التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 550-563
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ابن رشد: ورواية ابن القاسم أنها مفيتة.
وروى ابن زياد عن مالك في المدونة أن السلعة إذا فاتت بنماء أو نقص وجبت فيها القيمة.
الشيخ أبو محمد وغيره: هذه الرواية مخالفة لرواية ابن القاسم في أن حوالة الأسواق لا تفيت على هذه.
وقال جماعة: يحتمل أن يكون مراده في هذه المسألة حكم هذا البيع مع الفوت، لا بيان حكم ما يفيت هذا البيع.
وتكون الروايتان متفقتين، وعلى طريقة ابن أبي زيد مشى المصنف.
وكذلك اختلف في فهم رواية ابن القاسم أن القيمة في هذه السلعة المكذوب في ثمنها يوم القبض، ورواية ابن زياد أنها يوم البيع: هل ذلك خلاف على ظاهر الكلام، أو هما راجعان إلى شيء واحد؟ والمعنى يوم البيع، ومعنى رواية ابن القاسم أن القبض كان يوم البيع.
واختلف في هذه المسألة المكذوب في ثمنها إذا هلكت بيد البائع: هل يكون ضمانها من البائع، وإليه ذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، أو من المشتري وهو مذهب أبي عمران؟ وما يكال أو يوزن كالقائم يرد مثله في موضع القيمة يعني أن ما تقدم من التفرقة بين القيام والفوات خاص بالمقوَّم، وأما المثلي فإن فوات عينه كلا فوات، لقيام المثل فيه مقام العين.
وقوله: (يرد مثله في موضع القيمة) أي: في الموضع الذي كانت تجب فيه القيمة في المقوم.
ولو نقص غالطاً، وصدقه في الثمن، أو قامت بينة فعليه ما صدقه وربحه، أو يردها .... أي: لو غلط على نفسه فباعها بأقل مما اشتراها به، كما لو اشتراها بمائة وأخبر أنه اشتراها بتسعين فلا يصدق بمجرد دعواه، بل حتى يصدقه المشتري أو تقوم له بينة.
قال

في كتاب القسم من المدونة: أو يأتي من رقم الثوب بما يستدل به على الغلط، فيحلف البائع ويصدق.
وزاد الباجي: أو يرى من حال الثوب ما يدل على صدقه.
وقوله: (فعليه .... إلخ) أي: أن المشتري مخير بين أن يدفع الثمن الذي شهدت به البينة وربحه، وبين أن يرد السلعة.
فإن فاتت فالمشتري مخير بين إعطاء الصحيح وربحه، أو قيمتها ما لم تنقص عن الغلط وربحه .... أي: فإن فاتت بنماء أو نقصان.
ولم يجعل في المدونة تغير السوق مفيتاً كما في الزيادة، لأنه غلط على نفسه.
وحاصله أن له القيمة ما لم ينقص عن الثمن المغلوط به وربحه، ما لم يزد على الثمن الذي تبين وربحه.
وعارض ابن الكاتب هذه المسألة بمسألة تضمين الصناع إذا باع ثوباً فغلط فدفع غيره فقطعه المبتاع، فإنه قال: يرده ولا شيء عليه في القطع.
ولم يجعل القطع فوتاً كما جعل ابن القاسم في بيع المرابحة هنا.
وفرَّق هو بأن ثوب الكذب في المرابحة لو هلك بعد القبض ببينة لكان هلاكه من المشتري، وثوب الغلط لو هلك ببينة لكان هلاكه من البائع.
وهو يرجع في المعنى لما فرق به غيره: أن المسألة تضمين الصناع لم يجز فيها بيع، والبائع سلط المبتاع فلم يكن عليه شيء، بخلاف القطع في بيع المرابحة فإنه وقع في بعض ما وقع العقد عليه، وانتقل الملك فيه إلى المشتري.
وتقويمها يوم قبضها، وقيل: يوم البيع الضمير في: (وتقويمها) يحتمل أن يعود على السلعة المغلوط فيها.
والقول بتقويمها يوم القبض مذهب الموطأ، وتقويمها يوم البيع مذهب المدونة، لأنه صحيح على ما تقدم ويحتمل أن يعود على التي زاد فيها أو نقص فيعم الصورتين.

ابن عبد السلام: وأشار غير المصنف إلى أن الخلاف في مسألة الغلط مخرج من مسألة الكذب، لأنه منصوص.
ولفظ الأرض يشمل الأشجار والديار ونحوها ولفظها يشملهما يعني: أنه إذا باع شخص أرضاً بكذا ولم يزد فإنه يتناول ما اتصل بها من بناء وشجر، وكذلك لو باع البناء والشجر اندرجت في العقد للعرف، ونحو الديار الآبار والعيون والمطامير.
ولا يندرج المأبور والمنعقد إلا بشرط يقال: أبرت النخل بفتح الباء مخففة، آبر بضم الباء أبراً وإباراً مخفف فهي مأبورة.
وأبَّرتها مشدد الباء أؤبرها تأبيراً مشددة فهي مؤبرة، وتأبرت النخل وائتبرت.
واختلف في معناه: ففي الإكمال: هو تعليق طلع الذكر في الأنثى، لئلا يسقط ثمرها وهو اللقاح.
ونحوه في الجواهر، قال: يقال: أبر فلان نخله، أي: لقحه وأصلحه.
ثم قال: وتأبير النخل تلقيحه.
وقال ابن حبيب: الإبار: شق الطلع عن الأنثى.
وقوله: (ولا يندرج المأبور) يريد: إذا اشترى النخل، وكذلك لو اشترى الأرض والنخل فإنه لا يندرج في ذلك الثمرة المأبورة والمنعقدة، وقاله ابن الجلاب.
وأفتى ابن الفخار وابن عتاب باندراج الثمرة وإن أبرت وطابت، قالا: لأن الشجر أنفسها تندرج وإن لم تشترط، وإذا أدخلت الأصول فالفروع أولى.
وما قالاه هو القياس، لكن المنصوص لمالك خلافه، ودليله ما في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((من ابتاع نخلاً قد أبرت فثمرها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع)).
والتأبير خاص بالنخل، [489/ب] وما له زهر ثم ينعقد بانعقاده كإبار النخل، ولذلك عطف المصنف المنعقد على المأبور.
وما لا زهر له يعتبر فيه أن تبرز جميع الثمرة عن موضعها وتتميز عن أصلها، فهو بمنزلة التأبير فيها.

وفهم من كلامه أن الثمرة غير المأبورة تابعة، واختلف إذا اشترطها البائع لنفسه قبل الإبار، فقيل: لا يجوز ذلك.
وقيل: يجوز.
اللخمي: وهو الصحيح من المذهب بناء على أنه مبقى على ملكه.
فإن تأبر الشطر فله حكمه أي: ما أَبَّر للبائع وما لم يؤبر فللمبتاع.
وألحق في الواضحة والموازية ما قارب الشطر به.
وقال محمد بن دينار: ما أبر تبع لما لم يؤبر، فالكل للمبتاع.
وقال ابن القاسم: يقال للبائع: إما أن تسلم جميع الثمرة، وإلا فسخ البيع ولو رضي المبتاع بالنصف.
هكذا حكى الباجي هذه الأقوال.
قال: وهذا إذا كانت الثمرة المأبورة متميزة، بعضها أبر وبعضها لم يؤبر، وأما إن كانت الثمرة حين تأبيرها وكان في سائر الثمار قد ظهر بعض الثمرة وبعضها لم يظهر، فرأى ابن حبيب أن ذلك للبائع، ورأى ظهور بعضها كظهور جميعه أصله الإزهاء.
وروى ابن المواز أن ذلك لا يجوز، إلا أن يشترط المبتاع الثمرة، ورأى أنه لما لم تؤبر لا يجوز أن يشترط البائع ما لم يؤبر، فلم يبق إلا أن يشترط المبتاع نصيب البائع.
وحملها ابن رشد على خلاف هذا فقال: الأقل تباع للأكثر شائعاً أو غير شائع، فإن لم يكن أحدهما تبعاً وكانا متناصفين أو متقاربين، فإن كان ما أُبِّر على حدة وما لم يؤبَّر على حدة فللبائع ما أُبِّر وللمبتاع ما لم يؤبَّر، على ما قاله المخزومي، وإن كان ذلك شائعاً في كل نخله فأربعة أقوال: أحدها: أن الخيار للبائع، إما أن يسلم الحائط بثمرته للمبتاع، وإلا انفسخ البيع.
وهو قول ابن القاسم.
الثاني: أن البيع يفسخ على كل حال، إلا أن يكون وقع بشرط أن تكون الثمرة للمبتاع.
وهو قول ابن القاسم وسحنون فيما حكى الفضل.

الثالث: أنه كله للمشتري.
وهو قول ابن دينار.
والرابع: أنه كله للبائع.
وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وذكرها ابن زرقون على نحو ما ذكره ابن رشد، وذكر أن الباجي لم يحسن تحصيل هذه المسألة.
وذكر ابن القطان أن الذي به القضاء أن البيع لا يجوز إلا برضا البائع بتسليمه الجميع للمبتاع.
ابن العطار: أو يرضى المبتاع بتسليمه للبائع.
وإن تأبر الأكثر حكم بحكمه للجميع هذا قول مالك الذي عليه أكثر أهل المذهب، وروي عنه أنه مثل ما لو تَأَبَّر الشطر.
ولكليهما السقي ما لم يضر بالآخر قال ابن راشد وشيخنا وغيرهما: يعني البائع والمشتري، أي: حيث يحكم بالثمرة للبائع بانعقادها أو بإبارها فله السقي ما لم يضر بالمشتري، ولمشتري الأصول سقيها ما لم يضر بثمرة البائع.
وقال ابن عبد السلام: كل واحد من صاحبي المأبور والمنعقد السقي ما لم يضر ذلك بالمشتري.
ومعناه: إلى الوقت الذي جرت العادة أن تجد الثمرة فيه.
وانظر لو تقابل الضرران فإني لم أر لأصحابنا فيها شيئاً، وللشافعية فيها ثلاثة أقوال: هل يقدم البائع أو المشتري، لأن البائع قد التزم سلامة الأشجار له، أو يتساويان فيفسخ العقد لتعذر التسليم إن لم يصطلحا.
نعم تكلم علماؤنا فيمن يلزمه السقي، فقال مالك في الموازية: هو على البائع حتى يسلم الأصل لمشتريه، وقال المخزومي في بائع النخل دون الثمرة أن السقي على مشتري الأصول.

فرع: فإن اشترط المبتاع بعض ما أبر أو بعض ما خرج من الزرع لم يجز على المشهور، لأنه قصد بيع الثمار قبل بدو صلاحها، بخلاف اشتراط بعض ما أزهى وبعض ما يبس من الزرع.
وقال أشهب: يجوز اشتراط بعض ذلك كاشتراط الجميع.
ولو كان المبيع فدانين واشترط زرع أحدهما لم يجز عند ابن القاسم، وقيل بالجواز على مذهبه، لأنه لو أفرد كل فدان بالبيع واشترط زرعه جاز، حكاه في الطرر.
ولا تشمل الأرض الزرع الظاهر.
وفي الباطن روايتان اختلف في إبان الزرع، فروى أشهب أنه ظهوره من الأرض، ورواه ابن القاسم، وروى عنه ابن القاسم أيضاً هو أن يفرك، وروي عن مالك في الأسدية أنه خروجه من يد باذره.
ولا الحجارة المدفونة على الأصح يعني: أنه إذا باع أرضاً فوجد حجراً أو رخاماً أو أعمدة، فالمعلوم من مذهب ابن القاسم أنه لا حق في ذلك للمبتاع وهو البائع.
وذهب سحنون وابن حبيب وابن دينار إلى أنها للمبتاع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبية.
وقيد صاحب البيان هذا الخلاف بالمجهول الذي لا يعلم صاحبه، وأما إن ثبت أن ما وجد في الأرض مغيباً من متاع البائع، أو من متاع من ورثه عنه، فلا خلاف أنه له.
وكذلك إن علم أن ما وجده أحد الورثة في حصته أنه لموروثهم، فهو بينهم بلا خلاف.
وكذلك إذا ثبت أن البيت أو الجب الموجود تحت الأرض كان البائع عمله ونسيه فلا خلاف أن للبائع أن ينقض البيع، ولمن لم يوجد ذلك في حظه أن ينقض القسمة.

والدار تشمل الثوابت كالأبواب، والرفوف، والسلم المسمر أي: إذا باع داراً فإنها تشمل الأشياء الثوابت، فالثوابت جمع ثابت كالأبواب والرفوف وهو ما تعلق عليه الأثواب، [490/أ] وكذلك الطاقات.
واشتراطه في السُّلَّم أن يكون مسمراً يقتضي أنه لو كان غير مسمر لكان للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، وهو قول ابن عتاب.
وألحقه ابن العطار وابن زرب بالمسمر، واحتج له ابن سهل بقول ابن القاسم فيمن اكترى من رجل منازل سنة وفيها علو وليس لها سلم، فقال المكتري لصاحب المنزل: اجعل لي سلماً، فتوانى حتى انقضت السنة، فقال: ينظر إلى ما يصيب ذلك العلو من الكراء فيطرح.
ورده صاحب البيان بأن الكراء يتضمن التمكين من الانتفاع، ولا يتوصل إليه إلا بسلم، فإذا لم يجعل له سلماً لم يحصل التمكين، وأما الشراء فيتضمن التمكين من ذات المبيع وقد حصل.
وليس شرط التمكين من الذات دفع السلم، وإلا وجب على البائع أن يأتي بسلم إن لم يكن.
وهذا لم يقله ابن العطار.
واحترز المصنف بالثوابت مما ينتقل كالحبل والدلو فإن ذلك خارج.
ابن عتاب: وتندرج المطحنة المبينة.
وقال ابن العطار: السفلية فقط.
فرع: ولو كان في الدار جرار ونحوها فأراد البائع إخراجها ولم يسعها الباب، أو كان فيها بعير صغير فكبر ولم يخرج من الباب، فقال ابن عبد الحكم: ليس على المبتاع قلع الباب، ويذبح هذا بعيره ويكسر جراره.
ونزلت بإشبيلية وكتب بها إلى القيروان، فقال أبو عمران: الاستحسان أن يهدم الباب ويبينه البائع إن لم يبق بعد البناء عيب، وإن بقي بعده عيب ينقص الدار قيل للمبتاع: ادفع قيمة الجرار، فإن أبى قيل للبائع: أنزله وأعطِ قيمة العيب، فإن أبى تُرِكا حتى يصطلحا.

وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إن علم المبتاع بها ووقع الشراء على أنه للبائع لزمه إخراجها، وإن لم يعلم وكان الذي يهدم لها يسيراً هدمه وأصلحه.
والعبد يشمل ثياب المهنة التي عليه دون ماله إلا باشتراطه يعني: أن إطلاق لفظ العبد يشمل الثياب التي يمتهنها في خدمته بحكم العرف، وكذلك الأمة، بخلاف الرفيعة.
فرع: واختلف إذا اشترط البائع ثياب المهنة: هل يوفى له بالشرط، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم، وصححه ابن رشد وذكر أن به مضت الفتوى، أو يبطل شرطه، وهو رواية أشهب عن مالك؟ ابن مغيث في وثائقه: وبه مضت الفتوى عند الشيوخ.
فائدة: ذكر المتيطي وغيره ست مسائل قال مالك فيها بصحة البيع وبطلان الشرط: الأولى: هذه على ما ذكر ابن مغيث.
الثانية: من اكترى أرضاً بزرع أخضر على أن الزكاة على البائع.
الثالثة: البيع على ألا مواضعة على البائع.
الرابعة: ألا عهدة عليه.
الخامسة: على أن المبتاع إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا، وإلا فلا بيع بيننا.
السادسة: إذا اشترى الثمرة على ألا قيام له بجائحة، خلافاً لما في السليمانية أنه يوفى بالشرط.
هكذا نقل ابن عبد السلام.
ونقل اللخمي عن السليمانية أن البيع فاسد قال: وقال ابن شهاب: البيع جائز والشرط جائز.
خليل: ويزاد على هذا إذا اشترط المشتري ما لا غرض فيه ولا مالية فإنه يلغى كما تقدم.
وذكر ابن لبابة عن مالك في: "إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا" ثلاثة أقوال:

أحدها: ما تقدم.
والثاني: صحة البيع والشرط.
والثالث: فسخ البيع.
وفرق في الدمياطية بين: إن جئتني، وبين: إن لم تأتني.
وإن قال: "أبيعك على إن جئتني بالثمن فالبيع بيني وبينك" فالثمن حال كأنه رآه بيعاً ثانياً، وإنما يريد فسخه بتأخير النقد.
وإن قال: "إن لم تأتني بالثمن" فكأنه لم ينعقد بينهما بيع، إلا أن يأتيه فلا يجبر على النقد إلا إلى الأجل.
وقوله: (دون ماله إلا باشتراطه) لما صح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رضي الله عنه: ((من باع عبداً فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)).
وبيع الثمار ونحوها قبل بدو صلاحها على القطع يصح قوله: (ونحوها) أي: من الزرع، والمقاتي، والمباطيخ، النوار كالورد.
وقوله: (على القطع) أي: في الحال أو قريباً منه، ولا يؤخرها إلى زمان تزيد فيه.
وقيده اللخمي بثلاثة شروط: الأول: أن ينتفع به، لنهيه عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال.
ثانيها: أن تدعو إلى ذلك حاجة، وإلا كان من الفساد.
وثالثها: ألا يتمالأ أهل البلد على ذلك، لئلا يعظم الفساد.
وعلى التبقية يبطل وبيعها على شرط التبقية باطل، لما في الموطأ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل له: يا رسول الله وما تزهي؟ فقال: ((حتى تحمر أو تصفر)).

وفي الصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع النخل حتى تزهي، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري.
فإن أطلق فظاهر المدونة يصح، وقال العراقيون: يبطل أي: لم يشترط القطع ولا التبقية، فظاهر المدونة: يصح، لقوله في البيوع الفاسدة: ومن اشترى ثمراً فجذه قبل إزهائه فا فالبيع جائز إذا لم يشترط تركه إلى إزهائه.
ووقف مع هذا الظاهر ابن محرز وعبد الحميد واللخمي وغيرهم من المتأخرين، ورجحوه بأن مقتضى العقد المناجزة في الثمن والمثمون، والتأخير فيهما أو في أحدهما لا يكون إلا بشرط أو عادة.
ومذهب العراقيين البطلان، [490/ب] وهو المذهب عندهم.
الباجي والمتيطي: وهو المشهور عن مالك، وتأول ابن أبي زيد المدونة على ذلك، لأنه تأولها على أنه اشترط الجذ.
واختار اللخمي أن يستدل على الجذاذ والتبقية بقلة الثمن وذكرته، إذ ثمن ما على القطع أقل.
فرع: إذا وقع العقد على التبقية فسخ، والثمرة من ضمان البائع ما دامت في رؤوس النخل، فإن جذها المبتاع رطباً رد قيمتها، وإن جذها ثمراً رده بعينه، وإلا رد مثلها.
وكذلك يفسخ إذا بيع على الإطلاق، وقلنا أن ذلك يقتضي التبقية.
وبيعها لمشتري الشجر يصح على الأصح يعني: أنه اختلف فيمن اشترى نخلاً مأبورة، وقلنا: إن الثمرة للبائع، هل يجوز للمشتري أن يشتري الثمرة؟ الأصح وهو المشهور: الجواز، كبيع الخلفة بعد شراء الأصل، وكاشتراء الأرض فيها زرع لم يبد صلاحه مجردة من الزرع، ثم اشتراه، وكبيع مال العبد في عقد ثان بناء على أن اللاحق للعقد واقع فيه أم لا.
وحكى بعضهم في مسألة المصنف وفي مال

العبد أربعة أقوال: هذين القولين، والثالث: الجواز في الثمرة دون مال العبد.
ورواه أشهب أيضاً وقال به.
والرابع: يجوز ذلك بحدثان العقد، رواه أصبغ عن ابن القاسم.
يحيي: وحد العبد في ذلك عشرون يوماً.
قال بعض الشيوخ: ولو جذ الأصل ثم اشترى الخلفة فلا يجوز اتفاقاً، لأنه يشتريها غير مستندة إلى شيء، وهذا يأتي في العبد إذا اشتراه فمات أو أعتقه أو باعه، ثم أراد بعد ذلك أن يشتري ماله، فلا يجوز باتفاق، وكذلك النخل والأرض إذا باعها على الإطلاق، ثم أراد أن يشتري زرع الأرض أو ثمرة النخل.
فاعلمه.
وبعد بدو الصلاح يصح ما لم يستتر نحو البزر من الكتان أي: ويجوز بيع الثمار بعد بدو الصلاح منضمة إلى الأصل ومفردة على القطع أو التبقية، لكن بشرط ألا تستتر في أكمامها كبزر الكتان مجرداً عن أصله، وكالحنطة مجردة عن سنبلها، والجوز واللوز مجرداً عن قشرة على الجزاف.
الباجي: ولا خلاف فيه وهو ظاهر، لأنه بيع مغيب.
وفي بعض النسخ: (ما لم يستثن) أي: ما كان من الحبوب مستتراً، وعليه تكلم ابن عبد السلام فقال: قوله: (ما لم يستثن) يظهر منعه على القول بأن المستثني مشترى لانتفائه عن ملك البائع، ويجوز على القول بأن المستثنى مبقى.
والنسخة الأولى أصوب، وهي التي تكلم عليها ابن راشد وغيره.
ويلزم من الثانية مخالفة المشهور فقد قال المتيطي: ويجوز لبائع الثمرة أن يستثني جزءاً شائعاً منها قليلاً كان أو كثيراً، لأن البيع لم يتناول الجزء المستثني، هذا هو المشهور من المذهب.
وقال عبد الملك: لا يجوز استثناء الأكثر، ويجوز في النصف فأقل.
وبدو الصلاح في بعض حائط كاف وفي المجاورة في الجنس الواحد إذا كان طيبه متلاحقاً، وقيل: في حوائط البلد أي: لا يشترط عموم بدو الصلاح في كله، بل يكتفي أن يكون في بعضه، أو في بعض حائط مجاور له، ولو كانت شجرة واحدة بشرط ألا تكون باكورة.

ولذلك قال: (إذا كان طيبه متلاحقاً).
واحترز بقوله: (في الجنس الواحد) من الجنسين فلا يباع جنس بطيب آخر.
فإن كان الجنس الذي لم يطب تبعاً لما طاب، فقيل: يجوز.
ومنعه سحنون، لعدم الضرر في تأخيره.
والقول بأنه يجوز بيع جميع حوائط البلد ببدو الصلاح في حائط منها لابن القصار، وإن لم تكن مجاورة.
وزاد ابن رشد قولاً آخر: أنه لا يجوز بيع الحائط حتى يعمه الزهو.
قال: وما استعجل زهوه من الثمار لعارض وسبب من مرض في الثمرة وما أشبه ذلك، فلا اختلاف أنه لا يبيح له بيع ذلك الحائط.
وصلاحها: زهوها وظهور الحلاوة فيها لما في الصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الزهو فقال: ((أن تحمر أو تصفر)).
فإن قلت: الزهو يغني عن الحلاوة، لأنها لازمة له، قيل: إن الواو في كلامه للتنويع، أي: الزهو خاص بالثمرة، وظهور الحلاوة عام به وبغيره.
وفي كلام المصنف نظر، لأن قوله: (وظهور الحلاوة) لا يعم، لأن بعضها قد لا تظهر فيه الحلاوة كالموز فإنه يباع في شجره.
قال ابن المواز: لا يباع حتى ينزع.
الباجي: يريد إذا بلغ مبلغاً إذا نزع عن أصله تهيأ للنضج.
قال: وبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه.
وكذلك بدو الصلاح في العنب الأسود أن ينحو إلى السواد، وفي الأبيض أن ينجو إلى البياض مع النضج.
والهاء في (صلاحها) للثمرة.
وفي البقول وشبهها بإطعامها أي: وبدو الصلاح في البقول بإطعامها، أن ينتفع بها في الحال.

الباجي: وأما الجزر واللفت والثوم والبصل فبدو صلاحه إذا استرق ورقه وتم وانتفع بها، ولم يكن في قلعه فساد.
وقصب السكر إذا طاب سكره.
والبر والفول والجلبان والحمص إذا يبس ذلك.
قال: وعلى هذا عندي حكم اللوز والجوز والفستق.
وأما الورد والياسمين فبأن تنفتح أكمامه ويظهر نوره.
والقصيل والقضب والقرط إذا بلغ أن يرعى دون فساد.
وفي الزيتون أن ينحو إلى السواد.
وفي القِثَّاء والفقوس أن ينعقد ويوجد له طعم.
واختلف في البطيخ، فقال ابن حبيب: صلاحه إذا نحا ناحية الاصفرار، لأنه الغرض المقصود منه.
وقال أشهب: أن يكون فقوساً، وأما الاصفرار فلا.
أصبغ: فقوساً [491/أ] قد تهيأ للتبطخ، وأما الصغير فلا.
فرع: فإن بيع الفول والحنطة أو العدس أو الحمص بعد أن أفرك وقبل يبسه، ولم يُشترط قطعه ولا إبقاؤه، فقال ابن عبد الحكم: يفسخ كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
وقال ابن القاسم: يفوت باليبس ويمضي.
وفي المدونة: أكرهه، فإذا وقع فات فالأولى أن يفسخ.
الشيح أبو محمد: معناه يفوت بالقبض.
وفي الموازية: إن نزل لم أفسخه.
وظاهره أنه يمضي بمجرد العقد.
وما يخلف كالياسمين فللمشتري لا إشكال أن ما لا يخلف إذا بيع يتناول جميعه، ولهذا لم يتعرض المصنف له.
وأما ما يخلف فإن تميزت بطونه فلا تدخل الخلفة إلا بشرط.
ابن حبيب: ولا يجوز اشتراطها إلا في الأرض المأمونة، أرض النيل وشبهه، وأما المطر فلا يجوز اشتراط خلفتها، إذ قد لا تمطر فلا يكون له خلفة.
وإن لم يتميز بطونها كالياسمين والخس والبطيخ والمقاتي، وله آخر، فأجاز مالك بيعه للمشتري في جميع تلك الغلة إلى آخرها.

قال في المدونة: ولا يجوز اشتراء ما تطعم المقاتي شهراً، لاختلاف الحمل فيه في قلة الحر وكثرته.
فإن استمر كالموز فلابد من الأجل أي: إن كان ما يخلف ليس له إبان ينتهي إليه- كالموز- فلا يجوز بيعه إلا بضرب الأجل، وهو غاية ما يمكن.
قال مالك: ويجوز اشتراط خلفته السنتين، وقال ابن نافع: لا يجوز إلا السنة ونحوها.
تنبيه: وقع في نسخة ابن راشد هنا زيادة مسألة نصها: ولو كانت الأشجار تطعم بطنين ففي بيع البطن الثاني ببدو صلاح الأول قولان، مشهورهما المنع بناء على أن البطن الثاني تبع للأول فيجوز بيعه بصلاح الأول، أو مستقل فلا يجوز.
وكذلك قال الباجي: المنع ظاهر المذهب.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل