تجب في اليوم الواحد كفارتان، وسواء وطئ قبل التكفير أو بعده.
قيل وهو الصحيح؛ لأن الكفارة معللة بالانتهاك المستلزم للإفساد، والإفطار الثاني لا يستلزمها.
والقول بتعددها [163/أ] نقله في النكت ع بعض شيوخه؛ قال: ومثل هذا في أصولهم كثير، من ذلك الذي يكرر ما يجب فيه الهدي من طيب أو لبس أنه تجزئة فدية واحدة.
وكذلك الذي يكرر القذف فإنما عليه حد واحد، ولو قذف ثم كرر تكرر الحد عليه.
وَيُكَفِّرُ وَلِيُّ السَّفِيهِ عَنْهُ، وَعَلَى التَّرْتِيبِ تَكُونُ كَالظِّهَارِ، وَفِي إِجْزَاءِ صِيَامِهِ فِيهِ مَعَ وُجُود الرَّقَبَةِ قَوْلانِ .....
أي: أن السفيه إذا فعل موجب الكفارة، كفّر عنه وليه؛ فإن قلنا بالتخيير أمره بالصيام لحفظ ماله، وإن لم قدر عليه أو أبى كفر عنه بالأقل من العتق أو الإطعام.
عبد الحق: ويحتمل أن تبقى الكفارة في ذمته إن أبى من الصوم، قال: وهو الأبين.
وإن قلنا بالترتيب، كان الأمر فيها كما إذا ظاهر، ثم أشار إلى حكمه في الظهار بقوله: (وَفِي إِجْزَاءِ صِيَامِهِ فِيهِ) أي في الظهار، مع وجود الرقبة قولان، أحدهما الإجزاء؛ لأن سفهه لا يزعمه عن تكرير الظهار، فلو ألزم العتق لأدى إلى إتلاف ماله، وهو قول محمد.
والثاني: أنه لا يجزئ بل يتعين العتق وقوفاً مع النص، وهو ظاهر المذهب، وفرّق ابن كنانة بين أن يتكرر منه الظهار أم لا.
وَيُؤَدَّبُ الْمُفْطِرُ عَامِداً فَإِنْ جَاءَ تَائِباً مُسْتَفْتِياً فَالظّاهِرُ الْعَفْوُ، وَأَجْرَاهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الْخِلافِ فِي شَاهِدِ الزُّورِ ...
لا إشكال في تأديبه، فإن بنينا على قول ابن حبيب فذلك ردة نعوذ بالله منها.
اللخمي: ويختلف فيمن أتى مستفتياً ولم يظهر في ذلك عليه، قال في المبسوط: لا عقوبة عليه، ولو عوقب لخشيت أن لا يأتي أحد ليستفتي في مثل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يعنف السائل ولم يعاقبه.
ويجري فيها قول آخر، أنه يعاقب قياساً على شاهد الزور إذا أتى تائباً؛ ولمالك في كتاب السرقة: يعاقب.
وقال سحنون: لا عقوبة عليه.
والأول أحسن، ولو كان كذلك لسقط على المعترف بالزنا والسرقة.
وأرى أن يُنظر السائل فإن كان من أهل الستر، ومن يُرى أن ذلك منه فلتة لم ترفع الشهادة عليه لما أُمر به من الستر، ومن كان مشتهراً تعرف منه قلة المراعاة لدينه رفعت عليه الشهادة وعوقب.
انتهى.
ويمكن الفرق بينهما بأن الشهادة تستلزم مشهوداً له وعليه، فقيل بالعقوبة على أحد القولين؛ لأنه يتهم في مبادرته خشية من إظهار حاله من جهة المشهود عليه، ولا كذلك المفطر.
والله أعلم.
ويسوغُ الْفِطْرُ لِسَفَرِ الْقَصْرِ بِالإِجْمَاعِ، وَمَشْهُورُهَا الصَّوْمُ أَفْضَلُ
اشترط أهل المذهب في الإباحة البروز عن محل الإقامة قبل طلوع الفجر وسيأتي، والقول بترجيح الفطر لابن الماجشون والتساوي لمالك في المختصر في سماع أِهب.
وتوجيه هذه الأقوال لا يخفى.
والله أعلم.
وَلا تَكْفِي نِيَّتُهُ حَتَّى يَصْحَبَهُ الْفِعْلُ
أي: لا تكفي نية السفر في إباحة الفطر حتى يقترن بها السفر، والضمير في يصحبها، عائد على النية، وفي بعض النسخ (تصحبه) وهو عائد على معنى النية وهو العزم.
وَفِيمَنْ عَزَمَ فَأَفَطَرَ- ثَالِثُهَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِنْ كَانَ لَمْ يَاخُذْ فِي أُهْبَتِهِ، وَرَابِعُهَا: إِنْ لَمْ يُتِمَّ ....
إذا بنينا على أنه لا يكتفي بمجرد العزم، فخالف وأفطر قبل الخروج، ففي المذهب أربعة أقوال: الأول: وجوب الكفارة لحصول الانتهاك وهو قول مالك والشافعي وأبي
حنيفة وسحنون.
الثاني: لأشهب، سقوطها لإسناد الفطر إلى سبب وهو العزم.
الثالث لابن حبيب: إن كان قبل أخذه في أهبة السفر فعليه الكفارة، سافر في يومه أو لم يسافر، وإن أفطر قبل خروجه وبعد أخذه في أهبة سفره وشرع في رحيله فلا كفارة عليه.
ابن حبيب: وكذلك سمعت ابن الماجشون يقول: وأخبرنيه أصبغ عن ابن القاسم.
الرابع: أن عليه الكفارة إن لم يتم السفر، وإن أتم بأن سافر فلا كفارة عليه، لأنه غرر وسلم، وإليه رجع سحنون وأشهب.
فَلَوْ نَوَى فِي السَّفَرِ أَوْ سَافَرَ نَهَاراً، لَمْ يَجُزْ إِفْطَارُهُ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلاَفِ طَارِئِ الْمَرَضِ، وَلِذَلِكَ يَقْضِي التَّطَوُّعُ ...
يعني: لو أصبح صائماً في السفر أو في الحضر ثم سافر فهل يجوز له أن يفطر أم لا؟ الأصح- وهو المشهور- عدم الجواز.
والقول الثاني في المسألة الأولى لابن الماجشون، ولم يطلع ابن عبد السلام على القول الثاني في المسألة الثانية وقد ذكره الباجي، ولفظه: فإن خرج بعد الفجر بعد أن نوى الصوم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز له الفطر وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال القاضي أبو الحسن: إن ذلك على الكراهة.
وقال ابن حبيب: يجوز له الفطر وبه قال المزني وأحمد وإسحاق.
وقوله: (بِخِلاَفِ طَارِئِ الْمَرَضِ) أي في أنه يباح له الفطر في الصورتين؛ لأن المرض غير اختياري أبداً (وَلِذلِكَ) أي: ويتحقق الفرق بين من ذكر وطارئ المرض يقضي المتطوع في الفرعين ولا يقضي من طرأ عليه المرض.
فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلاً فَلا كَفَّارَةَ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ- فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الأَوَّلِ لا الثَّانِي، وَرَابِعُهَا: الْعَكْسُ ...
أي: فإن أفطر في الفرعين بتأويل فلا كفارة عليه، وما ذكره من إسقاط الكفارة في الفرع الأول مخالف لما نص عليه في العتبية؛ لأنه ذكر فيها أن موسى بن معاوية روى عن ابن القاسم عن مالك فيمن بيَّت الصيام في السفر ثم أفطر متأولاً بأكل أو جماع أن عليه الكفارة، لكن اعترضه التونسي وقال: لا ينبغي أن تكون عليه كفارة إذا تأول كما قال أشهب في المدونة.
ابن عبد السلام: وظاهر المدونة عندي كما في العتبية، ولفظها: فإن أصبح في السفر صائماً في رمضان ثم أفطر لعذر فعليه القضاء فقط، وإن تعمد لغير عذر فليكفر، وإن لم يتأول فيهما فقيل تجب عليه الكفارة لالتزامه الصوم وفطره من غير عذر، وقيل: لا فيهما، مراعاةً للخلاف.
والمشهور تجب فيما إذا نوى في السفر دون ما إذا نوى في الحضر ثم سافر – لأن طروء السفر مبيح – لم يكن بخلاف من أنشأ الصوم في السفر، فنه لم يطرأ عليه مبيح.
والرابع عكس المشهور للمخزومي وابن كنانة؛ ووجهه أن حرمة اليوم في حق من أنشأ الصوم في الحضر أقوى؛ لأنه لا يجوز له حين الإنشاء إلا الصوم بخلاف من أصبح في السفر صائماً فإنه مخير في الفطر ابتداء.
فَلَوْ طَرَأَ عُذْرٌ كَالتَّقَوِّي عَلَى الْعَدُوِّ أَوِ الْجهدِ، أُبِيحَ اتِّفَاقاً، وَقَالَ اِبْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ كَفّرَ فِي الْجَمِيعِ ....
يعني: أن طروء الاحتياج إلى التقوي على العدو مبيح كالمرض بل أقوى منه.
وقوله: (أَوِ الْجهدِ)، أي الشدة، ويقع في بعض النسخ (والجهاد) عوض الجهد.
(وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ أَفْطَرَ بالْجِمَاعِ كَفَّرَ في الْجَمِيعِ) أي في جميع المسائل فيما إذا طرأ عذر وفيما ذا طرأ السفر.
ومقتضى كلامه أن قول ابن الماجشون منصوص في الجميع، والذي نقله ابن أبي زيد عنه إنما هو فيما إذا أصبح صائماً في السفر، لكن تعليله علام في الجميع.
وفي قوله: (إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاع) إشارة إلى أنه إن جامع بعد أكل أو شرب لا شيء عليه وكذلك نص عليه ابن الماجشون في الواضحة.
وَلَوْ صَامَ فِي السَّفَرِ غَيْرَهُ فَكَالْحَاضِرِ عَلَى الأَصَحِّ
قد تقدم ما إذا صام رمضان الداخل قضاءً عن رمضان الخارج أو عن عذر، وعلى هذا فمراده بقوله: (غَيْرَهُ) ما إذا صام رمضان تطوعاً، هكذا فرض ابن شاس المسألة، وحاصله إن نوى التطوع في رمضان في الحضر لم يصح بلا خلاف، وكذلك إن كان مسافراً على الأصحّ؛ لتعين الوقت وحكى القاضي أبو بكر رواية بالانعقاد واستضعفها كثير.
وَيَجُوزُ بِالْمَرَضِ إِذَا خَافَ تَمَادِيَهُ أَوْ زِيادَتَهُ أَوْ حُدُوثَ مَرَضِ آخَرَ، فَأَمَّا إِذَا أَدَّى إِلَى التَّلَفِ أَوِ الأَذَى الشَّدِيدَ وَجَبَ ....
هو ظاهر التصور.
قال في البيان: واختلف إذا خاف المريض قيل: له أن يفطر، وقيل: ليس له أني فطر لما يخاف من المرض، ولعله لا ينزل به فحكى الخلاف فيما دون النفس كما تقدم في التيمم.
ونص اللخمي في المريض إذا خاف حدوث علة أخرى أو طول المرض إذ صام أ، هـ لا يصوم وإن صام أجزأه.
وَالْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ لا يُمْكِنُهُمَا الاسْتِئْجَارُ أَوْ غَيْرُهُ – كَالْْمَرِيضِ فِي الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ - خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيهِمَا .....
قوله: (أَوْ غَيْرُهُ) أي لا يقبل غيرها، وعدم إمكان الاستئجار إما لعدم المال أو المكان أو لعدم من يستأجر.
ومقتضى كلامه أنه لو أمكنهما الاستئجار لزمهما الصوم.
وهو كذلك، والأجرة من مال الابن إن كان له مال؛ لأن رضاه بمنزلة أكله، فإن لم يكن له مال فهل يبدأ بمال الأب قبل مالها لأن الرضاع مكان الإطعام؟ فإذا سقط عن الأم لمانع جعل ذلك من ماله كطعامه.
وإليه ذهب اللخمي ومال إليه التونسي، وقال: إنه أشبه.
أو يبدأ بما لها؟ لأن رضاعه عليها إذا لم تكن مطلقة وهي قادرة على أن ترضعه وإليه ذهب سند.
وقوله: (فِي الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ) أي إن خافتا على أنفسهما أو ولديهما التلف أو الأذى الشديد وجب وإلا جاز.
وَفِي وُجُوبِ الْفِديَةِ عَلَيْهِمَا – ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَهَا، ورَابِعُهَا: عَلَى الْحَامِلِ إِنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا دُونَهَا، وَخَامِسُهَا: إِنْ كَانَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشَهُرٍ
الضمير في قوله: (دُونَهَا)، من القول الثالث يعود على الحامل، يعني أنه اختلف في وجوب الفدية على المرضع والحامل إذا أفطرتا على خمسة أقوال؛ فقيل: لا تجب عليهما.
وقيل تجب عليهما بناءً على إلحاقهما بالمريض أولاً؟
والثالث وهو المشهور وجوبها على المرضع دون الحامل؛ لأن الحامل تخشى على نفسها فأشبهت المريض بخلاف المرضع فإنها إنما تخاف على غيرها.
والرابع وجوبها على الحامل إن خافت على ولدها وسقوطها إن خافت على نفسها.
والخامس لأبي مصعب.
ونص ما نقله اللخمي عنه: وقال أبو مصعب: إذا خافت على ولدها قبل مضي ستة أشهر أطعمت، وإذا خافت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة أي لأنها لا تتصرف إلا في [164/أ] الثلث كالمريض.
وحاصل ما ذكره أن في المرضع قولين.
المشهور منها الوجوب؛ وفي الحامل أربعة أقوال، ولذلك لو فصهلا كما فعل غيره لكان أحسن.
ومقتضى كلامه أن الخلاف جار
فيهما سواء خافتا على أنفسهما أو ولديهما، لأنه أطلق في المرضع، وجعل التفصيل في الحامل قولاً مبايناً لغيره.
ونحوه للخمي في الحامل.
وقريب منه كلام الباجي فإنه قال: إذا خافت الحامل على ولدها من شدة الصيام، لا خلاف في إباحة الفطر واختلف الناس في الإطعام في ذلك.
وعن مالك فيه روايتان: إحداهما، لا إطعام، والثانية عليها الإطعام، ويتخرج على هذه الرواية وجوب الإطعام على الشيخ الكبير.
وقال ابن حبيب: إن أفطرت خوفاً على نفسها فلا إطعام.
انتهى.
وقال ابن عطاء الله في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما دون ولديهما أفطرتا ولم تطعما عند الجميع.
ثم حكى الخلاف في الإطعام، وإذا خافتا على ولديهما فمقتضى كلامه أنهما إن خافتا على أنفسهما يتفق على عدم الإطعام، وإنما الخلاف إذا خافتا على ولديهما.
وَالْكَبِيرُ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ كَالْْمَرِيضِ وَلا فِدْيَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: أن الكبير الذي لا يطيق الصيام كالمريض في الجواز والوجوب، واختلف في وجوب الفدية عليه فروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يفتدي؛ فحمله في المشهور على الاستحباب.
هكذا النقل لا كما يعطيه ظاهر لفظه من السقوط مطلقاً، هكذا قال ابن عبد السلام وهكذا صرح في الرسالة والجلاب بالاستحباب.
والقول بالوجوب ذكره ابن شاس وابن بشير.
فرع:
وهل على المستعطش إطعام؟ روى ابن وهب وابن نافع عن مالك الإطعام عليه واجب.
ابن حبيب: ويستحب له الإطعام.
ابن يونس: قال أبو محمد: ومعنى المستعطش الذي لا يقدر أن يقضي إلا ناله العطش الشديد، وأما إن قدر فذلك عليه.
وَفِيهَا: لا يُصَامُ الْعِيدَانُ، وَأَمَّا الْيَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَلا يَصُومُهُمَا إلا الْمُتَمَتِّعُ، وَالْيَوْمُ بَعْدَهُمَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَالنَّذْرِ، وَلا يُقْضِى فِيهِ رَمَضَانُ، وَلا يُبْتَدَأُ فِيهِ كَفَّارَةٌ بِخِلافِ الإِتْمَامِ ......
تصور كلامه ظاهر.
فائدة: أيام السنة تنقسم إلى ستة أقسام، منها ما يجب صومه وهو رمضان، ومنها ما يحرم صومه وهو العيدان، ومنها لايجوز إلا لشخص واحد وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، لا يصومهما إلا المتمتع الذي لاي جد هدياً، ومنها ما لا يجوز صومه إلا لثلاثة أشخاص: المتمتع، والناذر، ومن كان في صيام متتابع.
وإليه أشار بقوله: (بِخِلافٍ الإتْمَامِ)، ثم إن بقية أيام السنة منها ما رغّب الشرع فيه بخصوصه كعرفة وعاشوراء، ومنها ما لم يرغب فيه، هكذا قال ابن رشد وغيره.
وينبغي أن يزاد قسم سابع وهو يوم الشك؛ لأنه لا يصام على المشهور على وجه الاحتياط.
وَكَرِهَ مَالِكٌ نَذْرَ الصِّيَامِ وَغَيْرِهِ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ
قوله: (أَوْ غَيْرِه).
أي: سائر الطاعات (بشَرْطِ أَوْ غَيْرِه) أي: بتعليق، كقوله: إن شفى الله مرضي فعليّ صوم شهر.
ومقتضى كلامه كراهة النذر مطلقاً، وسيأتي ما في ذلك في بابه إن شاء الله.
وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ مِنْهُ
لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".
فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلاً لأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَفِي بَراءَتِهِ بِالأَقَلِّ قَوْلانِ، مِثْلَ نَذْرِ شَهْرٍ أَوْ نِصْفِ شَهْرٍ، وَفِيهَا: إِنْ صَامَ شَهْراً بِالْهَلاَلِ أَجْزَأَهُ نَاقِصاً، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَيُكْمِلُ .....
اللفظ الصادر من الناذر إما أن تصحبه نية أم لا، فإن صحبته عمل عليها، وإلا فإن كان نصاً في مدلوله لزمه ذلك.
وإن كان محتملاً لعدد كثير وقليل فهل تبرأ الذمة بالقليل؛ لأن الأصل براءة الذمة؟ أو لا تبرأ إلا بالكثير؛ لأن النذر قد تعلق بذمته فلا تبرأ منه إلا بيقين؟ قولان، ومثل ذلك بما إذا نذر شهراً أو نصف شهر فهل تبرأ ذمته بتسعة وعشرين يوماً بأربعة عشر يوماً؟ أو لا تبرأ إلا بثلاثين وخمسة عشر يوماً؟
وظاهر كلامه أن الخلاف جار سواء صام في أثناء شهر أو في أوله، ولذلك ذكر مسالة المدونة لتضمنها التفصيل.
وفيه نظر؛ لأن الذي نص عليه غير واحد، أنه صام شهراً بالهلال فإن كان كاملاً لزمه إتمامه اتفاقاً.
وإن كان ناقصاً أجزأه اتفاقاً.
وإنما الخلاف إذا صام في أثناء الشهر، ومذهب المدونة إنما تجزيه ثلاثون.
وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أن تجزيه تسعة وعشرون.
وانظر ما في الفرق بين هذه المسألة على المشهور وبين ما إذا نذر هدياً؟ فإن الشاة تجزيه مع أنها أقل الهدايا.
ولعل مراد ابن عبد الحكم بالقياس هذا، وإليه أشار اللخمي.
وأما نصف الشهر فإن ابتدأه بالهلال صام خمسة عشر يوماً اتفاقاً.
وإن [164/ب] ابتدأه بعد مضي خمسة عشر يوماً فكان ناقصاً أكمل خمسة عشر على المشهور، وحكى ابن الماجشون عن بعض الأصحاب أن الأربعة عشر التي صامها نصف شهر، فوجه المشهور أن نصف الشهر خمسة عشر أو أربعة عشر ونصف، ومن وجب عليه نصف يوم وجب عليه تكميله كجزاء الصيد.
ووجه ما حكاه ابن الماجشون أن الناذر لما نذر نصف يوم وهو ليس طاعة لم يجب عليه الوفاء به.
خليل: وانظر هل يتخرج على هذه المسألة من نذر نصف عبادة كما لو نذر نصف ركعة أو نصف حج؟ وذكر اللخمي في هذا الأصل خلافاً خرجه من مسألة ما إذا نذر اعتكاف ليلة، فابن القاسم يلزمه يومها، وقيل: لا يلزمه شيء.
وَمِثْلَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا فَفِي قَضَاءِ مَا لا يَصِحُّ صُوْمُهُ قَوْلانِ.
وَعَلَى الْقَضَاءِ فَفِي قَضَاءِ رَمَضَانَ قَوْلانِ، وَالصَّحِيحُ لا يَلْزَمُهُ وَفِيهَا: كَالْْوَقْتِ الَّذِي لا يُصَلِّي فِيهِ لَوْ نَذَرَ صَلاةَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ الْعِيدَيْنِ، وَكَأَيَّامِ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ: لا أَدْرِي مَا هُوَ، ثُمَّ سُئِلَ عِمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ: يَقْضِي أَيَّامَ الذَّبْحِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ ألا يَقْضِيَهَا ....
أما لفظ مثل فمعطوف على قوله أولاً: (مِثْلَ نَذْرِ شَهْرٍ)، وفي بعض النسخ: (ومثله)، أي ومثل المثال السابق في احتمال أقل أو أكثر.
ابن عبد السلام: ورأي المؤلف وغيره أن هذا الخلاف جار على الأصل المتقدم أي: وفي احتمال اللفظ أقل أو أكثر قال: ويحتمل أن يجري على الخلاف في النذر المعين إذا أفطر فيه ناسياً أو مرضاً إلا أن المانع من الصوم في الفرع الذي الكلام عليه شرعي، وفي العذر به خلاف آخر.
انتهى.
قال في المدونة: وإن كانت السنة بعينها صامها وأفطر منها يوم الفطر وأيام النحر، ويصوم آخر أيام التشريق.
قال مالك: ولا قضاء عليه فيهن ولا في رمضان، إلا أن ينوي قضاء ذلك، كما لو نذر صلاة يوم بعينه، فليصل في الأوقات الجائزة فيها الصلاة، ولا يصلي في الساعات التي لا يصلي فيها، ولا شيء عليه فيها ولا قضاء.
ثم سئل عمن نذر صوم ذي الحجة فقال: يقضي أيام النحر إلا أن يكون نوى ألا يقضيها، قال ابن القاسم: والأول أحب إلي.
انتهى.
وذكرت لفظ المدونة لأن به يُتبين أكثر كلام المصنف.
وقوله: (والصحيح لا يلزم فيهما).
أي لا يلزم القضاء في الفرعين.
وفي بعض النسخ: (فيها)، فيعود على المدونة، وفي بعض النسخ: (فيها) بغير واو، فيحتمل عوده على المدونة وعلى المسألة المشتملة على الفرعين قال في "النكت": وذهب بعض شيوخنا القرويين في ناذر سنة بعينها أنه لا يقضي رمضان على القولين جميعاً، وكذلك نذر صلاة يوم بعينه ليس عليه أن يقضي وقت صلاة الظهر والعصر على القولين، وإنما الخلاف في الوقت الذي لا يصلي فيه كبعد العصر فيقضي مثل ما يصلي في ذلك الوقت لو جازت الصلاة على التقدير على أحد القولين مثل أيام النحر التي اختلف قوله في قضائها، قال: لأنه صائم في رمضان وهو خارج عن نذره، والذي نذر صلاة يوم قد علم أنه لابد من صلاة الظهر والعصر، فذلك خارج، نذره.
وما لا صلاة فيه- أعني بعد العصر – هو مثل أيام النحر التي هو فيها غير صائم.
وقال غيره من شيوخنا، الخلاف يدخل فيما وصفنا.
والله أعلم.
ابن عطاء الله: والأظهر أن الخلاف جارٍ في ذلك كله.
ولعل هذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وَعَلَى الْقَضَاءِ) ... إلى آخره.
وقوله: (وَكَمَا لَوْ نَذَرَ الْعِيدَيْنِ) ... إلى آخره، أي: ومما يرجح السقوط في الفرعين المتقدمين ما لو نذر العيدين وآخر أيام المرض فإن الحكم فيها السقوط، والجامع أن كلا النذرين معصية.
وفي "المبسوط" في ناذر العيدين أن عليه القضاء إذا نذرها وهو يعلم بهما، لا إن لم يعلم.
وما ذكره في المرض محمول على ما إذا لم يطق الصيام، وأما إذا أفطر قادراً عليه فيلزمه القضاء، قاله في المدونة.
وليس المراد بأيام المرض أن ينذر أياماً فيمرض فيها؛ لأن تلك قد تقدمت، وإنما المراد أن ينذر صيام أيام مرضه.
والله أعلم.
وقوله: (وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ) ... إلى آخره.
ابن عبد السلام: إنما ذكر في المدونة هذا فيمن نذرت الاثنين والخميس ما بقيت فحاضت أو مرضت فيهما فلا قضاء عليها.
قال: وأما السفر فقال مالك: لا أدري ما هو.
قال ابن القاسم فيها: كأنه أحب أن تقضي.
ورده كلام ابن عبد السلام فإن ظاهر المدونة أن التوقف في السفر في السؤالين معاً قال: لأنه إن ذكر في التي نذرت بعينها أنها لا تقضي أيام الحيض والمرض، قال: وكذلك التي نذرت كل خميس والاثنين، وأما السفر فلا أدري ما هو؟ يعني في السؤالين.
انتهى.
قال ابن عطاء الله: واختلف في السفر مجرداً من غير ضرورة إلى الفطر هل هو عذر كما في رمضان؟ فجعله ابن حبيب عذراً يسقط القضاء، وقال مالك ليس بعذر يسقط القضاء، رواه عنه ابن عبد الحكم، والفرق بينه وبين رمضان، إنما توجه وجوبه على جميع الخلق فخفف عنهم فيه لما في الإيجاب العام من الحرج والمشقة، ثم أنه في رمضان لم يسقط الفرض بالكلية، بل جوز التأخير فقط، ولو جعل عذراً في النذر [165/أ] لأسقط القضاء.
وهذا هو الظاهر، وعلى هذا فيلزم الإمساك في السفر؛ لأنه إنما يأتي غالباً على الاختيار.
ابن عطاء الله: وقول ابن القاسم، كأنه أحب أن تقضي يحتمل أن يريد: أن القضاء غير لازم عنده، ولكنه استحبه ويحتمل أن يريد: أنه يستحب الحكم بوجوب القضاء أي: الذي يحبه، أنه ليس بعذر، وإن أفطر لأجله، فقد وجب عليه القضاء، ووجهه أنه أفطر مع القدرة على الصوم في نذره فوجب عليه القضاء كالحاضر.
انتهى.
قوله: (ثُمَّ سُئِلَ عَمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ) هو أحد القولين في المسألة السابقة، وكلامه في المدونة أحسن من كلام المصنف.
ويمكن أن يوجه هذا القول بأنه شبّه الصوم بالاعتكاف كما قال في من نذرَتْ اعتكاف شعبان فشرعَتُ فيه ثم حاضت فإنه قال: تقضي أيام حيضها إشارة إلى أنها عبادة واحدة فلا تتجزأ وقد صح بعضها فعليها تكميلها، ولو حاضت من أول شعبان اعتكفت إذا طهرت بقيته ولا تقضي أيام حيضها؛ لأن في المسألة الأولى اعتكفت بنية شعبان بجملته فقد لزمها كله بالشروع، فإذا حاضت ثم هرت كملت ما دخلت فيه.
وفي هذه المسألة ليس عليها أن تنوي إلا بقية شعبان، فإذا نوت بقيته فقد انقضى اعتكافها بانقضائه.
قاله ابن عطاء الله.
أَمَّا لَوْ [لَمْ يُعَيِّنْ] قَضَى
هذا مقابل قوله: (بعينها).
يعني، أما لو نذر سنة أو شهراً ولم يعين قضى أيام السفر من غير خلاف.
فرع:
قال اللخمي: إذا قال لله علي أن أصوم هذه السنة، فإن سمّاها مثل سنة سبعين أو ثمانين صام ما بقي منها ولا قضاء عليه لما مضى.
وإن قال: هذه السنة ولم يزد شيئاً، فالقياس أن لا شيء عليه إلا صيام ما بقي كالأول؛ وقال مالك في العتبية: في من حلف في نصف سنة إن فعل كذا أو كذا صام هذه السنة فقال: إن نوى باقيها فذلك له، وإن لم ينو شيئاً استأنف من يوم حلف اثني عشر شهراً.
اللخمي: وفيه نظر؛ لأن قوله: هذه السنة.
يقتضي التعريف، وهو بمنزلة القائل: لله علي أن أصلي هذا اليوم فلا شيء عليه إلا صلاة ماب قي منه.
وَمِثْلَ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ أَيَّامٍ وَلَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ - ثَالِثُهَا: يَلْزَمُ التَّتَابُعُ فِي السَّنَةِ وَالشَّهْرِ وَلا يلزم في الأَيَّامِ، وَالْمَشْهُورُ: لا يَلْزَمُ .....
تصور المسألة ظاهر.
والمشهور مذهب المدونة، والقول بلزوم المتابعة في الجميع لابن كنانة، والتفصيل لابن الماجشون.
اللخمي: وهو أحسن؛ لأن العرف أن الشهر عبارة عن جملة متتابعة من الهلال إلى الهلال.
وقول القائل: ثلاثون يوماً شهر، مجاز والعلاقة المشابهة.
هذا معنى كلامه.
وقوله: (وَمِثْلَ) معطوف على قوله أول الفصل: (مثل شهر).
ابن عبد السلام: وهو من أمثلة احتمال اللفظ لأقل أو أكثر.
وَلَوْ نَذَرَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلانٌ فَقَدِمَ لَيْلاً صَامَ يَوْمَهُ؛ فَإِنْ قَدِمَ نَهَاراً فَلا قَضَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: أن من نذر صيام يوم قوم فلان، ففان إن قدم ليلاً لزم الناذر صيام صبيحة تلك الليلة.
ورأى اللخمي أنه لا شيء عليه؛ لأن الليل ليس محلاً للصوم.
وإن قدم نهاراً فالمشهور سقوط القضاء؛ لأن وجوب القضاء مشروط بتقديم الوجوب أو تقديم سببه، وكلاهما منتف.
وذهب عبد الملك وأشهب إلى وجوب القضاء.
فرع:
قال أشهب: ولو قدم نهاراً وكان قد بيت صومه تطوعاً أو لقضاء رمضان أو لغيره لم يجزه لنذره، ولا لما صامه له.
وفي اللخمي: يجزيه عما صامه له؛ ولم يذكر قول أشهب، وإنما اقتصر على الإجزاء فقط.
ابن الماجشون: ولو علم أنه يدخل نهاراً فبيت الصوم لم يجزه؛ لأنه صامه قبل وجوبه.
قال عبد الملك وأشهب وأصبغ: وليصم اليوم الذي يليه.
وَلَوْ قَدَّمَ يَوْمَ عِيدٍ لَمْ يَقَضِ، وَخَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الأُولَى
يعني: فلو قدم فلان يوم عيد فالمنقول في المذهب أنه لا قضاء على الناذر.
وخرج اللخمي فيه القولين المتقدمين، والجامع أن كلا من الزمانين لا يصح صومه شرعاً.
وقد يفرق بينهما بأن الزمان قابل شرعاً في المسألة الأولى، وإنما امتنع شرطه بخلاف العيد، فإنه لا يقبل الصوم بوجه.
وَلَوْ نَذَرَ يَوْماً بِعَيْنِهِ فَنَسِيَهُ - فَثَلاثَةُ: يَتَخَيَّرُ، وَجَمِيعُهَا، وَآخِرُهَا
أي: إذا نذر يوماً معيناً ونسيه فثلاثة أقوال: ونقلت كلها عن سحنون وآخر أقواله أن يصومها جميعاً واستظهر للاحتياط، ووافقه بأن القاسم على قوله أنه يصوم آخرها.
قال ابن القاسم: وهو يوم الجمعة، لأن قبل يوم الجمعة لا يحقق عمارة ذمته وإنما يتحقق بالأخير، فإن وافقه فهو أداء وإلا فهو قضاء.
وأنكر بعض المتأخرين كون الجمعة آخر أيام الجمعة وزعم أنه يوم السبت.
وَأَجَازَ مَالِكٌ صَوْمَ الأَبَدِ وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى ذِي عَجْزٍ أَوْ مَضَرَّةٍ
النهي هو حديث أبي قتادة أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر" خرجه مسلم.
قوله: (ذِي عَجْزٍ) إن أريد به العاجز عن الصيام فلا يبقى للنهي فائدة، وإنما ينبغي أن يحمل على من يلحقه عجز في الطاعات أو مضرة في بدنه.
وروي عن مالك، ونقله في القسب عن علمائنا [165/ب] أن النهي محمول على من يصوم الأيام التي نهى الشرع عن صيامها.
ابن عبد السلام: وإطلاق ابن حبيب في صيام الدهر أنه أحسن لمن قوي عليه بعيد.
وَقَدْ وَرَدَ صَوْمُ يوم عَرَفَةَ ويوم عَاشُورَاءَ، وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَصَوْمُ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَشَعْبَانَ
روى مسلم أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي قتادة أنه عليه الصلاة والسلام قال: "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".
قيل: إنما كان يوم عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين لأن يوم عرفة يوم محمدي ويوم عاشوراء يوم موسوي عليه الصلاة والسلام والأفضل للحاج الفطر فطر يوم عرفة.
وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام: كان مفطراً في حجّه فيه.
وأما يوم التروية فروى ابن حبيب في واضحته انه عليه الصلاة والسلام قال: "صوم يوم التروية كصوم سنة" قيل: وهو حديث مرسل.
ابن يونس: وروي أنه عليه الصلاة والسلام صام الأشهر الحرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
انتهى.
ولم أره في شيء من كتب الحديث.
بل يعارضه ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان.
وهذا لفظ الموطأ.
والذي جاء في الأشهر الحرم ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك" وقال بأصابعه الثلاثة فضمها وأرسلها.
وفي مسلم عنه عليه الصلاة والسلام:"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم".
وأما شعبان، فروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان.
وعنها أيضاً أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً وفي رواية مسلم، بعد إلا قليلاً بل كان يصومه كله.
وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.
وَكَرِهَ مَالِكٌ صِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَإِنْ وَرَدَ، لِلْعَمَلِ
أشار بقوله: (وَإِنْ وَرَدَ، لِلْعَمَلِ)، لما في مسلم: "من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر" قال في الموطأ: لم أر أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك.
انتهى.
وصرح صاحب الذخيرة بأن مالكاً استحب صيامها في غير شوال، ولم يأخذ مطرف وغيره بكراهة مالك وتعليله، وإنما كره مالك ذلك مخافة أن يلحقها أهل الجهل برمضان، فأما الرجل في خاصة نفسه يصمها لرغبته فلم يكن يكره ذلك.
وفي الجواهر: واستحب مالك صيامها في غير ذلك الوقت لحصول المقصود به من تضاعف أيامها وأيام رمضان في كونها تبلغ عدة العام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك سنة".
ومحمل تعيين محلها في شوال عقب الصوم على التخفيف في حق المكلف لاعتياده بالصوم لا لتخصيصها بذلك الوقت فلا جرم انه لو أوقعها في عشر ذي الحجة مع ما
روى في فضل الصيام لكان أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة والسلامة مما اتقاه مالك رضي الله عنه.
وَأَجَازَ مَالِكٌ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ
قال عليه الصلاة والسلام: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده".
قوال: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام.
ودخل على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "أصمت أمس"؟ فقالت: لا.
قال: "أتريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا.
قال: "فأفطري".
انفرد به البخاري، وانفرد مسلم بقوله:"لا تخصوا ليلة الجمعة" واجتمعا على ما سوى ذلك.
وخرج الترمذي وغيره عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقلّ ما كان يفطر يوم الجمعة، وصححه ابن عبد البر، وفي رواية الحافظ علي بن المفضل المقدسي: ما رأيته مفطراً يوم الجمعة.
أبو عمر: وروي عن ابن عمر أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مفطراً يوم الجمعة قط.
وذكره ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن ليث بن أبي سليم عن عمير بن أبي عمير عن ابن عمر قال: وروي عن ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه.
قال الحافظ: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [166/أ]: "من صام يوم الجمعة كتبت له عشرة أيام غر زهر من أيام الآخرة لا تشاكلهن أيام الدنيا".
انتهى.
وفي الموطأ: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهي عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه أنه كان يتحراه.
قيل: هو محمد بن المنكدر، وقيل: صفوان بن سليم.
وَوَرَدَ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ لا يُعَيِّنُ، وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ: الأَيَّام الْبِيض، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَابِسِيِّ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ
أي: ورد صوم ثلاثة أيام مطلقة ومقيدة، فروت عائشة رضي الله عنها، أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يبالي نم أي الشهر صام.
وروى أبو الدرداء: الأيام البيض.
وهي صبيحة ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر.
وروي أنه كان يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام وهو يشهد للقابس.
واختار بعضهم: الأول والحادي عشر والحادي والعشرين.
واستحب ابن حبيب وغيره صوم السابع والعشرين من رجب؛ لأن فيه بعث النبي صلى الله عليه وسلم والخامس والعشرين من ذي القعدة؛ لأن فيه أنزلت الكعبة على آدم عليه السلام ومعها الرحمة وثالث المحرم؛ لأن فيه دعا زكرياء ربه فاستجاب له.
الاعْتِكَافُ: قُرْبَةٌ
لم يبين ما رتبته في القُرَب، والظاهر أنه مستحب، إذ لو كان سنة لم يواظب السلف على تركه.
قال في الرسالة: و