كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المسألة السابعة إذا قضى القاضي بقضية فيها اختلاف بين العلماء ثم تبين له أن الحق في غير ما قضى به
فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقضي بما اختلف فيه المذهب.
والثاني: أن يقضي بما اختلف فيه مذاهب العلماء.
فأما الوجه الأول: إذا قضى بما اختلف فيه المذهب: فلا يخلو ذلك الخلاف من أن يكون اختلافًا شاذًا، أو يكون اختلافًا مشهورًا.
فإن كان اختلافًا شاذًا يخالف ظاهر الكتاب والسنة، كاختلافهم في إيقاع ثلاث تطليقات في كلمة واحدة، وكاختلافهم في تحليل المطلقة بالعقد دون الدخول، أو كاختلافهم في بيع أمّ الولد في الدين، وغير ذلك من الخلاف الشاذ، فهذا لا خلاف أن القاضي نفسه ينقضه، وهل ينقضه غيره ممن يلي بعده من القضاة أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يجوز لمن يأتي بعده أن ينقضه، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه لا يجوز لمن يأتي بعده أن ينقضه؛ لأنه حكم قد مضى على مذهب من يرى ذلك فيعتقده، وهو ظاهر "المدونة" من قوله: و"إنما الذي لا يرجع فيما قضى به القضاة مما اختلف الناس فيه على رواية الضم على ما لم يسم فاعله؛ لأنه اعتبر الخلاف على الجملة؛ فإن كان
اختلافًا مشهورًا: فلا خلاف فيما يأتي بعده أنه لا يجوز أن ينقضه، ولا التعرض لأقضيته.
وهل يجوز له هو أن ينقض قضاء نفسه أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال، كلها متأولة على "المدونة":
أحدها: أنه ينقض قضاءه، ويرجع إلى ما رأى من الصواب ما دام في ولايته من غير اعتبار بحاله حين الحكم من أن يكون ذلك منه وهمًا أو غلطًا أو نسيانًا، أو انتقالًا من اجتهاد إلى اجتهاد، وهو قول مطرف، وعبد الملك، وعليه أكثر أصحاب مالك، وهو المشهور، وهو ظاهر "المدونة" على رواية فتح الياء في "كتاب الأقضية" من "المدونة"، على رواية ضم الياء في "يُرجع"، ووقع له في "كتاب الرجم" ما هو أبين من هذا في قوله: "وإنما لا يرجع فيما حكم به غيره"، وعلى هذا اللفظ اختصرها أبو محمد بن أبي زيد، وحمديس وغيرهما.
والثاني: أنه لا يرجع في شيء من حكمه مما اختلف فيه إلا في الجور البين الذي ينقضه من جاء بعده، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وهو ظاهر المدونة على رواية فتح الياء في "يرجع".
والثالث: التفصيل بين ما حكم به وهمًا وغلطًا، وبين ما انتقل فيه اجتهاده؛ فأما ما حكم به وهمًا، وغلطًا، ونسيانًا: فإنه يرجع فيه وينقضه، وما حكم فيه بانتقال من اجتهاد إلى اجتهاد: فإنه لا ينقضه وهو لا ينقضه، وهو مذهب سحنون، وحكى عن عبد الملك مثله، وهو أظهر وأقرب للصواب؛ إذ لو سوغ ما تأولوه أولًا باجتهاد وغلبة ظن.
وأما الوجه الثاني: إذا قضى بما اختلف فيه المذهب: فلا يخلو من أن يكون من أهل النظر والاجتهاد، أو يكون من أهل التقليد.
فإن كان من أهل النظر والاجتهاد، فقضى بما يراه من قضائه، ثم تبين له بعد ذلك ما هو أحسن منه، فهل ينقض قضاءه أم لا؟ على قولين قائمين من "الكتاب".
وسبب الخلاف: اختلافهم في تصويب المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ فمن رأى أن كل مجتهد مصيب، قال: لا ينقض حكم نفسه لظهور اجتهاد آخر.
ومن رأى أن المصيب واحد قال: ينقض حكم نفسه [لظهور] 1 الحق في واحد من أقاويل المجتهدين.
وإن كان من أهل التقليد: فلا يجوز له أن ينقض ما حكم فيه لتقليد بانتقال إلى تقليد آخر، قولًا واحدًا.
وأما الوجه الثالث: إذا حكم بما خالف فيه مذاهب العلماء، فإن كانت القضية قضية اجتهادية فقضى بها بما يغلب على ظنه: فلا خلاف أن حكمه نافذ، ولا ينقضه، لا هو ولا غيره -وافق ذلك بعض المذاهب أو خالفها- لأنه من آحاد المجتهدين.
فإن كان فيها نص من كتاب أو سنة، أو كانت قضية اجتهادية، فقضى فيها بالحدس والتخمين: فلا خلاف أنه يرجع في حكم نفسه، ولمن يتولاه بعد أن ينقضه، والحمد لله وحده.
المسألة الثامنة في القاضي هل يحكم بعلمه وما أقر به عنده دون بينة تشهد عليه
وذلك على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقر بذلك عنده قبل أن يستقضي.
والثاني: أن يقر بذلك عنده بعد أن يستقضي في غير مجلس حكمه.
والثالث: أن يقر بين يديه في مجلس حكمه.
فأما القسم الأول: إذا أقر عنده قبل أن يستقضي: فلا خلاف بين أحد من أهل العلم أنه لا يجوز له أن يحكم بذلك الإقرار، فإن فعل: رد ذلك الحكم، وفسخه هو، أو من يأتي بعده، وهكذا حكى القاضي أبو الوليد ابن رشد في كتاب "البيان والتحصيل".
وأما الوجه الثاني: إذا أقر عنده في غير مجلس حكمه بعد أن استقضى: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار دون بينة تشهد، وأهل العراق في ذلك يفرقون بين الحدود والإقرار؛ فيحكم عليه بعلمه في الحقوق دون الحدود، والشافعي يجوز ذلك على الإطلاق.
فإن قضى عليه بذلك الإقرار هل ينقضي حكمه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له أن ينقضه ما لم يعزل، وهو قول ابن القصار، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه حكم ماض، ولا ينقضه هو ولا غيره، وهذا القول حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار عن بعض الأصحاب، واتفقوا أنه لا ينقض بعده للخلاف في ذلك.
وأما الوجه الثالث: إذا أقرَّ به عنده في مجلس حكمه ثم جحده، ولا بينة عنده، فهذا الوجه اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقضي عليه بما أقرّ به عنده، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وهو دليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأقضي له على نحو ما أسمع منه" 1، ولم يقل ما ثبت عندي.
والثاني: أنه لا يقضي عليه بما أقرَّ به إذا جحد ذلك، وهو ظاهر "المدونة"، وهو المشهور، والحمد لله وحده.
المسألة التاسعة في الشاهد إذا طلب الإقالة من شهادته
ولا يخلو ذلك من وجهين:
إما أن يكون ذلك قبل الحكم، أو بعده.
فإن كان ذلك قبل الحكم بشهادته، فجاء يستقيل منها: فلا يخلو من أن يدَّعي شبهة، أو لا يدَّعيها.
فإن لم يدَّع شبهة ولا وهمًا: فإن شهادته مردودة في هذه وفيما يستقبل، قولًا واحدًا في المذهب؛ لأنه إذا لم يدَّع أنه أشبه عليه، أو ادّعاه إلا أنه لم يتبين لدعواه وجه: فقد تبين كذبه، وظهر أنه شاهد زور، فهل يؤدب أم لا؟ فالمذهب على قولين من "المدونة":
أحدهما: أنه يؤدَّب، وهو قوله في "كتاب القطع في السرقة" من "المدونة"، ولو أُدِّب لكان لذلك أهلًا.
والثاني: أنه لا يؤدب، وهو قول سحنون؛ لأن الراجع عن الشهادة قبل الحكم بها لا يؤدب؛ لئلَّا يمتنع من يشهد على باطل من الرجوع، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الأقضية" من "المدونة".
فإن ادَّعى وهمًا وأنه قد شبه عليه: فلا يخلو من أن يكون مبرزًا في العدالة، أو غير مبرز.
فإن كان مبرزًا في العدالة: فالقول قوله في أنه شبّه عليه، فتقبل شهادته فيما يستقبل إلا أن يتبين كذبة.
فإن كان غير مبرز: فهل يصدق في الوهم والتشبيه أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يصدق ويقبل قوله، وإن لم يكن مبرزًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأقضية" من "المدونة".
والثاني: أنه لا يصدق، ولا يقبل قوله: أنه شُبِّه عليه إلا أن يكون مبرزًا، وهو ظاهر قوله في "كتاب القطع في السرقة" من "المدونة"، وبه قال مطرف وابن الماجشون فيما حكاه ابن حبيب، وهو مذهب.
فأما الوجه الثاني: إذا رجع الشاهد عن شهادته بعد الحكم بها: فلا يخلو من أن يكون قد شبه عليه أم لا.
فإن شبه عليه: فإن الحكم لا يرد، واختلف هل يضمن أم لا؟ وهل ترد شهادته في المستقبل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يضمن ما أتلف بشهادته، وإن شهادته في المستقبل لا تجوز، وهو قول مالك في "كتاب القطع في السرقة" في الغرم، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأقضية" في قبول الشهادة، حيث قال: إذا طب الإقالة بعد الحكم بشهادته، ولا يقبله، إلا أنه كان يقول: لا تجوز شهادته فيما يستقبل، وهذا تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وعلى "العتبية"؛ لأنه قال فيها أيضًا: وإن رجع بعد الحكم فلا يقبل منه، فقيل: إنه لا يقبل منه في إسقاط الغرم عنه؛ بل يغرم وإن شبه عليه كما قال في "كتاب السرقة".
وقيل: معناه أن شهادته لا تقبل فيما يستقبل وإن شبه عليه، وقيل: غير ذلك.
وهذا كله حكاه القاضي أبو الوليد بن رشد في "البيان والتحصيل".
والثاني: أنه لا يغرم إذا شبه عليه، وإن شهادته مقبولة فيما يستقبل وهو قول سحنون في قبول الشهادة في المسألة، وتأويل على "المدونة" في إسقاط الغرم عنه إن كان مبرزًا في العدالة على الاتفاق، أو كان غير مبرز على الخلاف.
فإن لم يشبه عليه، وتبين كذبه: فإنه يغرم ما أتلف بشهادته، ولا تقبل له شهادة في المستقبل، قولًا واحدًا.
وهل يؤدب أم لا؟ قولان.
والحكم نافذ، ولا يؤدب، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب القطع في السرقة"، وفي "كتاب الرجم" من "المدونة".
تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، ومسائل الأقضية قد تداخلت مع مسائل الشهادات؛ لأن "كتاب الأقضية" من "المختلطة" ولم يدونها سحنون مع جملة كتب حتى مات رحمة الله عليه، وهي كتب معلومة لا خفاء بها على من تعنى فدرس المدونة، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد نبيه وآله.
كتاب الشهادات