مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 7-46
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 7-46
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(1) تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها عشر مسائل:

المسألة الأولى

[في اشتقاق الجهاد و] (2) الجهاد من فروض الكفاية.

ولفظته في [الاشتقاق] اللغوي موضوعة على الإطلاق، ولمن بالغ في إتعاب النفس فأجهدها في تحصيل أرب ما.
وفي عرف الاستعمال الشرعي كذلك موضوعة لمن أجهد نفسه وغَلَّبَ تقواه على هواه في اكتساب قربة يرجو بها جزيل الثواب وحسن المآب.
وهذا الإطلاق سائغ عند العلماء إلا أنها لفظة تعرفت في الشرع لإفادة قربة مخصوصة حتى لا يفهم عند الإطلاقات والاصطلاحات فيما يجري بينهم في المحاورات سواها، وهي [مجاهدة] 3 الكفار ومحاربة الأعداء الذين هم أبغض خلق الله إليه، فلتكن مجاهدتهم أحب قرباته إليه.
وفضائله لا تحصى وشواهده لا تخفى.
وهو من فروض الكفاية يستقل بالقيام [به] 4 آحاد الخلق دون أعيانهم كالعلم لا فرق سواء، وقد ألزمهما الله تعالى في قرن وجمعهما في نسق في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَؤلا نَفَرَ مِن كُل فِرْقَة مِّنْهُم طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ 5.12

وإلى [مثل] 1 هذا ذهب بعض المحققين بقوله: قواعد النبوة إنما تأسست وتمهدت لدعاء الخليقة إلى نهج الحقيقة طلبًا للاعتراف بالوحدانية والإقرار بالربوبية [تارة] 2 بالسيف والسنان و [تارة] 3 بالحجة [والبرهان] 4، فإن أجابوا إلى ذلك قبل منهم، وإلا طلبت منهم الجزية، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
والحمد لله وحده.

المسألة الثانية

في الدعوة قبل القتال هل هي مشروعة أو غير مشروعة

1؟ والأصل في وجوبها على الجملة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ 2. وقال تعالى: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبَكَ﴾ الآية 3. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ 4. فاقتضت هذه [الآيات] 5 الدعوة إلى الله تعالى وتبشير من أطاعه بالجنة، وينذر ويحذر من عصى بالنار.
ثم لا يجوز القتال إلا بعد الدعوة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ 6. والمراد من بعثة الرسل التبليغ.
ولا خلاف فيمن قُطِعَ عليه أن الدعوة لم تبلغه -إن تصور أن يكون ذلك، أو يمكن أن يوجد [ذلك] 7 في بعض الجزائر وأطراف البلاد النائية من لا يعرف بعثة الرسل- أنه لا يقتل إلا بعد الدعوة، وهذا ممن لا أظنه يكون، والله أعلم.
وقد اشتهر من رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظهور شريعته ما لا يمكن

[لأحد] 1 جهله مع [اتساع] 2 الملة وامتداد المدة؛ ولأجل ما ذكرناه اختلف العلماء في وجوب الدعوة قبل القتال على أربعة أقوال: أحدها: أن الدعوة ساقطة غير لازمة لأحد؛ لبلوغ الدعوة كافة الأنام، قاله الحسن البصري وغيره.
والثاني: أن الدعوة واجبة قبل القتال في حق كل أحد -قربت داره أو بعدت- وقاله عمر بن عبد العزيز، وأكثر العلماء، وبه قال مالك.
والثالث: التفصيل بين من قربت داره أو بعدت؛ فإن قربت داره: قوتل قبل الدعوة لعلمهم بالدعوة، بل تطلب غرتهم بالليل والنهار.
فإن بعدت داره: فلا يقاتل إلا بعد الدعوة؛ لأن الدعوة أقطع للشك وأنزه للجهاد - معناه: أنزه عن الإثم.
والرابع: التفصيل بين القبط و [غيرهم من] 3 الروم؛ فالروم يقاتلون قبل الدعوة، والقبط لا يقاتلون حتى يُدعوا.
والأقوال [الأربعة] 4 مذهبية، وكلها من "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من أمره عليه السلام [بالدعوة] 5 قبل القتال هل ذلك لجهلهم بالرسالة والنبوة فتسقط الدعوة في حق من علم بالرسالة، أو ذلك لجهلهم بالسبب الذي نقاتلهم عليه؛ هل ذلك طلبًا للملك والرئاسة، أو ذلك [لتبليغ] 6 [أحكام] 7 الرسالة؛ وهي أن

تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؛ فعلى هذا لابد من الدعوة قبل القتال، بالإنذار وإن دنت الدار واشتهرت النبوة والرسالة في سائر الأمصار.
والتفصيل بين قريب الدار أو بعيدها [حسمًا] 1 [لمادة الشك] 2 وقطعًا لأعذار أهل الشرك.
وتفريق مالك -رحمه الله- بين القبط والروم في وجوب الدعوة على ما في "المدونة": اختلف [المتأولون] 3 في تأويله؛ فقال بعضهم: لعله رأى أنهم لا يفقهون ما يدعون إليه، فرأى أنهم يدعون وتبين لهم الدعوة.
وقال بعضهم: هذه العلة باطلة؛ لأن القبط من أحذق الناس.
وتأول آخرون أن ذلك لحق مارية القبطية أم ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي أم ولده إبراهيم.
وقيل: إن العلة: أن القبط كان لهم عهد وَرُكبُوا بظلم وتداول الملوك ذلك من أهل الجور [فنقضوا] 4 ما كانوا عليه من العهد، فلذلك لا يقاتلون حتى يدعوا ويخيروا أنهم يردون إلى ما كانوا عليه ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط، وهذا أثبت ما قيل في [هذه] 5 المسألة.
واختلف في تبييت العدو قبل الدعوة على قولين: أحدهما: أنهم لا يبيتون حتى يدعوا، وهو قول مالك في "مختصر" ابن

عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن التبييت جائز [قبل الدعوة] 1، وهو قول ابن المواز، واستشهد بقصة [كعب] 2 بن الأشرف وغيره ممن بعث إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من قتله، غيلة على ما ذكر في آثار المدونة في كتاب الجهاد.
وفي المسألة قول خامس بالتفصيل بين الجيوش والسرايا؛ فتجب الدعوة على الجيوش دون السرايا، وهو قول أصبغ في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة" 3؛ لقوله: "لأن سيرتهم غير سيرة السرايا لأنهم يقصدون الإظهار على غير اختفاء، وهم أمراء يقيمون الحدود ويقسمون الفىء".
قال سحنون: "لا فرق بين الجيوش والسرايا، إن وجبت فعلى الجميع، وإن سقطت فعن الجميع" 4. وهو تفسير لأقاويل مالك في المسألة فيتحصل في المذهب أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة".
فإذا قلنا بالدعوة، فما صفتها؟ وهل يدعون إلى الإيمان [وفروعه] جملة واحدة؟ وهو ظاهر الحديث على ما رواه ابن حبيب في كتابه - وإن كان العلماء قد طعنوا في أحاديث ابن حبيب، أو يدعوهم إلى الإيمان أولًا، فإن أجابوا إليه فيدعوهم إلى الفروع ثانيًا [وهذا نص المدونة] 5. وأما صفة الدعوة: فهي مختلفة باختلاف صفة كفرهم؛ لأن

[الصفات] 1 التي بها كفر من كفر مختلفة وإن كانت كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو الكفر؛ فكفار قريش مُقِروّن [بالربوبية ولا يقرون] 2 بالألوهية وأن الله خلقهم ويجعلون له شريكًا، تعالى الله عن قولهم، وينكرون النبوة فيدعون إلى الرجوع عن [هذين الوصفين] 3 بأن يقروا بالوحدانية والرسالة.
وأما اليهود: فمن كان منهم مشركًا يقول: عزيز [ابن الله] 4، وينكر أن محمدًا نبيًا ورسولًا -صلى الله عليه وسلم-، فيدعون إلى الرجوع عن [هذين الوجهين] 5 ومن كان منهم مقرًا بالوحدانية منكرًا للرسالة فيدعون إلى الإقرار بالرسالة.
وأما النصارى: فهم منكرون للوحدانية والرسالة، فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين [وأما المجوس فقد أنكروا الألوهية والرسالة فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين] 6. وأما الصابئون: فإنهم يعبدون الملائكة وينكرون الرسالة، وهم مقرون بالألوهية وينكرون البعث.
فإذا رجع كل فريق من هؤلاء عن الوجه الذي [به] 7 كفر إلى ما دعى إليه كان مؤمنًا، [ثم يدعون] 8 بعد ذلك إلى فروع الإِسلام على الترتيب.

واختلف في السلابة هل يدعون قبل القتال أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهم يدعون إلى أن يتقوا الله ويَدَعُوا ما هم عليه، فإن أبوا فَلْيقَاتَلوا.
وهو قول مالك في "المدونة" 1. والثاني: أنهم لا يدعون لعلمهم بما يدعون إليه.
وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز".
فإن طلبوا الطعام و [الثوب] 2 والأمر اليسير هل يعطون أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهم يعطون ما طلبوا، وهو قول مالك في "المدونة" 3، وظاهره: أنه يجوز أن يعطوا وإن كان المطلوب قادرًا على الامتناع منه.
والثاني: أنه لا يجوز أن يُعْطوا شيئًا إذا كان المطلوب يرجو الظفر بهم والنصرة عليهم لأن إجابتهم على مطلوبهم مع القدرة على مكافحتهم إشلاء لهم على أنفسهم وغيرهم من المسلمين، وقوة لمادتهم وعون لهم على ما هم عليه من البغي والفساد، وذلك ظلم وإثم مبين، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن المواز.
وسبب الخلاف: قتال المحاربين هل تعين على من لقيهم وعلى غيرهم، أو لا يتعين؟ فمن رأى أن قتالهم لا يتعين قال: يجوز أن يسعفهم بمقصودهم فيما

طلبوا.
ومن رأى أن قتالهم تعين على من لقيهم قالوا: إنه لا يجوز أن يعطوا لأن جهادهم قد تعين عليهم.
والقولان قائمان من "المدونة" 1. فعلى قولهم في "كتاب الجهاد": لا بأس أن يعطوا ما طلبوا من الشيء الخفيف: فلا يتعين قتالهم.
وعلى قوله في آخر "كتاب المحاربين" من "المدونة": وجهاد المحاربين جهاد تعين قتالهم.
والقولان ظاهران، والحمد لله وحده.

المسألة الثالثة

في حكم الأسارى و [الغنائم]

1 وجميع ما نيل من العدو 2. وينقسم على خمسة أقسام: ذو القوة من الرجال، والنساء والعيال، وما لا تسرع إليه الأيدي من الأموال وما لا تصبر عنه الأيدي في أكثر الأحوال، وما لا سبيل [إليه من الأموال] 3. فالجواب [القسم] 4 عن الأول: إذا غُنم من العدو ذوو القوة من الرجال: فإن الإِمام مخير فيهم بين خمسة أشياء: القتل، والجزية، والفداء، والمن، والاسترقاق.
فمن هذه الخصال الخمس ما يستوي فيه جميع أنواع الكفار إذا أسروا، [وهو] 5: المن، والفداء، والقتل فيمن يجوز أن يؤسروا.
وقولنا: "فيمن يجوز أن يؤسروا" احترازًا من رهبان الصوامع والديارات ممن بان بنفسه في مخالطة الكفار، ولا يمدهم برأي ولا بمال، ولا تدبير، فهم الذين نهى أبو بكر -رضي الله عنه- عن قتلهم وأسرهم والتعرض لهم في أنفسهم.
واختلف في أموالهم هل تترك لهم، أو تؤخذ منهم على قولين قائمين من "المدونة" 6:

أحدهما: أنهم تؤخذ أموالهم ويترك لهم منها ما يعيشون به، ولا تؤخذ أموالهم كلها [فلا يجدون ما يعيشون به] 1، وهو قول [مالك] 2 في "المدونة".
والثاني: أنها تترك لهم كلها إن عُرف أنها من أموالهم، ولا يؤخذ منها شيء، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر"المدونة"؛ لأنه قال في الكتاب (لا يتعرض له في نفسه).
فكما نهى عن التعرض لنفسه فكذلك ينهى عن التعرض لماله، وهو نص قول مالك في "العتبية" 3 أيضًا.
وأما من لم يَبِنْ بنفسه ممن يخالط جملة أهل الكفر؛ كرهبان [الكتابيين] 4: فإنهم كسائر الرجال المقاتلة [من الكفار] 5 يستباحون بالقتل والأسر والاسترقاق؛ فإن منهم الرأي والتدبير والنكاية على المسلمين فهم أنكى ممن يعمل بيده.
واختلف في النساء إذا ترهبن هل يسبين أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهن أحق أن لا يسبين ولا يستبحن، وهو قول أشهب في "مدونته" 6. والثاني: أنهن يسبين بخلاف الرجال، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: هل العلة الموجبة للصون كونهم مترهبة فيستوي [في

ذلك] 1 الذكر والأنثى، أو كونه ذكرًا مترهبًا فيفترق الحكم بين الذكر والأنثى؛ وذلك لأن الراهب قد كفى المسلمين بأسه وقمع عن أذيتهم شوكته، فاستحق بذلك أن يعفى في نفسه على الاتفاق، وفي ماله على الاختلاف، بخلاف المرأة لا نكاية لها ولا شوكة ترهبنت أم لا.
والتخيير في هذه الأشياء موكول إلى اجتهاد الإِمام فمن كانت منه نكاية وكان قد قاتل المسلمين: فأرى أن شفى صدور المسلمين في قتله وإن كان استرقاقه واستحياؤه غير محرم، وكذلك إن كان لا تؤمن غائلته إن استحيى أو إن نفر إلى موضعه أو أن يصير عينًا على المسلمين فقتله أحسن.
وإن لم تتقدم له نكاية وأمنت غائلته فاسترقاقه أو الجزية فيه أحسن والقتل غير محرم.
وأما المن: فيحسن لكل من يرجى بردِّه صلاح أو كسر شوكة.
وأما الفِّدَاء: [فحسن] 2 لمن لا يعرف بالشجاعة وإن أسقط الإمام عن الأسير القتل وأبقاء ليرى فيه رأيه في [أحد] 3 هذه الوجوه الأربعة بما سوى القتل لم يجز أن يقتله بعد ذلك.
وإن منَّ عليه لم يجز أن يحبسه عن الذهاب إلى بلاده إلا أن يشترط عليه أن يبقى فيضرب عليه الجزية.
فإن أبقاه للجزية: لم يجز له أن يسترقه.
ويجوز له أن يفدى به برضاه.
وإن أبقاه على وجه الاسترقاق: جاز أن ينتقل معه إلى الجزية كذلك ذكر الشيخ أبو الحسن اللخمي، وهذا كله في أهل الكتاب.
وأما من لا كتاب له من مشركي العرب هل يخير فيهم بين الخمسة

أشياء كما يخير [في غيرهم] 1 من أهل الكتاب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يخير فيهم كما يخير في أهل الكتاب.
والثاني: أنهم بخلاف أهل الكتاب في التخيير.
ويبنى الخلاف على الخلاف في الجزية هل تؤخذ من مشركي العرب كما تؤخذ من غيرهم من أهل الكتاب أم لا؟ فمن رأى أنها تؤخذ [منهم] 2: قال بالتخيير [للإمام] 3 فيهم بين الخمسة [أوجه] 4. ومن قال لا تؤخذ منهم الجزية: اختلف هل يخير فيهم بين أربعة أشياء أو بين ثلاثة أشياء على قولين: أحدهما: أنه يخير فيهم بين أربعة أشياء؛ المن، والقتل، والفداء، والاسترقاق.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: [أن] 5 الإِمام مخير فيهم بين ثلاثة أشياء؛ القتل، والفداء، والمن، وليس له أن يسترقهم.
وهو قول ابن وهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في العرب إذا سبوا هل يُسترقُّون بالسبى كما يسترق غيرهم من أهل الكتاب [أم لا] 6؟ فمن رأى أنهم يسترقون بالسبى: قال فيهم بالتخيير بين أربعة أشياء،

وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 1: (إن العرب يسترقون إذا سبوا كالعجم).
ومن رأى أنهم [لا] 2 يسترقون بالسبى قال: يخير فيهم بين ثلاثة أشياء.
وقد أتقنا الكلام في هذا المعنى في "باب الجزية" في "كتاب الزكاة" إتقانًا لا نزيد عليه، والحمد لله وحده.
والجواب عن [القسم] 3 الثاني: في سبى النساء والعيال والمستضعفين من الرجال.
وفي الحديث: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان" 4. وفي حديث آخر: "والشيخ الهرم".
وفي حديث آخر: "لا تقتلوا ذُرِّيَّة ولا عَسِيفًا" 5 والعسيف: هو الأجير.
قال ابن حبيب 6: وورد النهي عن قتل الفلاحين والأكارين، قال ابن حبيب: وهم الحراثون الذين لا ينصبون حربًا ولا تخشى منهم غورة ولا كيد.

وأما النساء: فلا يخلو حالهن من وجهين: إما أن ينتصبن للقتال، ويعرضن للنزال، أو لا ينتصبن للقتال بل كففن إذايتهن عن المسلمين على كل حال.
فإن كفون المسلمين إذايتهن ولازمن عند التحام الحرب قعر بيوتهن حتى لا ينال المسلمين شيء من إذايتهن: فلا خلاف عندنا في تحريم قتلهن؛ لأن الشرع قد تجافى [عن عقوبة النساء] 1 على الجملة في القتال [لعجزهن] 2 عن مبارزة الرجال ومكافحة الأبطال وتحمل الأهوال، وإنما كلفن حسن التبعل للرجال والتستر بوراء الحجال بخلاف الأحرار البالغين من الرجال الذين عندهم آلة النكاية بالقتال: فليس في جواز قتلهم إشكال.
وإن كن يدمن [وسم] 3 الفر [بالخنا] 4 ويمدحن الكر بالغنا، وذلك أنهن ينشدن في أشعارهن وينثرن في أنثارهن 5: نحن بنات طارق ... كالدم في المرافق إن تقبلوا نعانق ... [نفرش] 6 النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق بل هن وسائر الأطفال حشد و [معونة] 7 على القتال ومادة كسائر الأموال.
وقال عمر -رضي الله عنه: اتقوا قتلهن إذا التقى الزحفان، وعند مزاحمة النهضان، وفي شن الغارات، إلا أن يباشرن الكفاح ويشهرن

السلاح.
وهو الوجه الثاني من أصل التقسيم، فحينئذ ينظر: فإن باشرن القتال بالسلاح، أو كن على [الأسوار] 1 يرمين بالحجارة فقتلن أحدًا: فلا خلاف في المذهب -أعلمه- في جواز قتلهن في حين المسابقة [لوجود المعنى المبيح لقتلهن] 2، وكذلك يباح [قتلهن] 3 بعد الأسر إذا قاتلن.
فإن رمين بالحجارة ولم [يظهرن] 4 النكاية ولا قتلن أحدًا: فلا يقتلن بعد الأسر اتفاقًا.
وهل [يعرض] 5 عنهن في حين المقاتلة ويشتغل بغيرهن أو يقاتلن قتالًا يكفهن من غير أن يؤدي إلى قتلهن، وهذا يتخرج على قولين فإن أشهرن السلاح وباشرن الكفاح فقاتلن ولم يقتلن حتى أسرن، فهل يقتلن بعد الأسر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهن يقتلن بعد الأسر كما يقتلن في حين القتال، وهي رواية يحيي بن يحيى عن ابن القاسم في "العتبية" 6. والثاني: أنهن لا يقتلن بعد الأسر وإن وجد منهن القتال، وهو قول سحنون في [كتابه 7] 8. وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما كانت هذه

تقاتل" 1، [فدليله] 2 أنها لو كانت تقاتل لقتلت في حين القتال وبعد القتال، وهذا على القول بدليل الخطاب.
وقد اختلف المذهب عندنا في القول به.
ومن فهم من قوله عليه السلام: "ما كانت هذه تقاتل" 3 أن قتلها يجوز في حين القتال للضرورة الداعية إلى الذَّب عن المسلمين، والحرص على إسفاك دم من [صادفهم] من المشركين - ذكرًا كان أو أنثى.
فإذا عدم ذلك المعنى عاد الحظر لما كان وصرف بالأسر غنيمة للمسلمين [فلا يقتلن] 4. والصبي المراهق [في المشركين] 5 في جميع ما ذكرناه كالنساء والعواتق [لا فرق] 6 سواء.
واختلف في الصبي إذا أنبت الشعر ولم يحتلم هل يقتل أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة": فأكثر أصحاب مالك على أنه يقتل.
وذهب ابن القاسم وغيره إلى أنه لا يقتل حتى يحتلم.
وقد أمر عمر -رضي الله عنه- بقتل من جرت عليه المواسي.
وقد ذكرنا [دلائل] 7 البلوغ في "كتاب الصيام"، ولعل أن تكون لنا العودة

إلي زيادة البيان لهذا المعنى في "كتاب القطع في السرقة" إن شاء الله تعالى.
وأما الشيخ [الكبير] 1 الفاني الذي لا تخشى منه نكاية ولا يبتغى من رأيه [غائلة] 2 ذميمة: فلا إشكال أنه لا يقتل، وهو مذهب "المدونة".
ومن قتل من نهى عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ كبير: فلا يخلو قتله إياه من أن يكون بدار الحرب قبل أن يصير في المغنم [أو بعد أن صار مغنمًا.
فإن قتله من قبل أن يصير في المغنم] 3: فليستغفر الله، ولا شيء عليه [وهو قول سحنون] 4. وإن قتله بعد أن صار في المغنم: فعليه قيمته لجعل ذلك في المغنم.
وهو قول سحنون أيضًا.
واختلف في الأُجَرَاء والحَرَّاثِين وأهل الصناعات إذا لم يخش من جهتهم وأمنت ناحيتهم فهل يقتلون أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنهم [لا] 5 يقتلون، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد، وبه قال عبد الملك في الصُنَّاع بأيديهم ويراهم كالأُجَرَاء.
وكل من لم يكن من مقاتلتهم إذاية وإنما يجلبون [للكثرة والعمل] 6: فحكمهم حكم من ذكرنا عند ذكرهم.
والثاني: أنهم يقتلون [كلهم] 7 كالأجير وغيره ممن ذكرنا.

وهو قول سحنون، قال: وما ذكر من النهي عن قتل من ذكرنا فإنه لم يثبت، قال: هم وغيرهم من الكفار سواء 1. قال: وأما [ذوو] 2 الأعذار من الزمنى، والمرضى، والعميان، [والأشلاء] 3 والأعرج: فلا يخلو من أن يخشى منهم في الحال [لما ظهر منهم من الحيل والتدبير أو لا يخشى منهم إلا في المآل فإن خشى منهم في الحال] 4 لما يكون من [خيانة] 5 غيرهم وعلمهم بمصالح الحرب: فلا خلاف أنهم يقتلون جميعًا وإن كان لما يتوقع منهم في ثاني حال.
أما المريض فإن كان شابًا: فالنظر فيه إلى الإِمام كسائر الأسارى: وإن كان شيخًا: فلا يقتل إذا كان صحيحًا، فكيف إذا كان مريضًا.
وأما من عداهم من سائر الزمنى وذوى الأعذار: فقد اختلف المذهب في جواز قتلهم على قولين بعد الاتفاق على جواز أسرهم: أحدهما: أنهم يقتلون ولا يستحيون لما يتمكن منهم ويتصور من جر الجيوش وإقامة الرأي والتدبير والمكر والخداع، وهو قول سحنون 6. والثاني: أنهم لا يقتلون؛ إذ لا رأي لهم ولا تدبير في الحال [لأنهم كالحشوة ويحملهم على أنهم غير منظور إليهم حتى يتبين أنهم ممن يرجع إلى رأيهم وتدبيرهم وهو قول ابن حبيب] 7.

وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
والجواب عن [القسم] 1 الثالث: في [سبى] 2 ما لا تسرع إليه الأيدي من الأموال؛ مثل العبيد والحيوان وسائر العروض التي لم تجر العادة بالانتفاع بها بعد الغنيمة إلا بعد القسمة وخروج الخمس منها فذلك موقوف في حوطة [الأمير] 3 حتى يقسمه بين الغانمين، ولا سبيل إلى أن يمدوا إليه أيديهم للعدوان، وجائز لمن احتاج إلى دابة يركبها لبعض حوائجه أو فرس يقاتل عليه [أو سلاح يقاتل به] 4 أن يأخذ ذلك من الغنيمة قبل القسمة ويرده بعد أن قضى منه وطره، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقد وقع لعلي بن زياد رواية من مالك في "كتاب الجهاد" من "المدونة" أنه لا يجوز أن ينتفع من الغنيمة بدابة ولا سلاح؛ إذ لو جاز ذلك لجاز أن يأخذ العين ويشتري به.
وقال بعض المتأخرين: وهذا الذي قاله لا يلزم ابن القاسم ولا يأباه، ولو لم يجز ذلك في الغنيمة لجاز له أن يأخذ العين ويشتري به عند ابن القاسم.
والذي قاله عليّ أظهر في النظر لأنه مال مشترك بين الغانمين، فلا سبيل [إلى] 5 أن يختص أحد منهم بشيء دون سائر أصحابه.
والذي قاله ابن القاسم أشهر في الرواية، وهو في النظر ضعيف، اللهم إلا أن يكون هناك عرف متقدم يشهد بصحة ما صار إليه فيصار إليه؛

كالطعام إذا احتيج إليه، على ما سنبينه في قسمه إن شاء الله تعالى.
وأما [ما] 1 أخذ من الغنائم على وجه العدوان: فلا يخلو من أحد وجهين: أحدهما: أن يؤخذ منها قبل الحَوْز.
والثاني: أنه يؤخذ منها بعد الحَوْز، وبعد أن صارت في حوطة صاحب الغنائم.
فأما ما أخذ منها [قبل] 2 الحوز مما يستأثر به بعض الغانمين عن بعض مما لم تجر العادة بإحاطة الانتفاع به لأهل الجيش؛ إما لكونه مستغنى عنه، وإما لكونه نفيسًا في قدره: فذلك يسمى غلولًا على الحقيقة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أدوا [الخائط والمخيط] " 3 [وقال] 4: "الغلول عار ونار وشنار على صاحبه يوم القيامة" 5. فأما ما أخذ منها بعد الحوز وبعد أن صارت في [حوطة] 6 صاحب المغانم: فذلك يسمى غلولًا وسرقة.
وكلاهما محرمان بالكتاب والسنة على الجملة.
وقد اختلف في الغنيمة بماذا تملك على أربعة أقوال كلها قائمة من

"المدونة": أحدها: أنها تملك بالإيجاف والإدراب إلى أرض العدو، ومن مات من أهل العسكر ساعتئذ أو ضلَّ عن أصحابه قبل الغنيمة: فإن الميت يورث [عنه] 1 سهمه، والذي ضلّ يأخذ سهمه، وهو ظاهر قول مالك في المدونة فيمن ضل عن أصحابه بعد الإدراب أو ردت الريح بعض المراكب إلى أرض الإِسلام غلبة واضطرارًا وفُقِدَ الباقون فغنموا [الغنيمة] 2 أن [الغنيمة] 3 بين جميعهم، ولا يحرم من ضل ولا من ردته الريح، وهو قول عبد الملك في غير "المدونة" 4. والثاني: أنها لا تملك إلا بالقتال، فمن شهد القتال ثم مات قبل الغنيمة: فسهمه من الغنيمة موروث وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب عندهم.
والثالث: أنها لا تملك إلا بالأخذ والحوز، وهو قول [ابن نافع] 5 في "المدونة" في "كتاب القطع في السرقة" و"كتاب الرجم"، وغيرهما من كتب "المدونة".
والرابع: أنها لا تملك إلا بالقسمة، وهو ظاهر رواية ابن القاسم [في المدونة] 6: أن من سرق من الغنيمة أو زنا بجارية منها: فإنه يحد ويقطع.
وقال غيره وهو ابن نافع: لا يقطع حتى يسرق ما فوق حقه بثلاثة

دراهم على تفصيل سحنون في ذلك في غير "المدونة" 1، على ما سنوضحه إن شاء الله في موضعه.
وهذه الأقوال كلها ظاهرة لا مراء فيها، ولا خفاء على من طالع الكتاب.
واختلف المذهب -عندنا- فيمن بعثه الأمير لمصالح المسلمين هل يسهم له أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنه يسهم له، وهي رواية ابن وهب وابن نافع عنه، مثل أن يبعث الإِمام قومًا من الجيش [قبل أن يصل إلى بلاد العدو في أمر من مصالح المسلمين وأهل الجيش من حشد وإقامة أسوار أو غير ذلك فانشغلوا بذلك حتى غنم الجيش] 2. والرواية الثانية: أنه لا يسهم له ولا يأخذ معهم شيئًا.
وسبب الخلاف: ما روي في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم لطلحة وسعيد بن زيد -وهما غائبان بالشام- وما ثبت عنه أيضًا - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم لعثمان - رضي الله عنه - يوم بدر لتخلفه واشتغاله بابنته - صلى الله عليه وسلم -، هل ذلك من خصوص النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يحل لأحد من الأمراء أن يفعله بعد، أو ذلك شريعة متبعة إلى يوم القيامة؟ وباقي الكلام في قسمة الغنائم يأتي في موضعه إن شاء الله، وإنما قدمنا الكلام هاهنا على [هذا الفصل] 3 قبل بلوغ موضعه في الكتاب لضرورة التحصيل وترتيب [الأقسام] 4 الكلام.

والجواب عن [القسم] 1 الرابع: فيما لا تصبر عنه الأيدي في أكثر الأحوال؛ مثل الطعام والإدام والعلف: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يدخل في المقاسم إلا ما استغنى عنه أهل الجيش، ومن وجده كان أحق به، ومن احتاج إليه ممن لم يجد شيئًا ليس على من وجد أن يواسيه إلا برضاه، وله أن يأخذ من المغنم بغير إذن الإمام، ويجوز أن يبيع من وجد قمحًا، ممن وجد لحمًا يدًا بيد.
وهل يجوز ذلك غير يد بيد؟ قولان.
فإن باع ليوفر الثمن: فبيعه ماض ويؤخذ منه الثمن ويجعل في المغانم.
وإن أخذ منه طعامًا ينفق منه [إلى بلده] 2 ففضلت منه فضلة: قال مالك: "يأكل القليل ويتصدق بالكثير".
وقال محمَّد: إن كان كثيرًا حبس منه اليسير الذي [لو] 3 لم يبق [منه] 4 إلا هو [لأخذه] 5، ويتصدق بالبقية.
ولو أقرضه لأحد ما كان يجوز له أن يأخذ منه [شيئًا] 6 بعد وصولهم إلى بلادهم، والأصل في ذلك حديث الجراب: أن رجلًا من المسلمين [أخذ] 7 جرابًا مملوءًا بشحم يوم خيبر من [شحوم] 8 اليهود، فضربه صاحب الغنائم وأراد أن يأخذها منه ويجعلها في الغنائم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "خل بين الرجل وبين جرابه يذهب إلي أصحابه" 9.

فكان ذلك سنة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام [والإدام] 1 في كل من دعته الحاجة إليه.
وهل يقاس عليه ما عداه من سائر الدواب والعروض إذا احتيج إلى الانتفاع به أم لا؟ فعلى رواية ابن القاسم: يجوز القياس، وعلى رواية ابن وهب: لا يجوز.
والجواب [عن القسم الخامس] 2 فيما [لا سبيل فيه إلى] 3 الانتفاع مثل الدور، والأرضين هل يجوز قسمتها بين الغانمين على سنة الغنائم أم لا؟ فقد اختلف المذهب في ذلك اختلافًا كثيرًا، وتحصيله ما أشار إليه بعض المتأخرين: أن الأرض التي ظهر عليها المسلمون من أرض المشركين لا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بعيدة من حضرة المسلمين.
والثاني: أن تكون قريبة من المسلمين.
والثالث: أن تكون بين أظهر المسلمين.
أما الوجه الأول: إذا كانت بعيدة عن حضرة المسلمين ولا يستطاع سكناها [للخوف] 4 من العدو، ولا يرجى للمسلمين امتداد العمران واتصال السكنى إلى ذلك المكان: فإنه يهدم ويحرق ويقطع منه الشجر المثمر [وغير المثمر] 5؛ لأن ذلك نكاية في العدو.

وأما الوجه الثاني: وهو ما كان بقرب المسلمين وهم قادرون على عمارتها، إلا أنهم لا يقدرون، إلى الانتقال إليها واتخاذها محلًا للسكنى لكونها على الطرف، وقد لا يؤمن أن يفجأهم العدو بغتة حتى لا يبقى فيها التنافس كثيرًا: فإن الإِمام يقطعها ويخرجها من رأس مال الغنيمة لمن رأى فيه جرأة ونجدة ليكون هناك ركيزة وعدة في نحر العدو [وزورًا] 1 للمسلمين، ولا مقال لأهل الجيش في ذلك.
وأما [الوجه الثالث: وهو] 2 ما كان بين أظهر المسلمين ووقع فيه التشاحح والحرص، وكل واحد من أهل الجيش حريص على حقه فيه فهل تجوز قسمته أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يوقف ولا يقسم ولا حق لأهل الجيش فيه خصوصًا، بل هو أسوة للمسلمين وهو قول ابن القاسم وابن نافع في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب" من "المدونة".
والثاني: أنه يقسم كسائر الأموال، ولا يجوز حبسها عن الغانمين.
وهو ظاهر قول مالك في بعض روايات "المدونة" في قوله: (وكل أرض افتتحت عنوة فتركت لم تقسم ولو أرادوا أن يقسموها لقسموها).
[فهذا] 3 دليل على أنها تقسم إذا طلب الغانمون القسمة فيه.
وبه قال بعض العلماء: وهو الأظهر في النظر والأثر.
والثالث: أن ذلك موكول إلى الإِمام يجتهد فيه، إن رأى أن يقسمها قسمها، وإن أراد أن يوقفها وقفها.

وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الزكاة الأول"، و"كتاب الجهاد" من "المدونة".
والأقوال [الثلاثة] 1 كلها قائمة من "المدونة" لا تخفى على من دقق النظر فيها.
وسبب الخلاف: تعارض آية الأنفال لظاهر آية الحشر؛ وذلك أن الله تعالى قال في آية الأنفال ﴿وَاعْلَمُوا أنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأَن لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 2. وهذا العموم يقتضي قسمة كل ما ينطلق عليه اسم شيء مما غنم.
وقال في آية الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ 3 إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ 4. فظاهر هذه الآية يقتضي الوقف دون القسمة.
فاختلف العلماء هل وقع بين الآيتين نسخ أم لا؟ على ما هو مشهور في مسائل الخلاف.
والصحيح -والله أعلم- أن ليس [بين الآيتين] 5 نسخ ولا تعارض؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم النضير بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار منهم أبو دجانة، والحارث بن الصمت, وسهل بن حنيف، وقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجميع المهاجرين لحاجتهم [ومسكنهم] 6 وخروجهم من ديارهم وتركهم لأموالهم، ولتخف مؤونتهم عن الأنصار.
ولم يقسم للأنصار فيها شيئًا إلا الثلاثة المذكورين لحاجتهم ومسكنتهم.

ولم يخمسها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنها أخذت بغير قتال، ولا أوجف عليها.
وقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر [وقريظة] وفدك؛ فدل ذلك على أن القسمة جائزة، وأن النسخ بين الآيتين غير صحيح.
وقال عمر -رضي الله عنه- (لولا من يأتي لم أدع قرية افتتحت عنوة إلا قسمتها كما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر) 1. فأخبر عمر -رضي الله عنه- أنه إنما ترك قسمتها باجتهاده وليس بمنع [من] 2 النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا بنص، والحمد لله وحده.

المسألة الرابعة

في الحربى إذا [أخذ]

1 فقال: جئتُ لأطلب الأمان 2 فقد وقع في الكتاب منها أسئلة وأجوبة، ظاهرها اختلاف واضطراب، ونحن نسردها على حسب ما هي [عليه] 3 في الأم.
ولقد سئل مالك عن الرجل [الحربى] 4 يلقاه المسلمون فيقول: إنما جئت أطلب [الأمان] 5، فيقال: [كذبت ولكنا] 6 حين أخذناك اعتللت بهذا.
قال مالك: وما يدريهم هذه أمور مشكلة، و [أرى] 7 أن يرد إلى مأمنه.
ثم قال بعد ذلك: أرأيت الرومى يحل بساحلنا فينزل بغير أن يعطى أمانًا، فيقول: ظننت أنكم لا تعرضون لمن جاء لتجارة حتى يبيع.
قال: سمعت مالكًا سأله أهل المصيصة، فقالوا: إنا نخرج في بلادنا ونلق العلج مقبلًا إلينا، فإذا أخذناه قال: إنما جئت أطلب الأمان؟ قال مالك: هذه أمور مشكلة، وأنا أرى أن يرد إلى مأمنه، فأرى هؤلاء إما قبلت منهم ما قالوا، وإما رددتهم إلى مأمنهم أيضًا.
وروى ابن وهب عن مالك في قوم من العدو يخرجون بغير إذن الإِمام

على ضفة البحر في أرض المسلمين فيزعمون أنهم تجار، وأن البحر لفظهم تعبًا ولا يعرف المسلمون تصديق ذلك إلا أن مراكبهم تكسرت ومعهم السلاح ويشكون العطش الشديد فينزلون للماء بغير إذن إمام المسلمين؟ قال مالك: ذلك للإمام يرى فيهم رأيه، ولا أرى لمن أخذهم فيه [خمسًا ولا دال ولا غيره] 1، ولا يكون الخمس إلا فيما أوجف عليه بالخيل والركاب.
ولم يبين في سؤال الملاقاة هل ذلك في بلاد الحرب أو في بلاد المسلمين، ولم يبين أيضًا في السؤال الأول في البحر هل كان معهم السلاح أم لا ولا يبين في السؤال الثاني هل كانت معهم تجارة أم لا؛ فطاشت أحلام ذوي الألباب في تحصيل هذا الباب.
والذي يحصره ثلاثة أوجه: أحدها: أن يظهر [معهم] 2 دليل التصديق.
والثاني: عكسه.
والثالث: أن يجهل أمرهم.
فالجواب عن الوجه الأول: وهو أن يؤخذوا ومعهم دلائل التصديق؛ مثل أن يلقى [العلج] 3 يدعي أنه رسول بعث لأمر بين المسلمين والروم، ومعه مكاتبة [بعثه بها الأمير] 4، أو قال: جئت للفداء، وله في بلاد المسلمين ما يفدي، أو له في بلاد المسلمين قرابة: فإنه يقبل قوله.
وكذلك من وجد منهم على السواحل وزعموا أنهم تجار ومعهم التجارة

التي [من] 1 العادة السفر بها إلى بلاد المسلمين: يصدقون ولا يستباحون.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا ظهر منهم دليل التكذيب؛ مثل أن يدعي أنه رسول، ولا مكاتبة معه وليس مثله يُرْسَل، أو لم يكن له من يفديه ولا قرابة [له] 2 في بلاد المسلمين، أو لم تكن عادته السفر إليها أول لا متاجر معهم ومعهم السلاح: فهم فيء ويرى فيهم الإِمام رأيه.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أشكل أمرهم وجهلت حالتهم، ولا ظهرت معهم دلائل التصديق ولا دلائل التكذيب: فلا يخلو العلج عن أن يؤخذ ببلاد العدو، أو في بلاد الإِسلام.
فإن أخذ ببلاد الكفار وهو مقبل إلينا، فقال: جئت أطلب الأمان، هل يقبل قوله أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يستباح ويرد إلى مأمنه، ولا يكون فيئًا، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه يكون فيئًا [ويستباح ولا يقبل قوله] 3 وهو قول أشهب في "مدونته".
فوجه قول مالك: بأن ذلك أمر مشكوك فيه فلا [يستباح] 4 إلا بيقين، والترك أحسن.

ووجه قول أشهب: أن هذا مشرك أخذ بوجه غلبة بلا عهد [ولا أمان] 1 فيجوز استرقاقه؛ كما لو أخذ في المعترك.
وإن أخذ بعد أن دخل بلاد الإسلام: فاختلف فيه المذهب على قولين: أحدهما: أنه يكون [فيئًا] 2 ويرى فيه الإِمام رأيه إلا أن يكون جاسوسًا فيقتل سواء أخذ بحدثان قدومه أو بعد طول، وهو قول سحنون.
والثاني: التفصيل بين أن يؤخذ بفور قدومه: فيرد إلى مأمنه.
وإن أخذ بعد طول مكثه في البلد ولم يشعر به: فهو فيء، ويرى فيه الإمام رأيه ولا يكون لمن [وجده] 3، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" 4. ومعنى قوله: (يرى [فيه] 5 الإِمام رأيه): بأن يخير فيه كما يخير في الأساري.
وقول سحنون في هذه المسألة كقول أشهب في التي [قبلها] 6 والتوجيه واحد.
وتفريق ابن القاسم بين القرب والبعد: أنه إذا كان بالقرب كان كالأول، وإذا كان بالبعد كان دليلًا على تكذيبه.
وهكذا الحكم في أهل المراكب أيضًا إذا أشكل علينا أمرهم، وهم ممن يختلف إلينا بالتجارة، ولم يدر أكانت [معهم] 7 متاجر أم لا؟ أو كانت

معهم متاجر وخيف أن [يظهروا بالتجارة] 1 خديعة ومكرًا واصطيادًا لغفلة المسلمين، وهذا مما يجري فيه قولان أيضًا، والصحيح من الأقوال أن المسلمين إذا استنكروا أحوال من قدم إليهم من البحر بتجارة من أهل الحرب وتوجس في قلوبهم الخوف منهم، ولاسيما [إن كان] 2 نزولهم في موضع [يستضعفونه] 3 من بلاد الإِسلام: أن الإِمام يرى فيهم رأيه، ولا ينبغي للمسلمين أن يقبلوا لهم قولًا؛ لأن ذلك أخذ بالحزم في حماية [بيضة] 4 الإسلام.
وقول يحيي بن سعيد وربيعة في المدونة وفاق للمذهب وقول ربيعة هو نص قول سحنون في كتاب ابنه فإذا نزلوا بأمان فباعوا واشتروا [ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم] 5، فهل لهم الأمان حتى يردوا بلادهم [أو حتى يقربوا مأمنهم؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة أحدهما: أن لهم الأمان حتى يردوا بلادهم] 6 وهو نص "المدونة".
والثاني: أن لهم الأمان حتى يقربوا [بلادهم] 7 ويبعدوا من بلاد الإِسلام، فمن أخذهم [حينئذ] 8 من المسلمين من أهل مملكة السلطان الذي أمنهم، أو من غير أهل مملكته: فهم حلال له، وعليه فيهم الخمس.
وهو قول عبد الملك في "الواضحة" وظاهر "المدونة" في الحربى إذا أخذ

ببلاد الإسلام [بوجه] 1 مشكل؛ حيث قال: "يرد إلى مأمنه"، ولم يقل حتى يصل إلى بلاده، فإن رجعوا بعد بلوغهم مأمنهم اختيارًا أو اضطرارًا، هل يستباحون أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم حِلٌ لمن أخذهم، وهو قول عبد الملك 2. والثاني: أنهم لا يكونون فيئًا، والإمام يرى فيهم رأيه إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم، وهم على مأمنهم حتى يصلوا بلادهم.
وهو ظاهر قول مالك في المدونة على إحدى الروايتين أن لهم الأمان ما داموا في بحرهم بالباء، وفي رواية أخرى: ما داموا في تجرهم بالتاء فوقها نقطتين.
والثالث: التفصيل بين أن يرجعوا مغلوبين أو مختارين.
فإن رجعوا مغلوبين: كان الإمام فيهم مخيرًا.
وإن رجعوا مختارين: فهم [على] 3 حل، وهو ظاهر المدونة أيضًا لأنهم إن رجعوا غلبة كانوا على الأمان الأول، وإن رجعوا اختيارًا [كانوا] 4 كابتداء سفر [آخر فلا يدخلون إلا بأمان] 5، فإذا رجعوا ووقعوا عند غير الإِمام الذي أمنهم، هل يستباحون أو يستصحب معهم ذلك الأمان حيث ما حلوا في بلاد المسلمين؟

[فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهم على ذلك الأمان الذي أمنهم حيث ما حلوا في بلاد المسلمين] 1 ما داموا في تجرهم أو في بحرهم، على اختلاف الروايتين، وهو نص المدونة.
والثاني: أنهم لا أمان لهم من غير ذلك السلطان.
سواء وقعوا عنده أو لقيهم في البحر بقرب أو بعد وهو قول عبد الملك في "الواضحة".
فوجه قول ابن القاسم: أنهم على الأمان [الأول] 2 ما داموا في بلاد الإسلام؛ لقوله عليه السلام: "يجير على المسلمين أدناهم" 3. فإذا كان أمان العبد والمرأة والصبي [المراهق] 4 [يحصن] 5 دم الكفار ويمنع من [استحلاله] 6، فما ظنك بأمان السلطان الذي له الأمر والنهي والحل والعقد، وكان أمانه لازمًا لجميع الأنام لاتحاد حرمة [الإسلام] 7 وسنة الله في أرضه واحدة، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
وعبد الملك يرى أن نظر هذا السلطان لا يلزم غيره من السلاطين؛ إذ كل واحد مستقل بأمره ومشتغل بمصالح دولته وينسج بحسن نظره في حله وعقده، وعلى الاستقلال عقدت له الولاية وسلمت له الرياسة، وكيف يرجع إلى رأى غيره، ويعتد بالعقد الذي عقد غيره، ولكل وجه من النظر [والأول أظهر والله أعلم والحمد لله وحده] 8.

المسألة الخامسة

فيما يوجد من الغنائم من أموال المسلمين وأموال أهل الذمة

وما يوجد فيها من أحرار المسلمين وأحرار أهل الذمة 1. ولا يخلو ذلك المال من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعلم أنه لمسلم بعينه.
الثاني: أنه لمسلم مجهول العين والموضع.
والثالث: أنه لا يدري هل هو لمسلم أم لا؟ فالجواب عن الوجه الأول: [إذا علم أنه لمسلم بعينه.
فلا يخلو من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا دفع إليه بغير عوض.
وإن كان غائبًا فلا يخلو من أن يكون مما يحتاج نقله إلى كلفة ومؤنة أم لا؟.
فإن كان مما يحتاج إلى كلفة ومؤنة وربما يأتي الكراء على كثير من ثمنه فإن الإِمام يبيعه ويبعث إليه ثمنه إن كان ذلك الشيء مما يجوز بيعه.
وإن كان لا يحتاج فيه إلى كلفة وكان الكراء عليه أفضل لصاحبه فإن الإِمام يكرى عليه ويوصله إلى ربه إلا ألّا يوجد من يتكلف ذلك فيباع ويبعث إليه بثمنه] 2. وأما الوجه الثاني: إذا عرف أنه لمسلم لا يعرف بعينه ولا يعلم موضعه هل يتعجل قسمته أم لا؟.
فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يقسم ولا يوقف وهو نص مالك في كتاب الجهاد من المدونة 3.

والثاني: لا يقسم ويوقف كاللقطة توجد أو كالضالة توقف لرجاء معرفة [ربها] 1. فإن لم يعرف بيع ويصير مغنمًا وهو قول ابن المواز وهو ظاهر المدونة في "كتاب اللقطة".
وينبني الخلاف: على الخلاف في الخلاف هل يراعى أو لا يراعى؟ فمن رأى أنه يراعى قال: إنه يقسم؛ لأن الأوزاعي [- رضي الله عنه -] 2 يقول: يقسم وإن عرف صاحبه وكان حاضرًا.
ومن قال بالاستثناء فقد لاحظ جانبين جانب الخلاف وجانب اللقطة.
وينبني الخلاف فيه أيضًا على الخلاف فيما حازه المشركون من أموال المسلمين هل يقطع ملك المسلمين أم لا؟ وقد اضطرب فيه المذهب عندنا؛ فمرة قال -أعني صاحب المذهب- لا يقطع الملك، وأنه إن أدرك شيئه قبل القسمة فهو أحق به بغير شيء.
وإن أدركه بعد القسمة فهو أحق به بالثمن ما لم يفوته المشتري على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
والذي يقتضيه النظر: أن يكون أحق به بغير ثمن، سواء أدركه قبل القسمة أو بعدها لولا الحديث وما اشتهر من ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أخذها المشركون في سرح المدينة يدل على أن استيلاء المشركين لا يقطع ملك المسلمين؛ لأن استيلاءهم محظور، وأسباب المحظورات لا [تترك] 3 عليها أحكام الشريعة، وهذا نص المدونة

وغيرها.
ومرة قال: إن استيلاءهم يقطع الملك، وهو ظاهر قوله في "المدونة" 1: (إذا أسلم [الحربى] 2 ببلده ثم قدم إلينا وخلف أهله و [ولده] 3 في دار الحرب، ثم غار المسلمون على تلك الدار فغنموا أهله وماله وولده: أن ذلك كله يكون فيئًا).
وهذا فيه بناء على أن حوز المشركين يقطع الملك، فإذا جعل حوز الدار [يقطع الملك] 4 فبأن يقطعه حوز أهل الدار أولى وأحرى، وهذا ظاهر لمن أنصف وتأمل وصفًا كما وصف.
والجواب عن [الوجه] 5 الثالث: إذا جعل حاله ولا يدري هل هو لمسلم أم لا؟ فهذا لا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه يجوز الإقدام على قسمته.
فإذا قسمت الغنيمة، ثم جاء من يستحق منها شيئًا بعد القسمة: فلا يخلو المُسْتَحَق منها من أن يكون عروضًا، أو حيوانًا ناطقًا أو صامتًا.
فإن كان عروضًا، أو حيوانًا صامتًا: فلا يخلو من أن يكون قائمًا بيده أو فائتًا ببيع.
فإن كان قائمًا بيده: فالخيار لربه إن شاء أخذه بالثمن الذي أخذه به [من الغنيمة] 6 -شاء مشتريه أو أبى، كان من أهل المغنم أو من غيرهم- وإن

شاء تركه [وسلمه] 1 لمن أخذه من المغنم.
فإن فوته ببيع؟ هل يبقى الخيار لمستحقه في نقض البيع وأخذه بالثمن أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة": أحدهما: أن ذلك فوت وليس له إلى فسخ البيع الثاني سبيل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" 2 فيما إذا اشتراه من أرض الحرب ثم باعه لغيره بعد قدومه به، أو قتل ثم استحقه [مالكه] 3 أنه لا يأخذه [من] 4 الثاني.
ولا فرق بين أن يشتريه من دار الحرب أو من المغنم، ثم للمستحق أن يأخذ الزائد من المشتري الأول إن باعه بربح.
وإن باعه بوضيعة أو بمثل الثمن: فلا درك للمستحق عليه.
و [القول] 5 الثاني: أن بيعه لا يكون فوتًا وإن تداولته الأملاك لأنه مستحق [له] 6 على الحقيقة وإن كان يدفع الثمن وهو قول المغيرة في المدونة أيضًا.
وعلى القول بأن البيع الثاني لا يفيت الأول ويبقى الخيار لمستحقه هل له الخيار في أن يأخذ [أي] الثمنين شاء أو لا خيار له في الثمن الآخر؟ قولان قائمان من المدونة.

أحدهما: أنه مخير في أن يأخذ أي الثمنين شاء -الأول أو الثاني- كالشفعة، وهو ظاهر قول المغيرة في كتاب "الجهاد".
وقول ابن القاسم في كتاب "الشفعة" في تخيير الشفيع بأن يأخذ أيّ الصفقتين شاء، وهو بيع جبري مضارع للاستحقاق.
واستحقاق ما وقع في المقاسم استحقاق على الحقيقة لبقائه على ملك المستحق وإن كان يؤدي [فيه] 1 الثمن فإن ذلك قضية من الشارع.
و [القول] 2 الثاني: أنه لا يأخذه إلا بالثمن الأول الذي بيع به في المقاسم؛ لأنه إذا جاز بيعه وأراد أخذه من المشتري الثاني سقط حقه فيه بإجازة البيع الأول بخلاف الشفعة؛ لأنه إذا أسلم فيه إحدى الصفقتين بعينها كان له الأخذ بالباقية لأنه شريك في الجميع.
والقولان لابن القاسم في كتاب ابن حبيب وغيره، وبالقول الثاني أخذ سحنون.
واختلف إذا علم أنه لرجل من المسلمين بعينه، فجهل الإمام [موضعه] 3 فوضعه في المقاسم، أو تأول، أو تعمد فبيع ثم جاء ربه هل يأخذه بغير [ثمن] 4 أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يأخذ [عين] 5 شيئه بغير ثمن كما لو أدركه قبل القسم، ويرجع مشتريه في المقاسم إن أدركها.
وهو قول ابن القاسم في

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل