مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 281-320
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ

صفحات 281-320
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بسم الله الرحمن الرحيم.
تحصيل مُشكلات هذا الكتاب وجملتُها ثلاث عشرة مسألة.

المسألة الأولى

في الذي طَلَّق امْرأتهُ وقال لهُ رجلٌ: ما فعلت؟ فقال: هى طالق.

فإن نوى إخبارُه بِنيَّتهِ فلا تخلو هذه المرأة مِن أن يدخُل بها زوجها أو لم يدخُل بها.
فإن لم يدخُلُ بها فلا شىء عليهِ ولا يلزمهُ إلا طلقة.
فإن دخل بها فلا يخلو جوابَهُ مِن أن يقولَ فيه: "هى مُطلَّقة" أو قال: "هى طالق".
فإن قال: "هى مُطلَّقة" فلا يلزمُهُ غير الطَّلقة الأُولى بالإتفاق لأنَّ قولَهُ: "هى مُطلَّقة" إخبارٌ.
وإن قال: "هى طالق" فلا يخلو مِنْ أنْ يدْعى نيَّة أو لا يدَّعيها.
فإن ادَّعى نية وقال: "أردتُ الإخبار وأنَّها هى ذاتُ الطلاق".
فإنَّهُ يُقبل قولُهُ باتفاق المذهب، وهل يُقبل قولُهُ بيمينٍ أو بغير يمين؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ لا يمينَ عليهِ جُملةً.
والثانى: أنَّهُ يحلفُ جُملةً.
والثالث: التفصيل بين أن تتقدَّم لهُ فيها طلقة أم لا.

فإن تقدَّمت لهُ فيها طلقة فإنَّهُ يحلفُ عند إرادة الرجعة.
فإن لم تتقدَّم لهُ طلقة فلا يمين عليه.
والأقوال الثلاثة لأصحابنا المتأخرين تأويلًا.
فإن لم يدَّع النيَّة وعدمها، فهل تلزمُهُ طلقةً أُخرى؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ تلزمُهُ تطليقة ثانية، وهو ظاهر "المُدوَّنة" في قوله: "فإنْ نَوَى إخبارهُ فله نيةٌ" ظاهره أنَّهُ: إن لم [تكن له نية] 1 أنه تلزَمُهُ تطليقة أُخرى، وإليه ذهب القاضى أبو الفضل تأويلًا على "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ غير التطليقة الأُولى، وهو قولُ الشيخ أبى الحسن اللخمى رضي الله عنه [والحمد لله وحده] 2.

المسألة الثانية

في الذي قال لزوجته: "إنْ أكلتِ أو شربتِ" [فقال]

فإن لم يُقيد ذلك بصفةٍ معلومةٍ، فلا يخلو مِن أن [يعين] 1 لذلك عينًا مخصوصًا أو أطْلَق.
فإن عيَّن ذلك في عينٍ مخصوصة مثل أن يقول [لها] 2: إنْ أكلت هذا الطَّعام أو شربتِ هذا الشراب لشىءٍ بعينه أو أكلت طعام زيد أو قعدتِ مع فُلانة في بيت فُلانة.
فهذا أيضًا ممَّا لا خلَاف فيه أنَّهُ أيمان، ولا يحنث إلا بُوجود الفعل.
فإن أطلق ولم يُقيِّد بِصفةٍ ولا زمانٍ ولا عَيَّن ذلك في عينٍ.
فهل يُحكم عليه بالطلاق بذلك في الحال أو لا ينجز عليه ذلك إلا بِوقوع الفعل [عليه] 3؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنةَ": أحدهما: أنَّ الحنثَ ينجز عليهِ في الحال، لأنَّهُ علّق الطلاق بأجلٍ لابُدَّ لها منهُ، إذْ لا مندوحةَ لها عن الأكل والشُرب والقيام والقعود [لأنها لو استدامت القيام أو القعود] 4 على الدوام لأدَّى ذلك إلى أن تترك الصلاة، وإلى هذا ذهب أكثرُ المتأخرين، فحملوا قولهُ في "الكتاب": أنَّها أيمان فيما يُمكن تركُهُ.
ولو استدامت ترك الأكل والشُرب لأدَّى ذلك إلى فواتِ نفسها وهلاكها، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وهو ظاهر "المُدوّنة" فيمن علَّق الطلاق [بالشرط الذي لابُدَّ مِن إتيانه] 5، وهو مذهب سحنون: لأنَّهُ قال فيمن قال لزوجتهِ: "أنت طالق إذا صلَّيتِ" أنَّهُ

طلاقٌ إلى أجل، لأنَّ الصلاة لابُدَّ لها منها.
والثانى: أنَّهُ لا يحنث حتى [تفعل] 1 ما [حلف] 2 عليه، من أكلٍ أو شُربٍ أو رُكوبٍ أو قيامٍ أو قُعودٍ، لأنَّ هذهِ الأشياء يُمكن [ألا تفعلها] 3، إذ هى مُتعلقة بمشيئة آدمى، وأنَّها مِن جنس مقدورهِ، لأنَّ الحالف إنَّما علَّقَ حنثهُ بفعلها، ومتى لم تفعل ذلك الفعل لم يقع الحنث، وهو ظاهر "المُدوّنة"، في قولهِ: "هذه أيمان".
وفي قولهِ في الحيضِ: إن قال لها: [أنت] 4 "طالقٌ إذا حضت أو إن حضت" " [ليست] 5 هذه يمين" لما كان الحيض ليس [من جنس] 6 مقدُور النساء وإنَّما هو أمر يأتى على جِبِلَّة وعادةٍ قد أجراها الله في بنات آدم، وهذا على مذهبه في "المُدوّنة" في الحيض، وإلا فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِنَ "المُدونة": أحدها: أنَّه يعجل عليه الطلاق في الحال، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه في الحيض حتى تحيض، وهو قول أشهب في كتاب "محمَّد"، وهو ظاهر "المُدوّنة" فيما يُحتمل أن يكون ويُحتمل ألا يكون، وهو قول المخزومى وابن عبد الحكم وابن وهب.

والثالث: أنَّها لا تُطلَّق عليه بنفس اللفظ حتى ترفع إلى حاكم فيحكمُ عليهِ بالطلاق، لأنَّهُ أمرٌ مختلفٌ فيهِ، والحكم يرفع الاختلاف.
وهذا القول حكاهُ اللخمى في "المذهب" ولم يُسمِّ قائلَهُ، وهو قائم مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب الأيمان بالطلاق" فيما إذا قال لامرأتهِ "إن لم أُطلقَكِ فأنت طالق" فقال في أحدُ الأقوال: أنها لا تُطلَّق عليهِ حتى ترفع أمرها إلى السلطان ويوقفه".
والقولُ بأنَّ ذلك كلَّهُ أيمان، وأنَّها لا تُطلَّق عليه إلا بوقوع الفعل، وهذا الذي اختارهُ الشيخ أبو القاسم بن محرز، وهو أسعد بظاهر "المُدوّنة" مِن هذا الكتاب ومِن آخر "كتاب النذور" ومن "كتاب أمَّهات الأولاد" في الذي حلف ليبعينَّ أمتهُ فألفاها حاملًا منهُ، حيثُ قال: "هو حانث"، وقال في مسألة "الحمامات [في كتاب النذور] 1 ": "لا حنثِ عليه" وما ذلك إلا لإمكان وُقوع البيع في أُم الولد على الجملة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإمكان المُعتبر، هل هو الإمكانُ على الجُملة وافق الشرع أو خالفهُ، أو المُعتبر الإمكان الشرعى؟ فَمَنْ اعتبر الإمكان على الجُملة وافق الشرع أو خالفهُ قال: "هذهِ أيمانٌ كُلَّها، لا يلزم الزوج الطلاق حتى تَفعل، لأنَّها قادرة على أن تترك الأكل والشَرب حتى تموت".
وَمَنْ اعتبرَ الإمكان الشرعى قال: "هو حانثٌ في الحال، إذ لا يحلُّ لها في الشرع أنْ تقعُد بلا أكلٍ ولا شُرب حتى تموت ولا أنْ تقعُد أبدًا ولا أنْ تقف أبدًا".
ولهذا الخلاف مطلعٌ آخر وهو: هل الاعتبار بالمقاصد أو بالألفاظ؟

فمَنْ اعتبر المقاصد قال: يحنث في الحال.
ومن اعتبر الألفاظ قال: لا يحنث إلا بوجود الفعل منها.
والحمد لله وحده.

المسألة الثالثة

في الطلاق المقُيَّد بالمشيئة:

فإذا قال: "أنت طالق إنْ شئت [أو إذا شئت أو مثل ما شئت] 1 " فهل [يتعديان المجلس] 2 أم لا؟ [و] 3 الطلاق المُقيَّد لهُ سبعةُ ألفاظ: "كُلَّما" و"ومتى ما" "متى" و"إذا" و"إن" و"ما" و"كم".
فأمَّا "كُلَّما" إذا قال لها "أنت طالق كُلَّما شئت": فلا خلاف أنَّهُ يتعدى المجلس وأنَّ الوطء بطوعها لا يقطعها، ولها أن تقضى المرة بعد المرة لأن ذلك تفويض.
وأمَّا "متى ما [ومتى] 4 ": فلا خلاف أنَّهما يتعديان المجلس، واختُلف هل يزول ذلك مِن يدها إذا وطئها طائعةً أم لا؟ على قولين.
إلا أنْ ينوى أنْ يكون "متى ما" بمنزلةِ كُلَّما، كان بمنزلتهِ إلى طرف.
وأمَّا "إن وإذا": فهل هما كالتفويض فيتعديان المجلس قولًا واحدًا أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال: أحدها: أنَّهما كالتفويض مِثل: "متى ما، ومتى"، وأنَّهما يتعدَّيان على قولى مالك جميعًا، وهو ظاهر قولُهُ في أول "كتاب الأيمان بالطلاق" في قوله: "أنت طالقٍ "إنْ شئت" أو "إذا شئت"، حيث قال: "ذلك

بيدها حتى توقف أو توطأ طوعًا أو يتلذذ بها طائعة، قال: "وكأن "إذا" عند مالك أشدُّ مِن "إنْ"، ثُمَّ ساوى بينهما"، وهو نصُّ قول ابن القاسم في غير "المُدوَّنة".
ومعنى قولُهُ في "المُدوّنة" في هذه المسألة في الطلاق المُقيد بمشيئتها فهو أشكل [وأشد] 1 مِن التمليك.
أي أنَّ لها أن تقضى بعد المجلس على قولى مالك في التمليك المُطلق كالتمليك المُقيَّد.
فإذا قال مالك في التمليك المطلق أنَّها [تقضى] 2 بعد المجلس على قولٍ [مالك] 3، فهذا الذي لم يختلف فيه قولُهُ أشد، وهكذا رأيتُ لبعض المتأخرين [في] 4 تأويل هذا الكلام، وهو موضع مُشكل.
وهذا القول أيضًا قائمٌ مِن "المُدوّنة" من "كتاب الظهار"، فيما إذا قال: "إن شئت الظهار، فأنت [عليّ] 5 كظهر أمى" أنَّ ذلك تفويض، على قولِ ابن القاسم: والقولُ الثاني: أنَّ ذلك لا يتعدَّى المجلس، إلا على [أحد قولى] 6 مالك في "التمليك المطلق"، وهو قولُ مالك، [و] 7 أحد قولى ابن القاسم في كتاب "ابن حبيب"، وهو ظاهرُ قولُ الغير في "كتاب الظهار" في "إن" وظاهر قول ابن القاسم في "كتاب التخيير والتمليك"، وكتاب

"العتق الثاني" مِن "المُدوّنة".
والثالث: التفصيل بين "إن، وإذا"، "فإنْ" بمنزلة التمليك المطلق، و"إذا" بمنزلة "متى"، فيتعدَّى المجلس فيكونُ تفويضًا، وهو أحد قولى مالك على ما قال ابن القاسم في [أول كتاب الأيمان بالطلاق -وكأن "إذا" عند مالك أشد من "إن" ثم ساوى بينهما.
وهو قول الغير في كتاب الظهار وظاهر قول ابن القاسم في أول] 1 كتاب "التخيير والتمليك" في قولهِ: "أنت طالق إن شئت أو اختارى، أو أمرك بيدك".
فقال ابن القاسم: قد اختلف قولَهُ فيها، فكان يقول "ليس لها أنْ تقضي إلا في المجلس".
فظاهر قوله: أنَّه اختلف قولُهُ في "أنت طالق إن شئت" ولم يجعلهُ [كالتمليك] 2 إذا علَّقهُ بالمشيئة.
وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز ولقوله عندي وجهٌ صحيح، لأنَّ قولَهُ: أنت طالق إيقاع للطلاق، وإنَّما يُصِّيرهُ تمليكا [بتعليقه] 3 بالمشيئة فيصيرُ كالتمليك المُطلق ولابد أنْ يكونَ الطلاقُ بنفس تعليقه بالمشيئة مِثل: التمليك المطلق المعلق لأنَّ بينهما رُتبة، فمتى ترقَّى الطلاق عن مرتبتهِ [بتقييد] المشيئة انتهاء إلى رُتبة التمليك المُطلق ولابد أن يكون للتفويض بالمشيئة تأثير وقوة، وذلك أن "إذا" ظرفٌ لما يأتى من الزمان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾.
و"إن" شرطيَّة، وذلك موضوعها في اللُّغة إلا أنَّ الاستعمال قد

ينقل كل واحدٍ منهما عن وضعهِ اللُّغوى.
ومثار الخلاف بين "إن" و"إذا"، هل النظر إلى وضعهما في عُرف اللُّغة أو النظر إلى وضعهما في عُرف الاستعمال، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "الواضحة" و"المبسوط".
والقولُ الرابع: التفصيل بين الطلاق والتمليك، فتكون "إنْ" في الطلاقِ تفويضًا، ولا تكون في التمليك تفويضًا.
وهذا القولُ مُتأوّل على ابن القاسم، وحكاهُ أبو النجا الفرائضى، وهو أضعفُ الأقوال.
وأمَّا ["ما" و"كم"] 1 فيجرى في العدد دون الأمد، في الطلاق والتمليك جميعًا، ولا خلاف في ذلك [والحمد لله وحده] 2.

المسألة الرابعة

في تعليق الطلاق بأجل.

قال مالك في "العُتبيَّة" وغيرها: "ولمَّا لم يكُن للزوج في الزوجة غيرَ المُتعة فُحرِّمت المتعة [عليه] 1 بطلاقه إياها إلى أجلِ لم يُجز أن تبقى في عصمته.
وعجَّلنا عليه ما أجل من الطلاق، كما لم يجز أن يتزوجها إلىَ أجل، فليس ذلك كَالعتق إلى أجل؛ لأنَّهُ بَقِى لهُ الأمة الخدمة.
والعِتق يتبعَّض والعصمة لا تتبعَّض، وهذا قولُ عُمر وغيرهُ مِن الصحابة ووفدٌ مِن التابعين رضي الله عنهم أجمعين".
ولا يخلو ما يُعلَّق الطَّلاق بوقُوعِهِ مِن ثلاثة أوجه.
فمنها ما لابُدَّ مِن وُقوعهِ.
ومنها ما يُحتمل أن يكون، ويُحتمل ألا يكون، والغالب أن يكون.
ومنها ما يُحتمل أن يكون، ويحتمل ألا يكون، احتمالًا متساويًا.
فالجواب عن الوجهِ الأول: إذا علَّق بأجل لابدَّ [مِن مجيئه] 2 فلا يخلو مِن ثلاثةِ أوجُه: أحدها: ممَّا يُمكن أنْ يأتى قبل موتها.
والثانى: ممَّا يُمكن أن يأتى بعد موتها.
والثالث: مما يُمكن أنْ يأتى بعد موتها أو أحدهما.
فإن كان الأجلُ ممَّا يُمكن أنْ يأتى قبل موتها مِثل أن يقول: "إذا جاء

الشهرُ أو السنة فأنت طالق" وكان ذلك ممَّا يمكن أنْ يبلُغَهُ عمرها فلا خلافَ أعلمهُ في "المذهب" أنَّ الطلاقَ واقعٌ عليه حين التكلم بذلك، لأنَّ الشَّهرَ والسنة لابُدَّ من مجيئهما، فإن كان الأجَلُ ممَّا يُمكن أن يأتى بعد موتها مثل أن يقول لها: أنت طالق إلى مائة سنة، والزوج ابن سبعين سنة أو الزوجة أو كلاهما فلا يلزمُهُ الطلاق.
وَمَنْ طلق إلى أجلٍ لا يبلغُهُ عمُرهُ فلا شئ عليهِ، لأنَّهُ طلاقٌ يقعُ بعد الموت.
قال مالك رحمهُ الله: "ولا تُطلَّق ميتةٌ، ولا يُوصِى ميتٌ بِطلاق".
فإن كان الأجلُ ممَّا يُمكن أنْ يأتى بعدَ موتِها أو أحدهما مثل أن يقول لها: "أنت طالق إذا متُّ أنا" أو "إذا متِّ أنت" فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّه لا يلزمُهُ الطلاق، لأنَّهُ طلاق يقعُ بعد الموت، وهو نصُّ قولُه في "المُدوَّنة".
والثانى: التفصيل: بين أن يقول: "إذا مت أنا" فيلزمه الطلاق، وبين أن يقول: "إذا مت أنت" فلا يلزمُهُ الطلاق.
وهي رواية ابن وهب قال: "لأنَّ الطلاقَ يسبقُ الموت".
وفي المسألة قولُ ثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق سواءٌ قال: "إذا متُّ أنا" أو قال: "إذا متِّ أنت".
وهذا القولُ ألزمهُ اللخمى للمذهب، وهو قائمٌ مِن "المُدوّنة" مِن كتاب "العِتق الأوّل" في الذي قال لعبدهِ: "إنْ بعتَك فأنت حُر" حيثُ قال: "يُعتق على البائع"، فانظر كيف ألزمهُ العِتق وهو عتقٌ وقع بعد البيع، وهو بعد أنْ خرج مِن ملكِه، فكذلك يلزمُهُ الطلاقُ في الحال.

والجواب عن الوجه الثاني: إذا علَّق الطلاق بأجلٍ يُحتمل أنْ يكُون ويُحتمل ألا يكون [والأغلب أن يكون] 1، كتعليق الطلاق بوضعِ الحمل ومجىء الدم والطُهر، فهل يجوز عليهِ الطلاقُ في الحال؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ الطلاقَ يقعُ عليهِ في الحال، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يقع عليهِ بطلاق حتى يقع عليه ذلك الشرط، وهو قول أشهب.
والثالث: أنها لا تطلق عليه حتى ترفعَ أمرها إلى السُّلطان، وهذا القولُ قائمٌ مِن "المُدوَّنة".
والجواب عن الوجه الثالث: أنَّهُ إذا علَّق الطلاقَ بأجلٍ يُحتمل أن يكون، ويُحتمل ألا يكونَ، واحتمالهما احتمال متساوٍ، كدُخُول الدار وقُدُوم زيد.
فهذا لا خلافُ عندنا أنَّها لا تُطلَّق عليهِ حتى تدخُل الدارَ أو يقدمَ زيدٌ [والحمد لله وحده] 2.

المسألة الخامسة

إذا قال لها: "إذا حملتِ فأنت طالق" فهل يُعجَّل عليه الطلاق أو يُمكَّن مِن وطئها؟

فالمذهب على أربعة أقوال كُلَّها قائمةٌ مِن "المُدَوَّنة": أحدها: أنَّهُ يُمكن مِن وطئها [مرة واحدة ثم تطلق عليه وهو قول ابن القاسم في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة.
والثانى: أنه يمكن من وطئها] 1 في كل طهرٍ مرة واحدة، ثمَّ يَدَعْهَا حتى تحيض، فإذا حاضت تبيَّن أنَّها حائل، وإن تراخى الدمُّ عنها وتأخَّر عن عادتها فإنَّها تُطلَّق عليه، وهو قولُ ابن القاسم في كتاب "العتق الثاني" في الأمة إذا قال لها سَيِّدُها [إنْ] 2 حملتِ فأنت حُرَّة"، وَلا فرق بين الأمة والزوجة [وهو نص ابن الجلاب] 3. والقول الثالث: التفصيل بين أن يطأها في ذلك الطهر فيُعجَّل عليه الطلاق في الحال، أو لا يطأها في ذلك الطُهر فيُمكَّن مِن وطئها مرةً واحدة ثُمَّ تُطلَّق عليه.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "الأيمان بالطلاق".
والقولُ الرابع: التفصيل بين أن تكون مدخُولًا بها أو غير مدخول بها.
فإن كانت غيرُ مدخولٍ بها فلا تُطلَّق عليهِ حتى [يطأها] 4. وإن كانت مدخولًا بها فإنَّهُ يُعجَّل عليهِ الطلاق ساعتئذ [سواء] 5

وطئها في ذلك الطُهر أم لا.
لاحتمال أن تكونَ حاملًا مِن وطء سَبَقْ والحاملُ تحيض [عندنا] 1، وهو ظاهر "المُدوّنة" مِن غير ما موضع.
وسببُ الخلاف: هل [المراد] 2 بذلك وُجود الحمل بِها جُملةً مِن غير اعتبارٍ بأن يكون مِن وطء مُتقدَّم أو مِن [وطء] 3 مُستقبل أو المرادَ بذلك أن يكونَ الحمل مِن وطء مستقبل؟ فمن قال: "يطأها في كُلِّ طهر مرَّة"، قال: لا تُطلق عليه بالشكِّ، وهو قول عبد الملك.
وَمَن قال: "تطلَّق عليه في الحال إن كانت مدخولًا بها قال: يُفرَّق بينهما بالشكِّ، لاحتمال أن تَكون حملت مِن وطء تقدَّم.
والحامل تحيضُ كما قدَّمناهُ، وربُك أعلم.
واختلف المذهبُ أيضًا، إذا قال لها: إن كُنتِ حاملًا، [أو] 4 إن لم يكن بك حمل، هل تُطلَّق عليهِ أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنَّه يُعجَّل عليهِ الطلاق في الحال، وهو قول مالك في المُدوّنة.
لأنَّهُ في شكٍ مِن حملها وسواء قال لها: "إن كُنت حاملًا أو إن لم تكونى حاملًا".
والثانى: أنَّها لا تُطلَّق عليه وينتظر بها ظهور الحمل [فإذا] 5 ظهر الحمل بها طُلِّقت عليه، وهو قولُ أشهب.

والثالث: أنَّهُ لا يقع عليهِ الطلاق إلا أنْ يُوقفهُ الحاكم، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب.
والرابع: التفصيل [بين] 1 أنْ يكون على بر، أو على حنث.
فإن قال: "إنْ كُنت حاملًا" لم يقع عليهِ الطلاق لأنَّهُ على بر حتى يعلم أنَّها حامل.
وإن قال لها: "إنْ لم تكونى حاملًا" عُجِّل عليهِ الطلاق لأنَّهُ على حنث، وهو قول أصبغ.
وعلى القول بأنَّ الطلاق لا يُعجَّل عليهِ وينتظر إن كان بها حملٌ أم لا.
فإن مات أحدهما قبل العلم بأنَّها حامل [أو حائل] 2، هل يتوارثان أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهما يتوارثان، والأصلُ استدامة الزوجية.
والثانى: ألا توارثَ بينهما، لأنَّها [موارثة بالشك والقولان قائمان من المدونة.
والقول الثالث: التفصيل بين أن تموت فلا يرثها وإن] 3 مات هو ورثتهُ بعد الاستبيان [والاستقصاء] 4، هل يظهر بها حملٌ أم لا؟، وهو قول سحنون.
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمى رضي الله عنه: "معنى ذلك إذا كانت يمينه بالثلاث" وعليه يُحمل قولُ مالك في "المُدوّنة".

ولو كانت بطلقة واحدة أو بطلقتين لتوارثا قولًا واحدًا، لأنَّهُ وإن كان حانثًا فهو طلاق رجعى.
وإن مات الزوج قبل أن يظهر، هل هى حامل أم لا؟ كان موتُهُ في العدَّة.
وكذلك إن كانت هى الميتة، أو أنَّها ماتت وهي في عدَّة، لأنّها على أحد [أمرين] 1: إمَّا أن تكون حاملًا: فالعدَّة وضعُ الحمل.
وإمَّا أن تكون حائلًا: فالعدَّة [بالحيض] 2. فإن مات ثم حاضت: انتقلت إلى عدَّة الوفاة، فالموارثة بينهما على كُلِّ حال.
والله أعلم [والحمد لله وحده] 3.

المسألة السادسة

فيما ينوى مِن حروف الطلاق، وما لا ينوى فيه، وذلك في [ستة] (1) أحرف:

منها: " [قوله] 2 أنت طالق طالق [طالق] 3 "، ومنها قولهُ: "أنت طالق أنت طالق [أنت طالق] 4 ". ومنها قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق [وأنت طالق] 5 "، [ومنها قوله: "أنت طالق ثم أنت طالق"، ومنها قوله: "أنت طالق فأنت طالق".
ومنها قولُهُ: "قد طلَّقتُك".
أمَّا قولُهُ: "أنت طالق طالق [طالق] 6 " و"أنت طالق أنت طالق أنت طالق" فهي ثلاث، إلا أن ينوى واحدة ويُريد بالبقيَّة الإسماع والتأكيد، فينوى باتفاق المذهب، ولا فرق بين أن تكون الزوجة مدخولًا بها أم لا.
[فإن] 7 كان قولُهُ "أنت طالق" جُملةً [مستقبلة] 8 مرَّكبة مِن1

مبتدأ وخبر، لأنَّ الكلام المنسوق المتتابع كالجملة الواحدة إذا [كانت] 1 مِن جنسٍ [واحد] 2، وهذا على "مذهب مالك" رحمه الله.
وأمَّا على "مذهب الشافعى [وأبى حنيفة] 3 "، فإنَّهُ لا يلزمُهُ إلا تطليقة واحدة [إذا كان مِن جنسٍ واحدٍ، وهذا] 4 في غير المدخول بها، لأنها بالطلقة الأولى بانت، والثانية والثالثة لم تُصادِف مَحَلًا قابلًا.
فأما قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق" بالواو فقد اختلف فيهِ قولُ مالك: فمرَّة قال: "ينوى".
ومرةً قال: "لا ينوى"، وهو الأغلب مِن قولهِ.
قال بعض المتأخرين: "ينوى إن جاء مستفتيًا".
وسبب الخلاف: الشىء هل يُعطف على نفسهِ أو لا يعطف على نفسه؟ وأمَّا قولُهُ: "أنت طالق ثُمَّ أنت طالق" أو "أنت طالق فأنت طالق فلست أعرف في المذهب نصَّ خلاف أنَّهُ [لا ينوى] 5. والخلاف داخل فيه بالمعنى مِن اختلافهم في الطلاق لمجرد اللفظ، إذ لا شكَّ أن هذا مِن باب الطلاق باللفظ دون النية.
وأمَّا قولُهُ: "قد طلَّقُتكِ قد طلَّقتُكِ"، [فقد] 6 حكى أبو إسحاق

ابن شعبان في [كتاب] 1 "الزاهى" في قولهِ: "قد سرّحتُك قد سرحتُك" قولين في المذهب: أحدهما: أنَّهُ ثلاث ولا ينوى.
والثانى: أنَّهُ ينوى إنْ ادَّعى نيةِ ويحلف على ما داعى.
والحمد لله وحده.

المسألة السابعة

في الشكِّ في الطلاق.
والكلام في هذه المسألةِ على ستةِ أسئلة:

السؤال الأول: إذا شكَّ، هل حلفَ أم لا.
والثانى: أنْ يتيقَّن باليمين وشكَّ في المحلوف به.
والثالث: أنْ يُوقن أنَّ المحلوف به الطلاق وشكَّ [في] 1 عدده.
والرابع: أنْ يُوقن بالعدد ويشكُّ في عين المُطلَّقة مِن نسائهِ.
والخامس: أنْ يتيقَّن باليمين ويشكُّ في الحنث.
والسادس: أن يتيقَّن في الحنث ويشكُّ في اليمين.
والجواب عن [السؤال] 2 الأول: إذا شكَّ، هل حلف أم لا؟، فهل يجبُ عليه بالشك حكم مِن الأحكام أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن المُدوّنة: أحدها: أنَّهُ لا شىء عليه في يمينه، وأنَّ الشكَّ لا يُوجب عليه [حكمًا ولا يوجب عليه إثمًا] 3، وهو [ظاهر] 4 "المدوّنة" في "كتاب الأيْمان بالطلاق"، وهو مشهور المذهب، لأنَّ الأصل براءة الذمَّة وفراغ الساحة، فلا تعمر إلا بيقين، والأصلُ استدامة العصمة.
والثانى: أنَّهُ يُقضى عليه بالطلاق، وهو قائم مِن "المُدوّنة" أيضًا مِن "الكتاب المذكور"، ومِن "كتاب الوُضوء" مِن قولهِ: "إذا

أيقن بالوضوءِ وشكَّ في الحدث أنَّهُ يُعيد الوضوء" فظاهِرهُ [من قولهِ] 1 وُجوبًا، وهو تأويل حُذَّاق المتأخرين على "المدوّنة" لتشبيهه "بمسألة الصلاة"، وهو قول القاضى أبى الفرج المالكى في "كتاب الحاوى" "ولا فرق بين الوُضوء والطلاق"، وهو قولٌ ضعيفٌ جدًا في كوْنِ الشكِّ المُجرد يُؤثر فيما يُتيقَّن بهِ وقد قدَّمنا هذا في "كتاب الوُضوء" وقد مزَّقناهُ كُلَّ مُمزَّق.
والقولُ الثالث: أنَّهُ يُؤمر بالفراق ولا يُخيَّر، وهو ظاهر قولُهُ في كتاب "الأيمان بالطلاق" فيما إذا قال: "أنت طالق إنْ كُنت تبغضينى" فقالت: "أنا أُحبُّك".
ووجهُ هذا القول مُراعاة الشبهة.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أيقن باليمين وشكَّ في المحلوفِ بهِ، هل هو طلاقٌ أو غيرهِ؟ وهل يُقضى عليهِ [بالطلاق] 2 أو يُؤمر؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة": أحدهما: أنَّهُ يُقضى عليه بالطلاق وهذا القولُ قائمٌ مِن المُدوّنة إذا قال لامرأتهِ: "أنت طالق إن دخَلتِ الدار" فقالت [قد] 3: دخلتها وصدَّقها قلت: هُو وإنْ صدَّقها، فلا يُخرجهُ ذلك مِن الشكِّ لاحتمال أن تكون صادقة ولاحتمال أن تكون كاذبة.
ووجهُ هذا القول: أن اليمين مُتيقَّن [بها] 4 ولليمين تأثير في حلِّ

العصمة المُنعقد على الجُملة فيما وقع فيه اليمينُ المُتيقَّن بما يقدح في العصمة، ولا يصح البقاء عليها مع احتمال انحلالها، والشرعُ مبنىٌ على صيانة الأبضاع.
والثانى: أنَّهُ يُؤمر ولا يُجبر، وهو نصُّ المُدوّنة.
ووجهُه أنَّهُ وإنْ أيقن باليمين فإنَّ ذلك لا يُخرجُهُ مِن باب الشكِّ ولا يرقى [به] 1 إلى مرتبة اليقين.
وأدنى مراتبهُ أن يُؤمر لئلا يخلو يمينهُ من إيجاب الحكم.
وعلى القول بأنَّ الطلاقَ يلزمُهُ إمَّا ندبًا وإمَّا وُجوبًا، فهل يلزمُهُ ثلاث تطليقات أو طلقة واحدة؟ فالذي يتخرَّج مِن الكتاب قولان: أحدهما: أنَّها تُطلق عليهِ ثلاثًا، وهو قولُهُ في "المُدوَّنة": تُطلَّق عليه نساؤه ويُعتق عليه عبيدهُ" فمقارنتهُ الطلاق بالعتق ينبئ بأنَّ الطلاق ثلاثًا، وبيانُهُ أنَّهُ [بالعتق] 2 يزول ملكه عن العبد وَلا سلطة لهُ على رِقِّهِ بوجهٍ فكان ينبغى أن تكون الزوجة كذلك إذْ لا يصحُّ زوال العصمة بدون الثلاث في المدخول بها.
إذ بها تنقضى العصمة مع الاحتمال أن تكونَ يمينهُ بذلك.
والثانى: أنَّها واحدة، لأنَّ شكَّهُ لا يتناول عددًا محصورًا، فوجب أن يلزم أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهي واحدة، وهو اختيار بعضُ المتأخِّرين.
ويتخرج في المسألة قولٌ ثالث: أنهُ ينظُر إلى عادة الحالف وما جُبِلَ عليهِ طبعُهُ وعادتُهُ وعود لسانه مِن الأيمان والعدد في الطلاق:

فإن كان ممن عوَّد لسانه الطلاق تقييدًا أو إطلاقًا قُضى عليه [بالبتَّة] 1 اتفاقًا حسمًا للباب وقطعًا لمادة [الارتياب] 2. وإن كان ممن قمع لسانهُ عن التلفظ بالطلاق الذي جعلهُ الشارع مِن أيمان الفُسَّاق، فلا يلزمُهُ الطلاق لا جبرًا ولا أمرًا، وهذا هو الصحيح مذهبًا ونظرًا.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أيقن أنَّ المحلوف به الطلاق وشكَّ في عددهِ.
فلا خلاف في المذهب أنَّ الطلاق يلزمُهُ على الجُملة، وإنَّما الخلافُ في كيفية ما يقعُ عليهِ على [قولين] 3 قائمين على "المدوّنة": أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ ثلاث تطليقات، واحدةٌ إيجابًا، والثانية والثالثة استحبابًا، وهو قولُهُ في كتاب "ابن حبيب".
والثانى: أنَّ الثلاثة إيجابًا، وهو ظاهر المُدوّنة".
والقولان قائمان منها، وذلك أنَّهُ قد أيقن بحصول الثلم في النكاح وأنَّ هناك تحريم لا يدفعهُ إلا الرجعة إن كانت مدخولًا بها، أو العقد المبتدأ إن كانت غيرُ مدخولٍ بها.
والرجعة والعقد مشكوكٌ فيهما، فهل يملكُ الزوج إحداثهما وإيقاعهما أم لا؟ وحاصل ذلك يرجع إلى الشكِّ في الطلاق، ولا فرق بين أن يشكَّ في نفس الطلاق أو شكَّ في عددهِ، فقد تبيَّن لك كيف يستقرأ القولان مِن "المُدوّنة".
وبالله التوفيق.

وعلى القول بأنَّها تُطلَّق عليه ثلاثًا إيجابًا، فإنْ استمر الشكُّ [ولم] 1 ينقشع بيقين [صدر] 2، هل يدور عى الزوج التحريم بعد كُلِّ طلاق إلا بعد زوج ولو بعدَ ألف أو يزول الدور ويسقط المور بعد ثلاثة أزواج؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّ الدور لا ينقطع، و [المور] 3 لا ينقلع إلا بالثلاث في كلمةٍ واحدة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" وهو الأصح.
والثانى: أنَّ الدور ينقطع بعد ثلاثة أزواج، وهو قول أشهب في غير "المُدوّنة".
والجواب عن السؤال الرابع: إذا أيقن بالعدد وشكَّ في عين المُطلَّقة من نسائه، هل يُطلَّقن عليه كُلَّهُنَّ أو لهُ أن يختار مَنْ شاء منهنَّ، كما يختار للعِتق؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يطلقهن كلهن، ولا خيار لهُ في واحدةٍ بعينها، وهو مشهور المذهب، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أن للزوج أن يختار مَن شاء منهنَّ للطلاق كما يختارُ للعتق، وهو قولُ المدنيين عن مالك رحمهُ الله.
وسببُ الخلاف: هل يجوز قياسُ الطلاقِ على العِتق أو لا يجوز، لأنَّ كلُّ واحدٍ منهما أصلٌ في نفسهِ؟ والجواب عن السؤال الخامس: إذا أيقن باليمين وشكَّ في الحنثِ هل يُقضى عليهِ بالطلاق أو يُؤمر؟ قولان قائمان مِن "المُدونة":

أحدهما: أنَّهُ يُؤمر، وهو نصُّ "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ يُجبر، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا.
والجواب عن السؤال السادس: إذا أيقن في الحنث وشكَّ في اليمين، هل يؤمر أو يُجبر؟ قولان قائمان مِن "المدونة".
وهذا السؤال غيرُ منصوصٍ عليه في "الكتاب" إلا [أنه] 1 يُستقرأ مِن قوله: "إذا أيقن باليمين، وشَكَّ في المحلوف به"، حيث قال في "المُدوّنة": "تلزمه جميع الأيمان"، ولا شكَّ ولا خَفاء أنَّهُ [شاك] 2 في حق كل يمين، هل حلفَ بها أم لا؟ والحمد لله وحدهُ.

المسألة الثامنة

في الاستثناء في الطلاق.
ولا يخلو ذلك مِن وجهين:

أحدهما: أن يكون الاستثناء في نفس الطلاق [والثانى: أن يكون الاستثناء في عدد الطلاق.
فإن كان الاستثناء في نفس الطلاق] 1، كتعليق الطلاق بالمشيئة فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يعلِّق ذلك بمشيئة الله تعالى، أو يُعلِّقهُ بمشيئة آدمي، أو بمشيئة مَنْ لا تُدرك مشيئتهُ [كالجماد] 2 والحيوان.
فإن علَّق ذلك بمشيئة الله تعالى، فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك في يمين.
والثانى: أن يكون في غير يمين.
فإن كان ذلك في يمين مثل أن يقول: "إن دخلت الدار فامرأتهُ طالق إن شاء الله" هل ينفعهُ الاستثناء أو لا ينفعُهُ؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا ينفعهُ الاستثناء جُملةً، وهو قول [مالك] 3 في "المُدوّنة".
والثانى: التفصيل: بين أن يكون الاستثناء عائدًا على الفعل أو عائدًا على المشيئة فإن كان عائدًا على الفعل فإنَّ الاستثناء ينفعُهُ.
وإن كان عائدًا على مشيئة الله تعالى فلا ينفعُهُ، ويلزمُهُ الطلاق، وهو

قول عبد الملك وأشهب في "المجموعة".
وإن كان ذلك في غير يمين مثل أن يقولَ: "أنت طالق إن شاء الله" فلا خلاف أعلمُهُ في المذهب أَنَّ الطلاق يلزمُهُ في الحال ولا ينفعهُ الاستثناء، وذلك أنَّ الاستثناء رخصةً جعلها اللهُ حلًا لليمين ورفعًا ومنعًا لها مِن الانعقاد على ما قدَّمنا بيانُهُ في "كِتاب النُذُور" والحالف بالطلاق عاصٍ [والعاصى] 1 لا يُرخَّص لهُ بالرُخص.
وإن [كان] 2 هذا الأصل مختلفٌ فيه، فلا يُدخل ذلك الخلافُ في الاستثناء إن شاء الله.
وقال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: وبيان ذلك: أن قوله "أنت طالق" [لفظه] 3 لفظ خبرٍ على إيجاب وإيقاع، فإذا طلَّق اقتضى وقوع الحُكم مُطلقًا.
وإذا علق شرطًا وصفة تعلق بما علَّق له.
فإذا ثبت ذلك: نظرنا في قولِ القائل: "أنت طالق إن شاء الله تعالى" فقُلنا: لا يخلو هذا مِن أن يكون شرطًا أو استثناءً: فإن كان شرطا وهو الذي يُوجبُهُ ظاهر الكلام في اللغة لأنَّ "إن" مِن أحرف الشرط كقولهِ "أنت طالق إنْ شاء زيد" فإذا ثبت أنَّهُ شرط وكُلُّ شرط عُلِّق الطلاق به ولا سبيل إلى العلم به فإنَّهُ يكون لغوًا ويصيرُ الكلام كالطلاق العارى من الشرط، كما لو قال: "أنت طالق إن كان الله خلق هذا اليوم حوتًا في بحر القلزم أو وُلد ببلاد الهند فيل"

وما أشبهَ ذلك مما لا طريق إلى العلم به [فإنه يكون لغوًا ويحكم عليه بإيقاع الطلاق.
فإذا كان ذلك كذلك لم تحل مشيئة الله تعالى لوقوع الطلاق من أن يكون لها طريقًا إلى العلم بها] 1. فإن لم يكن [لها] 2 طريق إلى معرفة ذلك بُطل تعليقُ الطلاقِ بهِ وكان لغوًا، فصار كأنَّهُ قال "أنت طالق" ولم يُعلِّق الطلاق بشىءٍ.
فإذا كانت معلومة لنا فلا سبيل لنا إلى ذلك لوقوع الفعلِ المُعلَّق بها فهو إذا قال: "أنت طالق" فقد لفظ بالطلاق وأوقعهُ.
وإذا قال "إن شاء الله": فقد علم أن مشيئة الله تعالى [خالصة] 3. إلى وقوع الفعل منهُ فوجبَ أن يُطلِّق، وهذا إذا كان شرطًا.
فإن كان استثناءً فذلك باطلٌ، لأنَّ الاستثناء إنَّما يكون في مستقبل الأفعال دون ماضيها.
وقولُهُ: "أنت طالق" لفظُ إيجاب وخبر عن إيقاع، فلا يصحُّ الاستثناء فيهِ، والدليل على ذلك أيضًا: أنَّ الاستثناء أضعف مِن الكفَّارة والكفَّارة أقوى منه لأنَّها تدخُل فيما [لا] 4 يدخُل فيه الاستثناء ويُؤتى بها مُتصلة ومُنفصلة، وليس كذلك الاستثناء لأنَّهُ لا حُكم لهُ، إلا إذا اتَّصل باليمن ثُمَّ ثبت وتقرَّر أنَّ الكفارة التي هى أقوى [من الاستثناء] 5 لا تدخُّل في الطلاق فكذلك الاستثناء.
فإن علَّق الاستثناء بمشيئة آدمى، فلا يخلو ذلك الآدمي مِن أن يكون

حيًا أو ميتًا: فإن كان حيًا فلا يلزمُهُ الطلاق حتى يشاء من جُعلت إليه المشيئة.
فإن مات قبل أن تعرف مشيئته فلا شىء على الزوج وقدْ عُفِى مِن الطلاق.
وإن كان ميتًا والزوج عالمٌ بموتهِ فذلك يتخرّج على الخلاف في طلاق الهزل ونحن نذكره.
وإن لم يعلم فلا شىء على الزوج.
وإن علّقهُ بمشيئة ما لا تصح مشيئتهُ [ولا تدرك] 1 كالجمادات وغيرها مِن الحيوانات مثل: أن يقول لامرأتهِ: "إن شاء هذا الحجر" أو [ينشد] 2 هذا الحمار: "قفا نبك مِن ذكرى.
. . ." هل يلزمهُ الطلاق أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ لا شىء عليهِ، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ الطلاق يلزمُهُ ويعدِ ذلك منهُ ندبًا، وهو قول ابن القاسم في "النوادر"، وبهِ أخذ سحنون.
وينبنى الخلاف على الخلاف: في طلاق الهزل هل يلزم أو لا يلزم؟ فمن قال أنَّ طلاق الهزل يلزم، قال في هذه المسألة: يلزم.
ومَن قال لا: يلزم [قال: لا يلزم] 3، في هذه [المسألة] 4 أيضًا.

والوجهُ الثاني: أنَّهُ إذا كان الاستثناء [في عدد الطلاق] 1، فلا يخلو مِن أربعة أوجه: أحدهما: أن يستثنى جميع العدد.
[والثانى: أن يستثنى أكثره.
والثالث: أن يستثنى أقله.
والرابع: أن يستثنى من المستثنى.
فإن استثنى جميع العدد] 2 الذي طلَّق [امرأته] 3، مثل أن يقول لها أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا أو واحدة إلا واحدة، فلا يخلو مِن أن تكون [عليه بينة] 4 أو لم تكن: فإن كانت [عليه بينة] 5، هل يلزمُهُ الطلاق أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين: أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ جميع العدد الذي طلّقهُ.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه.
وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في طلاق الهزل، وذلك أنَّ استثناء الجميع [من الجميع] 6 قد أتى فيهِ بما لا يُشبه فلا يُقبل منهُ.
وكقولهِ إن شاء هذا الحجر، هل يُعد ذلك منه ندم أم لا؟ فإن لم [تكن عليه بيِّنة] 7 وإنَّما جاء مُستفتيًا فلا شىء عليهِ، ولا يلزمهُ مِن الطلاق شىء، لأنَّهُ طلاق بغير نيَّة.

فإن استثنى أكثرهُ مِثل أن يقول [لها] 1 "أنت طالق ثلاثًا إلا اثنين" أو "اثنان إلا واحدة" هل ينفعُهُ الاستثناء أو لا ينفعهُ؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ ينتفع بذلك ويصح استثناؤُهُ وتلزمُهُ طلقةً واحدة [وهو قول محمَّد بن المواز] 2. والثاني: أنَّهُ لا يصحُّ استثناؤه ويلزمهُ جمي ما طلَّق، وهو مشهور المذهب.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في استثناء أكثر الجُملة هل يجوز أو لا يجوز؟ فمن منعهُ قال: إنَّ ذلك صحيحٌ في اللفظ وقليلٌ في الاستعمال.
ومَن جوَّزهُ قال: فإنَّ موضع الاستثناء [أن] 3 يخرج مِن الكلام ما لولاهُ لانتظمه، وهذا حاصل في الكثير كحصولهِ في القليل.
وكونهُ قبيحًا في نفسه أو قليلًا في الاستعمال لا يُؤثِّر، لأنَّ الكلام في الصحة لا في الحُسن والقُبح.
فإن استثنى أقل الجُملة مثِل أن يقولَ لها: "أنت طالق ثلاثا إلا واحدة" فلا خلاف في المذهب أنَّهُ ينتفع بذلك الاستثناء، وتلزمُهُ تطليقتان إذا حصلت [عنده شروط] 4 الاستثناء على ما [وصفناهُ] 5 في كتاب

"الأيْمان والنُذُور".
فإن استثنى مِن الاستثناء مثل أن يقول "أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة" فلستُ أعرف في المذهب في هذه المسألة نصًا، والذي تقتضيه أصول مذهبنا أنَّهُ يلزمهُ اثنتان، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فاستثنا مِن الاستثناء، وذلك جائزٌ في [كلام] 1 العرب.
واختلف المذهب عندنا في الاستثناء في طلاق مِن البتَّة أو مِن لفظ التحريم مثل أن يقول: "هى طالقٌ البتَّة إلا واحدة" و"هى عليهِ حرامٌ إلا واحدة"، هل يصح استثناؤُهُ أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنَّهُ يصحُّ، ولا يلزمُهُ إلا اثنتان، وهو قولُ أشهب في "العُتبيَّة" وسحنون وعبد الملك بن الماجشون.
والثانى: أنَّ ذلك الاستثناء لا يصحُّ، وإنَّما تلزمُهُ الثلاث، وهو قول سحنون في "المجموعة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في البتَّة، هل تتبعَّض أو لا تتبعَّض؟ فَمَنْ رأى أنَّها تتبعَّض، قال: يصحُّ الاستثناء.
وَمَنْ رأى أنَّها لا تتبعَّض، قال: لا يصحّ الاستثناء [والحمد لله وحده] 2.

المسألة التاسعة

في الطلاق بشرط التزويج.
ولا يخلو ذلك مِن وجهين:

أحدهما: أنْ يعمَّ.
والثانى: أنْ يخُصَّ.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا عمَّ الجنس وقال: "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالق"، فلا يخلو ذلك مِن وجهين: أحدهما: أن يضرب لذلك أجلًا.
والثانى: ألا يضربَ أجلًا.
فإن ضَرَبَ أجلًا فلا يخلو مِن أن يُقيِّدهُ بزمانٍ معلومٍ أو [يقيده] 1 بموتِ زيد.
فإن قيَّدهُ بزمان معلوم مِثل أن يقول "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها إلى مُدَّةٍ معلومة"، فلا يخلو مِن أنْ يضرب لذلك أجلًا يبلغه عمره أو لا يبلغه: فإن ضرب أجلًا يُبلُغهُ عُمُرهُ مثل أن يقول: "إلى عشرين سنة، وهو ابن ثلاثين سنة": فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ الطلاق يلزمُهُ إنْ تزوج قبل الأجل إلا أن يخشى العنت على نفسهِ فيجوز لهُ أن يتزوّج عند ابن القاسم في "المُدوّنة"، ولا يجوز عند أشهب وابن وهب.
فإن ضرب أجلًا لا يبلُغُه [عمره] 2، فلا خلاف في المذهب أنَّ ذلك لا يلزمُهُ، ولهُ أن يتزوج أربعًا، خلافًا لأبي حنيفة في لُزوم الطلاق في

العموم والخصوص.
والدليل لمالك رحمه الله: أنَّهُ إذا عمَّ جميع النسوان أو ضرب أجلًا لا يبلغه عمره أو لم يضرب [أجلًا] 1 كونُهُ ضيَّق الواسع وسدَّ باب الإباحةِ على نفسه، فكان ذلك مِن باب الحرج والمشقَّة، وهذا من باب نذر المعصية والله تعالى يقول: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ وهكذا الحُكم فيما إذا لم يضرب أجلًا سواء.
فأمَّا إذا قيَّد الأجل بموت زيدٍ مثل أن يقول "كُلَّ امرأةٍ أتزوجها ما عاش [زيدٌ] 2، طالق" فهل يلَزمُهُ اليَمين؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك يلزمُهُ، وتُطلَّق عليهِ كُلُّ امرأةٍ تزوّج قبل موتِ فُلان، وهذا هو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ، لإمكان أن يموت الحالفُ قبل موت فُلان فيكون بمنزلة مَن عمَّ جميع الأزمنة.
وهذا الوجهُ يعم جميع النسوان الحرائر والإماء.
وأما الوجهُ الثاني إذا خصَّصَ، فلا يخلو مِن أربعةِ أوجه: أحدها: أن يقع التخصيص بالأزمان.
والثانى: أن يقع التخصيص بالبُلدان.
والثالث: أنْ يقع التخصيص بأجناس النسوان.
والرابع: أن يقع التخصيص بالأعيان.
فالوجهُ الأول: إذا وقع التخصيص بالأزمان فقد تقدَّم.

وأمَّا الوجهُ الثاني: إذا وقع التخصيص بالبُلدان مثل أن يُخصص بلدًا بعينها إمَّا بالحظْر وإمَّا بالإباحة، فلا يخلو ذلك مِن وجهين: أحدهما: أن يكون يمينهُ على بِر.
والثانى: أن يكون على حنث.
فإن كانت يمينُهُ على بر مثل أن يقول "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها إلا مِن بلدِ كذا طالق" أو قال: "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها مِن بلد كذا طالق" هل يلزمُهُ الوفاءَ بذلك أو لا يلزمُهُ [وأن كُلَّ امرأة يتزوجهَا من تلك البلد أو من غيرها على اختلاف أم لا] 1؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاءُ بهِ، وأنَّ كُلُّ امرأة تزوَّجها مِن تلك البلد أو من غيرها على اختلاف ألفاظ يمينهِ هى طالق.
وهذا هو مشهور المذهب في النقل، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاءُ بذلك، فلا يجوزُ لهُ النكاح ابتداءً، فإن نزل فإنَّهُ يمضي ولا يرد ويفوتُ بالدُخُول، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والقول الثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاء بذلك، ويجوز لهُ أن يتزوّج مِن تلك البلدة التي حَظَرها على نفسِهِ، وهو قول مالك في "مُختصر ما ليس في المُختصر".
وسبب الخلاف: مُعارضة القياس بخبرِ الواحد، وذلك أنَّ في حديث عمرو بن شُعيب عن جده قال: "لا طلاق إلا من بعد النكاح" وفي رواية: "لا طلاق فيما لا يَملك"، وعارضهُ القياس المصلحى وهو مِن

باب تعليق الشرط بالمشروط.
وأمَّا إن كانت يمينُهُ على حنث مِثل قولُهُ: "إنْ لم أتزوج مِن بلدِ كذا أو إنْ لم أتزوَّج فُلانة، فكُلُّ امرأَةٍ أتزوجها طالق".
فهذا يفترق الجوابُ فيه.
فإذا قال: "إنْ لم أتزوّج فُلانة"، فلا شىء عليهِ فيما تزوج قبلها أو بعدها لأنَّهُ ضيَّق على نفسه كما لو استثنى بلدة صغيرة ليس فيها ما [يكفيه] 1 مِن النساء.
وأمَّا إذا قال: "إن لم أتزوَّج مِن بلدِ كذا فكُلَّ امرأةٍ أتزوّجها طالق" وكانت بلدةً كبيرة فيها ما يكفيه مِن النساء.
فإن تزوّج امرأةٍ مِن غيرها قبل أنْ يتزوّج منها هل تُطلَّق عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنَّهُ يكون مؤليًا ممن تزوّج، وكأنه حلف بطلاقها "لأتزوجنَّ عليها مِن تلك البلدة" التي عيَّنها، وهو قولُ سحنون.
والثانى: أنَّها تُطلَّق عليه وهو قولُهُ في كتاب "محمَّد بن الموَّاز"، وهو ظاهر "المدوّنة" لقوله: "لزمهُ الحنث"، وبهِ قال بعض المتأخرين.
وأمَّا ما تزوَّج مِن غير تلك البلدة بعد أن تزوج منها فإنَّ نِكاحهُ جائزٌ، لأنَّ مقتضى يمينهُ فيما تزوج قبل أن يتزوج منها.
وأمَّا الوجهُ الثالث: إذا وقع التخصيص بأجناس النِّسوان، فلا يخلو من أنْ يُخصص الحرائر مِن الإماء [أو الإماء من الحرائر فإن خصص الحرائر من الإماء] 2، مثل: أن يقول:

"كُلُّ [حرة] 1 أتزوَّجها فهي طالق"، هل يكون ذلك كما لو عمَ جنس النسوان أو يَعدُّ ذلك كالتخصيص بصفة [فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك كالتخصيص بصفة] 2، ويلزمهُ الطلاق في كُل امرأةٍ تزوجها، لأنَّهُ قد أبقى لنفسهِ جنسُ الإماء، ولاسيَّما على القول بجوازِ نكاح الأمة مع وجود الطول وعدم خوف العنت.
والثانى: أنَّ ذلك كعموم جِنس النِّساء، لأنَّ الاقتصار على الإماء ممَّا يُدرك منهُ الحرج قياسًا على عموم النكاح إذا أبقى التسرى، ولأنَّ المعرَّة تلحقُهُ بتزويج الإماء ويدرك بتسرِّيهنَّ ما يُدركُهُ أيضًا من المعرَّة في استرقاق الولد في النكاح، فكان النكاحُ في ذلك أشد فإن خصص الإماء من الحرائر مِثل أن يقولَ: كُلُّ [أمة] أتزوجها فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّه يلزمُهُ، لأنَّهُ أبقى لنفسهِ جنس الحرائر وهو الجنسُ المقصود بالنكاح على القول بأنَّهُ لا يلزمهُ إذا خَصَّصَ كجنس الحرائر، فيكونَ ذلك بمنزلة ما لو عمَّ.
فإن خصَّص جنس الحرائر بصفة مِثل: أن يقول: كُلَّ بكْرٍ أتزوّجُها" أو "كُلُّ ثيبٍ أتزوجها فهي طالق" أو "كُلُّ طويلة" أو "كُلُّ قصيرة" وما أشبهَ ذلك مِن الصفات التي يقع التخصيصُ بها ويصحُّ التمييزُ [لها] مِن غيرها.
أمَّا على القول بأنَّ الطلاق يلزمُهُ إذا خصَّص فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ ذلك يلزمُهُ، لأنَّهُ أبقى جنسًا لنفسهِ فيهِ كفايةً عن غيرهِ.
واختُلف إذا قال: "كُلَّ بكرٍ أتزوْجها، فهي طالق" ثُمَّ قال بعد

ذلك: "كُلُّ ثيِّب أتزوّجها طالق"، فهل يُحكم لهُ بحكم العموم أو بحكم الخصوص؟ [على قولين: أحدهما: أن يحكم له بحكم الخصوص] 1 وأنَّ ذلك لازمٌ فيها جميعًا، وهو قولُهُ في كتاب "ابن الموّاز".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه في اليمين الثانية، وهو اختيارُ محمَّد بن المواز والشيخ أبى إسحاق، وأكثَر المتأخِّرين، لأنَّ الثاني صار عمومًا يُؤدى إلى الحرج، فوجب أن يسقط كقولهِ: "كُلُّ امرأة".
وإن كان الثاني لو انفرد لَلزِم.
إلا أنَّهُ يُؤدى إلى الحرج والضيق، وهي العلَّة التي لأجلها مُنع العموم وسقط مُوجبُهُ.
وأمَّا الوجهُ الرابع: إذا وقع التخصيص بالأعيان مِثل أنْ يقصد امرأةٍ بعينها فلا يخلو مِن وجهين: أحدهما: أن يكون يمينهُ على برٍ.
والثانى: أن يكون على حنث.
فإن كان يمينهُ على بر مثل أن يقولَ: "إنْ تزوجت فُلانة فهي طالق" فذلك يلزمُهُ إذا تزوّجها على القول بأنَّ الطلاق يلزم إذا اشترط التزويج، وهو يعود عليه الطلاق متى تزوجها أو إنما تُطلق مرةً واحدة؟ فالحكم في ذلك يختلف باختلاف الألفاظ التي تركَّب منها يمينُهُ.
فإن قال: "إن تزوّجتها" أو "إذا" أو "متى" أو "متى ما" فذلك يقتضى مرةً واحدة إلا أنْ ينوى [بمتى ما] 2، [أن تكون بمنزلة] 3

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل