كتاب البيوع الفاسدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المسألة العاشرة فيمن باع سلعة على إن لم يأته بالثمن على أجل كذا وكذا، وإلا فلا بيع بينهما
فقد اختلف المذهب في ذلك على أربعة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع مفسوخ، وهو قوله في بيع النساء إذ قال: متى جاز بالثمن فهو أحق بها.
والثاني: أن البيع جائز، والشرط جائز.
والثالث: أن البيع جائز، والشرط باطل.
والثلاثة الأقوال ذكرها ابن القاسم عن مالك، على ما حكاه ابن لبابة.
والقول الرابع: التفصيل بين قوله: إن جئتني بالثمن، وبين قوله: إن لم تأتني بالثمن؛ فإن قال: إن جئتني: كان البيع ثابتًا بينهما.
وإن قال: "إن لم تأتني بالثمن": فكأنه لم ينعقد بينهما بيع إن لم يأته بالثمن.
وهو قوله في "الدمياطية" وعلى القول بفساد البيع، فلا تفريع.
وعلى القول بأن البيع جائز، والشرط جائز: فحكمه حكم بيع الخيار؛ فيجوز فيه من الأجل ما يجوز في بيع الخيار في مثل تلك السلعة، وهو قول ابن لبابة، وأبي الأسود القطان العدوي.
وعلى القول بأن البيع جائز، والشرط باطل هل يجبر على نقد الثمن في الحال، أو لا شيء عليه حتى يحل الأجل؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
قيل: إنه يغرم الثمن، وهو ظاهر قوله في "كتاب كراء الرواحل والدواب"؛ حيث قال: يلزم البائع دفع السلعة، وللمشتري أخذها إما بالثمن أم لا، ويجبر على النقد، وظاهره في الحال، وعليه حمله بعضهم.
والثاني: أنه يغرم الثمن عند حلول الأجل الذي ضرباه، وهو ظاهر قوله في "كتاب البيوع الفاسدة"؛ حيث قال: جاز البيع وغرم الثمن الذي اشترى به، فحمل بعضهم هذا الكلام، وما قاله بعضهم في "كتاب الرواحل والدواب" على نقد الثمن عند حلول الأجل، لا قبله.
واختلف ممن يكون ضمانها إن هلكت قبل الأمد على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ضمانها من البائع، سواء قبضها المشتري أو لم يقبضها، وهو قول ابن لبابة منه على أن حكمه حكم بيع الخيار، وهو اختيار اللخمي.
والثاني: التفصيل بين أن تكون السلعة في يد البائع فيكون ضمانها منه ما دامت في يده وإن كانت حيوانًا، وبين أن يقبضها المبتاع فيكون الضمان منه، بخلاف البيع الصحيح بحبسها البائع بالثمن فتلك هلاكها من المشتري، وهو قول ابن القاسم في "كتاب البيوع الفاسدة".
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون الأجل إلى يوم، أو يومين: فيكون ضمانها من المشتري، وإن كان إلى عشرة أيام ونحوها: فضمانها من البائع، ولم يفصل بين القبض وغيره، وهي رواية ابن وهب عن مالك رحمه الله.
وتأول أبو محمَّد مسألة الكتاب على أن البائع لم يمكن المشتري من
قبض السلعة إلا بعد قبض الثمن؛ فعلى هذا التأويل تتخرج المسألة على قولين، ويكون حكمها حكم المحبوسة بالثمن.
والحمد لله وحده.
المسألة الحادية عشرة إذا باع أَمَةَ ومعها وَلَدٌ حُر رضيع، فاشترط البائع على المشتري رضاعه ونفقته سَنَة
فلا يخلو بيعه إياها على هذه الصفة من أحد وجهين:
إما أن يكون غلبة واضطرارًا، أو يكون ترفهًا واختيارًا.
فإن كان غلبة واضطرارًا؛ كبيع السلطان على مفلس، فهل يجوز البيع واشتراط مؤونة الصبي؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البيع جائز، والشرط جائز وإن كان ذلك الشرط يؤثر في نقصان ثمن الجارية ويعود بالضرر على الغرماء؛ لأن حق الصبي مقدم عليهم لكونه في شيء معين من مال المفلس، فإنه أحق به من الغرماء، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب البيوع الفاسدة"؛ لأنه أطلق جواز البيع والشرط في هذا الوجه، ولم يفصل بين المِدْيَان وغيره.
والثاني: أن البيع جائز، والشرط باطل؛ لأجل حق الغرماء؛ لأن حقهم متعلق بذمة الغرماء، ومن جملة ذمته ماله، ولا مدخل لأحد فيه إلا من دخل مدخلهم وأدلى دلوه مع دلائهم.
وأما إن أسند أحدًا بشيء من ماله دونهم: فلا، إلا من أدرك عين شيئه، فإنما سلطانه على أخذه يفيد تخيير الغرماء ما بين أن يسلموه له أو يعطوه ثمنه الذي باع به.
والصبي لا يتعين له حق في مال السيد، لا في الذمة ولا في شيء
معين، وإنما رضاعه ونفقته عليه على معنى المواساة، فإذا باع السيد الأم، واشترط على المشتري رضاع الصبي ومؤنته، وقد أحاط الدين بماله فذلك ضرر على الغرماء، وليس للغريم إدخال الضرر عليهم فيما ينقص ماليتهم، وقد قال مالك في "كتاب التفليس": وإذا باع مال المفلس فإنه يترك له من ماله ما يعيش به هو وأهله الأيام، فإذا كان لا يجوز أن يستبقي له بقية نفسه من ماله ونفقة زوجه التي هي عين معاوضته على مشهور المذهب أمدًا مديدًا يجوز استبقاء نفقة الولد الصغير؛ لكونه قد أعتقه، وهي من ناحية الفوت والمواساة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في عتق من لا يقوم بنفسه مثل الصغير, والزمن، والشيخ الهرم هل تجب عليه نفقته أم لا؛ فمن رأي أن نفقته واجبة عليه: قال بجواز الشرط، وهو قوله في هذا الكتاب ومن رأي أن نفقته لا تلزم السيد قال: الشرط باطل، وهو ظاهر قوله في "كتاب المكاتب" في غير ما موضع من "المدونة"، وقد جوز في "كتاب المكاتب" كتابة من لا يقوم بنفسه، ولا حرفة له -صغيرًا أو كبيرًا أو زَمِن- فإذا جاز للسيد أن يستسعيه ويستدينه وتسقط عنه نفقته وهو رقيق بعد، فبأن تسقط عنه نفقته أولى وأحق.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا باعها ترفهًا واختيارًا هل يجوز ذلك البيع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مشهور المذهب.
والثاني: الكراهة، وهو مذهب سحنون، ووجهه: أن المشتري قد يريد أن يظعن بالجارية فيتكلف للصبي ولا يدري ما يلحقه، وذلك غرر.
وعلى القول بأنه يجوز بغير كراهة فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك مضمونًا في الولد والأم.
والثاني: أن يكون معينًا فيهما.
والثالث: أن يكون مضمونًا في الأم معينًا في الولد.
والرابع: أن يكون مضمونًا في الولد معينًا في الأم.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان مضمونًا في الأم والولد: فذلك جائز اتفاقًا.
فإن ماتت الأم أو انقطع لبنها: كان على المشتري أن يأتي بغيرها، وإن مات الولد: كان على البائع أن يأتي بغيره، فإن لم يأت البلد فلا شيء على المشتري.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان معينًا فيهما جميعًا: جاز ذلك أيضًا، ومن مات منهما وجبت المحاسبة والرجوع بما ينوب المؤونة والرضاع.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان مضمونًا في الأم معينًا في الولد؛ فإن ماتت الأم أخلفها المشتري، وإن مات الولد هل تجب المحاسبة؟ أو يكلف البائع أن يأتي بالخلف؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: وجوب المحاسبة، وهو قوله في "كتاب الجعل والإجارة" في باب استئجار الطير.
والثاني: أن الإجارة قائمة، ولا تنفسخ بموت الصبي، ويكلف البائع أن يأتي بغيره، وهو ظاهر قوله في الكتاب المذكور، وفي "كتاب الرواحل والدواب" في الجمل المستأجر على حمله، فهلك قبل بلوغ غايته.
وقد قال بعض أهل الظاهر: الإجارة تنفسخ بموت المستأجر إذا عين، ولا تنفسخ بموت المستأجر عليه إلا في أربع مسائل:
الصبي المستأجر على رضاعه، والصبي المستأجر على تعليمه، والمهر في الرياضة، والفرس للإنزاء إذا ماتت قبل العقوق.
وهذا الحصر لا دليل له إلا من حيث اختلاف الصبيان في قبول التعليم، واختلافهم في الرضاع في قوة المص وملازمة الثدي.
والخطب في ذلك يسير، والذي ينبغي أن يعتبر فيه الوسط، كما هو المعهود في ذلك وأمثاله، وهو الأظهر في النظر.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان مضمونًا في الولد معينًا في الأم، فإن مات الولد: كلف البائع الإتيان بمثله، وإن ماتت الأم: وجبت المحاسبة.
والحمد لله وحده.
كتاب بيع الغَرَر