مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 7-46
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنائز

صفحات 7-46
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله.
تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها] (1) تسع مسائل:

المسألة الأولى الصلاة على الجنائز هل هي فرض أو سنة؟

ويقال الجنازة: بالكسر والفتح.
وقيل: [بالكسر] 2 للميت وبالفتح، وبالكسر: السرير الذي يحمل عليه الميت.
واختلف في الصلاة على الجنازة، هل هي فرض أو سنة: على قولين 3: أحدهما: أنها فرض، وبه قال ابن عبد الحكم في كتاب محمد.
والثاني: أنها سنة، وهو قول أصبغ 4. فعلى القول بأنها فرض، هل هي فرض من فروض الكفاية، أو من فروض الأعيان [قولان] 5. وسبب الخلاف: اختلافهم في القول بدليل الخطاب، هل يقال به أم لا؟ وذلك أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ1

أَبَدًا} 1. فنهى الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة على الكفار إذا ماتوا لعلة الكفر.
ومفهومه أنه أمر بالصلاة على المؤمنين.
وبعضهم يقول: وإن كنا نقول بدليل الخطاب فلا يفهم من هذه الآية؛ لأن النهي عن الشيء أمر بأخذ أضداده، فإذا كان له ضد واحد، فقد أمر به من طريق المفهوم، وإذا كانت له أضداد فلا يفهم منه الوجوب دون الندب والإباحة؛ لأن النهى عن الصلاة على المشركين إن قلنا إنه أمر بالصلاة على المؤمنين أمر على معنى الإباحة أو الندب أو الوجوب؛ لأن هذه كله أضداد لنهيه عن الصلاة على المشركين، فحمل الآية على أحد المحملين دون غيره مما سواه، والاحتمال يحكم بغير برهان، إلا أنه لم تختلف الأمة أن الناس مأمورون [ق/ 44 جـ] بالصلاة على موتاهم وأنهم لم يسعهم ترك ذلك [لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على موتاكم" وقوله: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" وهذا يؤيد مفهوم الآية أنها على الندب لا على الوجوب] 2 ويرجع ذلك إلى أن الصلاة على الجنازة سنة، وإن كان الذي اختاره الشيوخ المتأخرون من أصحابنا أنها من فروض الكفاية، ولا فرق بين العبارتين إلا من حيث اللفظ، وأما المعنى فواحد؛ لأن الفرض على الكفاية معناه أنه سنة مؤكدة.
فإذا ثبت ذلك فمن سنتها أن تصلى عليها الجماعة بإمام، فإن صلوا عليها أفذاذًا فلا خلاف -فيما أعلم- أن ذلك لا يمنع الجمع عليها بإمام.

واختلف [المذهب أيضًا] 1 إذا صلى عليها جماعة هل تمنع صلاة الأفذاذ عليها أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يمنع الصلاة عليها لا جمعًا، ولا أفذاذًا، وهو المشهور.
والثاني: أن صلاة الإمام عليها بجماعة لا تمنع الصلاة عليها لمن جاء بعد ذلك لا جماعة ولا فذًا، وذكره ابن القصار عن مالك.
وسبب الخلاف: صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسكينة هو وأصحابه، وصلاة أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على عبد الرحمن بن عوف، وقد مر بجنازته عليهن، هل ذلك أمر خاص، أو شريعة متبعة إلى يوم القيامة.
وفي فعله عليه السلام دليل على الصلاة على القبر، وفي فعل أزواجه دليل على الصلاة على الميت في المسجد، وكلاهما أصلا خلاف.
وهذا أيضًا مع التسليم أن المسكينة قد صلى عليها أهلها ليلًا حين دفنوها، وهو الظن بهم؛ لأنها شريعة مقررة بالمدينة، وسائر أمصار المسلمين، وعلى هذا وقع الخلاف عندنا في المذهب [وعلى القول] 2 بأنه لا يصلي عليه في القبر.
فما الذي يفوت الصلاة عليه إذا دفن؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يفوت الصلاة عليه ولا إخراجه من القبر ليصلى عليه إلا التغيير، فيخرج ما لم يخش عليه التغيير، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم 3.

والثاني: أنه لا يفيتُ إخراجه للصلاة عليه إلا رد التراب عليه وتسويته.
وهي رواية عيسى عن ابن وهب 1، وبه قال يحيى بن يحيى.
والثالث: أنه يفوت [بوضع] 2 اللّبِن عليه، وهو قول أشهب 3. وسبب الخلاف: ما يمنع من الصلاة عليه ويفوتها، هل التغيير أو الدفن؟ وعلى القول بأن المفوت الدَّفْن، هل النظر إلى أوله أو إلى آخره؟ وهذا الخلاف ينبغي أن يُبْنَى على أصل آخر؛ وهو تغليب [حق] 4 أحد الفريقين، هل يغلب حق المصلين، ويخرج ما لم يخش عليه التغيير لما في ذلك من إذَايَتِهِم؟ أو يخرج ما لم يفرغ من دفنه، ثم لا يخرج؛ لأنه لا يدري كيف يطلع عليه، وربما يجدونه على حالة يكره أولياؤه الاطلاع عليها، فيكون ذلك من حق الميت، وفي فضيحته شعيب لأوليائه [والحمد لله وحده] 5.

