كتاب التدليس بالعيوب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المسألة الثامنة في الثلاث عيوب
وهو أن يشتري سلعة وبها عيب ظاهر علم به المشتري، ثم اطلع على عيب آخر قد دلس به البائع وقد حدث عنده عيب آخر، فلا يخلو هذا البيع من أن يكون صحيحًا أو فاسدًا، فإن كان صحيحًا فلا يخلو من أن يكون بيع بتل، أو بيع على خيار.
فإن كان بيع بتل فلا يخلو من أن يريد الإمساك أو يريد الرد.
فإن أراد الإمساك فإن البيع يقوم قيمتين: يقوم بالعيب الذي رضي به المشتري فيقال: ما يساوي؟ فإن قيل: قال ما يساوي وبه العيب الذي دلس به البائع فيقال: ثمانين فقد نقص في المبيع الخمس، فيرجع المشتري على البائع بخمس الثمن -كان الثمن دينارًا أو مائة- كأنه اشترى خمسة أجزاء وقبض أربعة، فصار البائع قد قبض جزءا من الثمن لم يدفع عنه عوضًا، ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن اختار الرد هل يقوم المبيع قيمتين أو ثلاثة أو لا يلتفت إلى القيمة جملة، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقوم ثلاث قيم، يقال: ما يساوي بالعيب الذي رضي به المشتري؟ فإن قيل: مائة قيل: ما يساوي بعيب التدليس؟ فيقال: ثمانين، فيقال: ما يساوي بالعيب الذي حدث عند المشتري؟ فإن قيل: ستين فإنه يرد مع المبيع خمس الثمن، وسماه في "الكتاب" ربعا، والأمر في ذلك واحد؛ سمى خمسًا بالنسبة إلى جميع الثمن أو سمى ربعا بالنسبة إلى ما يبقى من
الثمن بعد نقص عيب التدليس، وهذا هو ظاهر "المدونة" في "كتاب بيع الخيار" و"كتاب العيوب"، وهو الذي نص عليه في "كتاب محمَّد"، وقاله فضل بن سلمة وغير واحد، وهو الصواب.
والثاني: أنه يقوم قيمتين: قيمتها أولا بالعيب القديم وأخرى بالعيب الحادث عند المشتري، وإلى هذا ذهب أبو سعيد ابن أخي هشام، وفيما ذهب إليه ظلم على المشتري؛ لأنه على المذهب يرد أكثر مما يرد عليه من قيمة العيب الذي حدث عنده.
والثالث: أنه لا يلتفت إلى القيم أصلا، وإنما يلتفت إلى قيمة العيب الحادث عنده وما نقص بالغا ما بلغ، وهو قول أحمد بن المعدل، وهذا بعيد جدًا وخارج عن أصولهم، وقوله في "كتاب بيع الخيار": لا ينظر إلى العيب الحادث في أيام الخيار في شيء من ذلك، وهو قد نظر إليه في التقويم، ومعناه أنه لا ينظر إليه في حطه عن المشتري، لأنه قد رضي به.
فإن كان البيع وقع على خيار فالحكم في التقويم فيه على ما قدمناه في بيع البتل من الخلاف في اعتبار القيمتين أو الثلاثة أو لا تقويم أصلا.
واختلف في القيمة متى تعتبر في بيع الخيار؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن القيمة فيه يوم العقد، وهو قوله في "الكتاب" يقال: ما قيمة هذه وهي عوراء يوم وقعت الصفقة بغير عيب التدليس.
وقال في "كتاب البيع"، وإنما تقوم السلع يوم وقع البيع فيها فأطلق.
وممن قال بهذا القول وحمل ما في "الكتاب" على ظاهره أبو القاسم بن شبلون، وأبو الفضل بن مياس، وغيرهم من شيوخ القرويين.
والثاني: أن القيمة في ذلك تخرج من الاستبراء إن كانت أمة، أو يوم
يخرج من أيام الخيار، وهو قول أبي القاسم بن محرز، وجمهور المتأخرين، وتأولوا قوله في "الكتاب": "يوم وقعت الصفقة" على القبض، ويدل على تأويلهم قوله في "كتاب بيع الخيار": وإن أراد الرد نظر إلى العيب الذي حدث عنده كم ينقص منها يوم قبضها فيرد معها.
وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز: وهذا الخلاف ينبني على اختلافهم في الضمان فيما بيع على خيار هل هو من البائع أو من المشتري؛ فمن رأى أن الضمان من البائع حتى يقبضها المشتري وتمضي أيام الخيار قال: الضمان يوم القبض، ومن رأى أن الضمان من المشتري قال: تقوم يوم البيع.
ويمكن أن يكون للخلاف سبب آخر وهو بيع الخيار هل هو منعقد من حينه ووقته أو هو منعقد من مبدئه ومنشئه، والخلاف في ذلك في المذهب معلوم وموضع استقرائه من "المدونة" مرسوم.
فإن كان البيع فاسدًا وكان بها عيب في حين العقد فرضي به المشتري، ثم ظهر فيه عيب آخر بعد القبض وفات البيع فإنه يقوم قيمة واحدة، وإن اختار الرد قومت قيمتان.
فإن اختار التماسك هل يقوم معيبًا أو سالمًا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقوم عليه معيبًا؛ لأن ذمته عمرت بالعيب فلا يغرم فوق ما قبض، وهو قول سحنون، وابن عبدوس.
والثاني: أنه يقوم سالما؛ لأنه قد ملك الرد، وهو قول ابن المواز.
وسبب الخلاف: من خير بين شيئين هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؛ وذلك أن المشتري قد ملك الرد فإذا اختار التماسك فكأنه رضي بدفع قيمته سالما، وهذا ضعيف، وقول سحنون أصوب.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة التاسعة في المكاتب إذا عجز
هل هو منزوع المال بنفس العجز، أو هو محجور عليه بالعجز أم لا؟
وقد اختلف المذهب في المكاتب هل هو منزوع المال بنفس العجز أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: [أنه] 1 لا يكون منزوع المال بنفس العجز، بل هو على ما هو عليه في الأصل حتى ينتزع السيد ماله، وهو قوله في "كتاب العيوب" في المكاتب إذا باع فوجد المشتري به عيبًا بعد أن عجز المكاتب حيث قال له أن يرد على العبد ويأخذ الثمن من ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع عليه في الثمن.
ويؤخذ من هذه المسألة أيضًا أن المكاتب له أن يعجز نفسه وإن كان له مال ظاهر من قوله ويأخذ الثمن من ماله بعد العجز.
والثاني: أنه يكون منزوع المال بنفس العجز، وهو مذهب أشهب.
ويؤخذ من قول ابن القاسم في "كتاب المكاتب" إذا كاتب عبده ثم عجز الأعلى حيث قال للسيد الأعلى اقتضاء الكتابة من الأسفل، ويؤخذ له من غير ما موضع من "المدونة":
وأما كونه محجورا عليه بنفس العجز وهو قوله في "المدونة" في كتاب "العيوب" حيث قال في المكاتب إذا اشترى فعجز ثم وجد بالعبد عيبًا إن لسيده رده على البائع وإن رضيه العبد؛ لأن المكاتب حين عجز صار
محجورًا عليه.
والثاني: أنه لا يكون محجورا عليه إلا بالحكم أو بالإشهاد، وهو قول ابن القاسم في المأذون له في التجارة في آخر "كتاب المأذون" والمكاتب مثله.
والقول الثالث: أن النظر إلى ما كان عليه المكاتب قبل أن يكاتب؛ فإن كان مأذونًا رجع إلى أصل الإذن، وإن كان محجورًا رجع إلى أصل الحجر، وهو تأويل أكثر المتأخرين على "المدونة".
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة العاشرة إذا اشترى دارًا فوجد بها صدعًا
اعلم أن العيوب تنقسم إلى عيب فاحش مفسد وإلى عيب خفيف غير مفسد.
فأما عيب مفسد فإنه يرد به كل مبيع كيف ما كان.
وأما عيب ليس بمفسد فلا يخلو من أن يكون عيبًا لا ينقص من الثمن، أو يكون عيبًا ينقص منه.
فإن كان عيبًا لا ينقص من الثمن جملة فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا يرد به.
وأما عيب ينقص من الثمن فلا يخلو من أن يكون ما ينقص من الثمن يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان ما ينقص من الثمن كثيرا فله الرد أيضا بلا إشكال.
وإن كان ما ينقص من الثمن يسيرا فلا يخلو المبيع من أن يكون ثيابًا أو غيرها من الرياع والحيوان.
فإن كان ثيابًا فإنها ترد بما خف من العيوب، فإذا وجد فيها حرق أو قطع أو ثقب فذلك عيب ترد به وإن قل، وإلا أن يكون ثوبًا يقطع، ومثل ذلك يخرج في التفصيل؛ فلا يكون ذلك عيبا فيها، وهذا نص قول مالك في "الواضحة".
وأما الرياع وسائر الحيوان الناطق منه والصامت فقد اختلف المذهب فيه على أربعة أقوال:
أحدهما: أن ذلك ليس بعيب في جميع ذلك جملة بلا تفصيل، وهي رواية [ابن] 1 زياد عن مالك في "كتاب الاستيعاب لأقوال مالك"، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب العيوب" من مسألة الكي الذي لا ينقص من الثمن حيث قال: لا يرد به وإن كان عند النخاسين عيب، ومعنى قوله: "لا ينقص من الثمن" أي: لا ينقص منه كثيرًا.
ويؤخذ أيضًا من مسألة الدار إذا وجد فيها صدعًا.
ومثل هذا في "المختصر الكبير"، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو جعفر بن رزق القرطبي.
والثاني: أن ذلك عيب في الرياع وغيرها من سائر الحيوان، وأنها ترد من قليلها وكثيرها، حكاه القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض الأندلسيين تأويلا على "المدونة" إذا كان الصدع في حائط من الدار وخيف عليه الهدم من أجله، والحائط من الدار في حيز اليسير، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمَّد عبد الحق، وابن سهل، وغيرهما.
والقول الثالث: التفصيل بين الرياع وغيرها؛ فيرد بالعيب الخفيف الذي ينقص من الثمن قليلا في الحيوان والرقيق دون الرياع، وهو تأويل بعضهم على "المدونة" من قوله: وإن كان صدعًا لا يخاف منه من الدار فلا أرى أن يرد به؛ لأنه قد يكون في الحائط الصدع فيمكث في الحائط ذلك الصدع زمانًا؛ فلا أرى هذا عيبًا.
فظاهر هذا أن المعتبر بالخوف على انهدام الدار خاصة دون نقصان الثمن.
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون الصالح في الدار، مثل ما لو استحق لوجب له الرد، وفيما لا يجب له الرد فيه.
فإن كان الصدع فيما لو استحق من الدار لوجب للمشتري الرد كان له أن يرد الدار على بائعها.
وإن كان مما لو استحق لم يمكن من الرد فلا يكون له الرد بذلك العيب أيضا، وهو تأويل أبي الحسن اللخمي.
وعلى القول بأنه لا يرد بالعيب الخفيف هل يرجع بقيمة العيب أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يرجع عليه بما ينوب العيب من الثمن وهو قوله في "كتاب القسمة" من "المدونة" إذا وجد أحدهما في نصيبه عيبًا يسيرًا حيث قال: يرجع بقيمة العيب على صاحبه إذا كان خفيفًا، وهو قول ابن المواز في كتابه.
والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء فكما لا يمكن من رد العيب بعينه فكذلك لا يرجع بقيمته، وهو ظاهر قوله في "كتاب العيوب" في مسألة الكي والصدع.
واختلف في حد اليسير الذي وقع الخلاف في الرد به في الرياع والحيوان على خمسة أقوال:
أحدها: أن الثلث كثير ودون الثلث يسير، وهو قول المخزومي، وبه قال أبو بكر بن عبد الرحمن القروي.
والثاني: أن الربع كثير، وهو قول ابن عتاب، ومثله عن المخزومي أيضا حيث قال: ما نقص من القيمة الثلث فصاعدًا أو أقل من الثلث بيسير
هو من العيوب المفسدة.
والثالث: لا حد في ذلك إلا بوجود الضرر فمهما تعيب ما على المشتري فيه ضرر كان له الرد، وهو تأويل بعضهم على "المدونة".
والرابع: أن مثقالين في قيمة العيب قليل، وعشرة دنانير كثيرة، وهو تأويل أبي عمران وابن القطان، ولم يبين مقدار الثمن الذي يكون منه المثقالان قليلًا أو كثيرًا.
الخامس: أن العشرة من المائة كثيرة، وهذا تأويل أبي الوليد بن رشد.
والمسألة اجتهادية.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة الحادية عشرة في الذي اشترى جارية فزوجها فولت ثم وجد بها عيبًا
هل يكون التزويج فواتًا يوجب للمشتري الرجوع على البائع بقيمة العيب أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن ذلك فوت يوجب للمشتري الرجوع على البائع بقيمة العيب؛ لأن النكاح يبطل الغرض المقصود منها إن كانت أمه من جواري الوطء، وإن كانت من الوخش والزوج يأوي إلى البائع لكون زوجته عنده أو تتردد هي إليه، وإن شرط الزوج التسري معها كالحرة كان ذلك أبين؛ لأنها تصير منقطعة إليه، وإلى هذا ذهب محمَّد بن مسلمة من أصحاب مالك.
والثاني: أن ذلك ليس بفوت وأن الخيار في ذلك للمبتاع بين أن يردها وما نقص عيب النكاح أو يمسكها ويرجع بقيمة العيب ولا يفسخ النكاح.
وعلى القول بأنه يمكن من الرد إن شاء فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يموتا جميعا -الولد والأم- وإما أن يعيشا جميعًا، وإما أن يموت الولد دون الأم، أو تموت الأم دون الولد.
فأما الوجه الأول: إذا ماتا جميعًا فإن المشتري يرجع على البائع بقيمة العيب، ولا خلاف في هذا الوجه.
وأما الوجه الثاني: إذا عاشا جميعًا فهل يرد ما نقص عيب النكاح أو يجبر النقص بالولد أو بزيادة البدن؟
المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن النماء يجبر به النقص، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب العيوب" في الولد، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" في نماء البدن.
والثاني: أن النماء لا يجبر به النقص لا في زيادة البدن، وهو قول أشهب في "المدونة" في "كتاب العيوب".
والثالث: التفصيل بين الولد ونماء البدن، فالولد يجبر به النقص ولا يجبر بنماء البدن، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الوديعة" من "المدونة".
فعلى القول بأن النقص يجبر بالزيادة فإنه ينظر إلى قيمة الولد أو زيادة البدن فإن كانت كفافًا بقيمة العيب فإنه يرد ولا شيء عليه أو يمسك ويرجع بقيمة العيب.
وإن لم يكن فيه كفاف العيب أتم الباقي.
وإن كان فيه فضل كان للبائع.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الولد هل هو علة أو ليس بعلة، والقولان قائمان من "المدونة" من "كتاب الوصايا" وغيرها على ما سنبينه عليه في موضعه إن شاء الله.
وأما الوجه الثالث: إذا مات الولد دون الأم فلا يخلو من أن يموت حتف أنفه، أو يموت مقتولا.
فإن مات حتف أنفه لم يضمنه المشتري وكأنه لم يكن، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب أو يردها بما نقص النكاح.
وإن كان مقتولا فلا يخلو من أن يأخذ له عوضا أم لا.
فإن لم يأخذ له قيمة فإنه بمنزلة ما لو مات حتف أنفه.
فإن أخذ له عوضا هل تقوم قيمته مقام عينه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرد الأم وما أخذ من قيمة الولد أو عوضه إن باعه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك فوت يمنع الرد كالصغير يكبر، وأنه يرجع بالعيب علي كل حال، وهو اختيار اللخمي، وهو ظاهر "الكتاب" في المفلس يبيع الولد الحادث عنده فلا شيء للبائع في ثمنه إذا أخذ ثمنه.
فعلى القول بأن قيمته تقوم مقام عينه فإنه تجري فيه الثلاثة الأقوال التي قدمناها.
وعلى القول بأن قيمته لا تقوم مقام عينه فإن العرض الذي أخذ في القيمة يكون له ويخير بين الرد مع ما نقص النكاح، أو الإمساك ويرجع بقيمة العيب.
وأما الوجه الرابع: إذا ماتت الأم دون الولد فلا يخلو من أن تموت حتف أنفها، أو تموت مقتولة.
فإن ماتت حتف أنفها فهل يقوم الولد مقام الأم أم لا؟
المذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن الولد لا يقوم مقام أمه، وأن المشتري يرجع على البائع بحصة العيب من الثمن بعد أن تقوم الأم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب العيوب"، ولا خيار في ذلك للبائع.
والثاني: أن الولد يقوم مقام الأم، وأن الخيار في ذلك للبائع بين أن
يأخذ الولد على أن يرد جميع الثمن فذلك له، أو يتماسك المبتاع بالولد من غير شيء فذلك له، وهو قول أشهب في "الكتاب"، وقوله في هذه المسألة مثل قول ابن القاسم في "كتاب الغصب" إذا هلكت الأم وبقيت الأولاد حيث قال: للمغصوب منه أخذ الأولاد، ولا شيء له من قيمة الأمهات.
فإن ماتت مقتولة فأخذها عوضًا فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب".
أحدهما: أنها تقوم مع ولدها، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه عنه ابن عبد الحكم في "المختصر الكبير".
والثاني: أنها تقوم يوم الصفقة بلا ولد، وهو مذهب أشهب على ما حكاه فضل بن سلمة وعليه اختصر أبو سعيد في "التهذيب" وغيره من المختصرين.
والقول الثاني من أصل المسألة: إذا أخذ لها عوضًا أن ينظر إلى ما وصل إليها بين عوض الأم فإن كان مثل الثمن الذي يرجع به على البائع فلا حجة له، وهو قول أشهب في "الكتاب".
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الولد هل يقوم مقام الأم؟ وفي قيمة الشيء هل تقوم مقامه أم لا؟
المسألة الثانية عشرة إذا اشترى سلعة وبها عيب لم يعلم المشتري به
فهلكت السلعة بسببه، أو جنى المبيع جناية بسبب ذلك البيع، مثل أن يشتري عبدًا فيأبق أو يسرق وما أشبه ذلك: فلا يخلو البائع من أن يكون مدلسا أو غير مدلس.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان مدلسا فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يعلم أن هلاكه من سبب ذلك العيب، أو لم يعلم.
فإن علم ذلك؛ مثل أن يسرق فتقطع يده فيما فيه القطع، أو دلس بالإباق فأبق فاقتحم نهرًا فغرق فيه، أو دخل في عار يستخفي فيه فنهشته حية، أو تردى من جبل فمات، أو عطب، أو دلس بمرض فمات من سببه، أو تحمل فماتت من النفاس، فهذا كله مما لا ضمان فيه على المشتري، والضمان فيه من البائع.
فإن مات المبيع من ذلك فإنه يرد الثمن على المشتري، وإن تعيب منه كان للمشتري الخيار إن شاء رده وإن شاء حبسه، ويرجع بقيمة العيب، ولا إشكال في هذا الوجه، فإن لم يثبت ذلك ولا علم أن سبب هلاكه من ذلك فلا يخلو من أن يعلم بالعيب قبل الهلاك أو لم يعلم به.
فإن علم به قبل أن يهلك المبيع فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يمضي [من] 1 وقت علمه ما يرى أنه راض به.
والثالث: أن يشكل الأمر.
فأما إذا مضى من [وقت] 1 علمه ما يرى أنه راض بالعيب لتركه القيام به مع التمكن فلا قيام له بعد ذلك لا في الثمن ولا في قيمة العيب، ولا إشكال في ذلك.
فإن مضى من ذلك ما يعد رضًا؛ مثل أن يبادر في الطلب ولم يفرط بعد علمه بالعيب أو لم يعلم عندما ضربها الطلق فطلب الرد فلم يصل إليه ولا إلى سلطان حتى ماتت وعلم ذلك منه ببينة فهي من البائع، ولا ضمان على المشتري، ولا يمين عليه للبائع، وهو قول أشهب في "المدونة"، وقوله تفسير للمذهب.
فإن مضى بعد علمه ما يشكل أمره هل هو راض أم لا كاليوم ونحوه فإنه يتخرج في المذهب [قولان] 2:
أحدهما: أن الضمان فيه من المشتري؛ لأن تركه القيام بالرد مع الإمكان بعد العلم دليل على الرضا بالعيب.
والثاني: أن الضمان فيه من البائع، وعلى المشتري اليمين بالله تعالى أنه لم يكن ذلك منه رضا، وهو قوله في "الكتاب".
فإن لم يعلم بالعيب حتى هلك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الضمان فيه من البائع، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه من المشتري ويرجع بقيمة العيب خاصة، وهو قول أشهب
في "كتاب محمَّد" حيث قال: ومن يعلم أنها ماتت من النفاس أو من ذلك المرض.
والأول أظهر وأصوب.
وأما إن جنى جناية من سبب ذلك العيب؛ مثل أن يكون عبدًا فيسرق سرقة لا قطع فيها لكونها في غير حرز فلا تخلو سرقته من أن تكون من مال المشتري، أو من مال غيره.
فإن سرق من مال غيره كان للمشتري أن يرده ويأخذ جميع الثمن، أو يمسكه ويرجع بقيمة العيب.
فإن اختار رده كانت معاملة المسروق منه في تلك الجناية مع البائع يفتديه منه أو يسلمه بقيمة الشيء المسروق.
فإن اختار أن يحبسه كانت معاملة المسروق منه مع المشتري.
فإن كانت سرقته من المشتري فقد اختلف فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك في ذمته، وهو قول مالك - رحمه الله تعالى.
والثاني: أن ذلك في رقبته وهو قول سحنون.
والثالث: أن ذلك ساقط عنه؛ لا يكون ذلك في رقبته ولا في ذمته، وهو قول ابن حبيب.
والرابع: التفصيل بين أن يسرق من موضع أذن له فيه فيكون في ذمته، وبين أن يسرق من موضع محجور عليه فيكون في رقبته، وهو قول بعض المتأخرين.
وسبب الخلاف: هل يعتبر حال التدليس فيعد كأن العبد باق عند بائعه فتكون جنايته في رقبته، أو يعتبر بانتقال الملك بدليل كون الخيار في الرد
والرضا للمشتري فيسقط ذلك عن العبد لأنه غيره حتى يحكم.
والقول بأن ذلك في ذمته توسط بين القولين والقول بالتفصيل مراعاة الشبهة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان البائع غير مدلس فلا يخلو العيب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عيبًا قديمًا فعلم [قدمه] 1 عند البائع.
والثاني: أن يكون عيبًا يعلم حدوثه عند المشتري فهذا لا حجة له على البائع في الرد.
وأما الوجه الثالث: أن يكون عيبًا مشكوكًا فيه يحتمل أن يكون قديمًا عند البائع ويحتمل أن يكون حادثًا عند المشتري.
فأما الوجه الأول: إذا كان قديمًا عند البائع بسببه يقوم عليه أو بإقرار منه فقد [تقدم] 2 الكلام عليه في أول الكتاب في القيام والفوات.
وأما الوجه الثاني: إذا علم حدوثه عند المشتري فهذا لا حجة له على البائع في الرد.
وأما الوجه الثالث: إذا كان عيبًا مشكوكًا فيه مما يمكن أن يحدث مثله عند المشتري ويمكن أن يكون عند البائع، وكل واحد منهما تبرأ منه فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يقوم له شاهد واحد على أن العيب قديم عند البائع، وله أن يدعي أن مخبرًا أخبره بذلك، وإما أن يدعي قدم الغيب بلا شاهد ولا لطخ.
وإما أن يقول: لا أدري هل هو قديم أو حادث.
فإن شهد له شاهد واحد على قدم العيب عند البائع فإن المشتري يحلف مع شاهده، وهل يحلف على البت أو على العلم؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحلف على البت، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنه يحلف على العلم، وهو ظاهر قول أشهب فيما إذا لم يكن له شاهد.
والثالث: التفصيل بين أن يدعي المشتري أن العيب قديم كما شهد به الشاهد فيحلف على البت، أو قال: لا علم لي سوى قول الشاهد ثم لا يحلف أصلا، وهو اختيار اللخمي، قال: وهو الصحيح من المذهب، والذي اختاره خلاف مذهب "المدونة"؛ لجواز اليمين مع الشاهد وإن لم يعلم المشهود له صحة ما أشهد له به، بل قال في "المدونة": كما يحلف الصبي إذا بلغ مع شاهده إذا شهد له بحق كان لأبيه قبل أن يولد هو.
فإن نكل عن اليمين فهل يحلف البائع على العلم أو على البت؟ وهو قول ابن المواز.
والثالث: التفصيل بين العيب الظاهر أو الخفي؛ [أما الأول] 1 فيحلف في الظاهر على البت، وفي الخفى على العلم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يمين له وإن سمى المخبر وأحضره إذا كان المخبر نسى وطال الحال، وهو قول أشهب.
فإن لم يكن له شاهد ولا لطخ إلا مجرد الدعوى فالمذهب في يمين البائع على قولين:
أحدهما: أنه يحلف جملة بلا تفصيل، وهو قول أشهب.
والثاني: أنه يحلف على البت في الظاهر وعلى العلم في الخفى، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
فإن قال: لا أدري هل عندي حدث أو عند البائع؛ مثل أن يشتري عبدًا فيأبق عنده أو يسرق بقرب ما اشتراه فطلب يمين البائع على أنه لم يكن به يوم بيعه عيب، أو قال: أخشى أنه لم يأبق بقرب البيع [أما] 1 وقد أبق عندك فاحلف لي على ذلك فقد قال ابن القاسم في الكتاب: أنه لا يمين له عليه لا على العلم ولا على البت، ولزم من ذلك أن يحلفه كل يوم على ما شاء أنه لم يبعه وهو به عيب.
فلو قال العبد: كنت أبقت عند البائع أو قال: كنت سرقت عنده فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أن البائع يحلف، وهو قول مالك على ما نقله اللخمي.
ويتخرج في المذهب قول ثان أنه لا يحلف، وهو ظاهر "المدونة"، وهو الأظهر في النظر، [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الثالثة عشرة في الشيب في الرقيق، ومعرفة ما هو عيب مما ليس بعيب في الرقيق
قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: القَبَلُ والمَيْلُ والصَّوَرُ والزَّوَرُ والصَّدَرَ والفَزَرُ والعَسَرُ والحَبَطُ والعُجْرَةُ والبُجْرَةُ والسَلْعَةُ والظَفْرَةُ كل ذلك عيب في الأمة وفي العبد رفيعين أو وضيعين إلا أعسر يسير يعمل بيديه جميعًا.
فالقبل في العينين أو في إحداهما أن تميل إحدى الحدقتين إلى الأخرى في نظرها، والميل في الخد أن يكون مائلا عن الآخر إلى جهة [الأذن] 1 أو إلى اللحى.
والصور أن يميل العنق [على الجسد] 2 إلى أحد الشقين والجسد معتدل.
والزور في المنكب أن يميل بكله إلى أحد الشقين.
والصدر أن يكون في وسط الصدر إشراف كالحربة.
والفزر في الظهر أو بين كتفيه أن يكون هناك إشراف كالحدبة، ويقال للأحدب أفزر، [والأعسر] 3 أن يبطش بيسراه دون يمناه، وأما أعسر يسير فليس بعيب إذا كانت اليمني في قوتها والبطش بها بحال من لا يعمل
باليسرى، وإن نقصت عن ذلك لعمله باليسرى فهو عيب يرد به.
والحبط أثر الجرحة والقرحة بعد البرء، ويخالف لون الجسد؛ فهو عيب.
والعجرة: القعدة على ظهر الكف أو الذراع وفي سائر الجسد.
والبجرة: نفخ كالعجرة إلا أن البجرة لينة من نفخ ليس بزائد، والسلعة نفخ زائد ناتئ متفاحش أثره.
والظفر: لحم نابت في شفر العين.
وأما الشيب الكثير فعيب في الرائعة قولًا واحدًا وإن لم تبلغ سن الشيب، وفي قليله قولان:
أحدهما: أنه عيب ترد به، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة"؛ لأنه أطلق ولم يفصل بين القليل والكثير.
والثاني: أنها لا ترد من قليل الشيب، وهو قول ابن المواز في الموازية.
وقليل الشيب ليس بعيب في الوخش قولا واحدا، وفي كثيره قولان:
أحدهما: أنها لا ترد من كثيره كما لا ترد من قليله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، إلا أن ينقص من الثمن.
والثاني: أنها ترد من كثيره و [لا] 1 ترد من قليله، وهو قول أشهب في "كتاب محمَّد".
وأما صهوبة الشعر فلا يخلو من أن يوافق ذلك لونها أم لا.
فإن وافق ذلك لونها فليس بعيب.
وإن خالف لونها، وشعر مثلها يكون أسودًا هل هو عيب أم لا؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه عيب ترد به، وهذا القول حكاه اللخمي.
والثاني: أنها لا ترد به، وأن ذلك ليس بعيب، وإن قال المشتري: لم أكشف في حين الشراء ولا علمت أنها صهباء فلا حجة له وهو باد لا يخفى إلا أن يكون سواد، وهو قول مالك في "الواضحة".
والثالث: أن الصهوبة عيب في الرائعة دون غيرها من خواش الرقيق، وهو تأويل بعض الشيوخ على "المدونة" على ما نقله القاضي أبو الفضل عن الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد، وكذلك وقع في "الأسدية".
وأكثر الشيوخ على أن ابن القاسم إنما تكلم في "الكتاب" على مسألة الشيب.
وأما التي جعد شعرها أو اسود فإنه عيب في الرائعة، وينظر في غير الدار فإن كان ذلك يزيد في ثمنها ردت وإن كان ذلك لا يزيد في ثمنها فليس بعيب، [والحمد لله وحده] 1.
المسألة الرابعة عشرة في الفرق بين المدلس وغيره
اعلم أنهم قالوا: لا فرق بين المدلس وغير المدلس في الرد بالعيب في أن المشتري العاثر على العيب القديم يعاوض من العيب الحادث إذا اختار الرد، وفي البائع يعاوض عن البيع القديم إذا اختار المشتري الإمساك إلا في خمس مسائل.
ومرادهم بالمساواة فيما يرجع إلى الأحكام الدنيوية، وأما الغرامات الأخروية فبينهما ما بين ذرة العرش إلى قرار الفرش؛ إذ ذلك ظالم غشوم وهذا صالح عصوم ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية 1.
إحداها: أن إحداث المشتري في المبيع حدثا ينقصه مما جرت به العادة بحدوثه فيه من غير انتفاع منه لا يمنع الرد، بل له أن يرد، ولا يغرم للنقصان شيئًا إذا كان البائع مدلسًا؛ كقطع الثياب وخياطتها وصبغها وقصارتها وقطع الجلود نعالًا وأخفافًا، ولا خلاف في هذا الوجه.
فإن اختار الرد وكانت سلعته في تلك السلعة مما يزيد في ثمنها فإنه يكون شريكًا للبائع.
واختلف بماذا يكون شريكًا على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يكون شريكًا بما زادت الصنعة يوم الرد لا يوم الشراء؛ فتقوم السلعة على هذا القول قيمتين.
والثاني: أنه يكون شريكا بقيمة الصنعة لأنها زادت.
فإن اختار التماسك هل يرجع على البائع بقيمة عيب التدليس؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له الرجوع بقيمة العيب على البائع، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه يحبس، ولا شيء له من قيمة العيب ولا شيء له في "كتاب محمَّد".
والثانية: فوات المبيع بسبب العيب؛ كما الحامل من أجل الحمل، وقطع يدها من أجل السرقة، أو أبق عند المشتري وقد دلسه بالإباق فإن المشتري يرجع على البائع ويأخذ ثمنه إن كان مدلسًا [ويدفعه إيجابًا] 1.
والثالثة: إذا اشترى البائع من المبتاع السلعة التي باعها وهي مبيعة بأكثر من الثمن الأول فلا مراجعة بينهما إن كان البائع مدلسًا، وإن لم يكن مدلسًا رجع عليه بما ناف على الثمن، ويصير ذلك ردًا.
والرابعة: أن السمسار يرد الجعل في غير المدلس؛ بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع، وأما في المدلس فلا يرد الجعل.
الخامسة: مسألة البيع على البراءة قال: ينتفع به إذا حصلت على شروطها إن لم يكن مدلسا، فإن كان مدلسًا فلا ينتفع بها حتى يتبين.
[والحمد لله وحده] 2.
المسألة الخامسة عشرة في حكم الزوائد الثابتة في الأصول المشتريات عند طرءان ما يقدح في ملك مشتريها
وفي ذلك خمسة أسئلة: منها الرد، ومنها الرد بفساد البيع، ومنها طرءان الشفيع على المشتري، ومنها طرءان المستحق على المشتري، ومنها قيام الغرماء على المفلس.
وقد أدرك البائع عين شيئه.
ولا شك ولا خفاء أن قوله عليه السلام: "الخراج بالضمان" 1 شامل في الجميع لحق العموم، إلا أن القدر الذي انتمت إليه هذه الزوائد تصير علة وخراجا فيه ترى العلماء يضطربون والفقهاء يصطدمون، ونحن نبين ذلك إن شاء الله تعالى.
فالجواب عن السؤال الأول والثاني: إذا اشترى الأصول ثم ردها بالعيب أو لفساد بيع فلا تخلو الأصول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معطلا من الثمار.
والثاني: أن يكون مشغولا بالمأبور ..
والثالث: أن يكون مشغولا بالمزهي من الثمار.
فأما الوجه الأول: إذا عرى الأصل عن الثمار أو شغل بالمأبور لأنه عدم في نظر الشرع فإن الثمار مردودة برد الأصول ما دامت متعلقة بها ما لم تبلغ مبلغًا يحكم لها فيه بالانفصال.
وهل للمشتري في الرد بالعيب الرجوع على بائعه بقيمة السقي أو العلاج أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة".
وينبني الخلاف على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو مبتدأ بيع.
واختلف في الحد الذي يحكم له بالانفصال على أربعة أقوال:
أحدها: أنه بالإبار، وتصير علة للمشتري، وهو قول أشهب في "كتاب العيوب"، وفي "كتاب الحبس"، وهو قول المدنيين في "كتاب الشفعة" من "المدونة".
والثاني: أنها بالإزهار تصير علة.
والثالث: أنها باليبس تصير علة بالجذاذ.
وأما على القول بالإبار فيتخرج على القول بأن الرد بالعيب بيع مبتدأ، أو على أنها بالإبار تكتسب وصفا من أوصاف الانفصال من كون مقتضى العقد على الأصل لا ينتظمها بل يفتقر إلى شرط يخصها، وذلك يؤذن بأن لها حظا في الاستغلال، وهذا المعنى ينظم الرد بالعيب والرد بفساد البيع.
وأما على القول بالازهار فينبني الخلاف على أنها تكتسب به وصفا من أوصاف الاستعمال والانفصال؛ لجواز قصدها بالعقد على نعت الحرية ولكونها لا نتدرج في طي العقد الوارد على الأصل إلا بشرط يخصها؛ فصار لها حكم المحدودة فعلا.
وأما على القول باليبس فلاكتسابها به من الأوصاف ما يخرجها من حيز الضمنة والتبعية ويرفعها إلى درجة المحدودة فأعلى منها ما ذكرناه في فصل
الإزهار، ومنها ما عدم الاستمداد بالرطوبة من محل الأصل، ومنها سقوط قاعدة عهدة الجائحة، فقسمنا الجذاذ الحكمي على الجذاذ الحسي.
وأما على القول بالجذاذ فإنه منع في قياس المجذوذ فعلا، ويخرج على الجذ الحقيقي؛ لأنها قبل الجذ راجعة إلى حكم من أحكام الاتصال كامتناع بيعها بطلعهم حينئذ إلا بعد الجذاذ، فهذا حكم هذه الثمار مع القيام.
فإن كانت فائتة قبل الإزهار فلا يخلو فواتها من أن يكون بتلف أو بالإتلاف.
فإن كان بإتلاف فهو تفويت الأصل تثبت به القيمة في البيع الفاسد، ويثبت به الخيار للقائم بالعيب بعد أن يرد مع أرش النقص، أو يتمسك ويسترد أرش العيب.
فإن فاتت بتلف طاف عليها طائف من ربك في رؤوس النخل فليس بفوت يمنع الرد بالعيب، وله أن يرد، ولا شيء عليه؛ إذ لا سبب له هناك.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت الأصول في حين البيع مشغولة بالمأبور من الثمار فإنه لا فرق بينه وبين الوجه الأول فإن إتلافها بعيب قبل الإزهار وفي أن تلفها حينئذ بآفة سماوية على الأصل لا يمنع الرد بالعيب، وله أن يرد بلا غرم.
واختلف في هذا الوجه يكون علة للمشتري إذا أخذها أم لا على قولين:
أحدهما: أنه لا يكون علة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يكون علة له، وهو قول أشهب في "كتاب العيوب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الثمرة بعد الإبار إذا بيعت مع الأصل
هل لها حصة من الثمن أم لا؟ وظاهر ما وقع في "كتاب الشفعة" أن لها حصة من الثمن، وعليه اختصر أبو سعيد البراذعي في "كتاب العيوب" على المعنى حيث قال: ولما لم تكن واجبة للمشتري إلا باشتراط صح أن لها صحة من الثمن بعد الإبار.
وعلى القول بأنها ليست بعلة للمشتري هل يردها مع الأصل في الرد بالعيب أو يمضي له بحصتها من الثمن؟ وإنما يتخرج على قولين من "المدونة":
أحدهما: أن المشتري يردها إن كانت قائمة، أو مكيلها إن عرفت، أو القيمة إن جهلت، أو الثمن إن بيعت، وهو قول ابن القاسم في "كتاب العيوب" من "المدونة".
الثاني: أنه يرد الأصول خاصة وتمضي له الثمرة بما ينوبها من الثمن إذا طابت وإذا يبست وإذا جذت على اختلاف الأقوال في ذلك، وهو قوله في مسألة الشفعة والتفليس، وهو تأويل بعض المتأخرين ورأيا أن ذلك اختلاف قول، وأشار بعضهم إلى أن ذلك اختلاف سؤال، وقال: الفرق بينهما كون الرد بالعيب نقض بيع وفي إمضائها له بما ينوبها من الثمن إغرار بالعقد، وذلك ممنوع، وهذا مختلف في الشفعة؛ لأنها بيع مؤتنف.
وهذا القول غير مسلم إلا على أحد القولين في الشفعة والرد بالعيب؛ لأنهم اختلفوا في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو بيع مبتدأ، وفي الشفعة هل طريقها طريق البيع أو طريقها طريق الاستحقاق.
وأما الوجه الثالث: إذا كانت الأصول مشغولا بالمزهي من الثمار يوم العقد فلها فيه حكم السلعة المنفصلة وضمانها منه فاتت بتلف أو إتلاف، فإذا رد الأصل ردها معه وإن حدث ما كانت قائمة.
فإن فاتت رد المثل إن علم لأنه كالعين، فإن جهل هل تمضي له بحصتها من الثمن أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: أنها تمضي بحصتها من الثمن.
والثاني: أنه يرد قيمتها مع الأصول.
وينبني الخلاف على الخلاف في مسألة الثوبين إذا تعيب الأعلى وفات الأدنى؛ فعلى القول بأنه يردها على المعيب مع قيمة الفائت الأدنى فيرد قيمة الثمرة هاهنا مع الأصول وهو مذهب "الكتاب"، وعلى القول بأن الفائت المعيب يمضي بحصته من الثمن تكون كذلك أيضا.
والجواب عن السؤال الثالث والرابع والخامس أن ما قدمناه من التقسيم والخلاف دائر في هذا الأصل فيها يوم الابتياع ثلاثة أحوال: إما أن يكون خاليًا من الثمار أو من المأبور، وإما أن يكون مشغولا بالمأبور، وإما أن يكون مشغولا بالمزهي.
فأما الحال الأول فإن الشفيع أو المستحق أو الغريم يأخذون الأول بزوائده.
وفي رجوع المشتري عليهم بالسقي والعلاج قولان، وقد قدمناهما في السؤالين الأولين ما لم يكسب وصفًا من أوصاف الانفصال تكون به علة للمشتري.
وقد اختلف على الأقوال الأربعة المبسوطة، وأن ما تقدم من التوجيه نحو منه يقال هاهنا فلا معنى لإعادته مرة أخرى، إلا أن بعض هذه الأقوال مخرجة وبعضها منصوصة.
وأما الشفعة فبكونها علة بالإبار أو باليبس جاءت الروايات عن متقدمي الأصحاب، وأما الاستحقاق فبكونها علة باليبس أو بالجذ جاءت أيضًا، وكلاهما عن ابن القاسم، وأما التفليس فبكونها علة بالجذاذ أو بالإزهار جاءت أيضًا، وكلاهما عن ابن القاسم، إلا أن مذهبه في "المدونة" في هذه المسائل أنها بالإزهار تكون علة في السؤالين الأولين، وباليبس تصير علة في الشفعة والاستحقاق وبالجذ تصير علة بالتفليس.
وما أشرنا إليه من التوجيه فيما تقدم يطلع منه على سبب الخلاف هاهنا.
فإن وجدها المشتري بعد الإبار وقبل الطياب أو وجدها قبل الإبار وقد كان الأصل خاليا منها يوم التبايع فإنها للمشتري وهل يحاسب بها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يحاسب بشيء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، وهو الصحيح.
والثاني: أن الشفيع يحاسب المشتري ويأخذ الأصل بحصته من الثمن، ويحاسب البائع في الاستحقاق ولا يرجع عليه إلا بما ينوب الأصل، ويحاسب به الغرماء في التفليس ويأخذ الأصل بحصته من الثمن ويحاصص الغرماء بما ينوب الثمرة من الثمن بناء على أن لها حصة من الثمن قبل الإبار، وهو قول أشهب في "كتاب ابن المواز"، وليس بصحيح والله أعلم.
وأما الحال الثاني: وهو أن تكون الأصول عند البائع مشغولة بالماء فإن الأسئلة الثلاثة تختلف فيه.
وأما الاستحقاق فالمنصوص فيه أنها لا تصير علة ويردها وإن وجدت، ويغرم المكيلة إن عرفت أو القيمة إن جهلت كسلعة ومنفصلة.
وأما الشفعة فيها ففي المذهب قولان:
أحدهما: أنها كالاستحقاق، وأنها لا تكون له علة، وهو قول أشهب.
والثاني: أنها للشفيع ما لم تيبس أو تجذ، فإن يبست أو جذت وكانت صغيرة ففي المشتري بما ينوبها من الثمن، ويستشفع الشفيع الأصل بما ينوبه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وسبب الخلاف: الأخذ بالشفعة هل هو مضاهاة للاستحقاق فيكون كما قال أشهب، أو على منهاج البيع المبتدأ فيكون الأمر كما قال ابن القاسم؛ لأن المأبور له حصة من الثمن على مشهور المذهب.
وأما التفليس ففيه قولان:
أحدهما: أنها للبائع ما دامت لم تفت، فإن فاتت أخذ الأصل بما ينوبه من الثمن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها كالاستحقاق وهو قول أشهب.
وأما الحال الثالث: إذا كان الأصل مشغولا بالمزهى من الثمار عند العقد؛ أما الاستحقاق؛ فإنه يردها وإن جذت، ويرد المكيلة إن عرفت، أو القيمة إن جهلت، والثمن إن بيعت كسلعة منفصلة.
وأما في الشفعة فإنها تتخرج على قولين:
أحدهما: أنها للشفيع ما لم تجذ، فإذا جذت فإنها تكون للمشتري بحصتها من الثمن.
والثاني: أنها تكون للمشتري باليبس.
والقولان لابن القاسم من "المدونة".
وقد جعلها ابن القاسم في الحال الأول والثاني أنها للمشتري باليبس.
وأما في التفليس فالبائع أحق بها وإن جذت ما دامت قائمة كمشتري السلعتين بفلس.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة السادسة عشرة في العيوب الكامنة التي يستوي فيها علم البائع والمشترى
والعيوب التي يستوي فيها علم البائع والمشتري وهي الكامنة ولا يتصور التدليس بها تنقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يمكن الوصول إلى معرفته إلا بعد قطعه وشقه.
والثاني: ما يمكن الوقوف على حقيقته واختيار ما في داخله قبل كسره.
والثالث: ما يدرك كنه داخله قبل كسره.
فالجواب عن القسم الأول: وهو ما لا يمكن الوصول إلى معرفة ما في داخله والوقوف على حقيقته إلا بعد شقه وقطعه كالعيوب الكامنة في الخشوب والجلود فالمذهب فيها على خمسة أقوال:
أحدها: أن ذلك للمشتري ولا رد له جملة بلا تفصيل، وهو قوله في "المدونة" و"الموازية"، وغيرهما.
والثاني: أنه كسائر العيوب، وللمشتري الرد جملة بلا تفصيل، وهو قول الأبهري.
والثالث: التفصيل بين القليل والكثير، فإن وجد العيب في اليسير فلا رد له ويلزمه جميع الصفقة بجميع الثمن، وإن كان الفساد في أكثره فله رد الجميع، وهو قول ابن نافع ومحمد بن خالد في "العتبية" والموالح واللوز والجوز.
والرابع: على عكس الثالث أنه لا يرد ما وجده فاسدًا إلا ما كان يسيرًا
مثل الجوزتين والثلاثة يجدها فاسدة بعد كسرها، وأما في الإجمال، والكثير منه فلا يرد، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"؛ على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في "النوادر".
والخامس: التفصيل بين أن يكون العيب في أصل الخلقة ولم يحدث بعد القطع ثم لا قيام له، أو يكون عيبًا حدث بعد القطع والصحة من عفن أو سوس فهذا مما لا يعلمه بعض الناس وإن جهله آخرون فله الرد، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: الرد بالعيب هل هو مبني على نفي المساواة في علم العيب أو هو مبني على أن المشتري مغبون لأن ثمن السالم وما يدخلا فيه على القيام بالعيب ليس على سواء، وما عدا ذلك من الأقوال فإنها جارية على غير قياس.
واختلف في الجلود تقطع خفافًا أو نعالًا ثم يظهر أنها فاسدة أو دبغها ثم ظهر فسادها من اختراق أو إتلاف صوفها وشعرها فلا يخلو من أن يكون ذلك في أصل خلقتها أو يكون ذلك أمرًا قد حدث مما يمكن أن يكون من سوء صنعة أو سوس أو عفن أو سوء صنعة من قلة ملح أو حرارة شمس أو طول مكث كجلود البقر تباع مطوية يابسة فإذا بلت تبين السوس فيها أو ظهر فيها فساد أو اختراق ولا يتبين ذلك للمشتري حتى يجعل في الماء فإنه ينظر في ذلك أهل المعرفة والبصيرة.
فإن كان مثل ذلك لا يخفى على البائع فإن له حكم التدليس، وإن كان يخفى مثله كان كمن لم يدلس.
وهل يكون حكمها كحكم سائر العيوب أو له حكم الخشب؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن حكمها حكم سائر العيوب في الرد والإمساك، وهو قول مالك وأكثر أصحابه في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أنها كالخشب والبناء، وأنه لا رد له، وهو قوله في "كتاب ابن سحنون" فلو اشتراها المشتري الأول على أن يرد منها ما أتلف لم يجز؛ إذ لا يدري ما يتلف، وهل هو في خيارها أو شرارها؟ وذلك غرر وخطر وهو قوله في "كتاب ابن حبيب".
والجواب عن الوجه الثاني: وهو ما يمكن الوقوف على حقيقته داخله قبل كسره كالقثاء والباذنجان يختبر بالعود الرقيق فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يرد جملة وأن ذلك لازم للمشتري، وهو قول مالك في "المدونة" قال: ورأيت أهل السوق يردونه، ولا أدري من أمن ذلك إنكارًا لفعلهم.
والثاني: أنه له الرد كسائر العيوب، وهو قول الأبهري.
والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير؛ فإن كان يسيرًا مما يدرك بالاختيار وإدخال العود حتى يعرف حلوه من مره فله الرد؛ لأن البائع قادر على معرفة هذا العيب فإن كان كثيرًا كالأحمال وذلك من المشتري ولا رد له، وهو قول أشهب، ومطلع الخلاف على ما تقدم.
والجواب عن الوجه الثالث: وهو ما يدرك كنه داخله من خارجه قبل كسره؛ كالبيض فإنه يظهر فساده قبل كسره: فهو كسائر العيوب.
فإذا قام المشتري فلا يخلو من أن يكون ذلك بحضرة البائع أو بعد أيام.
فإن كان ذلك بحضرة البائع فلا يخلو فسادها من أن يكون مدلسًا أو غير مدلس.
فإن كان مدلسا فإنه يرد بعد كسره ويرجع بجميع الثمن.
وإن كان غير مدلس فإنه يرجع على البائع ما بين الصحة والداء.
فإن كان مما لا يباح أكله فإنه يرجع بجميع الثمن دلس أو لم يدلس، وهو قول ابن الموّاز.
فإن كان ذلك بعد أيام فلا رد له؛ لأنه لا يدري أفسد عند البائع أو عند المشتري، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد".
وصفة معرفة فساد البيض من ظاهره أن يحركها ويضحضها، وذلك يدرك به فساده ما لم يخلق فيه الفروج.
وقال بعضهم: يدرك فساده بأن يرفعه في عين الشمس.
وقال بعضهم: يدرك فساده بأن يجعل البيض في ماء فما كان منه صحيحا رسب، وما كان منه فاسدًا فإنه يعلو على وجه الماء.
[والحمد لله وحده] 1.
المسألة السابعة عشرة فيمن اشترى شعيرًا للحرث فوجده لا ينبت
فلا يخلو من أن يشتريه ليأكله أو ليزرعه، فإن اشتراه ليأكله ثم بدا له فزرعه فلم ينبت فإنه لا يرجع عليه بشيء، إلا أن يكون ذلك نقص مما يكون عيبا لو اشتراه للأكل فإنه يرجع بما نقص العيب.
فإن اشتراه ليزرعه فلا يخلو من أن يكون اشترط له البائع أنه ينبت أو لم يشترط.
فإن اشترط له البائع أنه ينبت فزرعه في أرض تربة تنبت فلم ينبت فلا يخلو من أن يكون البائع قد غره أو لم يغره.
فإن ثبت أن البائع غره منه عالما بأنه لا ينبت فإنه يرجع عليه بجميع الثمن.
وإن لم يغره وإنما اشترط ذلك لأنه كانت عنده في نفاقها وجودتها أنها تنبت حلف على ذلك وليرد المشتري مثلها ويأخذ ثمنه كله، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه".
فإن لم يشترط له البائع أنها تنبت ولا تبين له أنه اشتراها لذلك فلا يخلو من أن يشتريها في غير إبان الحرث أو في إبانه.
فإن اشتراه في غير إبان الحرث فلا رجوع له على البائع قولا واحدًا بما نقص العيب ولا غيره.
فإن اشتراها في إبان الزراعة والبائع لا يعلم هل تنبت أم لا فالذي تقتضيه أصول المذهب ونصوصه أنه لا يرجع على البائع بشيء فإن اشتراها في إبان الزراعة، والبائع يعلم أنها لا تنبت وباعها بأثمان ما يراد للزراعة
هل يكون ذلك كالشرط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالشرط ويرجع عليه المشتري بجميع الثمن، وهو قول اللخمي.
وعلى أنه لا ينبت فيرجع المشتري بما بين ذلك؛ لأن الشعير يتصرف إلى غير وجه، وقيدنا الذي يعلم أنه لا ينبت فلم ينبت بالإثم وعليه العقوبة إذا دلس ولم يبين، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
ولو زرع أحد فنبت شعير صاحبه، ولم ينبت شعيره فلا يخلو من أن يكون مدلسًا أو غير مدلس.
فإن كان مدلسًا فإنه يرجع عليه صاحبه بنصف مكيلته من شعير صحيح وبنصف كراء أرضه التي عطل عليه، وهو قول ابن حبيب وأصبغ.
وهذا إذا فات إبان الحرث.
وأما إذا علم في إبانها فعليه أن يخرج مثل ذلك من الزريعة الصحيحة فيزرعها في مكان لم ينبت.
فإن كان غير مدلس فإنه يرجع على شريكه بمثل زريعه ودفع إليه شريكه مثل نصف زريعته التي لم تنبت، وهو قول سحنون في النوادر.
فإن لم يشترط ذلك وكان الشراء في إبان الحرث [فهل له الرد] 1 أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا رد والبيع يلزمه، وهو قول سحنون.
والثاني: أن له الرد وأخذ جميع الثمن، وهو قول اللخمي، [والحمد لله وحده] 2.
المسألة الثامنة عشرة في البيع على البراءة
والبراءة من العيوب على وجهين: خاصة، وعامة.
فالخاصة على ثلاثة أوجه: متفق على فساده، متفق على جوازه، مختلف فيه.
فأما المتفق على جوازه فهو المنبري من العيوب التي علمها إذا أوقف المشتري عليها أو سماها له وأخبره أنها في المبيع موجودة إلا أنها مع ذلك على وجهين: وجه يختلف، ووجه لا يختلف؛ فالوجه الذي لا يختلف كالغرر وقطع العضو فإنه يرى بمجرد تسميته، وما يختلف كالإباق والسرقة والديرة فلا تبرئة مجرد التسمية حتى يتبين طلبها بالمقدار وتبرئه مشاهدة المبتاع ومشاهدته لتلك الصفات.
وأما المتفق على فساده فهو التبري من الحمل الظاهر متاع الغير في الرفيعة التي فيها المواضعة ولم يقر السيد بالوطء فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: إبطال البيع، وهو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك وأصبغ وابن المواز في "الموازية".
والثاني: أن البيع جائز والشرط جائز، وهو قول ابن حبيب في "واضحته" في الجارية المسبية المشتراة من الغانم أن له أن يتلذذ منها بدون الجماع قبل الحيض؛ لأن بيع المقاسم بيع.
والثالث: جواز البيع وبطلان الشرط، وفيها من المواضعة.
وهو قول
ابن المواز أيضا.
ووجه القول أن التبري من الحمل في الرائعة يسقط المواضعة وذلك غرر وخطر؛ لما كان الحمل مخفيا فيها فصار المشتري يعتقد السلامة والبائع ضده فتخاطرا.
ووجه القول الثاني: بناء على الأصل الذي قدمناه في جواز البيع وبطلان الشرط في بياعات الشروط، وقد استقصينا الكلام فيها أصولا.
ووجه القول الثالث: قياسًا على الوضيعة بعلة أنه عيب فيهما جميعًا.
فالجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو البراءة العامة؛ وهو أن يتبين البائع من كل عيب لم يعلم به هل هو بيع براءة اشترطها البائع عند العقد أو لم يشترطها؟
فالذي يتحصل من المذهب في ذلك عشرة أقوال؛ منها في الكتاب ثمانية أقوال:
الأول منها: أنه جائزة في الرقيق خاصة إذا اشترط التبري من كل عيب قل أو كثر مما لا يعلمه البائع وبيع السلطان في التفليس والمغنم والميراث إذا علم المبتاع أنه بيع ميراث، وهي رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك في "كتاب محمَّد".
وهذا القول قائم من "المدونة" من قول ابن القاسم: وأما البراءة في الرقيق على قول مالك الأول أن بيع المفلس والميراث بيع براءة وإن لم يتبين، وكذلك بيع السلطان، وذلك ظاهر.
والقول الثاني: أن البراءة لا تكون إلا في الرقيق فيما باعه السلطان على مفلس خاصة دون الميراث وغيرها، وذلك بيع براءة وإن لم يشترطها، وهو