كتاب الزكاة الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها تسع عشرة مسألة.
المسألة الأولى في اشتقاق الزكاة
وهو تطهير النفس من داء البخل، وشكر لمالك الكل.
وأصل الزكاة: النماء والزيادة؛ يقال: زكى الشيء يزكو إذا نما بذاته وكثر كالزرع، والمال ونحوه أو لحاله، وفضائله، وكالإنسان في صلاحه وفضله، فسميت صدقة المال زكاة بذلك، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تبارك في المال الذي أخرجت منه وتنميه؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما نقص مال من صدقة" 1.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تزكو عند الله [وتنمو] 2 وتضاعف لصاحبها؛ كما جاء في الحديث: "حتى تكون أكبر من الجبل" 3.
وقيل: لأن صاحبها يزكو بأدائها، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ 4.
وقيل: إنها تطهر المال وتطيبه، وقد سماها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوساخ الناس" 1، ولو بقيت في المال، ولم تخرج عنه أفسدته وأخبثته.
وقيل: الزكاة: التطهير؛ وعليه فسر بعضهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ 2، قيل: تطهر من الشرك، وهذا راجع إلى ما تقدم.
وقيل: الزكاة: الطاعة والإخلاص، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ 3، لا يشهدون أن لا إله إلا الله، قال البخاري: لأن مُخْرِجُها لا يُخرِجُها إلا من إخلاصه وصحة إيمانه؛ لما جبلت عليه النفوس من حب المال.
ولهذا لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - منعت أكثر العرب زكاتها، وتميز بأدائها الخبيث من الطيب؛ ولهذا قال عليه السلام: "الصدقة برهان" 4 أي: دليل على صحة إيمان، وقيل: بذلك سميت صدقة من الصدق، أي: هي دليل على صدق إيمانه، ومساواة باطنه وظاهره.
وقيل: إنها سميت بذلك؛ لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرضة للنماء والزيادة؛ كأموال التجارة والأنعام، والحرث، والثمار، وسماها الشرع أيضًا صدقة، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ 5، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية 6؛ وذلك لأن صاحبها مصدق بإخراجها أمر الله تعالى بذلك، ودليل على صدق إيمانه كما تقدم.
وسماها أيضًا: حقًا، فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 1. وسماها أيضًا: نفقة، لقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 2. وسماها أيضًا: عفوًا، لقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ 3، على اختلاف بين المفسرين في هذه الكلمات [والحمد لله وحده] 4.
المسألة الثانية في معرفة نصاب الذهب و [الفضة]
1
والنصاب: مأخوذ من النُّصُب، وهو العلم، أي: نُصِّبَ لوجوب الزكاة فيه.
ومنه النصب: وهي الحجارة نصبت وجعلت علمًا للعبادة.
وقيل: مأخوذ من الارتفاع، ومنه: نصائب الحوض، واحدها: نصيبة [وهي حجارة نصبت] 2 أي: ترتفع حول الحوض، وكأن النصاب ما ارتفع من المال عن [حد] 3 [القلة] 4.
وهي مأخوذة من النصاب، وهو الأصل، ومنه: نصاب الرجل ومنصبه، أي: أصله.
فالمراد به على هذا الأصل [الموضوع] 5؛ لأن الزكاة تخرج منه.
والأصل في نصاب الورق في الزكاة قوله عليه السلام: "ليست فيما دون خمس أواق زكاة" 6.
كذا روى: أواق، مثل جوار، وغواش.
وذهب الخطابي في "شرح السفن" إلى تخطئة هذه الرواية, وقيل: صوابه: أواقي؛ مثل أضاحي، وأناس فجمع على لفظة واحدة.
والأوقية: أربعون درهمًا، مضمومة الألف مشددة الياء، وهكذا سمعناه ووجدناه في الكتب الصحاح على مثل ما رويناه.
ووزن كل درهم من دراهم الكيل [المذكورة] 1: خمسون حبَّة [وخمسا حبَّة] 2 من وسط الشعير، فنصاب الزكاة من دراهم الكيل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مائتا درهم.
واختلف في دراهم زماننا هذا على كم يزكي منها؟
فذهب [ابن حبيب] 3 إلى أنه يزكي على مائتي درهم في أي زمان كان، وفي أي سكة كانت؛ اعتبارًا بالعدد الشرعي.
والذي قاله بعيد جدًا؛ لأن الشرع لم يعتبر مما هو عدد، وإنما اعتبر الوزن، فاتفق أن ذلك [الوزن يوفى مائتي درهم عددًا، وإن قلنا باعتبار العدد الذي هو تبع، ويلغي الوزن الذي هو متبوع وذلك] 4 عكس الشريعة.
وذهب ابن رشد وغيره من المتأخرين إلى أن الزكاة في السكة التي كانت في غيرهم ثلاثمائة درهم وستين درهمًا؛ بناء على أن قدر الوزن للدرهم الجاري عندهم في زمانهم من درهم الشرعي: درهمان إلا خمس.
ولا أدري هل السكة الجارية بين أيدينا اليوم على وزن سكة الأندلس وغيرهم يومئذ فيزكى اليوم على ثلاثمائة درهم وستين درهمًا، أو مخالفة له؟ لأن الذي جربناه اليوم من وزن درهمنا هذا اليوم [أن وزنه خمس وعشرون حبَّة من شعير وسط وهو النصف من وزن الدرهم الشرعي على
سواء، فيجري من ذلك أن الزكاة في أربعمائة درهم من دراهمنا اليوم] 1 بالمغرب، والله أعلم.
فإذا [كان] 2 عنده نصاب في العدد ناقص في الوزن أو مخلوط بنحاس، فلا يخلو نقصانه [في الوزن] 3 من وجهين:
أحدهما: أن يجوز مع ذلك بجواز الموازنة عددًا.
والثاني: ألا يجوز بجواز الموازنة.
[فإن جازت في العدد بجواز الموازنة] 4: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تجب فيها الزكاة [وهي رواية حكاها الأبهري عن مالك وهو قول ابن لبابة رضي الله عنه.
والثاني: أنها تجب فيها الزكاة جملة] 5 وهو قول مالك في الموطأ وفي كتاب محمَّد.
والثالث: التفصيل بين النقصان اليسير والكثير.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
فإن كانت لا تجوز بجواز الموازنة: فلا تخلو أيضًا من وجهين:
أحدهما: أن يكون نقصانًا تتفق عليه الموازين.
