
وإن كان موسرًا والحميل معسر، فهل يعطى من الزكاة ما يقضي به عن نفسه حمالته أم لا؟ قولان:

وينبني الخلاف على الخلاف في الطلب، هل هو على التخيير أو على الترتيب؟ فعلى القول بالتخيير يعطى، وعلى القول بالترتيب لا يعطى] 1. وفي سبيل الله: قال مالك: سبل الله كثيرة، وأرى أن يصرف في الغزو.
ولا خلاف في المغازي إذا لم يكن معه ما يكفيه أنه [يجوز له] 2 أن يأخذ من الزكاة، وإن كان غنيًا في بلده.
واختلف فيما إذا كان معه ما يكفيه، هل يجوز له أخذها أم لا، على قولين: أحدهما: أنه لا [يجوز] 3، وهو قول عيسى بن دينار 4. والثاني: أنه [يجوز له] 5 أن يأخذ منها، وهو قول أصبغ 6. وسبب الخلاف: اعتبار الحال، والمآل.
وابن السبيل: هو العابر الطريق: فلا خلاف أيضًا أنه يعطى من الزكاة إذا لم يكن معه ما يكفيه.
واختلف إذا كان معه ما يكفيه على قولين: أحدهما: أنه يعطى، وإن كان معه ما يكفيه، وهو [غني ببلده] 7

وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يعطى من الزكاة إذا كان معه ما يكفيه، وهي رواية [ابن نافع] 1 عن مالك أيضًا، وبه قال أصبغ.
ووجه القول الأول: قوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ 2، ولم يفرق، وهو أعلم، ومن جهة القياس أن هذا صنف يجوز صرف الزكاة إليه بمعنى سفره في أي وجه صرفها إليه، وإن كان معه ما يكفيه كالغازي.
ووجه القول الثاني: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم -[أنه قال] 3: "لا تحل صدقة لغني [ولا لذي مرة سوى] 4 " 5 فلم يذكر المسافر.
ولا فرق بين أن يكون هذا المسافر الذي هو ابن السبيل مبتدئًا لسفره، أو مستديمًا.
ومعنى المستديم: هو الذي في أثناء سفره.
ومعنى المبتدئ: هو الغريب يكون بالبلد له فيه مدة ثم يريد الرجوع إلى وطنه.
وكلاهما سواء في جواز دفع الزكاة إليهما عند مالك رضي الله عنه [تم بحمد الله وحسن عونه، والحمد لله وحده] 6.

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل