كتاب إِرخاء الستور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
منها فيبطل الجميع، كالمرأة إذا وهبت أكثر من ثلث مالها، فرد ذلك زوجها: أن الثلث وما زاد عليه مردود، وبين أن يخالعها بمثل ميراثه منها أو أقل فيجوز، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في "المدونة"؛ لأن مالكا قال في "الكتاب": إذا اختلعت من زوجها في مرضها بجميع مالها: لم يجز ولا يرثها.
ثم قال ابن القاسم بعد قول مالك: فإن خالعها على أكثر من ميراثه منها لم يجز، وأما على [مثل] 1 ميراثه منها أو أقل فجائز.
فظاهر قولهما لم يجز [أنه] 2 يبطل الجميع، وعلى ذلك حمله ابن الموَّاز [وغيره] 3.
والقول الرابع: أن له من ذلك خلع مثلها أو ما أخذ منها أيهما كان أقل، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
على القول بأنه يكون [له] 4 مما خالع قدر ميراثه منها، متى يعتبر ذلك القدر؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن المعتبر في ذلك يوم الخلع، وهي رواية يحيى بن يحيى في "العتبية"، وهو ظاهر قول ابن نافع في "المدونة"، حيث قال: ويوقف المال، يريد: [أنه] 5 يوقف القدر الذي خالعته به.
والثاني: أن المعتبر في ذلك يوم الموت، وهو قول ابن القاسم في
"كتاب محمَّد"، وهو ظاهر "المدونة" إذا اعتبر في ذلك مقدار الميراث، والميراث لا يكون إلا بعد الموت.
وعلى القول بأن المعتبر في ذلك يوم الموت فلا تفريع، ولا [تنويع] 1.
وعلى القول بأن المعتبر فيه يوم الخلع، هل يُمكَّن الزوج من قبض ذلك من ساعته أو لا يُمكَّن إلا بعد الموت؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يُمكَّن [منه] 2 في الحال، [وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يمكن منه ويترك حتى يموت.
وفائدة الخلاف وثمرته: أنا إذا قلنا: يمكن منه في الحال] 3 كان ضمان ذلك منه بقبضه، ولو هلك ما أخذ قبل أن تموت لم يرجع على التركة بشيء.
وكذلك لو نما المال الذي بقي عما أخذه، ويقابله أن لو هلك بقية التركة أو بعضها قبل أن تموت: لم يرجع على التركة بشيء.
وكذلك لو نما المال الذي يعني عما أخذه، ويقابله أن لو هلك بقية التركة أو بعضها قبل أن تموت، لم يرجع على التركة بشىء.
وكذلك لو نما المال الذي يعني عما أخذ، ويقابله أن لو هلك التركة أو بعضها قبل أن تموت، لم يرجع على التركة بشىء.
وكذلك لو نما المال الذي يعني عما أخذ، ويقابله أن لو هلك بقية التركة أو بعضها قبل أن تموت، لم يكن للورثة أن يرجعوا على الزوج بشيء، وهذا نص قول ابن القاسم في "العتبية".
وعلى القول بأنه لا يمكن منه ويوقف إلى بعد الموت، هل يوقف ذلك القدر وقفًا يمنع فيه [من] 4 التصرف حتى تموت أو لا يوقف ويكون من
جملة مالها؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يوقف ولا يعزل عنها، بل يبديها على جميع مالها كما كانت قبل الخلع، وهو مذهب [أصبغ في "كتاب طلاق السنة" على ما نقله] 1 الشيخ أبو محمَّد في "النوادر".
والثاني: أنه يوقف وقفًا يمنع فيه من التصرف حتى تموت، وهو ظاهر قول ابن نافع عن مالك في "المدونة".
والقول الثالث: بالتفصيل بين العين وغيره، فإن كانت دراهم ودنانير: لم توقف، وإن كان عبدًا أو دارًا أو ما يراد لعينه من سائر العروض وقفت ومنعت من بيعه والتصرف فيه، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وهو اختيار بعض المتأخرين كاللخمي وغيره، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الوصايا".
وعلى القول بأن ذلك يترك في يدها على [حاله] 2، هل يجوز لها أن توصي فيه بوصيتها أو لا يجوز؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تدخل فيه الوصايا جملة؛ لأنها إنما قصدت أن تكون الوصية في بقية مالها غير الذي خالعت به؛ لأنها أخرجته من [جملة] 3 مالها، والموصي لا يقصد بالوصية إلا فيما يملك.
والثاني: أن وصاياها تخرج من ثلث جميع مالها لا ما صالحته به ولا غيره.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون الذي خالعته به معينًا أو مضمونًا.
فإن كان معينًا: فإن الوصايا لا تدخل فيه.
وإن كان مضمونًا: فالوصايا تدخل فيه، وهذا القول أسعد بظاهر "المدونة".
وينبني الخلاف على الخلاف في الوصايا، هل تدخل فيما علم الموصي وفيما لا يعلم، أو لا تدخل إلا فيما علم خاصة؟
والحمد لله وحده.
المسألة السادسة في الحضانة
والحضانة يستوجبها قرابات الطفل من النساء بوصفين اثنين:
أحدهما: أن يكُنَّ ذوات رحم منه.
والثاني: أن يكُنَّ محرمات عليه.
فإن كن على هذين الوصفين، فلا خلاف في ثبوت الحضانة لهنَّ على ترتيب الأقرب، على ما نصف.
فإن اختل من هذين الوصفين وصف، فينظر.
فإن كن ذوات رحم منه، ولم يكُنَّ محرمات عليه، كبنت الخالة وبنت العمة وما أشبههما، أو [كن] 1 محرمات عليه ولم يكنَّ ذوات رحم كالمحرمات عليه من قبيل الصهر والرضاع: فلا حق لهن في الحضانة بوجه.
وأما عصبته من الرجال: فإنهم [يستوجبون] 2 الحضانة بمجرد التعصيب، كانوا من ذوي رحمه المحرم أو من ذوي رحمه الذي ليس بمحرم.
وأما من ليس بمحرم ولا من ذوي رحم: فلا حق لهم في الحضانة إلا أن يكون هناك سبب معني يوجب لهم الولاية كالأوصياء: فإنهم
[يستوجبون] 1 الحضانة بمجرد الولاية، كانوا مقدمين من قبل الأب أو من قبل السلطان.
وأما من عداهم من الموالي: فلا حضانة لهم.
وهي مرتبة بينهم بحسب الحنان والرفق، من غير اعتبار بقوة الولاية كالنكاح، ولا الموالي بالصلاة على الجنازة، ولا على ترتيب المواريث.
والمقدم منهم في الحضانة من يعلم بمستقر العادة أنه أشفق على المحضون وأرأف به وأقوم [لمنافعه ولهذا قدمت الأم] 2 في الحضانة على [الأب و] 3 سائر الأولياء.
ولا خلاف بين العلماء أن الأم وأمها يقدمان في الحضانة على الأب وسائر الأولياء.
واختلف في الأب، هل يُبدا على الخالة؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الخالة تبُدا عليه، وأن أمه تُبدا عليه أيضًا، وهو مقدم على أخت المحضون، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أن الأب مقدم على الخالة وعلى أمه، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والثالث: أن الأب لا مدخل له في الحضانة إلا بعد عدم جميع النساء، وهو [قول مالك] 4 في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أن الخالة مقدمة عليه، ويقدم هو على أمه، وهو قول
ابن القاسم في "كتاب المدنيين".
فإن وقع التنازع من النساء في الحضانة: فأولاهن في الحضانة الأم، ثم الجدة للأم، ثم جدة الأم لأمها، ثم الخالة على مذهب "المدونة" [ثم خالة الخالة على ما في كتاب محمَّد، ثم جدة الطفل أم الأب على مذهب المدونة] 1، ثم جدة الأب أم أبيه ثم الأخت ثم العمة ثم بنت الأخ.
واختلف في بنت الأخ على قولين:
أحدهما: أنه لا حق لها في الحضانة، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أن لها حق في الحضانة، وهو قول بعض المتأخرين، وهو [اختيار] 2 أبي النجا الطرابلسي قال: والصواب أن يكون لها حق كبنت الأخ، بل ينبغي أن تكون هي أولى منها.
فكما ثبت أن الخالة أولى من العمة، فكذلك تكون بنت الأخت أولى من بنت الأخ.
فقدم ما كان من جهة الأم على ما كان من جهة الأب لما علم في مستقر العادة أن الأم أكثر شفقة وحنانا من الأب، فلهذا قدمت قرابة الأم على قرابة الأب.
وأما الرجال: فأولاهم بالحضانة من هو أقرب إلى الأطفال وأشد بهم تمكُّنًا في كل الأحوال، وذلك في الأب ثم الأخ ثم الجد للأب، ثم ابن [الأخ] 3 على الخلاف في تقديم الجد على ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن
العم ثم المولى الأعلى، ثم المولى الأسفل، وهذا مع عدم الوصي.
فإن كان وصي قُدِّم على سائر من ذكر من العصبة والموالي، وإنما قُدِّم الوصي على الجد وعلى سائر القرابات؛ لأنه [مقدم] 1 [يقام] 2 باجتهاد الأب، ومن اجتهد فيه الأب لولده أولى.
اللهم إلا أن يعلم أن ذلك كان من الأب لشات بينه وبين جد الولد [فيقدم] 3 على الوصي؛ لأن عليهما في تربية غيرهما للولد معرَّة، مع علمنا بأن رغبة الأب عنهما لم يكن لحسن [نظر] 4.
ومن وجبت لها الحضانة ممن ذكرنا من النساء: فإنها يحكم لها بها إذا طلبتها ما لم يكن هناك عارض يمنعها منها، والعارض: إما زوج أجنبي هي تحته، وإما كونها ممن لا تصلح للقيام بالأطفال إما لعجزها عن ذلك، وإما لصفة مذمومة [هي عليها] 5 مما لا يؤمن أن يسري ذلك منها إلى الأطفال، إذ الطفل على ما ربى عليه من الأخلاق، وقيل: كيف ينفطم عنها إلا بعد المجاهدة والعناء؟
فإن كانت تحت زوج أجنبي ممن لا حق له في الحضانة للصبيان: فلا حق لها في الحضانة، فإن زال ذلك العارض هل يعود إليها حقها في الحضانة أو يسقط بإسقاط الأول؟
فلا يخلو ذلك العارض من أن يكون عارضًا اختياريًا أو عارضًا
اضطراريًا:
فإن كان عارضًا اختياريًا، كعارض الزوجية، فلا يخلو من أن يحدث قبل وجوب الحضانة أو كان بعد وجوب [الحضانة] 1.
فإن كان قبل وجوب الحضانة، مثل أن يكون الموجب [لإسقاط] 2 الحضانة، كونها ذات زوج: فلا خلاف أعلمه [في المذهب] 3 أن الحضانة ترجع إليها.
وإن حدث العارض بعد وجوب الحضانة ثم زال، مثل أن تتزوج بعد ثبوت الحضانة لها، ثم مات الزوج أو طلَّق هل تعود إليها الحضانة أو لا تعود إليها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تعود إليها.
والثاني: أنها لا تعود إليها، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الحضانة، هل هي حق للأم أو حق للولد؟
فمن رأى أنها حق للحاضنة قال: إذا أسقطته لا تعود.
ومن رأى أنها حق للولد قال: تعود إليها إذا زال المانع.
وقد اختلف المذهب في الحاضنة إذا تزوجت، متى يسقط حقها في
الحضانة؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يسقط بالعقد، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن حقها لا يسقط إلا بالدخول، وهو المشهور لأن الزوجة إنما تشتغل عن الطفل [وتلتهي] 1 عنه بحقوق الزوج إذا وقع الدخول.
والثالث: أن حقها لا يسقط إلا إذا حكم عليها بأخذ الولد عنها.
وفائدة الخلاف وثمرته: إذا لم يحكم عليها بأخذ الولد عنها حتى زال العارض، هل تبقى حضانتها مستمرة أو يجوز للأب أن يأخذه؟
فمن رأى أن حقها من الحضانة لا ينقطع إلا بحكم حاكم قال: باستمرار حقها في الحضانة كما كان؛ لأنه لم يزل.
ومن رأى أنه يقطع، إما بالعقد وإما بالدخول: فعلى الخلاف الذي قدمناه في رجوع الحضانة إليها إذا زال العارض الاختياري.
فإن كان عارضًا اضطراريًا مثل: أن تكون الأم مريضة أو مسافرة سفرًا لابد لها منه، كالسفر إلى الحج وهي ضرورة، ثم زال ذلك العارض: فإن الحضانة ترجع إليها بلا إشكال.
فإن كان الزوج من أولياء المحضون ممن له الحضانة إذا انتهى إليه، الترتيب هل يسقط حق [الحاضنة من] 2 الحضانة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يسقط حقها من الحضانة، [وهو مذهب المدونة وهو المشهور؛ لأن كل واحد من الزوجين لو انفرد لكانت له الحضانة.
والثاني: أن ذلك يسقط حقها] 1 وإن كان زوجها جدُّ الصبي، وهو قول ابن وهب، وهذا ضعيف؛ لأن الموجب لسقوط الحضانة ليس وجود الزوج خاصة، وإنما هو كون الأم مشتغلة بزوجها، ومستغرقة في خدمته والمبادرة إلى مرضاته، وذلك مما يشغلها عن تربية المحضون، وربما يؤدي ذلك إلى إضاعته مع ما جبلت عليه النفوس من البغض في الربيب.
وإذا كان الزوج ممن له الحضانة مثل ما للزوجة، فكل واحد منهما يؤدي ما عليه من حسن التربية [للمحضون، فالأم لا تغفل لما في عملها أن الزوج يسره ما يرى منها من حسن التربية] 2، وربما يسامح من أكثر حقوقه لأجل ذلك.
والزوج أيضًا لو انتهت إليه الحضانة وتحته زوجة أجنبية: كان الواجب أن يرضيها، ويحسن إليها غاية الإحسان لترد بالها إلى تربية [محضونه] 3، ويتجاوز لها عن أكثر حقوقه الواجبة له عليها في حق تربية اليتيم، إذ لا يسلم له الولد في الحضانة إذا استحقها حتى يكون عنده ما [يكفله] 4 ويقوم بتربيته إما زوجة [وإما] 5 جارية.
فإذا كان الأمر هكذا والزوجة أجنبية، فما ظنك بالأم إذا كانت هي الزوجة.
فإذا ثبتت الحضانة لمن طلبها من النساء، وضمت الولد إلى نفسها فطلبت نفقتهم، فلا يخلو الأب من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان الأب موسرًا: فإنه يسلم لها نفقتهم وعلى الأب جميع ما احتاج إليه الولد من النفقة والكسوة والتربية، وجميع ما يحتاج إليه من المؤنة.
فإن طلب الزوج أن تبعثه الحاضنة يأكل عنده، ثم يعود إليها، فلا يخلو من أن يكون ظاهر الإيسار أم لا.
فإن كان ظاهر الإيسار: فلا يمكَّن من دعواه، ويُجبر على تسليم النفقة إلى الحاضنة، لما في ذلك من الضرر عليها وعلى الولد؛ لأن الوقت الذي يأكل فيه الأطفال لا يتعين وأكلهم مفترق وذلك يؤدي إلى [إرجاء] 1 الولد إلى أن تطعمه الحاضنة من مالها؛ لأنها بين أن تطعمه الحاضنة من [مالها] 2 أو تتركه فيضيع.
فإن كان الأب [ليس بواجد] 3: فإنه يُمكن من ذلك؛ لأنه غاية المقدور؛ لأن الذي عنده من المال لا يحتمل التجزئة.
فإن كان مُعسرًا لا يقدر على شىءٍ أصلًا: فهو وأولاده مِن فقراء المسلمين.
واختلف في أجرة السكنى للولد والحاضنة: على قولين:
أحدهما: أنَّ السكنى على الأب وعليها.
والثانى: أنَّهُ لا يلزم الأب سكنى الولد، وذلك على الحاضنة وحدها.
والقولان لابن القاسم في "كتاب النوادر".
وعلى القول بأنَّ السكنى عليه وعليها، هل هى على الجماجم أم لا؟ على ثلاثة أقوال 1:
أحدها: أنها على الجماجم، وهو قول يحيى بن عمر.
والثانى: أنَّها على الاجتهاد، وهو قولهُ في "كتاب ابن سحنون" وهو قول ابن القاسم في "المُدَّونة"، وظاهره: جميعه.
والثالث: أنَّ عليه نصف السكنى، والنصفُ الباقي على الحاضنة.
وسبب الخلاف: هل الحضانة حقٌ للحاضن أو حقٌ للمحضون؟
فإن مات الأب وطلبت الأم أجر الحاضنة 2، فلا يخلو حالهما مِن أن يكونا مُوسرين أو مُعسرين أو أحدهما مُوسر والآخر مُعسر.
فإن كانا مُوسرين الولد والأم، فهل للأُم النفقة في أموالهم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ [لها] 3 النفقة في أموال أولادها.
والثاني: أنَّهُ لا نفقةَ لها عليهم بعد وفاة الأب.
والثالث: أنَّها تنفق في أموالهم بقدر حضانتها 1، إذا [كانوا] 2 لو تركتهم لم يكن لهم بد 3 من حضانتهِ.
والأقوال الثلاثة عن مالك رحمه الله.
فإن كانا مُعسرين: فلا شىء لكلِّ واحدٍ منهما على الآخر.
وإن كان الولد مُوسرًا والأُم مُعسرة: كان لها النفقة في أموالهم، كما لو لم تحضنهم.
فإن كانت الأُم مُوسرة والولد مُعسرًا، فمشهور المذهب أنَّها لا تجب عليها نفقتهم.
واختلف في أمد الحضانة في الذكران: على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّ أمدها الاحتلام، وهو قول مالك في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ أمدها الإثغار، وهو قول مالك في "مُختصر ما ليس في المختصر"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب في باب التفرقة بين الأم وولدها فقد نصَّ هناك في العبيد 4: أنَّ حد التفرقة الإثغار.
فإن طلبت الأم الانتقال بالولد إلى [بلد] 5 غير بلد الأب،
ومنعها الأب، فلا يخلو مِن أن تطلب الخروج إلى موضع قريب أو إلى موضعٍ بعيد.
فإن كان إلى موضع بعيد: فللأب وسائر الأولياء منعها من ذلك اتفاقًا، وسواءٌ كان سفرها سفر انتجاع أو سفر ارتجاع.
فإن كان إلى موضع قريب: فلها الخروج بالولد مِن غير اختيار الأولياء.
واختلف في حدِّ القُرب.
على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ البريد ونحوهُ قريب، وهو قول ابن القاسم في المدوّنة.
والثانى: أنَّ حدَّ القُرب [البريد] 1 لا زيادة عليه؛ وهو قوله أصبغ في كتاب محمَّد.
والثالث: أنَّ مسيرة اليوم قريب للأُمِّ أنْ تخرج إليه بالولد.
والرابع: أنَّهُ إذا كان موضعًا لا ينقطع خبرهم، فهو قريب من غير حد أميال، وهو قولُ مالك أيضًا.
وأما الأب 2 والوصى وسائر الأولياء إذا أرادوا الخروج بالولد وأخذهِ مِن الأُم، فلا يخلو من أن يكون سفره [سفر] 3 انتقال أو لا يكونُ سفرَ انتقال.
فإن كان سفرهُ سَفَرَ ارتجاع، كالمسافر لحاجةٍ أو تجارة يذهب ويعود: فليس له أخذُ الولد، لأنَّ كونه مع أُمِّهِ أصلح له وأحوط، لأنَّ الأبَ لمَّا لم
يكُن له أخذُ الولدِ في الحَضَرِ وهو أرفهُ لِلوَلَدِ، كان ألا يُمكَّن مِن أخذهِ في السفر أولى.
فإن كان سفرهُ سفر انتقال: فلهُ الانتقال بالولد، لأنَّ في ذلك حفظًا لنسبه 1، ومعرفة الناس له، واحتراز مالُ 2 أبيه إن مات.
وكذلك أيضًا إنْ كان مع الوصيُّ أو أحد الأولياء، فإنَّهُ يجوز نسبهُ من أبيه بذلك ويدعى بابنه خيرًا من أن يترك مع أمه ويدعى إليها ثم ينسى ما نسبه من أبيه 3، وربَّما يستضر 4 الولد بذلك، فليس ذلك من باب المصلحة، ومُراعاة مصلحة التأبيد أولى مِن مصلحة عارض الطُفولية، وإلى هذا المعنى أشار القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب.
فإذا قُلنا: إنَّهُ يجوز للأب وَمَن هو في منزلتهِ مِن سائر الأولياء والأوصياء الانتقال بالولد، هل يُمكَّن منهُ بنفس إرادته الرحيل أو حتى يُثبت أنهُ استوطن الموضع الذي انتقل إليه؟
فبيَّن المتأخرين قولان حكاهما ابن أبي زمبين:
أحدهما: أنَّهُ لا يُمكن مِن الخروج بالولد حتى يثبت عند حاكم البلد الذي فيه الحاضنة أنهُ قد استوطن الموضع الذي انتقل إليهِ، قال: وبهِ كان يُفتى بعض مَنْ أدركنا مِن شُيُوخنا المقتدى بهم.
والثانى: أنَّهُ إذا أراد الرحيل، أخذ ولدهُ ساعة الرحيل.
قال: وعلى القول الأول يدل لفظ الكتاب، والله أعلم، والذي
قاله 1 لا يكاد يظهر من لفظ الكتاب.
واختلف في الأم: إذا كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية، هل لها مِن الحضانة مِثل ما يكون للحُرَّة المُسلمة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنّ لها الحضانة مثل ما يكون للحُرَّة المسلمة، وإن خِيفَ أن تُطعمهم وتغذيهم بالخمر والخنزير ضُمَّت إلى ناس مِن المسلمين، وهو مذهب "المُدونة".
والثانى: أنَّهُ لا حقَّ لها في الحضانة، لأنَّ الأُم المُسلمة إذا كانت يُثنى عليها بالسوء، نُزعَ منها، فكيف بالكافرة؟! وهو قول ابن وهب في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: الحضانة، هل هى حقٌ للأم أو حقٌ للولد؟
فعلى القول بأنَّها حقٌ للأم، تكونُ للكافرة.
وعلى القول بأنَّها حقٌ للولد، فلا حضانة للكافرة والحمد لله وحده.
كتاب العدة وطلاق السنة