[والثاني: أن يكون نقصانًا تختلف فيه الموازين، فإن كان نقصانًا تتفق عليه الموازين] 6 فلا زكاة عليه اتفاقا.
فإن كانت ناقصة نقصانًا تختلف فيه الموازين:
فالمذهب على القولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: نفيه.
وسبب الخلاف: هل المعتبر الوزن مع الجريان، أو المعتبر الجريان، ويكون العدد يقوم مقام الوزن؟
فمن رأى أن المعتبر الوزن مع الجريان، قال: لا زكاة عليه إذا كانت ناقصة في وزنها وإن جرت في الأسواق مجرى الوازنة؛ لأن النصاب غير حاصل، والمساواة غير معينة على المالك.
ومن رأى أن المعتبر بالجريان، وأن العدد يقوم مقام الوزن: قال بوجوب الزكاة؛ لأن المنفعة المقصودة في النقدين حاصلة [ومواساة] 1 الفقراء عليه متعينة.
ولا خلاف في نقصان العدد أن الزكاة لا تجب.
وإن كانت الدراهم مخلوطة بالنحاس أو غيره:
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتحرى ما فيها من الفضة، فيزكيها إن كانت نصابًا، أو كان عنده ما إن أضافه [إليه] 2 وجبت الزكاة إن كان أقل من نصاب، وهو الأصح.
والثاني: أن الأقل تبع للأكثر؛ إن كان النحاس أقل، والفضة أكثر:
زكى، وإن كان النحاس أكثر، والفضة أقل: فلا زكاة.
وأما الذهب: فحكمه حكم الفضة في جميع ما ذكرناه إلا في النصاب؛ فإن نصاب الذهب عند مالك 1: عشرون دينارًا وازنة، والدينار: الدرهم وثلاثة أسباع الدرهم، وهو سبع العشرة، والعشرة دراهم: سبعة دنانير، ولا خلاف في ذلك.
فإذا كان عنده عشرون دينارًا على هذا الوزن: فإن الزكاة واجبة عليه بحلول الحول اعتبارًا بمائتي درهم؛ لأن كل دينار بعشرة دراهم؛ سنة ماضية بمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -[وقد روى] 2 الحسن بن عمارة من حديث علي رضي الله عنه أنه [- صلى الله عليه وسلم -] 3 قال: "هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارًا نصف دينار" 4.
وهذا انفرد به الحسن بن عمارة، ولم يثبت صحته عند العلماء؛ ولذلك اعتمد مالك رحمه الله على العمل، وقال في "الموطأ" 5: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا، كما تجب في مائتي درهم، ثم ما زاد على نصاب الذهب والورق فبحساب ذلك.
واختلف مالك والشافعي رضي الله عنهما في ضم الذهب إلى الورق
في الزكاة إذا كمل من مجموعهما نصاب، هل تجب الزكاة أم لا؟
فذهب مالك إلى أنهما يضمان، وأنه إذا كان عنده مائة درهم وعشرة دنانير: فإنه يزكي، ويخرج من كل واحد منهما ربع عشره 1.
وذهب الشافعي 2 إلى أنه لا يضم واحد منهما إلى الآخر.
وسبب الخلاف: هل يختلف الحكم باختلاف الأسماء؟
ثم لا يجوز الضم؛ لأن حكم الذهب غير حكم الفضة، كما أن الاسم غير الاسم، أو الحكم يتحد باتحاد المنفعة فيجوز الضم؛ لأن منفعة الدنانير والدراهم واحدة وأنهما أصول الأثمان وقيم للمتلفات، وهي عمدة مالك رحمه الله في هذا الباب، وفي قاعدة الربا.
فإذا قلنا بجواز الجمع والضم، فهل يجوز إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" 3:
أحدها: أنه يجوز إخراج الذهب عن الورق، والورق عن الذهب، وهو ظاهر قوله في باب إخراج [القسيم] 4 في الزكاة في آخر "كتاب الزكاة" من "المدونة" وهو قول منصوص في المذهب، وقد نص التونسي [على إخراج الذهب] 5 عن الورق في الزكاة.
والثاني: أنه لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة، وهو ظاهر المدونة؛ لاكن ذلك من باب شراء المرء صدقته.
والثالث: أنه يجوز إخراج الورق عن الذهب، ولا يجوز إخراج الذهب عن الورق، وهو نص المذهب، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في أول "كتاب الزكاة الأول".
فوجه قول من جوز إخراج أحدهما عن الآخر: أنهما عينان منفعتهما واحدة، ويجوز ضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، فيجوز أن يخرج أحدهما عن الآخر.
ووجه القول الثاني: أنه لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر: أن ذلك من باب شراء المرء صدقة ماله، والسنة أن تخرج صدقة كل مال منه.
ووجه القول الثالث؛ حيث جوز إخراج الورق عن الذهب، ولم يجوز إخراج الذهب عن الورق: أنه إن أخرج الذهب عن الورق كان أضر بالمساكين في كلفة الصرف، وربما صرفوه بأقل مما أخرجه فيه، فيؤول ذلك إلى أن يخرج أقل مما وجب عليه.
بخلاف إذا أخرج الورق عن الذهب: فإن ذلك رفق بالمساكين؛ لأنه كفاهم مؤونة الصرف.
وهذا القول أظهر في النظر، والله أعلم.
وعلى القول بأنه يجوز إخراج أحدهما عن الآخر، أو إخراج الذهب عن الورق، فهل الاعتبار بالقيمة، أو صرفه في الزكاة؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إن أخرج الذهب عن الورق أخرج قيمة ما وجب عليه من الدراهم بصرف اليوم، وإن أخرج الورق عن الذهب: أخرج قيمة ذلك من الدراهم بصرف اليوم بالغة ما بلغت، وهو مذهب الكتاب.
ووجهه: أن المساكين شاركوه بذلك الجزء، فإن اختار شراءه اشتراه
بسعر اليوم، كان أقل من صرف الزكاة أو أكثر.
والثاني: أنه يخرج ذلك على صرف الدينار في الزكاة من غير اعتبار بصرف الواقع، [وضع] 1 عنه أو ارتفع.
ووجهه: أن الدينار مساويًا لعشرة دراهم في الزكاة، فإذا وجب عليه نصف دينار ذهب، فأخرج عنه خمسة دراهم، أو وجبت عليه خمسة دراهم، فأخرج عنها نصف دينار ذهب: فقد فعل ما يجب، وَوَصَّل إلى المساكين ما وجب لهم عليه، ولا مظلمة.
والثالث: أنه يخرج القيمة ما لم تكن أقل من [صرف] 2 دينار، وهو قول ابن حبيب، وهذا توسط بين القولين [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الثالثة إذا قدم النفقة على الشراء
وإذا كانت عنده عشرة دنانير، فحال الحول [عليها] 1 ثم اشترى [بها] 2 سلعة، فباعها بعشرين أو أنفق خمسة، ثم [اشترى] 3 بالخمسة الباقية [فباع بخمسة عشر أو اشترى بخمسة ثم أنفق الخمسة الباقية] 4، هل يزكي أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" 5:
أحدها: أنه يزكي سواء قدم النفقة على الشراء، أو قدم الشراء على النفقة.
وهو قول المغيرة في الكتاب، وهو قول المخزومي، وهو ظاهر قول ابن القاسم [في الكتاب] 6 في السؤال [الأول] 7 إذا حال الحول عنده على عشرة دنانير، ثم اشترى بها سلعة، فباعها بعشرين، فقال: يزكي، وحول ربح المال حول أصله.
فإذا جعل ابن القاسم أن الربح كأنه لم يزل [كامنًا] 8 في المال، فلما
حركه ظهر وبان، فهذا [الذي] 1 يلزمه في مسألة النفقة ملازمة القرط 2 للأذن.
وحجة الغير أنه يحسب [ما أنفق] 3، قبل الشراء [ويزكي لأنه كما لا يحسب بما أنفق قبل الحول بين الشراء أو بعده، فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق قبل الشراء] 4 أو بعده.
فهذه حجة الغير [بقوله] 5 في الكتاب، وهو الذي يسميه أهل النظر قياس العكس.
ولم يقع لهم في "المدونة" إلا في موضعين خاصة.
والثاني: أنه لا زكاة عليه، قدم الشراء على النفقة أو أخره.
وهو قول أشهب 6 قياسًا على [ولادة] 7 الماشية التي جعلها ابن القاسم أصلًا، فجعل حول ربح المال حول أصله؛ وذلك أنه لو كان لرجل ثلاثون شاة، وهو ساعي نفسه، فحال عليه الحول، ثم أكل منها شاة، ثم ولدت فصارت تسعة وثلاثين: لم يكن عليه فيها زكاة.
والذي ينبغي على ما قال في العين أنه يزكي؛ لأنه يقدر في الحكم أن الأولاد لم تزل [كامنة] 8 مع الأمهات من أول الحول قبل أن يأكل منها ما أكل.
فإذا لم يقدر في الأصل هذا التقدير، فبأن لا يقدرها في الفرع أولى وأحق.
والثالث: بالتفصيل [بين] 1 أن يقدم الشراء على النفقة: فيزكي، أو يقدم النفقة على الشراء فلا يزكي وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
فإن أراد ابن القاسم أن العرض المشتري بالخمسة يساوي خمسة عشر، والخمسة [عشر] 2 الباقية قائمة عنده قبل النفقة، فيصح ما قال، وإن اعتبر حالة البيع بخمسة عشر، فبعيد ما قال.
والقياس ما قاله أشهب، وهو الأصح في النظر، والله أعلم [والحمد لله وحده] 3.
المسألة الرابعة
إذا حال الحول عنده على عشرين دينارًا فلم يؤد زكاتها حتى [ابتاع بها سلعة]
1 فباعها بأربعين دينارًا بعد الحول الثاني، فقد قال في "الكتاب" 2: إنه يزكي عن السنة الأولى عشرين دينارًا، ويزكي عن السنة الثانية تسعة وثلاثين دينارًا ونصف دينار، إلا أن يكون عنده عرض يساوى نصف دينار فإنه يزكي عن السنة الثانية أربعين دينارًا.
فظاهر هذا [كله] 3 أن الكلام كله لابن القاسم.
وقد وقع في بعض روايات "المدونة" قال أشهب: إلا أن يكون عنده عرض، فجعل في هذه المسألة أن دين الزكاة مسقط للزكاة [إلا أن يكون له عرض يساوي ذلك الدين، فإن كان الكلام لابن القاسم، فإنه يعد ذلك منه اختلاف قول، وعلى أنه لابن القاسم اختصر الشيخ أبو محمَّد المسألة والذي عرف من قول ابن القاسم في العتبية والسليمانية أن دين الزكاة مسقط للزكاة] 4 كانت له عروض، أو لم تكن، وله مثل ذلك في كتاب الزكاة الأول من المدونة في الذي فرط في الزكاة وبيده مائة: أنه لا يزكيها إلا أن يبقى منها بعد إخراج الزكاة ما تجب فيه الزكاة.
ومسألة في "كتاب القراض": إذا كان رب المال مديرًا أن رب المال يزكي لكل سنة إلا ما نقصته الزكاة، ولم يذكر في شيء من ذلك أن يكون له عرض كما قال في غيرها من مسائل الديون.
فإن كان الكلام لابن القاسم فيتخرج من "الكتاب" قولان في دين الزكاة هل يسقط الزكاة أم لا؟.
وإن كان لأشهب فيتحد قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، ويكون قول أشهب خلافًا له.
ومحمل الديون كلها محملًا واحدًا في إسقاط الزكاة.
والفرق على مشهور قول ابن القاسم بين دين الزكاة وغيره من مسائل الديون، وذلك أن الأصل يقتضي أن الدين مسقط للزكاة، وأنه لا يقابل بالعروض ما دام العين قائمًا؛ لقول عثمان رضي الله عنه: [هذا] 1 شهر زكاتكم من كان عنده دين فليقضه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منها الزكاة" 2.
ولم يقل: من كان عنده عرض يساوي ما عليه من الدين فيجعله فيه.
ثم خصص أهل المذهب هذا العموم بما فهموه من مراد الشارع - صلى الله عليه وسلم - من [المبادرة إلى] 3 الطاعات والاحتياط للعبادات، فقالوا: بارتصاد العروض للديون، ويبقى دين الزكاة على الأصل، وهذا أولى ما اعتذر به، وعلل به على مذهب ابن القاسم [والحمد لله وحده] 4.
المسألة الخامسة مسألة زكاة [الحلي] (1) الواقعة في "الكتاب"
وهي من مشكلات المدونة، وقد كثر فيها اللغط والتعسف في التأويل، وسببه اختلاف [الروايات] 2 واضطراب المقالات حتى ترى الشُّرَّاح كل واحد منهم يثير الغبار في عين صاحبه، وسلك في التأويل مهيعًا غير مهيع غيره.
فنحن بحمد الله نتشوف إلى التفصيل، ونشمر الدليل إلى التحصيل، وننزل المسألة أحسن التنزيل، ونقول من حيث التفصيل: لا يخلو الحلي من وجهين فيما يرجع إلى الزكاة:
أحدهما: أن يكون للنساء.
والثاني: أن يكون للذكور.
فإن كان للنساء فلا يخلو من أربعة أوجه 3:
إما أن تتخذه للباس، أو للإجارة، أو للتجارة، أو لابنة لها.
فإن اتخذته للباسها: فلا خلاف في المذهب أنها لا زكاة عليها.
فإن اتخذته لابنة لها تلبسه، فإن كان في الحال: فلا زكاة عليها أيضًا.
وإن كان في ثاني حال، والابنة موجودة، أو غير موجودة إلا أنها1
ارتقبتها -هكذا نقله في النوادر 1 - فهل تجب عليها الزكاة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: [سقوطها] 2.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
فمن اعتبر الحال: أوجب الزكاة؛ لأنه كنز.
ومن اعتبر المآل: قال: لا زكاة؛ اعتبارًا بما انكسر من حليهن فحبسنه ليصلحنه؛ لأنه في حال تبر.
وإن كان عندها للإجارة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: سقوطها.
وهو مذهب المدونة في المسألة.
وفي المسأله قول ثالث: بالتفصيل بين المُعَنَّسَة وغيرها؛ فإن كانت مُعَنَّسَة ولا منفعة لها فيه للباس ولا للكراء: فعليها فيه الزكاة 3.
وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] 4.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى كون الحلي من زينتهن أو لباسهن [ولبسه] 5 [متأت] 6 لهن إن شئن، ثم لا زكاة عليهن؟ أو النظر إلى
فعلهن ونيتهن: فتجب الزكاة؟
فإن كان عندهن للتجارة: فلا خلاف في وجوب الزكاة [عليها] 1 ما دامت على تلك النية.
فإن نوت به القنية بعد ذلك واستعملته في اللباس: فلا زكاة عليها.
وأما الوجه الثاني:
إذا كان للذكران: فلا يخلو من أن يكونوا صغارًا، أو كبارًا.
فإن كانوا صغارًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
وهو قول أبي إسحاق بن شعبان.
والثاني: أنه لا زكاة عليهم فيه.
وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الحج" 2؛ لأنه قال: "لا بأس أن يحرموا وعليهم الخلاخل والأسورة".
وإذا جاز لهم لباسه لم تكن عليهم الزكاة.
فإن كانوا كبارًا: فلا يخلو من أن يكون مما يجوز لهم التحلي به [واتخاذه] 3 للباسهم، أو مما لا يجوز لهم التحلي [به] 4 [فإن كان مما لا يجوز لهم التحلي به] 5 كالمصحف، والسيف، والخاتم.
وما يجوز لهم اقتناؤه: فلا زكاة عليهم فيه اتفافًا.
فإن كان مما [لا] 1 يجوز لهم اقتناؤه للباس؛ فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يتخذوه للقنية.
والثاني: أن يتخذوه للتجارة.
فإن اتخذوه للقنية: فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يتخذوه لزوجته أو لأمته أو لابنته.
وإما أن يتخذه لامرأة يتزوجها، أو لابنة [لم تكن] 2 له، أو كانت فينتظر به [كبرها] 3.
وإما أن يتخذه عدة للزمان، فإذا احتاج إليه [أخذه] 4.
وإما أن يتخذه للإجارة.
فهذه أربعة أوجه:
فأما الوجه الأول:
إذا اتخذه لزوجته، أو لابنته: فلا زكاة عليه [فيه] 5 اتفاقًا.
وأما [الوجه الثاني] 6 إذا اتخذه لامرأة يتزوجها، أو ينتظر كبر ابنة كانت أو لم تكن، هل عليه فيه الزكاة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن عليه فيه الزكاة.
وهو قول مالك، وابن القاسم.
والثاني: أنه لا زكاة عليه فيه.
وهو قول أشهب وأصبغ.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى حصوله في الملك، أو النظر إلى النية والمقصود؟
وأما الوجه الثالث:
إذا اتخذه عُدَّةً للزمان لعله يحتاج إليه في المستقبل: فعليه فيه الزكاة اتفاقًا.
وأما الرابع:
إذا اتخذه للإجارة: فعن مالك قولان، على ما ذكره البغداديون عنه.
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: سقوطها.
وبالوجوب قال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة، وهو الأشهر، والآخر لا وجه له.
وأما إذا اتخذه للتجارة: وهو لباب المسألة، ومقصود الترجمة.
ونص المسألة في "المدونة" 1: قال مالك في رجل اشترى حليًا [للتجارة] 2 وهو ممن لا يدير التجارة، فاشترى حليًا؛ فيه الذهب والفضة والياقوت والزبرجد، فحال عليه الحول، قال: ينظر إلى ما فيه
من الذهب [والورق] 1 [فيزكيه] 2، ولا يزكي ما فيه من اللؤلؤ والزبرجد حتى يبيعه، إلا أن يكون ممن يدير، فيقوم اللؤلؤ والزبرجد، فيزكي وزن الذهب والفضة.
وروى ابن القاسم، وأشهب، وابن نافع، وعلي بن زياد أيضًا عن مالك فيمن اشترى حليًا [أو ورثه فحبسه للبيع؛ كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة: زكاه.
ورأى أشهب معهم فيمن اشترى حليًا] 3 للتجارة، وهو مربوط بالحجارة، ولا يستطيع نزعه: فلا زكاة عليه حتى يبيع.
وإن لم يكن مربوطًا: فهو كالعين يزكيه كل عام، وقال أشهب، وابن نافع في روايتهما: [أنه] 4 كالعرض، يشتري للتجارة؛ فالمدير يقوِّم جميعه، وغير المدير لا يزكي حتى يبيع، ويزكي ثمنه لعام واحد، فهذا نص المسألة في الكتاب.
واختلفت روايات "المدونة" في إثبات لفظة: "زكاة" ولفظة: "معهم"؛ ففي بعضها إثبات لفظة "زكاة" وسقوط لفظة "معهم"، [وهي] 5 أصح في المعنى، وأجرى على أصول المذهب.
وفي بعضها: إثبات لفظة "معهم"، وسقوط لفظة "زكاة".
فاختلفت مذاهب المتأخرين في التأويل والتنزيل، فالذي نقلناه من مذاهبهم فيها أحد وجهين:
أحدهما: أن نقول: لم يختلف قول ابن القاسم في المسألة، وأنها ثلاثة أسئلة؛ [الأول] 1 سؤال ابن القاسم وحده في الحلي المنظوم مع المنصوص.
والسؤال الثاني: رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد في الحلي المحض.
والسؤال الثالث: رواية أشهب عن مالك في الحلي المربوط.
فإذا نزلت المسألة على هذا التنزيل: سلم قول ابن القاسم في "الكتاب" من الاضطراب، فيرجع جميع ما في المدونة إلى قول واحد، وإلى هذا ذهب أكثر الشارحين من المتأخرين.
والوجه الثاني: أن جميع ما [وقع] 2 في الباب سؤال واحد، وأن ذلك كله في الحلي المربوط.
وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي وغيره.
والذي حملهم على ذلك وأضربهم عن الترتيب الأول لفظة وقعت في الكتاب؛ وهو قوله: وروى ابن القاسم، وأشهب، وعلي بن زياد، وابن نافع أيضًا.
وقوله: أيضًا: يشعر باختلاف الرواية؛ إذ معناه: الرجوع [عن] 3 شيء إلى شيء، فتكون رواية ابن القاسم مع الجماعة مخالفة روايته وحده؛ فيتخرج [في] 4 "الكتاب" اضطراب من قول ابن القاسم في الحلي المربوط، هل حكمه حكم العروض كما قال أشهب أم لا؟
فإن أثبت في المسألة لفظة: "زكاة": فيتخرج من المدونة في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أن الحلي المربوط لا يكون له حكم العُرُوض، وهو قوله أول المسألة؛ لأنه قال: يزكي [وزن] 1 ما فيه من الذهب، والفضة -يريد تحريًا- وإن كان مديرًا: قوّم ما فيه من اللؤلؤ والياقوت.
وظاهر هذا القول سواء كان [هذا] 2 الحلي موروثًا، أو مشترى.
والثاني: أن حكمه حكم العُرُوض، وهي روايته مع الجماعة، وظاهره أيضًا: لا فرق بين الموروث والمشتري؛ بدليل قوله: كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة: زكاه؛ ظاهره: [أنه] 3 إنما يزكي عند البيع إن كان غير مدير، وأنه لا يزكي ما فيه من الذهب والفضة قبل البيع؛ إذ حكمه حكم العرض على هذا الظاهر وهو نص مذهب أشهب.
والقول الثالث: بالتفريق بين الميراث والشراء، وأنه لا يحكم له بحكم العروض [في الميراث] 4 وأنه يزكي وزن ما فيه من الذهب والفضة إن حال عليه الحول قبل أن يبيع، فإذا باع: زكى مثابة الذهب والفضة، ويستقبل بمثابة ما فيه من الحجارة حولًا من يوم باع.
وأما الشرع: حكمه حكم العرض؛ يقوّمه المدير ولا شيء على التاجر غير المدير حتى يبيع.
وهذا القول الثالث يؤخذ لابن القاسم من "المدونة" على إثبات
[رواية] 1 "معهم"، ورواية أشهب، وابن نافع آخر المسألة تفسير لها.
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون ما فيه من الذهب، والفضة تابعًا، أو متبوعًا، فإن كان تبعًا: فحكمه حكم العرض.
وإن [كان متبوعًا] 2: فلكل واحد حكمه.
وهو قوله في مسألة السيف المحلى في كتاب الصرف.
فإن أسقطنا لفظة: "زكاه"، فيتخرج له من الكتاب ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الحلي المربوط ليس كالعرض موروثًا أو مشترى.
والثاني: التفرقة بين الشراء والميراث.
والثالث: التفصيل بين أن يكون [الحلي] 3 تبعًا أو متبوعًا.
وعلى القول بأن المدير يزكي ما فيه من الذهب والفضة تحريًا، هل يقوم الصياغة أم لا؟
فبين المتأخرين قولان متأولان على "المدونة":
أحدهما: أنه لا يقوم الصياغة، وهو المشهور في النص.
والثاني: أنه يقوم، وأنها كعرض معه، وهو أظهر في المعنى، وهو تأويل أبي إسحاق التونسي على "المدونة" [وبالله التوفيق والحمد لله وحده] 4.
المسألة السادسة الزكاة في أموال العبيد
قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الزكاة تتعلق بمالك، وملك، ومملوك.
فصفة المالك: أن يكون [من أهل الطهارة؛ وهم المسلمون] 1، ذكرانًا كانوا أو إناثًا، صغارًا كانوا أو كبارًا.
وصفة الملك: أن يكن تامًا غير ناقص، وفائدته: ألا يكون لغير مالكه انتزاعه من مالكه في أصله، وأن يكون مالكه حرًا لا رق فيه.
أما المملوك: فكل عين جاز بيعها جاز تعلق الزكاة بها"، انتهى قوله.
وقد اختلف العلماء في العبد هل يَمْلك، أو لا يَمْلك؟
فذهب مالك رحمه الله إلى أنه يملك.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يملك [بحال] 2 وأن ما بيده من المال هو للسيد.
وذهبت طائفة إلى أن العبد يملك على الحقيقة، وأن الزكاة واجبة عليه فيما بلغ النصاب من ماله.
وهذا القول مروي عن ابن عمر، وبه قال عطاء -من التابعين- وأبو ثور -من الفقهاء- وبعض أهل الظاهر.
أما الشافعي، وأبو حنيفة: فلا يخفى ضعف مذهبهما؛ وذلك أنهما
قالا: العبد لا يملك، وأن ماله للسيد، وأن إضافة الملك إليه إضافة مجازية.
وذلك مراغم للكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 1.
ولا يتصف بالغنى والفقر إلا من يصح ملكه.
وأما السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من باع عبدًا وله مال" 2.
وقوله: "من أعتق عبدًا تبعه ماله" 3.
فأضاف النبي - صلى الله عليه وسلم - المال إلى العبد بلام التمليك التي أضيف بها المال إلى من يصح منه الملك؛ دل ذلك على وجود الملك.
ولا يصح أن يحمل الملك على المجاز؛ لأن الكلام لا يخرج عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، وهذا مذهب مالك رحمه الله أن العبد يملك، ولا خلاف في مذهبه في ذلك إلا ما استقرئ من [مسألة النذور] 4، و"كتاب المأذون له في التجارة" من "المدونة"، وهو استقراء ضعيف، ولا يتعلق به إلا من جهل معاني المدونة، واتبع ظواهر السواد؛ وذلك أنه قال في "كتاب النذور" 5، فيمن حلف أن لا يركب دابة فلان، فركب دابة عبده: قال ابن القاسم: أراه حانثًا، وقال أشهب: لا يحنث في دابة عبده.
فحملوا جواب ابن القاسم على ظاهره، وقالوا:
كونه [حنثه] 1 في دابة عبده بناء على أن العبد لا يملك، وأن ماله لسيده.
وليس الأمر كذلك؛ بل إنما حنثه ابن القاسم في ركوب دابة غيره مراعاة للمقاصد؛ لأن مقصد الحالف ألا يقرب شيئًا تلحقه المنة من جهته، والمنة تلحقه من مال عبده، كما تلحقه من مال نفسه.
وأشهب [تكلم] 2 على الألفاظ، فلذلك لم يحنثه، فلا يخفى على من طالع المدونة اعتبار المقاصد والألفاظ، وهذا ظاهر لا إشكال فيه.
وأما مسألة كتاب المأذون: فإنما اعتبر فيها مالك [رحمه الله] 3 الشبهة؛ وذلك أنه قال في المأذون [إذا اشترى من يعتق على سيده أن يُعتق على السيد؛ وذلك أن السيد له شبهة في مال عبده؛ لأنه مَلكَ انتزاعه، فقد ملك أن يملك، وهو أصل مختلف فيه؛ فرآه مالك - رحمه الله - أن يعتق عليه؛ لأنه جعله [كالمالك] 4.
وبهاتين المسألتين استدل من ذهب إلى اضطراب المذهب في العبد، هل يملك أم لا, ولا دليل في ذلك على ما أوضحناه وبيناه ومن الدليل على أن العبد يملك على مذهبنا: جواز [التسرى] 5 في ماله.
وقد قال مالك: يجوز للعبد أن يطأ بملك يمينه، شاء السيد أو أبى؛ فهذا أول الدلائل على أنه يملك، ولا اعتراض على هذا يكون العبد
محجورًا عن التصرف في ماله [وكون السيد] 1 له عليه سلطانية الانتزاع، فإنا نجد مثل ذلك في الأحرار المتصفين بالملك من غير خلاف؛ مثل الصبي والبالغ السفيه، فإنهما يمنعان من التصرف ما دامت العلة قائمة، ولكن ذلك يرجع إلى حقهما، وإنما وقع التشابه في المنع من التصرف على الجملة، وأن الزوجة ممنوعة من التصرف بالمعارف في أكثر من ثلثها، والمريض كذلك؛ وذلك لحق غيرهما، والعبد مساوٍ لهذين.
وأما كون السيد يملك الانتزاع دون من ذكرنا، فإنه عندنا لا يضاهي كون الغرماء يملكون سلطانية النزع لمال غريمهم دون إيثاره واختياره، [وإن كان] 2 موجب الانتزاع يختلف ولكن [سلطان] 3 الشارع كليهما على النزع لا يختلف، وهذا لا يخفي على من درأ عن قلبه وساوس التشكيك والترديد، وسَلَّ [عن نفسه] 4 ربقة التقليد.
وأما من اعتمد [على اتباع] 5 السواد، واقتنع بالخُشكار عن السميد، فيوشك ألا يستنشق روائح [هذا] 6 المسك المنثور, والعنبر، والكافور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، والمثل صحيح؛ الشمس ظلام الخفافيش، والجبال تميد في عين المراعيش، وإنما الإشكال والغموض في أمر وراء ذلك، وهو كون [المال] 7 المملوك لا يزكي بعد زوال المانع الذي هو علة في إسقاط الزكاة مع وجوده؛
وذلك أنه قال في الكتاب في العبد إذا أعتق وماله بيده: أنه لا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من يوم عُتق.
والذي ينبغي على أصل مذهبنا القائلين: بأنه يملك أن يزكي بنفس ما عتق لزوال العذر الذي هو حق السيد، اللهم إلا أن يقال: إن هذا يتخرج على أحد الأقاويل في الذي بيده مائة وعليه [مائتان] 1 ثم وهب له الدين بعد حلول الحول أنه لا [يزكيه] 2؛ لأنه الآن [كالمالك] 3 على الحقيقة.
ولو قال: يلزم من هذه المسألة على أصل مذهب مالك أن يكون العبد لا يملك؛ لأنه جعل هذا المال بعد عتقه كفائدة أفادها لما كان استقراءً ظاهرًا.
وإنما العجب كون مالك رحمه الله جعله كالفائدة بالإضافة إلى العبد إن أعتق، وبالإضافة إلى السيد إذا انتزعه، ومثل هذا لا يعقل في [المُلاك والمملوكات] 4، وهذا مما نستجير بالله فيه.
وربما تكون العودة إلى هذه المسألة بأوضح من هذا في "كتاب المأذون له في التجارة" إن أمد الله في الأجل، ومتعنا ومَنَّ علينا ببلوغ الأمل، إنه أكرم مسؤول، وأَنْعَمَ مأمول، وهو حسبي ونعم الوكيل [والحمد لله وحده] 5.
المسألة السابعة في العروض المشتراة [للتجارة] (1)، هل فيها الزكاة أم لا؟
ولا تخلو نية المشتري لتلك العروض من خمسة أوجه:
أحدها: أن يشتري للقنية.
الثاني: أن يشتري للتجارة.
الثالث: أن يشتري للإجارة.
الرابع: أن يشتري للقنية وللإجارة.
الخامس: أن يشتري للتجارة وللاستمتاع.
فالجواب عن [الوجه] 2 الأول:
إذا اشتراها للقنية: فهذا لا زكاة [عليه] 3 في عينها, ولا في ثمنها، إن بِيعَت بنصاب من العين حتى يحول عليها الحول من يوم باع وقبض الثمن.
أما نفي الزكاة من [عين] 4 العروض المشتراة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" 5.
وهذا الحديث اجتمع عليه الموطأ، والبخاري، ومسلم.1
وأما ثمنهم: فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول" 1.
ولا خلاف عندنا في المذهب في هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الثاني:
إذا اشتراها للإجارة؛ مثل أن يشتري دارًا للكراء، أو عبدًا للغَلَّة، ثم باع بعد عام، أو أعوام هل يزكي الآن، أو يستقبل حولًا؟
[قولان عن مالك] 2:
أحدهما: أنه يزكي الآن، وبه أخذ ابن نافع.
والثاني: أنه [يستقبل] 3 الحول كالفائدة، وبه أخذ ابن القاسم.
واختلف أيضًا في غلة ما اشترى للكراء، هل يستقبل بها حولًا، أو يبنى على حول العين الذي اشترى [به] 4؟
على قولين؛ قياسًا على غلة ما اشترى للتجارة، وقد اختلف فيها قول مالك على قولين، نقلهما اللخمي وغيره عن مالك.
وسبب الخلاف: المشرى للاستغلال، هل هو كالمشتري للتجارة أم لا؟
فمن ساوى بينهما: قال بوجوب الزكاة على حول الأصل، وهو الأظهر؛ لأن طلب الأرباح لا فرق بين أن يكون [باستبدال] 5 الأعيان، أو [باستبدال] 6 المنافع.
ومَنْ فَرَّقَ بينهما: قال باستقبال [الحول] 1 كالفوائد.
والجواب عن الوجه الثالث:
إذا اشتراها للإجارة، وللقنية؛ مئل أن يشتري سلعة يستخدمها لنفسه، ويستأجرها لغيره, فهل يختلف باختلاف قصده ومراده أم لا؟
فإن كان [القصد] 2 الباعث على الشراء الاستخدام والاستمتاع، فلولا ذلك لم يشتر، فإن [اتفق] 3 [فيما بين] 4 ذلك إجارته أو كراه: كان الحكم للقنية.
وإن كان القصد في الشراء لأجل الإجارة، ولولاه ما اشترى، فإن احتاج أهله إلى الاستمتاع والاستخدام فيما بين ذلك كان الحكم للإجارة وهذا بَيِّن.
والجواب عن الوجه الرابع:
إذا اشترى للتجارة: فلا يخلو الشيء المشترى من وجهين:
أحدهما: أن يكون الشيء المشترى مما يزكى عينه كل عالم؛ كالأنعام إذا كانت نصابًا.
والثاني: أن يكون مما لا يزكي عينه كل عام كالعروض، أو ما يزكى عينه مرة واحدة كالحبوب، والثمار.
فإن كان مما يزكى عينه كل عام؛ كالإبل، والبقر، والغنم، وكانت نصابًا: فإن فيها زكاة الرِّقَاب.
فإذا باعها التاجر، فينظر؛ فإن باعها بعدما زكى رقابها: فإنه يبنى حولها على حول الماشية، فإن باعها قبل أن يزكى رقابها، فإنه يبنى [حولها] 1 على حول العين الذي اشتراها به.
ولا فرق في ذلك بين المدير وغير المدير.
فإن كان مما لا يزكى عينه؛ كالعروض: فهذا لا يخلو التاجر المشترى من أن يكون مديرًا، أو غير مدير.
فإن كان مديرًا: فلا يخلو من أن يكون ممن يبيع العروض بالعروض؛ أو ممن يبيع بالعروض وبالعين.
فإن كان ممن يبيع العروض بالعروض: فلا يخلو من أن يجعل ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة عن نفسه أم لا، فإن فعل ذلك فرارًا من الزكاة: فإن ذلك لا يجوز له باتفاق المذهب، ويؤاخذ بزكاة ما عنده من المال.
فإن فعل ذلك قصدًا في الاستغزار في الأرباح وطلبًا للإكثار: [ورأى أن] 2 ذلك أشد تأتيًا وآكد تمكنًا، فهل يجعل لنفسه شهرًا يُقَوِّمُ فيه ما عنده من العروض؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا تقويم عليه حتى يبيع بالعين، ويبقى له في السَّنَة، ولو درهم واحد.
وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أنه يُقَوِّم ويزكي.
[وهي رواية] 3 مُطَرِّف، وابن الماجشون عن مالك رحمه الله.
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بوجود التنمية بحركة المال، فوجب أن
يزكي؛ لأن الزكاة إنما وجبت في الأموال المتخذة للنماء، أو المعتبر بوجود العين، فإذا وجد معه العين وجبت الزكاة إن كان دون النصاب؛ لأنه يُتَّهَم أن يقصد إلى إسقاط الزكاة عن نفسه لقدرته على البيع [بالعين] 1 فإذا لم يبع بالعين، بل عادته إيلاج العروض.
في العروض: قلنا: لا زكاة عليه؛ لقوله عليه السلام: "وليس في العروض شيء حتى يصير عينًا" 2.
فإن كان ممن يبيع بالعروض، والعين غير أنه لا يكاد يجتمع النصاب في يديه، ولا يقدر على ضبط الأحوال: فهذا يجعل لنفسه شهرًا يُقَوِّمُ فيه ما عنده من العروض، فيزكي ماله، ثم ينظر فإن بقى في يديه ما نض له في سنته من العين أخرجه في الزكاة إن كان فيه ما بقى بما وجب عليه.
وإن أنفقه أو صرفه في السِّلَع، هل يبيع من عروضه ويؤدي الزكاة، أو أنه يخرج عرضًا بقيمته؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يبيع من عروضه، ويدفع الثمن للمساكين، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه يخرج عرضًا بقيمته إن شاء، ويدفعه إلى أهل الزكاة، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
والقولان في النوادر 3:
ولا اعتبار بما نض للمدير من العين في سنته، هل هو نصاب أم لا؟
وقد قال في "المدونة" 1: "ولو درهم [واحد] 2 "، ولا يعتبر بقاؤه في يديه إلى حين التقويم.
وإذا بارت عليه عروضه، ولم يبع منها شيئًا: فلا خلاف في المذهب أنه لا تقويم عليه.
وإن بار بعضها، وأسواق بعضها قائمة، فإن كان البائر أكثر: فالأقل تبع للأكثر، ثم لا تقويم، وإن بار الأقل، هل يُقَوِّم أولًا؟ قولان:
أحدهما: أنه يقَوِّم [وهو قول ابن القاسم] 3.
والثاني: أنه لا يُقَوِّم ما بار، وهو قول ابن نافع.
وسبب الخلاف: الأتباع هل تراعى أو لا تراعى.
وأما ديونه: فلا تخلو من أن تكون من قرض، أو من بيع.
فإن كانت عن قرض، فهل يزكيها المدير أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 4:
أحدهما: أنه لا يزكيها حتى يقبضها، وهو قول ابن حبيب.
ووجهه: أنه مال خرج به عن الإجارة، وحبس عن التنمية، فلا زكاة عليه فيه.
والثاني: أنه يزكيه، وهو ظاهر قول ابن القاسم: إذا كان العرض أقل ماله.
ووجهه: ما قدمناه أن الأقل تبع للأكثر.
وقد حكى القاضي أبو الوليد الباجي الإجماع في المذهب في هذه المسألة [وغيره] 1 حكى فيها الخلاف مثل أبي الحسن اللخمي وغيره.
فإن كان ذلك الدَّين من بيع: فلا يخلو من أن يكون على مَلِيّ، أو [على] 2 مُعْدَم.
فإن كان على مُعْدمَ: فلا يزكيه باتفاق؛ لأنه ثاوٍ 3، والثاوي لا قيمة له.
وإن كان على مَلِيٍّ، فهل يزكيه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يزكيه حتى يقبضه، ثم يزكيه لعام واحد، وهو قول المغيرة والمخزومي.
والثاني: أنه يزكيه، وهو المشهور.
وعلى القول بأنه يزكيه، فهل يزكي عدده أو قيمته؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال [كلها قائمة من المدونة] 4:
أحدها: أنه يزكي عدده جملة، سواء كان حالًا أو مؤجلًا، وهو قوله في "المدونة" 1 فيمن له مائة دينار، وعليه مائة دينار دين، وبيده مائة: قال: فإنه يزكيها, وليجعل ما عليه من الدَّين فيما له [من دين] 2.
والظاهر أنه يجعل المائة فيما له، ويزكي المائة التي بيده، ونحوه في كتاب محمَّد.
والثاني: أنه يزكي قيمته جملة، [سواء] 3 كان حالًا، أو مؤجلًا، وهو ظاهر "المدونة"؛ لقوله: "فيها حكم الدَّين حكم العروض"، وقوله أيضًا: "ويُقَوِّمُ ما يرى حجبه" ولم يفصل بين المُعَجَّل والمُؤَجَّل، وعلى هذا اختصر أكثر المختصرين.
والثالث: التفرقة بين المُؤَجَّل والمُعَجَّل.
فإن كان مُعَجَّلًا: زكى عدده.
وإن كان مُؤَجَّلًا: زكى قيمته.
وهو ظاهر "المدونة" 4؛ لأنه قال في موضع: "يزكي دينه"، وفي موضع: "يزكي قيمته"، وهو [نص] 5 قول ابن القاسم في غير "المدونة" [مثل قوله] 6 في "الموازية" وغيرها.
ولم يختلفوا في الدين الذي عليه أنه يحسب عدده، ولا يُقَوِّمه، فانظر ما الفرق بينهما.
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
ومن اعتبر الحال قال: يزكي [القيمة] 1 لأنها المقدور عليها الآن بالبيع إن شاء والعدد، فقد لا [يتيسر] 2 له قبضه متى شاء.
ولو كان قبضه على الحلول، [وهو] 3 مُوسر أعني الذي عليه [الدين] 4، وليس على بصيرة في قبضه مهما أحب على كل حال.
فإن صح ذلك [عنده] 5، والحالة هذه كانت القيمة متحققة والعدد مظنون.
ومن اعتبر المآل: قال يزكي العدد؛ لأنه هو المملوك؛ إذ هو قادر على قبضه في الحال إن كان الدين حالًا، وإن كان إلى أجل كذلك أيضًا لا تخشى فيه حوالة الأسواق، بخلاف العروض التي قد تختلف أثمانها عند الحلول، والدين لا تختلف أعداده قبل الحلول وبعده.
ومن فصل فقد حصَّل، وهو أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا.
واختلف فيما إذا مضى له [حول] 6، وجاء الشهر الذي يقوم فيه، ولم ينض له فيه، ولو درهم واحد، ثم نص له بعد ذلك، هل يزكي حينئذ، أو يستقبل [به] 7 حولًا؟
على ثلاثة أقوال 8:
أحدها: أنه يزكي ساعتئذ، ويكون حوله من يومئذ, وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يزكي حتى يحول عليه الحول من يوم نض له، وهو قول أشهب.
ووجهه: أن الحول الأول قد انتقض، وترك فيحتاج إلى الابتداء.
والثالث: أنه لا يزكي الآن، و [لكن] 1 يحصى كل ما باع به من العين، فإذا تم عشرين دينارًا أو مائتي درهم فليترك، ثم يزكي كل ما ينض بعدها، وإن قلَّ، ولا تقويم عليه، وهو قول ابن نافع.
وهذا القول عموم في المدير أنه لا يقوم، [قال: وأحسبه، ولكن يحصي ما ينض له، والله أعلم] 2.
ولا [يترك] 3 ما نض له حتى يستكمل النصاب كاقتضاء الديون، وهذا قول قياسي، وهو قياس صحيح؛ لوجود التهمة في الموضعين، ولكنه خلاف لقول عمر رضي الله عنه حين أمر [نخاسا] 4 [بتقويم ما عنده] 5 من العروض وهو قول الإِمام الصحابي.
وهذا كله إذا كان يدير جميع ماله.
وأما إذا كان يدير بعض ماله دون بعض: فلا يخلو المدار وغير المدار من أن يكون على جزأين متساويين كالنصف والنصف، أو على جزأين متفاضلين.