المسألة الثانية فى الصلاة على الجنازة فى المسجد -أعني أن توضع فى المسجد-

وأما الصلاة عليها في المسجد، وهي خارجة المسجد واتصلت [الصفوف] 1 إلى داخل المسجد: فلا إشكال في الجواز، وهو نص المدونة.
وأما وضعها في المسجد للصلاة عليها، فهل يجوز ذلك؟ فالمذهب على قولين [قائمين من المدونة] 2: أحدهما: [أنها] 3 لا توضع في المسجد أصلًا.
وبه قال سحنون، وابن شعبان، وهو ظاهر قوله في "كتاب الرضاع" من "المدونة" 4؛ لأنه قال: إن لبن [المرأة] 5 الميتة نجس بنجاسة الوعاء، [فجعلها] 6 نجسًا بالموت.
والثاني: أنه يجوز أن توضع في المسجد، ويصلى عليها فيه.
وهو قول ابن حبيب 7؛ لأنه قال: لو صلى عليها في المسجد ما كان

[ضيقًا] 1، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في "كتاب الجنائز" 2: "وكره أن توضع الجنازة في المسجد"؛ وعلَّلُوا تلك الكراهة، وقالوا: مَخَافَة أن يَنْفَجِر المَيِّت، ويَخْرُج منه ما يُؤذِي المسجد.
وسبب الخلاف: اختلاف الآثار [وتجاذب الاعتبار، فأما الآثار] 3 فما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد 4، وأمر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -[أن يمر] 5 عليهن بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد ليصلين عليه، ففعلوا ووقفوا به على حجرهن يصلين عليه.
الحديث خرجه مسلم 6. وخرج البخاري عن ابن عباس قال: "لا ينجس المسلم حيًا ولا ميتًا" 7. وروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" 8. وظاهر الحديث يقتضي نجاسة الميت، وهذا منشأ الخلاف في الميت هل يتنجس بالموت أم لا؟

فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نجس على الإطلاق -مسلمًا كان أو كافرًا- وهو مذهب ابن القاسم، وابن شعبان، وابن عبد الحكم وغيرهم 1. والثاني: أنه طاهر على الإطلاق.
وهو الذي اختاره أبو الحسن بن القصار وغيره من البغداديين، وهو الصحيح الذي يعضده النظر والأثر.
والقول الثالث: بالتفصيل بين الميت المسلم والكافر، وهو مذهب بعض شيوخنا المتأخرين، وقال: إنما هذه الحرمة حيًا وميتًا للمسلم، وفيه جاء الأثر.
وأما الكافر فقد قد قال القاضي أبو الفضل: لا أعلم متقدمًا من [الموافقين] 2 والمخالفين فرق بينهما قبله، ولكن الذي قاله بين، ولعله مرادهم.
قلت: وظاهر قوله تعالى يشعر بخلاف ما ذهب إليه هؤلاء المتأخرون؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ 3. وهذا الإكرام يشمل جميع ولد آدم -مسلمًا أو كافرًا.
ومن طريق المعنى أن الشاة مثلًا تعدم منها الحياة بالذكاة، فلا تكون نجسة؛ لأنها حلال وتموت حتف أنفها، [ويكون] 4 حكمها نجسة لما كانت محرمة [الأكل] 5، فلم يكن عدم الحياة يوجب كون الحيوان نجسًا إلا أن يكون عدمه على صفة تمنع الأكل ويكون نجسًا.

وتحرم لحوم بني آدم إكرامًا لهم وتشريفًا؛ فكانت حرمته حيًا وميتًا سواء؛ لأن حرمة لحمه بعد موته كحرمته قبل موته، وهو ظاهر لمن تأمله؛ لأن تحريم لحم بني آدم تحريم حرمة، لا تحريم [حرام] 1.

المسألة الثالثة [فى] (1) الصلاة على من قُتل فى الحد

فالأصل وجوب الصلاة على كل مسلم موحد؛ لقوله عليه السلام: "صلوا على من قال لا إله إلا الله" 2. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على موتاكم" 3. فهذا هو الأصل ما لم يمنع من الصلاة عليه مانع؛ والمانع على وجهين: فضيلة في الميت، أو نقيصة فيه.
والفضيلة التي تمنع من الصلاة [على الميت] 4 إذا اتصف بها يأتي الكلام عليها فيما بعد في مسألة منفردة إن شاء الله.
وأما النقيصة التي تمنع من الصلاة على الميت إذا قامت به، فهي على وجهين:1

منها ما يرجع إلى فساد العقيدة، ومنها ما يرجع إلى الأخلاق الذميمة.
فأما ما يرجع إلى فساد العقيدة كالقدرية، والإباضية، والحرورية: فاتفق المذهب أنه لا يصلى على موتاهم ابتداء، فإذا خيف عليهم أن يضيعوا هل يصلى عليهم أم لا؟ فالمذهب على قولين من المدونة من كتاب الصلاة.
أحدهما: أنه لا يصلي عليهم أصلًا، وإن ضاعوا.
وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" 1: ولا يصلي خلف أهل الأهواء لا [جمعة] 2 ولا غيرها إلا أن يكون الإمام من أهل الأهواء، واتقيته على نفسك فإنك تصلي، وتعيدها ظهرًا أربعًا.
والثاني: أن ترك الصلاة [عليهم] 3 أدب لهم، فإن خيف عليهم أن يضيعوا صلى عليهم.
وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" 4 حيث قال: إن صلى خلفه أعاد الصلاة في الوقت.
وسبب الخلف: هل يَكفُرُون بمآل قولهم أم لا؟ فمن رأى أنهم

يَكفُرُون بمآل قولهم يقول: إنهم لا يصلى خلفهم، ولا يصلى عليهم إذا ماتوا.
وقد نص مالك رحمه الله في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن يقول: القرآن مخلوق، إنه كافر فاقتلوه.
وقال أيضًا في رجل خطب إليه رجل من القدرية: لا تزوجوه؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّنِ مُّشْرِكٍ﴾ 1. وعلى هذا يوارى ولا يصلى عليه.
ومن رأى أنهم لا يَكفُرُون بمآل قولهم يقول: إن ترك الصلاة عليهم إذا ماتوا، وإعادة من صلى خلفهم صلاته في الوقت: أدبًا لهم ينزجرون به.
وأما ما يرجع إلى الأخلاق الذميمة: فهو على وجهين أيضًا: أحدهما: منها ما نَصَّب علية الشارع حَدًا، وجعله عقوبة وزَجْرًا.
ومنها ما لم يَحد فيه حَدًا, ولا نَصَّبَ عليه [قطعًا] 2 ولاجلدًا، ولكن جاء فيه الوعيد، والإرهاب، والتهديد.
فأما ما نَصَّب عليه الشارع حدًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون المشروع عليه قتلًا.
والثاني: جلدًا أو قطعًا، لا قتلًا، فإن كان قتلًا، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يموت بالحد.

والثاني: أن يموت ذعرًا حين قُرِّبَ للقتل.
فإن مات بالحد الذي وجب عليه كالقصاص والرجم في الزنا، فهل يصلى عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الإمام لا يصَلِّي عليه، وهو مشهور المذهب، وهو مذهب "المدونة" 1. والثاني: أنه يصلي عليه الإمام، ولا تترك الصلاة عليه، وهو قول [ابن نافع] 2 وابن عبد الحكم، وأبي الحسن اللخمي، غير أن هؤلاء اختلفوا في العِلَّة التي لأجلها [لا] 3 يصلي [عليه] 4 الإمام [فاللخمي يقول: العلة في ترك الصلاة هي] 5 الردع، والزجر، وذلك حاصل بقيام الحد [عليه] 6. وابن عبد الحكم يقول: بل [العلة] 7 الشهادة، والصلاة ثابتة [بالأصالة] 8. وسبب الخلاف: اختلافهم في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ماعز والغامدية، هل يصح أنه صلى عليهما أم لا؟ فمن صح عنده أنه صلى عليهما - صلى الله عليه وسلم - قال: يجوز للإمام أن يصلى

على من [قتله] 1 في حد، وإلى أن صلاته عليهما [صحيحة] 2 ذهب أبو الحسن اللخمي.
ومن لم يصح عنده أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على الغامدية، ولا على ماعز، قال: لا يصلي الإمام [عليهم] 3. وقد خرج أبو داود 4 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على ماعز، ولم ينه عن الصلاة على الغامدية.
و [أما] 5 إن مات ذُعْرًا حيث قُرِّب للقتل، فهل يصلي عليه [الإمام] 6 أم لا؟ [فعلى] 7 قولين: أحدهما: أنه يصلي عليه الإمام؛ لأن ترك الصلاة من [توابع] 8 الحد.
وإلى هذا ذهب الشيخ أبو عمران الفاسي [رضي الله عنه] 9. والثاني: أنه لا يصلي عليه الإمام اعتبارًا بما لو قتله [أحد] 10 من

الناس؛ لأن المحدود يناله من الإمام عقوبتان؛ عقوبة القتل، وعقوبة ترك الصلاة عليه، فإن فاتت إحدى العقوبتين [للإمام] 1 لم يكن فواتها مفوتًا [للثانية] 2. فإن كان المشروع فيها جلدًا أو قطعًا لا قتلًا كالبكر إذا زنا، ومن سرق نصابًا، أو من [تعدى] 3 على يد رجل [فقطعها] 4، فلا يخلو من وجهين: إما أن يموت حتف أنفه قبل أن [يقام] 5 عليه الحد.
والثاني: أن يموت بعد إقامة الحد وموته من سبب ذلك الحد.
فإن مات قبل إقامة الحد عليه: فالمشهور أن الإمام يصلي عليه، والذي اختاره أبو الحسن اللخمي [رضي الله عنه] 6 [أنه لا يصلي عليه الإمام، ولا أهل الخير والصلاح أدبًا له، فإن أقيم عليه الحد فمات من سببه، فهل يصلي عليه [ق/ 45جـ] الإمام وأهل الخير أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما] 7: أن الإمام يصلى عليه؛ لأن حده الجلد لا القتل، وهو مذهب الكتاب.
والثاني: أنه لا يصلى عليه الإمام؛ لأنه من أهل الكبائر، وهي رواية

ابن وهب عن مالك.
وأما إن كان من أهل الأخلاق الذميمة التي لم يُنَصب [عليها] 1 الشَّرع حَدًا محدودًا كالمعروف بالغيبة، والنميمة، والإفك، والزّور [والبذاءة باللسان] 2، فهل يصلي عليه الإمام، وأهل الخير، والصلاح إذا مات أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يصلي عليه، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يصلى على مَنْ ذَكَرنَا، وهي رواية ابن وهب عن مالك: [في الميت يكون] 3 معروفًا بالفسق والشر، قال: لا [تُصَلِّي] 4 عليه واتركه لغيرك.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في الأصل الذي قدمناه في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على مَاعِز [والغامدية، والحمد لله وحده] 5.

المسألة الرابعة وهى [فى مانع] (1) الفضيلة

وقد قدمنا أن الصلاة تمنع على الميت لأحد وجهين: إما لنقيصة الميت، أو لفضيلته.
وقد تقدم الكلام على مانع النقيصة، والكلام هاهنا على مانع الفضيلة: وذلك في الشهداء الذين قتلهم العدو، فلا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقتلوا في [المُعْتَرك] 2. والثاني: أن يموتوا بعد ذلك.
والثالث: أن [يقتلوا] 3 بأرض الإِسلام.
فالجواب عن القسم الأول: [ق/ 57 أ] إذا مات الشَّهيد في المعْتَرك [بفور القتل] 4 فلا خلاف في مذهب مالك 5، أنه لا يُغَسَّل، ولا يُكَفَّن، ولا يُصَلَّى عليه، و [لكن] 6 يُدْفَنُ بثيابه، وبه قال الشافعي 7،1

