كتاب الذبائح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مقتلًا] 1، أنه آيس من حياتها.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أنفذ الذي أصابها مقاتلها، فلا خلاف عندنا على المذهب أن الذكاة لا تستعمل فيها إلا متأولًا، لأن الحياة التي بقيت فيها حياة مستعارة، وفي "الأسدية" عن ابن القاسم فيمن أنفذ مقاتل رجل، ثم أجهز عليه [رجل] 2 آخر فقتله.
قال ابن القاسم: "يقتل الثاني".
وقال أشهب: "يقتل الأول، ويعاقب الثاني"، وهو الصحيح، وما قاله ابن القاسم نادر.
فعلى قوله: أن الثاني يقتل [ويعاقب الأول] 3، فإن الذكاة تستعمل في المنفوذة المقاتل، والمقاتل عندنا خمسة:
انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظم الرقبة والصلب وقطع الأوداج وخرق المصران وانتشار الحشوة [وانتشار الدماغ فهذه المقاتل المتفق عليها على الخلاف في تفسير الاثنين منها: خرق المصران وانتشار الحشوة لأن أهل المذهب جعلوا لهما] 4 وجهين من المقاتل: [فقالوا] 5 فإن أرادوا بقطع المصران قطعه وإبانه بعضه من بعض، وأرادوا بانتشار الحشوة انتشار الثفل لانخراق المصران، فصحيح أنهما مقتلان، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الديات" أن انتشار الحشوة خروج الثفل من خرق المصران.
وإن أرادوا بانتشار الحشوة خروجها عند شق الجوف، فليس بصحيح،
وقد قاله بعض الشيوخ.
وذهبوا إلى انتشار الحشوة خروجها عند شق الجوف [وشق الجوف] 1 ليس بمقتل عند جميعهم، لأن الجوف إذا شق [انتشرت] 2 منه الحشوة ولم تنقطع منه، وعولجت وردت وخيط الجوف عليها، وهذا مشاهد معلوم، فليس نفس انتشارها بمقتل، ولهذا قال ابن القاسم تؤكل، وإن انتثرت حشوتها.
وأما شق المصران فإن كان من أعلاه، فمتفق عليه أنه مقتل.
وإن شق من أسفله، فليس بمقتل عند بعض محققي المتأخرين من أصحابنا، كالقاضي أبي الوليد بن رشد وغيره والفرق بينهما أن الشق إذا كان في الأعلى من حيث يجوز الطعام إلى المعدة فالغذاء يخرج منه [ولا ينفذ إلى المعدة و] 3 الأعضاء ولا يغذي الجسم فيهلك إذا انقطع عنه الغذاء، ولهذا لما جرح عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرب لبنًا فخرج من جرحه، فقيل له: اعهد يا أمير المؤمنين، لما علم أنه قد أنفذت مقاتله.
فإذا كان الشق في أسفل الأمعاء، حيث يكون فيه الثقل، فليس بمقتل، لأن منفعة الغذاء قد صعدت إلى الأعضاء، وحصل منه المقصود، والأثفال لم يبق لها إلا الصرف خاصة، فإن خرجت فلا يضر.
واختلف في اندقاق العنق من غير أن تفتح، هل يعد مقتل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه مقتل، وهو قول مطرف وابن الماجشون عن مالك.
والثاني: أنه ليس بمقتل، وهو قول ابن القاسم.
وفي انشقاق الأوداج من غير قطع، قولان:
أحدهما: أنه مقتل، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك.
والثاني: أنه ليس بمقتل، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا لم ينفذ لها مقتل ورجيت حياتها، فلا خلاف أنها [تستعمل فيها] 1 الذكاة.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا لم ينفذ ذلك لها مقتلًا، إلا أنه أيس من حياتها أو شك في أمرها، هل تعيش أو لا تعيش، وهل تستعمل الذكاة أو لا تستعمل؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تستعمل فيها الذكاة، وتؤكل إذا وجدت منها الحركة أو ما يقوم مقامها من استفاضة النفس في الحلق أو أمرًا يدل على وجود الحياة بها ساعة الذبح على ما سنبينه في ذكاة المريضة إن شاء الله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول أصبغ أيضًا في "النوادر".
والثاني: أن الذكاة لا تستعمل فيها ولا تؤكل إذا ذكيت، وإن تحركت أو طرفت أو استفاض نفسها في حلقها، وهو قول عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: اختلافهم [في الاستثناء] 2 في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، هل هو استثناء متصل أو استثناء منفصل؟
فمن جعله استثناء متصلًا، قال: تستعمل فيها الذكاة، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ من هذه المذكورات بعد حصول ذلك فيها.
ومن جعله استثناء منفصلًا، قال: لا تستعمل فيها الذكاة، ويكون معنى قوله تعالى: " ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ من غير هذه المذكورات، وهو بمعنى "لكن"، والأصح: أنه استثناء متصل، لأنه لا خلاف أن الآية في المنخنقة وأخواتها ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها لم تؤكل.
وإن ذكيت وكانت ترجى حياتها، فإذا ترك ظاهر الآية، ولم تحمل على عمومها، فحملها على ما مات منها ولم ندرك ذكاتها أحسن.
وإلى هذا المعنى أشار بعض المتأخرين.
وأما ذكاة المريضة، فلا خلاف في المذهب أنها تستعمل فيها الذكاة، وإن آيس من حياتها إذا وجد فيها علامات الحياة، وهي علامتان: الحركة وسيلان الدم أو ما يقوم مقام الحركة من استفاضة النفس في حلقها الذي يعلم أنه لا يكون إلا مع الحياة.
فإن تحركت ولم يسل [منها] 1 الدم، فإنها تؤكل عند ابن القاسم ابن كنانة، وقال محمد: "لا تؤكل إلا بسيلان الدم والحركة بعد الذبح، فإن لم يكن ذلك لم تؤكل إلا أن يكون فيها الحياة بينة كالنفس البين أو العين تطرف.
وأما الصحيحة إذا أشرفت على الموت لوجع فيها في جوفها، فبادرها بالذكاة، فسال دمها، ولم يتحرك منها شيء، فقال مالك في "النوادر": "إنها تؤكل فالحركة وسيلان الدم دليلان على الحياة في كل موضع، والحركة بانفرادها دليل على الحياة في المريضة، وسيلان الدم بانفراده دليل على الحياة في الصحيحة".
فخرج من هذا التحصيل أن سيلان الدم بانفراده: لا تؤكل به المريضة،
والحركة بانفرادها: لا تؤكل بها الصحيحة، وإنما اعتمدت الحركة من المريضة دون سيلان الدم على انفراده، لأن المرض نقل معه الدم، وربما يعدم البتة إلا الشيء التافه، والحركة لا [تقدم] 1 بكليتها إلا مع عدم الحياة، فلذلك اعتبر ما يستمر وجوده مع الحياة دون ما يعدم استمراره مع وجود الحياة.
والصحيحة: لا تعتبر فيها الحركة لقوتها عليها، إذا لم يكن بها مرض يوهنها ويضعف قواها عن الحركة، فكان المعتبر غير الحركة الذي هو الدم، لأنه إذا ذبحها وسال دمها علم أنها قد ذبحت، وحياتها فيها مجتمعة.
فإذا لم يسل دمها علم أنه قد ذبحها بعد أن بردت وزهقت روحها لمرضها، وإنما يجري مع حرارة الجسد الذي يكون مع بقايا الحياة.
والحمد لله وحده.
كتاب الضحايا