وقال أبو حنيفة 1: يصلي عليه ولا يُغَسَّل.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الآثار [الواردة في ذلك] 2؛ وذلك أنه خرج أبو داود 3 من طريق جابر أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بشهداء أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصلي عليهم ولم يغسلوا.
ويعارضه ما روى عن ابن عباس مسندًا أنه [- صلى الله عليه وسلم -] 4 صلى على قتلى أحد وعلى حمزة، ولم يغسل ولم ييمم 5. واتفقوا في الغُسْل أنه لا يُغَسَّل.
قال أشهب: ولو كان جنبًا لا يغسل [وقال أصبغ] 6: وقد قتل حنظلة بن عامر الأنصاري يوم أحد، وهو جنب فلم يُفعل به شيء، فغسلته الملائكة بين السماء والأرض.
وقال سحنون: يغسل 7. واختلف إذا لم يمت بفور القتل، وبقى في المعترك حتى مات، فهل يفعل به ما يفعل بالشهداء أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يغسل ويحنط، ويكفن، ويصلى عليه، وهو قول

أشهب 1. وظاهره أن لا فرق بين أَنْ تَنْفَد مقاتله أم لا، وعليه حمله القاضي أبو الحسن بن القصار، قال: وقول أشهب ليس بالبَّيِّن.
والثانى: أنه إن كان منْفُود المقاتل، فإنه شهيد، ويفعل به ما يفعل بالشهداء.
وإن كان غير مَنْفُود المقاتل، وكانت به حياة بينة حتى لا يقتل قاتله إلا بقسامة: [فإنه] 2 يغسل ويصلى عليه، وهو قول سحنون.
وقول سحنون أظهر من قول أشهب؛ لأنه إن كان مَنْفُود المقاتل: دخل في عموم الآية، وإن كان غير مَنْفُود المقاتل: لم يدخل فيها [ق/ 28 ب].
والنبى - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على قتلى أحد وهم سبعون، والغالب أن موتهم مختلف؛ فهم بين من مات بين سَنَابِك 3 الخيل، وبين من أثْخَنَته الجِرَاح، ومات بعد ذلك في المُعْتَرَك، ومن حمل إلى داره فمات فيها.
والجواب عن القسم الثاني: إذا حمل من المعترك ثم مات بعد ذلك، فهل يحكم له بحكم الشهداء أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يصلى عليه إذا حمل إلى داره فمات أو مات في أيدي الرِّجَال: أنه يغسل ويصلى عليه، وسواء كان مَنْفُود المقاتل أم لا، وهو

قول أشهب.
والثاني: التفصيل بين مَنْفُود المقاتل؛ فيحكم له بحكم الشهداء، أو غير منفود المقاتل: فيغسل ويصلى عليه.
وهو مذهب "المدونة" 1 وهو المشهور الذي عليه الجمهور.
والجواب عن القسم الثالث: إذا قتلهم العدو في أرض الإِسلام، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يُقَاتِلُوهم ويُدَافِعُوهُمْ حتى قتلوا، [أو غَايَلُوهُم وهُمْ نِيَام] 2. فإن دافعوهم حتى غُلِبُوا وَقُتِلُوا هل يُحْكَمُ لهم بحكم الشّهداء في الصلاة والغسل أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 3: أحدهما: أن المسلمين إذا دفعوهم عن أنفسهم، واشتد القتال بينهم أن من مات منهم، فهو شهيد، ويصنع [به] 4 ما يصنع بالشهداء.
وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الشهيد من قتل في بلاد الحرب خاصة، وأما من قتل ببلاد المسلمين فلا.
وأما إذا [أبغتهم] 5 العدو في قراهم [وقتلوهم] 6 وهم على

أسرتهم نائمون، فالمذهب على قولين: أحدهما: أنهم يغسلون ويصلى عليهم.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية" 1 إذا لم يكن هناك معركة ولا ملاقاة.
والثاني: أنهم شهداء وحكمهم حكم من مات في المعركة، وهو قول ابن وهب 2 [وأصبغ] 3. والقولان قائمان من "المدونة" 4 من قوله: ولا يصلى إلا على الشهيد المقتول في المعترك؛ فمفهومه أن المقتول في غير المعركة لا يصلى عليه، وقال في آخر الباب: وكل من قتله العدو بأي قتلة -كانت في معركة أو [غيرها] 5 - فهو شهيد.
وسبب الخلاف: هل المعتبر في الشهادة القتل بانفراده من غير اعتبار بالمكان كان في أرض الشرك، أو في أرض الإِسلام، أو المعتبر الوصفان جميعًا [فمن اعتبر الوصفين جميعًا] 6 فتكون العلة ذات وصفين؟ ومن اعتبر أن [العلة هي] 7 القتل خاصة [دون ما عداه اعتبر القتل خاصة] 8 كان في أرض الشرك أو في أرض الإِسلام، "بمدافعة كان أو

مغايلة" 1] 2؛ بدليل أن وقيعة أحد كانت في أرض الإِسلام، وكان العدو هو الزاحف إلى المسلمين.
ومن اعتبر الوصفين قال: يصلي عليهم إذا كان القتل في أرض الإِسلام؛ بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان شهيدًا، وصلي عليه وكفن؛ وما ذلك إلا لكونه قتل في غير معركة.
وقد يحتمل أن يكون إنما لم تُتْرَك الصلاة [على عمر رضي الله عنه] 3 لكون ترك الصلاة على الشهداء [مَنْسُوخ] 4؛ لما روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى قتلى أحد قبل موته، فصلى عليهم صلاته على الميت، أخرجه البخاري 5. فإذا قلنا: أن الشهيد لا يكفن، فإنما يصح ذلك إذا كان عليه ما يستر به جميع جسده.
وإن كان عريانًا أو كان عليه من اللباس ما لا يستر جميع جسده: فلا خلاف هنا أنه يكفن في ثوب يستره، والأصل في ذلك حديث مصعب بن عمير حين قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، إن غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر" 6. واختلف فيما ينزع [عنه] 7 مما هو زائد على ما يستره على ثلاثة

أقوال 1: أحدها: أنه ينزع ما كان من آلات الحرب، ويترك عليه ما سوى ذلك من الفرو والخفين والمِنْطَقَة 2 والقلنسوة؛ إلا أن يكون للمنطقة خَطْب 3. وهذا هو المشهور، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أنه لا ينزع عنه إلا الدِّرع، والذي يلبسه [للمناشبة] 4، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثالث: أنه ينزع عنه الخفان والقلنسوة، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله عليه السلام: "زملوهم بثيابهم"، هل يفهم منه [أن] 5 ما عدا الثياب [في الذي] 6 ينزع عنه؛ لأن ذلك من باب إضاعة المال، وإنما خرج مخرج الغالب، والحمد لله وحده.

المسألة الخامسة في الصلاة على أولاد المشركين إذا ماتوا في ملك [المسلم] (1) قبل أن يسلموا، أو يجبروا على الإِسلام إن [كانوا ممن يجبرون] (2) عليه

وعند المذهب في ذلك: أنه لا خلاف في صغار المجوس أنهم [إذا ملكوا أنهم] 3 يجبرون على الإِسلام، وفي كبارهم قولان.
ولا خلاف في كتاب الكتابين إذا ملكوا أنهم [لا يجبرون على الإِسلام "وهو قول ابن القاسم" 4 وفي صغارهم قولان] 5. وذلك أن ابن القاسم يقول في صغار أهل الكتاب: لا يجبرون على الإِسلام 6، ويجبرون عليه عند ابن نافع وغيره؛ على ما رواه ابن نافع عن مالك.
وأما كبار المجوس: فذهب عبد الملك والمغيرة وابن حبيب [وغيرهم من أصحاب مالك] 7 إلى أنهم يجبرون على الإِسلام إذا ملكوا.
وقيل: لا يجبرون، قياسًا على كبار الكتابيين.12

فإذا [عرفت] 1 تفاصيلهم في الجبر، فاعلم أنهم قد اختلفوا فيمن مات منهم في الملك قبل أن يجبروا أو بعد ما جُبِرُوا؛ هل يصلى [عليه] 2 أو لا يصلى [عليه] 3؟ اختلف فيه على ستة أقوال كلها مذهبية: أحدها: أنه لا يصلى عليه، إلا أن يسلم ويعرف ما أجاب إليه.
وسواء كان معه أبواه، أو لم يكونا [معه] 4 اشتراه من حربي، أو صار في سهمانه قدم به، أو توالد في مِلْك المُسْلِم من عَبِيدِه النصرانيين، كان من نِيَّته أَنْ يُدْخِله الإِسلام أم لا، كان [ممن] 5 يُجْبَر على الإِسلام بالاتفاق كصغار المجوس أو ممنْ يُجْبَر على الخلاف كصغار الكتابيين، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الجنائز" من "المدونة" 6، وعليه تأول أبو عمران الفاسي كلامه.
والثاني: أنه إن اشتراه، وفي نيته أن يدخله الإِسلام: صلى عليه، وهو قول الغير في بعض نسخ المدونة، فقيل [أنه] 7 معن بن عيسى.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون معه أبواه أم لا [فإن لم يكن معه أبواه] 8 في حين الابتياع، ولم يكن نيته إلى أن يتدين بدينه ومالكه

مسلم، فله حكم المسلمين في الصلاة [والمؤنة] 1 وغير ذلك.
وإن كان معه أبواه [أو] 2 بلغ حدًا يعقل فيه دينه وتدين به: فإنه لا يُصَلَّى عليه، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
والرابع: أنه إن مات بحدثان ملكه وفوره: لم يصل عليه، وإن لم يمت بحدثان ملكه، وقد تشرع بشريعة الإِسلام، وزينه بزينة الإِسلام: فله حكم الإِسلام في الصلاة وغيرها.
وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب.
والخامس: التفصيل بين من ولد [في ملك المسلم] 3: فلا يجبر على الإِسلام، ولا يصلى عليه، وإن ولد في أرض الحرب في ملك الكفار: يجبر ويصلى عليه.
وهو قول ابن حبيب.
والسادس: عكس ما ذكره ابن حبيب؛ أن من ولد في ملك مسلم، فهو على فطرة الإِسلام، ومن توالد في ملك كافر فلا يجبر على الإِسلام، وهو قول أبي مصعب.
وسبب الخلاف: اختلاف الآثار وتجاذب الاعتبار؛ فمنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" 4. ومنه قوله عليه السلام لما رمى أهل الطائف بالمجانيق، فقيل له: إن فيهم النساء والصبيان، فقال: "هم من آبائهم" 5.

فمن رجح الحديث الأول يقول: إنهم يصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون، وعلى ذلك يحملون حتى يبلغوا مبلغًا يعقلون فيه على دينهم.
فإذا لم يكن الأب لأب هذا الطفل ذمة، ولا عهد فملكه المسلم ثم مات: فإنه يصلى عليه، ويؤيد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ 1 [ق / 46جـ]. ومن رجح الحديث الآخر [حمله] 2 على أن لهم حكم الآباء في الكفر، فإذا ملكوا هل يجيزون على الإِسلام أو يكون على حكم الإِسلام إذا زينهم بِزِيِ الإِسلام، أو لا يكونوا مسلمين حتى يعقلوا الإِسلام, وعرفوا ما أجابوا إليه، أو إنما يصيرون إلى نية المالك؛ فإن نوى أن يدخلهم في الإِسلام كان مسلمًا بنيته ويحكم له به إذا مات ولا يكون مسلما بالنية على الانفراد إلا بعد انضمام [العمل إليها] 3 [ق / 58 أ] والعمل هاهنا هو الزي وتلقين الشهادة، وما كان في معناه من معالم الإِسلام , فهذا مثار النزاع بين العلماء في هذه المسألة، وهو منشأ الخلاف بين الأصوليين، فيمن مات قبل [الحُلُم] من أولاد المسلمين، وأولاد المشركين، ومن ضارعهم من أهل الأعذار؛ كمن بلغ وهو مجنون، أو أبكم أو أصم أو أعمى حيث لا يتمكن له حصول العلم بالتكليف، ومن سواهم من أهل الأعذار؛ مثل من مات في الفترة [أو تربى] 4 في جزيرة منقطعة حيث يعلم أنه لم تبلغه الدعوة، هل هم من أهل الجنة أو من أهل النار، أو مأواهم بين الجنة والنار؛ لأن هؤلاء لا تنسب إليهم

المعرفة، ولا الجحود؛ لأن المعرفة نتيجة النظر في الدليل، والنظر لا يتصور ممن هذه صفته، والجحود ضد المعرفة؛ لأن الإقرار بالألوهية فرع عن ثبوت المعرفة.
فإذا لا يتصف بمعرفة الشيء إلا من يجوز عليه الاتصاف بضده، وهذا مطرد شاهد، ولا يتصور ذلك [غائبًا] 1 وذلك محال!.
فإن قيل: المحال عندكم لا يخلو عن الشيء وضده، وكون الإنسان على هيئة الإنسانية، وعلى صورة الآدمية لا يتصف بإحدى هاتين الصفتين، ولا قام بها أحد هذين العرضين غير معقول.
فالجواب: أن يقول: هذه الصفات إنما يعنون من استكملت عنده شرائط التكليف؛ والعقل هو محل التكليف، فإذا لم يكن العقل لم يكن التكليف؛ لأن مناط التكليف ليست هذه الصورة والتراكيب، وإنما محلها القلب.
ولم يعن بالقلب اللحم المصور في الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص؛ لأن هذا القلب موجود للبهائم، بل هو موجود للميت.
والقلب المعنوي هو الذي [يفقه] 2 به الإنسان، ويعرف به حقائق الأشياء، وهو السر الذي وضعه الله تعالى في بني آدم وخصصهم به، وشرفهم لأجله [فمن] 3 عدمه؛ فهو بهيمي معنى، وإن كان آدمي صورة، وهذه المعاني لا يفهمها [على وجهها] 4 [الخائضون] 5 في

علم الكلام، وقد [جنح] 1 بنا الجواد في هذا الكان، وجاوز بنا رأس الميدان، فنحن نكظمه بالعنان إلى ما نحن بسبيله، والحمد لله وحده.

المسألة السادسة في غسل أحد الزوجين صاحبه [بعد موته]

1 ولا يخلو من وجهين: إما أن يموت منهما من مات، والعصمة قائمة بينهما ولا طلاق.
أو مات بعد الطلاق، وقبل انقضاء العدة، وكان الطلاق رجعيًا أو بائنًا.
فإن مات من مات منهما، والعصمة ثابتة: فلا خلاف في جواز غسل الحي الميت منهما.
وإنما الخلاف هل يستر عورة صاحبه، أو يجوز له أن يغسله مكشوف العورة؟ قولان قائمان من "المدونة" 2: أحدهما: أن كل واحد منهما يستر عورة صاحبه، وهو نصه في "المدونة" في "كتاب الجنائز".
والثاني: أنه يجوز للحي منهما، وإن لم يستر عورته، وهو قول ابن حبيب 3. وينبني الخلاف: على الخلاف في نظر أحد الزوجين إلى فرج صاحبه في حال الحياة، هل يباح لهما أم لا؟

فمن نظر إلى أن ذلك مباح في حال الحياة؛ لأن ذلك من تَمَام اللَّذّة، والمنع منه يُنْقِص من قَضَاء الإِرْبَة: فبعد الممات أولى في الإباحة، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه قال في "كتاب العيوب" 1 وغيره: لا [يطلع على] 2 الفرج [إلا النساء] 3 ومن يجوز له النظر إلى ذلك، فتأوله المتأخرون على أنه الزوج، وهو قول ابن وهب في غير "المدونة": أنه يجوز له النَّظَر إلى فَرْجِ زَوْجَتِه وأن يَلْحَسه بلسانه.
ومن نظر إلى أن ذلك ممنوع؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق وشِيَم أهل الفضل يقول: إنه لا ينبغي النظر إليه، ولكنه يبقى له [سائر] 4 الجسد على الإباحة.
والدليل على [جواز] 5 غسل أحد الزوجين صاحبه وإباحته: فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأنه غسل زوجته فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه.
وقول عائشة رضي الله عنها: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أزواجه 6. واختلف هل يقضي بذلك لمن طلبه منهما إذا خاصمه الأولياء أم لا؟

ففيه تفصيل [أما الزوج] 1 فلا تخلو زوجته من أن تكون حرة أو أمة، فإن كانت حرة قضى له بغسلها باتفاق المذهب.
فإن كانت أمة فهل يقضى له [بغسلها] 2 أم لا؟ فالمذهب على قولين 3: أحدهما: أنه لا يقضى للزوج بذلك وغسلها لسيدها، وهو قول سحنون 4. والثاني: أنه يقضى له بغسلها، ويقدم على السيد وهو اختيار اللخمي.
فوجه قول من فرق بين الحرة والأمة: أن الحرة غسلها إلى النساء دون أوليائها، فكان الزوج أحق منهن.
بخلاف الأمة، فإن غسلها [لسيدها] 5، إلا أن للزوج [منازعته] 6 [ويبدي] 7 بالزوجية، والسيد [يبدي] 8 بالملكية، فلهذا إذا وقع الخلاف فيمن يقدم منهما على الآخر.
والذي اختاره اللخمي [أصح و] 9 أسعد بظاهر الكتاب، وأحرى على أصول المالكية، وذلك أنها ماتت والعصمة قائمة بينهما، وبين زوجها، وماتت على أصل الإباحة، والسيد لا يحل له الاستمتاع بشيء

منها, ولا الالتذاذ بها، وماتت وهي محرمة عليه، [وكونها] 1 ماتت [وهي] 2 في ملكه [لا يكتفي به] 3 في إباحة الغسل حتى ينضم إليه الوصف الآخر؛ وهي الإباحة، وإلا فقد تكون أمته أخته من الرضاعة، فإذا ماتت أيكون الملك يبيح له غسلها إذا ماتت، وذلك لا نقول به.
وإن مات الزوج، وكانت زوجته أمة: فاختلف فيها على قولين: أحدهما: أنه يقضى [لها] 4 بغسل زوجها -حرًا كان أو عبدًا-[وهو قول محمَّد بن المواز] 5. والثاني: أنه لا يقضى لها بغسله، وأولياؤه أولى منها لكونها أجنبية، وهو قول سحنون، والتوجيه ما قدمناه في الزوج.
وأما إذا كان للزوج أولياء، وكانوا عجزوا فأرادوا أن يجعلوا ذلك إلى غيرهم من الأجانب: فلا خلاف في هذا الوجه أن الزوجة أحق به ويقضى لها بغسله قولًا واحدًا، ولا اعتبار ببقاء العدة، وانقضائها، وأن ذلك لا يمنع حقها من الغسل، مثل أن [تضع] 6 بفور وفاته، وتزوجت من ساعتها، وكذلك إذا تزوج هو أختها حين وفاتها: فلا يسقط ذلك ما وجب له من غسلها, ولا أعرف في المذهب [نص خلاف] 7 في ذلك.
والوجه الثاني: إذا مات من مات منهما بعد الطلاق فلا يخلو

[الطلاق] 1 من أن يكون بائنًا أو رجعيًا [فإن كان بائنًا أو رجعيًا] 2، وقد انقضت العدة: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز [لواحد] 3 منهما غسل صاحبه.
وإن كان رجعيًا ولم تنقض العدة: فالمذهب على قولين [قائمين من المدونة] 4: أحدهما: [أنه لا يجوز أن يغسل واحد منهما الآخر] 5. والثاني: أنهما يتغاسلانه ما لم تنقض العدة.
وهي رواية ابن نافع عن مالك.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الرجل، هل يجوز له أن ينظر إلى محاسن زوجته إذا طلقها طلاقًا رجعيًا أم لا؟ فعلى قولين: أحدهما: أنه يجوز له أن ينظر إلى محاسنها في العدة، ويجوز له أن يغسلها إذا ماتت.
والقول الآخر: أنه لا يجوز له النظر إلى شيء منها؛ فلا يجوز له أن يغسلها.
والقولان لمالك في "كتاب إرخاء الستور"، و"كتاب العدة" من "المدونة" [والحمد لله وحده] 6.

المسألة السابعة إذا مات الرجل وليس معه إلا النساء، أو ماتت امرأة، وليس معها إلا الرجال

ولا يخلو من منع الرجال من النساء إذا مات من أن [يكن] 1 أجنبيات، أو ذوات [محارمه] 2. فإن كن أجنبيات، فلا خلاف في المذهب المنقول أنهن لا يغسلنه، [ولكن] 3 ييممنه.
ويتخرج في المذهب قول بأنهن يغسلنه من فوق الثوب، وهو قائم من "المدونة" 4، وإليه أشار القاضي أبو الفضل.
واختلف في حد ما يبلغن بالتيمم له؛ قيل: إلى المرفقين، وهو نص "المدونة" 5. وقيل إلى الكوعين، وهذا القول يتخرج من الكتاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يحل للأجنبية أن تراه من الرجل الأجنبي، هل إنما يحل لها أن ترى منه مثل ما يحل له أن يرى منها؟ ثم لا يجوز لها أن تتعدى الكوعين بالتيمم له، وإنما يجوز لها أن ترى منه مثل ما يجوز لذوات محارمه أن يرينه منه؛ فيباح لهن أن يُيَمِمْنَه إلى المرفقين.
فإن كُنَّ ذَوَات مَحَارِمه: فلا خلاف في المذهب المنقول أنهن يغسلنه

ويسترنه.
ويختلف المذهب فيما يَسْتُرْنَ منه على قولين قائمين من "المدونة" 1: أحدهما: أنهن يَسْتُرْنَ عَوْرَتَه خَاصّة، وهو ظاهر قوله في "المدونة": ويَسْتُرنه، أي: يسترن عورته، وعلى هذا التأويل اختصر المسألة أكثر المختصرين، وهو قول عيسى بن دينار 2 في غير "المدونة".
والثاني: أنهن يسترن جميع جسده.
وهو تأويل اللخمي على المدونة لقوله: ويسترنه وظاهر اللفظ [يقتضي] 3 ستر جميع جسده وهو نص قول سحنون 4 في غير المدونة.
فوجه القول الأول [أن] 5 ذوات المحارم يجوز أن يرين من الرجل ما يرى الرجل منهن من غير خلاف.
ولا يجوز للرجل أن يرى من ذوات محارمه إلا أعاليهن من الرأس، والشعر، والذراعين، وما فوق النحر.
وأما قول سحنون فهو مبني على الاحتياط مخافة ما يفرط منهن إلى النظر إلى ما لا يجوز لهن؛ فيمنعن ويؤمرن بأن يسترن جميع جسده.
[سدًا للذريعة، وعلى القول بأنهن يسترن جميع جسده] 6 فهل يغسلنه من فوق الثوب أو من تحته؟ قولان [قياسًا] 7 على غسل الرِّجل من ذوات محارمه.
وأما المرأة إذا ماتت وليس معها إلا الرجال: فلا يخلو من معها من الرجال إذا ماتت أيضًا من وجهين: إما أن يكونوا من ذوي محارمها، أو أجانب، فإن كانوا من ذوي

محارمها، فهل يجوز لهم أن يغسلوها [من فوق الثوب] 1 وييمومها أم لا] 2؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" 3: أحدهما: أنهم يغسلونها من فوق الثوب ويسترون جميع جسدها، وهو نص "المدونة" 4. والثاني: أنهم ييممونها ولا يغسلونها، وهو قول أشهب [ق / 59 أ] وابن نافع 5 في غير "المدونة" وهو ظاهر "المدونة" في تيمم النساء للأجنبي.
وقال القاضي أبو الفضل: يجب أن ييمم الرجل ذوات محارمه، ولا يغسلها كما ييمم النساء الأجنبي إما الغسل في الجميع، وإما التيمم في الجميع، والذي قاله ظاهر.
وعلى القول بأنهم يغسلونها من فوق الثوب، هل يصب الماء من فوق الثوب أو من تحته؟ فذهب بعض المتأخرين إلى أن الماء يصب من تحت الثوب لا من فوق الثوب؛ لأنه إذا صب من فوق الثوب التصق الثوب بجسدها فيصفها، ورأى أن ذلك معنى ما في الكتاب، وهو قول [ق / 47 جـ] ابن حبيب 6 في غير "المدونة".

ويلزم على هذا التأويل أن [يفعل] 1 النساء بالأجنبي مثل ذلك ولا يباشر بعضهم جسد [ق / 29 ب] بعض بيده، ولكن يجعل على يديه خرقة فيحك بها.
واختلف فيما إذا كانت [معهم] 2 امرأة [كافرة] 3 فهل يجوز أن يعلموها الغسل فتغسلها، أو كان مع النساء رجل كافر؛ نصراني أو يهودي هل يجوز لهن أن يعلمنه فيغسله؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك.
والثاني: أنه لا يجوز، ولا يلي ذلك كافر، ولا كافرة، ولا يأتمن على ذلك كافر ولا كافرة، وهو قول أشهب في "المجموعة" 4. والثالث: أنه [يدعى] 5 الكافر والكافرة، فيعلمهما ثم يغسلاهما ثم يحتاطون بالتيمم فيها.
وهو قول سحنون في " [كتاب] 6 النوادر" 7. وسبب الخلاف: غسل الميت هل هو عبادة تفتقر إلى نية، أو لا تفتقر إلى نية؟ فمن رأى أن نيابة الكافر على غسل المسلم الميت جائزة: جعله عبادة لا

تفتقر إلى نية؛ إذ الكافر لا نِيَّةَ له ولا قَصْد.
ومن رأى أنها عبادة تفتقر إلى نية، يقول: لا تجوز نيابة الكافر.
ومن قال: يجمع بين غسله والتيمم: فقد لاحظ الجانبين، إلا أن يقال: إن نية الأمر يجتزأ بها عن نية [المباشرة] 1. وهذا كله فيه ضعف، وقد وقع لمالك رضي الله عنه مثل هذا أو أشد منه في المدونة: [في المسلم] 2 إذا كانت زوجته نصرانية، وقد طهرت من [حيضها] 3 حيث قال: فإن زوجها يجبرها على الغسل من حيضتها، ومعلوم أنها لا نية لها.
فإذا كان يعتبر صورة الغسل، ويجتزئ به في الغسل من الحيض، فمن باب أولى في غسل الميت [والحمد لله وحده] 4.

المسألة الثامنة في خروج النساء [على] (1) الجنازة

وخروجهن لا يخلو من وجهين: إما أن تكون متجالة، أو شابة.
فإن كانت متجالة: فيجوز لها الخروج على كل [أحد] 2 قريبًا كان أو أجنبيًا منها.
فإن كانت شابة، فهل تخرج [على] 3 جنازة كل [أحد] 4 كالمتجالة أم لا؟ فالمذهب على قولين: وسبب الخلاف: معارضة حديث عائشة للعمل [والعمل] 5 أن النساء كنا يخرجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الجنائز، وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما زوج الزبير تقود فرس الزبير، وهي حامل حتى [عوتب] 6 في ذلك.
ويعارضه ما روى عن عائشة رضي الله عنها: لو أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ما1

أحدث النساء بعده لمنعهن الخروج إلى المساجد كما [مُنعت] 1 نساء بني إسرائيل 2. فإذا كن يستوجبن المنع من الخروج إلى المساجد، فبأن يمنعن من الخروج إلى الجنازة أولى.
وعلى القول بأن الشابة لا تخرج على جنازة كل [واحد] 3، وإنما تخرج على معينين، وهم من قرابتها، فهذا وقع في "الكتاب" فيه إشكال.
وسبب الخلاف: اختلاف الروايات، ونص الكتاب: ولا بأس أن تتبع المرأة جنازة ولدها، ووالدها، ومثلهما زوجها وأخيها إذا كان ممن يعرف أن تخرج مثلها على مثله، ثم قال: [أيكره] 4 لها الخروج على غير هؤلاء ممن لا ينكر لها الخروج عليهم من قرابتها؟ [قال: نعم] 5. وهذه الرواية الثابتة في "الأمهات" 6، وعليها اختصر ابن أبي زيد وغيره من [القرويين] 7، ووقع في بعض الروايات في بعض نسخ "المدونة" ممن ينكر لها الخروج [عليهم من قرابتها] 8 بإسقاط "لا"، وهي في بعض النسخ ملحقة ليست بأصلية.
وذكر أبو عبد الله [التونسي] الرواية عنده في "المدونة" مما لا يمكن

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل